مؤيد منيف
05-02-2007, 10:23 AM
«أعمدة السلطة» معرض لميراي حنين في بيروت ... الفن لغة احتجاجية في زمن المواجهة
بيروت - مهى سلطان الحياة - 03/02/07//
http://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070202-83bfee99-c0a8-10ed-0133-5b86ee0963dd/story.html (http://www.mnaabr.com/vb/redirector.php?url=h ttp://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070202-83bfee99-c0a8-10ed-0133-5b86ee0963dd/story.html)
http://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070202-83bfee99-c0a8-10ed-0133-5b86ee0963dd/joumhour_18.jpg_200_-1.jpg
«جمهور مأسور» تجهيز من المعرض معرض جريء يشهد على بيروت هذا الزمن، من وجهة نظر فنية نقدية غير محايدة، تقيمه الفنانة التشكيلية ميراي حنين، في غاليري جانين ربيز وعنوانه «أعمدة السلطة»، وفيه تعبر عن أفكارها ومواقفها بحرية وصوت عالٍ، طالع من جراح المتألمين والخائفين والقلقين على مصير لبنان من الوقوع في شبح الحرب. ولئن كان الفن أداة، فهو أمسى للفنانة شريكاً في الحياة ومدعاة لاستنطاق الأفكار والنزعات العاطفية والاندفاعات التي وجدت تلقائياً بالمواد البسيطة والجاهزة للاستعمال: «الريدي- ميد» Ready-Made، طريقها الأسرع للتعبير والاحتجاج، فقطفت مشاعرها الساخنة، وانتقاداتها اللاذعة إزاء حرب تموز (يوليو) وتداعياتها السياسية والاجتماعية والإيديولوجية الراهنة.
مع الحدث يوماً بيوم ولحظة بلحظة، من باريس حيث تعيش وتعمل، مسمّرة على شاشة التلفزيون، طوال ثلاثة وثلاثين يوماً من حرب «تموز» تتعقب بألم أحداث الحرب الإسرائيلية على لبنان، وما خلّفته من مواقف وصراعات في الساحة السياسية ومن انقسامات واصطفاف مذهبيّ وطائفيّ. ووجدَت أن المرحلة العصيبة من القتل والتدمير وتقطيع أوصال الوطن، لم تُنتج حالاً وفاقية، بل كرست البنية الضعيفة والهشة للكيان اللبناني القائم على أعمدته الثلاثة.
هكذا جسّدت رمزياً النزاع بين فريقي السلطة والمعارضة، متحدثة في خطاباتها الأربعة المرفقة بأعمالها التجهيزية، عن التشنج اللاإنساني وخلو الديموقراطية من معناها والعدوانية بين الأطراف، إضافة الى الخوف والقلق من ظاهرة ذوبان الفرد في الجماعة في نسق حزبي من لون واحد. فالرؤية من بعد، على مسافة من أرض الحدث، لا تخلو من العذاب الذي لا ملاذ له إلا بالاندفاع للتعبير عنه، فوجدت ميراي في فن التجهيز، لغة اعتراضية تعبر عن رؤاها الانتقادية الساخرة والتهكمية، لما يعصف بحال الجماعة، ومفهوم التظاهر أو الحشد الجماهيري في التفافه حول الزعيم، وما ينتج من خطابه من تهليل وتلويح بالأيدي تأييداً.
في أربعة أعمال تجهيزية، تتنوع الموضوعات إيحاءً وترميزاً، غير أنها يترابط بعضها ببعض، في سياق درامي تصاعدي - اتهامي. ثمة قاسم مشترك بينها هو الفراغ. فالعلاقة بين الشكل والفراغ، بين المعنى وأدواته ومواده البسيطة وسبله المرئية، تتوزع على أربعة «نُصُب» مكانية، تندرج تحتها رسائل تفيد عن مجريات اليوم والغد وبعد الغد. من الترقب إلى الاستدلال ثم الاستنتاج الذي يحفز العمل التشكيلي. وهنا يتماهى فن الفكرة أو الفن المفهومي مع نوع كهذا من التجهيز والإنشاء الموجّه الذي يستوعبه البوب - آرت. رسائل مشفوعة بالعاطفة والنقمة والانتقاد والسخرية، مجبولة بالعطف على وطن جريح مهدد بالضياع.
