المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ألان كابرو ... صنع أحداثا صاخبه ومات بصمت


مؤيد منيف
10-02-2007, 02:29 PM
ألان كابرو الفنان الذي جعل من جسده مادة لتحول جمالي

صنع أحداثا صاخبة غير أن موته مر بصمت

http://www.asharqalawsat.co m/2007/02/07/images/art.405226.jpg
استوكهولم: فاروق يوسف





كان مبتكراً مجنوناً، وباحثا أبدا عن معنى آخر للرسم غير ذاك الذي يؤطر ويعلق على الجدران، ونجح في تمرده حتى صار نجم الملتقيات ورائد مرحلة وصاحب مدرسة، غير أن الزمن تجاوزه بسرعة، وبدا وهو يرحل وكأن العقوق لا يوفر حتى الكبار.
رحل ألان كابرو، وكان لموته أن يحدث صدى كبيرا لو أنه وقع قبل عقد من الزمن على الأقل. فهذا الفنان الأميركي الرائد تجاوزته الأحداث وصار نسيا منسيا. أما في السنوات الفاصلة بين عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، فكان الرجل (ولد عام 1927) نجم الملتقيات الفنية، بسبب ما حمله من اقتراحات جمالية أخرجت الفن من سياق أنواعه التقليدية (الفن والنحت) وجعلته نوعا من النشاط الانساني، الذي يكون الجسد البشري مادته الاساس. فما سمي بـ«فن الحدث» كان عبارة عن فعالية يؤديها الفنان أو سواه بإشرافه أمام الجمهور مباشرة، لتعلق مفاجأتها الاستعراضية في ذهن المتلقي، ولتتحول فيما بعد الى أفكار. بالنسبة لكابرو كانت «الفكرة هي الماكينة التي تنتج الفن»، كما قال الفنان سول لويت فيما بعد. وكان ذلك الاقتراح هو أساس الفن المفاهيمي الذي انطلق علنا منتصف الستينات مع عمل جوزيف كوست «ثلاثة كراس وكرسي واحد». أول أعمال كابرو التي تنتمي الى أسلوبه الذي عرف به قدمه عام 1959 في قاعة روبن بنيويورك كان يحمل عنوان: «18 حادثة في 6 مقاطع»، ومن هذا العنوان اشتقت تسمية الفن الذي اقترحه. أما كابرو نفسه فإنه لا ينكر تاثره العميق بسلوك الرسام الأميركي جاكسون بولوك. كان ذلك السلوك علامة فارقة في تاريخ الرسم برمته. فبولوك في حقيقته لم يكن يرسم بقدر ما كان يهرول حول قماشة اللوحة المرمية على الأرض وفي محيطها وهو يرش الاصباغ بأسلوب هذياني. وصف كابرو ذلك السلوك بأنه «ينقطع عن كونه رسما ليكون جزءا من المحيط». لقد اخترع بولوك فن الفعل الذي هو بالنسبة لكابرو هو نوع من الدربة الجسدية المستقلة عما يمكن أن ينتج عنها. لقد الهمه جسد بولوك وهو يتحرك قطيعة عن الرسم هيأته للتفكير بما هو أبعد من كل محاولة للرسم.
منتصف الخمسينات تعرف كابرو على جون كيج (1921 ـ 1992) الموسيقي والرسام الاميركي، فيما بعد سيكونان زميلين في حركة فلوكسس (1962 ـ 1970). كان كيج يومها وهو الموسيقي الطليعي مهتما باكتشاف علاقات جديدة بين الصوت والفضاء، متأثرا بأفكار ومقولات انتونان ارتو. يومها أدرك كابرو أن في امكانه أن ينجو بأعماله من الجدار الذي تحتله اللوحات. صار الفراغ هو الحيز الذي تتحرك فيه افكاره، مثلما جسده، بل صار جسده هو المادة التي تساعده على استخراج تلك الافكار المتمردة. في مقالة مهمة بعنوان «سنة موت بولوك» كتبت عام 1956، ونشرت بعد سنتين بقلم توماس هيس، يقول كابرو «أن بولوك كان مهماً جداً او لأقل هو الأهم في تأثيره من جهة المواد، التي لم تستعمل من قبل في الفن، والتي تجعل الفنان جزءاً من عمله ومصدر اثارة فيه». كان كابرو إنما يقصد في كلامه الاشارة الى جسد الفنان بصفته مادة مثيرة اطلق من خلالها بولوك العنان لخيال غير متوقع. «كل الزوار يصبحون جزءاً من ذلك المحيط»، يقول كابرو وهو يقصد محيط العمل الفني، ذلك لأنه صار يؤلف أعماله من مزيج من الأصوات المختلفة والدمى والنواقيس. عناوين الأحداث التي صنعها كابرو تدل على ما انطوت عليه من توتر وانفعال آنيين. «اترك أثرك في العالم» و«قطط مستنسخة» و«غير ملابسك» و«أدفع وأسحب» و«ضياع القبلات». كان كابرو في كل استعراضاته الجسدية انما يستعيد روح الاتجاه الدادائي في الفن التي أحياها بولوك في الفن الاميركي. تلك الروح التي عبرت عن نشوتها بمفهوم «ضد الفن» في حانة فولتير بزيورخ عام 1916. وكان الدادائيون يومها قد قدموا نوعا من الاستعراض الجسدي الذي يعلي من شأن السلوك الآني بكل ما تنفتح عليه تلقائية ذلك السلوك من مفاجآت.
لعب الآن كابرو دورا رائدا في التقريب ما بين الفن الطليعي والثقافة الشعبية، وهو في حقيقته انما كان يبحث عن تجليات الـ«لافن» في الحياة العادية، وهو المفهوم الذي عبر عنه بقوله «الفن الذي لا يستطيع أن يكون فنا». وبهذا يلعب الفنان دور المكتشف الذي يستخرج الجمال من مادة لم تكن أصلا موجودة لهذا الغرض. لقد تقدم كابرو مثل ساحر، جيلا من الفنانين الاميركيين: روبرت روشنبرغ وكلاس اولدنبوري وجيم دين وسواهم ليكون واحدا من أهم دعاة الدادائية الجديدة بصيغتها الامريكية. الصيغة التي مهدت لولادة الكثير من الاتجاهات الفنية لا في امريكا وحدها، بل وأيضا في اوروبا. وهي الاتجاهات التي صارت تعتبر الفكرة التي ينطوي عليها الفعل الفني أو يطرحها أكثر أهمية من الموضوع. لقد استولت الأفكار على أمزجة الفنانين، فصار الفن فضاء ساخنا وقوده الافكار. الارتجال الذي عبر عنه كابرو في عروضه صارت مفرداته عناوين لتحولات فنية كبيرة صنعت جوهرا بديلا لمفهوم الفن، كما عرفناه من قبل. لقد صنع كابرو أحداثا كثيرة في حياته، أحداثا شغلت حيزا عظيما في مسيرة الفن خلال العقود الأخيرة، غير أن موته لم يكن حدثا، ذلك لأن الكثيرين لم يتوقعوا أن ذلك الدادائي العريق لا يزال حيا.




منقول عن جريدة الشرق الأوسط (الاربعـاء 19 محـرم 1428 هـ 7 فبراير 2007 العدد 10298 )
http://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10298&article=405226 (http://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10298&article=405226)



ولكم تحياتي

مؤيد منيف