«جمهور في الأسر»، هو التجهيز الأهم الذي نفذته حنين بمنطق مسرحي ذي سمة عبثية، توحي بطريقة استخدام الشارع وسيلة للضغط، حيث يرى زائر المعرض، سترات من الخلف معلقة (على هياكل من الصلب)، في تعبير عن الاصطفاف الجماهيري الذي يقف رهينة إشارةٍ من الزعيم الذي يرتقي منصة في المقام الأعلى. سترات لا تستر شيئاً، بل تحمل صدى الفراغ، اتخذت خداعاً طيات الأجسام النمطية التي عليها أن تملأها بالحركات التي تؤديها. غير أن الأجساد غائبة وكذلك الرؤوس والعقول، لكنها ترفع كلها إشارات التأييد والنصر للزعيم في مشهد سينوغرافي نموذجيّ من مشاهد بعض الزعماء اللبنانيين.
فالهتاف يخلو من المعاني في تبعيته، والخطاب هو «كلام فارغ» يضيع في الهواء. ولذلك استغلت ميراي الهواء كفراغ محيط بالأشكال، كي تعلّق على السقف والجدران، شعارات فارغة من المضمون على مربعات شفافة، بغية السخرية من اللغة المتخشبة التي تسود وتهيمن على عقل الجمهور الأسير. ونثرت الرسامة حبات رمان كثيرة أرضاً تحت أقدام «نصبها»، إيماءً بالواقع المتفجر، الذي تنذر به هذه المواقف التصعيدية والعواصف العدوانية. هكذا تفرّغ ميراي حنين، خطاب تعبئة الجماهير من مضمونه، كي تركّز على نتائجه في حين أن الكل يرتدي القناع.
في تجهيز ثانٍ تدافع ميراي حنين عن «دمعة السنيورة التي أراقت الكثير من الحبر». فقد أثارتها عبارات الحب للبنان من رئيس أخلص لوطنه في محنته، وأثارتها أيضاً عَبرته التي أضحت رمزاً للجرح. وفي تلقائية وجدت ميراي أن التعبير عن هذه الدمعة ممكن عبر حبات من الكريستال تتدلى مثل الثريا من السقف، وقد حملت في داخلها ألوان العلم اللبناني، تعبيراً عن تلك «اللحظة الوطنية» التي أسرتها وجمدتها في ترفّعها.
أما التجهيز الذي حمل المعرض اسمه فهو يتمثل في اتهام السلطة بأعمدتها الثلاثة بالفراغ. لذلك تجوفت الأعمدة من الداخل، بينما جدرانها الخارجية لا يمكن التوكّؤ عليها، إذ انها بعيدة كلياً من الصلابة. فالعمود هو مجرد شكل اسطواني مؤلف من حبال شفافة تحمل قطعاً من الفلّين (الموصوف بالخفة) المرصوفة بعضها الى جانب بعض. ومن فراغ أعمدة السلطة إلى فراغ العقل وشغوره في تجهيز «غاسلي الأدمغة». وتبدو الرؤوس أسفنجية تمتص من دون أي تحكّم منهـا أو تفكير، فتظهر متشابهة في النسق والسلوك والطاعة العمياء.
تمتلك ميراي حنين لغة فنية بسيطة في التعبير عن وقائع جسام، بلغة تنم عن إحساسها بقوة الفضاء وانعطافات الحركة داخل المكان. وتدرك أيضاً قيمة المادة الجاهزة، بخاماتها وألوانها وقابليتها للتوظيف البصري، إلى حد يدفع إلى الظن بأن السترات الجاهزة المطلية بالغراء هي سترات نحتية، فهي على تيبّس من جراء التموضع الحركي الذي اُخضعت له. فالانتظام في الصف والحركات المدروسة والوهم الذي يخدع البصر لمرأى أعمدة الفلين، وكذلك الخداع الذي يبحث فيه الناظر عن الوسيلة التي اتبعتها ميراي لتلوين داخل الكريستال بألوان العلم اللبناني، كلها نتائج مدهشة تتأتى من لعب بسيط وذكيّ قادر على إثارة التأويل الفني وكذلك على الإيهام.
ولكم تحياتي
مؤيد منيف
بيروت - مهى سلطان الحياة - 03/02/07//
http://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070202-83bfee99-c0a8-10ed-0133-5b86ee0963dd/story.html (http://www.mnaabr.com/vb/redirector.php?url=h ttp://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070202-83bfee99-c0a8-10ed-0133-5b86ee0963dd/story.html)
http://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070202-83bfee99-c0a8-10ed-0133-5b86ee0963dd/joumhour_18.jpg_200_-1.jpg
«جمهور مأسور» تجهيز من المعرض معرض جريء يشهد على بيروت هذا الزمن، من وجهة نظر فنية نقدية غير محايدة، تقيمه الفنانة التشكيلية ميراي حنين، في غاليري جانين ربيز وعنوانه «أعمدة السلطة»، وفيه تعبر عن أفكارها ومواقفها بحرية وصوت عالٍ، طالع من جراح المتألمين والخائفين والقلقين على مصير لبنان من الوقوع في شبح الحرب. ولئن كان الفن أداة، فهو أمسى للفنانة شريكاً في الحياة ومدعاة لاستنطاق الأفكار والنزعات العاطفية والاندفاعات التي وجدت تلقائياً بالمواد البسيطة والجاهزة للاستعمال: «الريدي- ميد» Ready-Made، طريقها الأسرع للتعبير والاحتجاج، فقطفت مشاعرها الساخنة، وانتقاداتها اللاذعة إزاء حرب تموز (يوليو) وتداعياتها السياسية والاجتماعية والإيديولوجية الراهنة.
مع الحدث يوماً بيوم ولحظة بلحظة، من باريس حيث تعيش وتعمل، مسمّرة على شاشة التلفزيون، طوال ثلاثة وثلاثين يوماً من حرب «تموز» تتعقب بألم أحداث الحرب الإسرائيلية على لبنان، وما خلّفته من مواقف وصراعات في الساحة السياسية ومن انقسامات واصطفاف مذهبيّ وطائفيّ. ووجدَت أن المرحلة العصيبة من القتل والتدمير وتقطيع أوصال الوطن، لم تُنتج حالاً وفاقية، بل كرست البنية الضعيفة والهشة للكيان اللبناني القائم على أعمدته الثلاثة.
هكذا جسّدت رمزياً النزاع بين فريقي السلطة والمعارضة، متحدثة في خطاباتها الأربعة المرفقة بأعمالها التجهيزية، عن التشنج اللاإنساني وخلو الديموقراطية من معناها والعدوانية بين الأطراف، إضافة الى الخوف والقلق من ظاهرة ذوبان الفرد في الجماعة في نسق حزبي من لون واحد. فالرؤية من بعد، على مسافة من أرض الحدث، لا تخلو من العذاب الذي لا ملاذ له إلا بالاندفاع للتعبير عنه، فوجدت ميراي في فن التجهيز، لغة اعتراضية تعبر عن رؤاها الانتقادية الساخرة والتهكمية، لما يعصف بحال الجماعة، ومفهوم التظاهر أو الحشد الجماهيري في التفافه حول الزعيم، وما ينتج من خطابه من تهليل وتلويح بالأيدي تأييداً.
في أربعة أعمال تجهيزية، تتنوع الموضوعات إيحاءً وترميزاً، غير أنها يترابط بعضها ببعض، في سياق درامي تصاعدي - اتهامي. ثمة قاسم مشترك بينها هو الفراغ. فالعلاقة بين الشكل والفراغ، بين المعنى وأدواته ومواده البسيطة وسبله المرئية، تتوزع على أربعة «نُصُب» مكانية، تندرج تحتها رسائل تفيد عن مجريات اليوم والغد وبعد الغد. من الترقب إلى الاستدلال ثم الاستنتاج الذي يحفز العمل التشكيلي. وهنا يتماهى فن الفكرة أو الفن المفهومي مع نوع كهذا من التجهيز والإنشاء الموجّه الذي يستوعبه البوب - آرت. رسائل مشفوعة بالعاطفة والنقمة والانتقاد والسخرية، مجبولة بالعطف على وطن جريح مهدد بالضياع.
«جمهور في الأسر»، هو التجهيز الأهم الذي نفذته حنين بمنطق مسرحي ذي سمة عبثية، توحي بطريقة استخدام الشارع وسيلة للضغط، حيث يرى زائر المعرض، سترات من الخلف معلقة (على هياكل من الصلب)، في تعبير عن الاصطفاف الجماهيري الذي يقف رهينة إشارةٍ من الزعيم الذي يرتقي منصة في المقام الأعلى. سترات لا تستر شيئاً، بل تحمل صدى الفراغ، اتخذت خداعاً طيات الأجسام النمطية التي عليها أن تملأها بالحركات التي تؤديها. غير أن الأجساد غائبة وكذلك الرؤوس والعقول، لكنها ترفع كلها إشارات التأييد والنصر للزعيم في مشهد سينوغرافي نموذجيّ من مشاهد بعض الزعماء اللبنانيين.
فالهتاف يخلو من المعاني في تبعيته، والخطاب هو «كلام فارغ» يضيع في الهواء. ولذلك استغلت ميراي الهواء كفراغ محيط بالأشكال، كي تعلّق على السقف والجدران، شعارات فارغة من المضمون على مربعات شفافة، بغية السخرية من اللغة المتخشبة التي تسود وتهيمن على عقل الجمهور الأسير. ونثرت الرسامة حبات رمان كثيرة أرضاً تحت أقدام «نصبها»، إيماءً بالواقع المتفجر، الذي تنذر به هذه المواقف التصعيدية والعواصف العدوانية. هكذا تفرّغ ميراي حنين، خطاب تعبئة الجماهير من مضمونه، كي تركّز على نتائجه في حين أن الكل يرتدي القناع.
في تجهيز ثانٍ تدافع ميراي حنين عن «دمعة السنيورة التي أراقت الكثير من الحبر». فقد أثارتها عبارات الحب للبنان من رئيس أخلص لوطنه في محنته، وأثارتها أيضاً عَبرته التي أضحت رمزاً للجرح. وفي تلقائية وجدت ميراي أن التعبير عن هذه الدمعة ممكن عبر حبات من الكريستال تتدلى مثل الثريا من السقف، وقد حملت في داخلها ألوان العلم اللبناني، تعبيراً عن تلك «اللحظة الوطنية» التي أسرتها وجمدتها في ترفّعها.
أما التجهيز الذي حمل المعرض اسمه فهو يتمثل في اتهام السلطة بأعمدتها الثلاثة بالفراغ. لذلك تجوفت الأعمدة من الداخل، بينما جدرانها الخارجية لا يمكن التوكّؤ عليها، إذ انها بعيدة كلياً من الصلابة. فالعمود هو مجرد شكل اسطواني مؤلف من حبال شفافة تحمل قطعاً من الفلّين (الموصوف بالخفة) المرصوفة بعضها الى جانب بعض. ومن فراغ أعمدة السلطة إلى فراغ العقل وشغوره في تجهيز «غاسلي الأدمغة». وتبدو الرؤوس أسفنجية تمتص من دون أي تحكّم منهـا أو تفكير، فتظهر متشابهة في النسق والسلوك والطاعة العمياء.
تمتلك ميراي حنين لغة فنية بسيطة في التعبير عن وقائع جسام، بلغة تنم عن إحساسها بقوة الفضاء وانعطافات الحركة داخل المكان. وتدرك أيضاً قيمة المادة الجاهزة، بخاماتها وألوانها وقابليتها للتوظيف البصري، إلى حد يدفع إلى الظن بأن السترات الجاهزة المطلية بالغراء هي سترات نحتية، فهي على تيبّس من جراء التموضع الحركي الذي اُخضعت له. فالانتظام في الصف والحركات المدروسة والوهم الذي يخدع البصر لمرأى أعمدة الفلين، وكذلك الخداع الذي يبحث فيه الناظر عن الوسيلة التي اتبعتها ميراي لتلوين داخل الكريستال بألوان العلم اللبناني، كلها نتائج مدهشة تتأتى من لعب بسيط وذكيّ قادر على إثارة التأويل الفني وكذلك على الإيهام.
ولكم تحياتي
مؤيد منيف