سعاد شهاب
31-01-2007, 11:06 PM
أقنعة الجسـد في رحاب الذاكرة - في تجارب الفنان محمد آل تاجر الفوتغرافية
جدارية وطن
ثمة توقٌ في الفن إلى التوحد بالآتي ؟!! كيف نستشعره ؟؟ وما مدى علاقتهُ بالآتي ؟ هل الروح الفنية غايةٌ تُدرك أم وسيلة ؟؟ هل يواجه المؤلف موته عند رسم آلامه .. أم يتألم حين يرسم موته ؟ أم يتوارى خلف أشكاله العارية المتهالكة ؟!!
أسئلةٌ كثيرة تتسابق لحظة التفكير بالوجود ، عبر أزمنة الروح التي جعلها الفنان غاية تسمو على الجسد ، ليتطلع إليها في كل لحظة فن .. فالروح لا تُرسم إلا بالروح !! فكيف يمكن للجسد ان يلمُس الزهرة التي لا يُمكن إلا للروح وحدها أن تلمسها .... فالفنان العراقي المُعاصر والمُحاصر بشكلٍ عام والمصور الفوتغرافي بشكلٍ خاص ، نجدهُ قد كشف عن بعد جديد للواقع الطبيعي – بحدود موضوعة الجسد – من خلال استخدامه لآليات وبرامجيات الحاسوب والإبحار عميقاً في كوامن المرئيات بعيداً عن القشور ، فضلاً عن الكشف عما هو جوهري في المرئي الواقعي ، ليصبح الاهتمام بموضوعة الجسد لدى فناني الحداثة تستدعي إجراء عمليات التبسيط والتمويه على الشكل الواقعي للوصول إلى فن يستند إلى المخيلة التي تتمسك بالشكل الجوهري على الرغم من منطقية التصوير الايقوني .
لذلك نجد الفنان الفوتغرافي قد استدعى بعض الارتجالات بجانب السرعة في الأداء لأجل التعبير ، دون التقيّد بالمنطق الكلاسيكي ، ليصبح الواقع هنا ليس نتاجاً حسياً بقدر ماهو فكرة جمالية استحالت إلى واقع جمالي ... وما نتاجات الفنان الفوتغرافي " محمد آل تاجر " إلا تأكيداً لما تقدم ، عندما اعتقد بان الحقيقة الفنية لا تتموضع في الشكل الخارجي (الاقنعة) وانما في جوهره ؛ لهذا قد ابتدأ بتصوير الحدث الطبيعي المؤلف من الأجساد ، من ثم اقترح شكل جديد من خلال التنقيب في الجوهر عن طريق إجراءات الحذف والإضافة والتمويه والاستعارة من الايقون المصور ، بمساعدة تقنيات الحاسوب وصولاً إلى الشكل الفني .
ان عمليات التهشيم والتمويه بل وحتى التفكيك في بعض جوانب نتاجات الفنان التصويرية الذي أحدثها في تضاريس الجسد ، لا تلغي الطاقة الداخلية للصورة الايقونية وانما تُحدث تحولاً يخدم المضمون ، بمعنى انهُ-الفنان- يحطم بعض ملامح الايقون لإحالته إلى شكل ذي طابع مثالي يجسد ملامح مدينته العتيقة المؤلفة من تراكيب بشرية تعايشت معاً في زمن الحرب داخل فضاء مفتوح بفعل عمليات الإزاحة ، المتخذة من التماهي مع هذا الفضاء هدفاً جمالياً يعبر عن وحدة مطلقة بين أجزاء التكوين العام والفضاء المُحيط .. فمثلاً نلاحظ وضعية بعض حركات أطراف الأجساد (رؤوس- أيادي- أقدام ) وقد تلاحمت وتواشجت بفعل اللون أو الاتجاه لتتخذ مساراً مفتوحاً يخترق حافات البعد المكاني .. هذا التواشج أو التجاور لاجزاء العمل الفني يجعل الصورة الفوتغرافية (الايقون) تتعايش مع الرسم بعد الاستعاظة ببعض عمليات الاداء التشكيلي بدلاً من التسجيل ، لإعطاء المشهد الفني صفة الكلية التي تُـفعِل الوجود الفوتغرافي ، مما تمنح المشهد صفة الامتداد .
هذه الوحدة المتمركزة في الأجزاء (الوطن) التي شملت نتاجات الفنان الفوتغرافية المركبة ، قد تبنت مبدأ الحرية في التفكير التصويري المنطلق من ذاتية الفنان ، حيث تفنى أقنعة الجسد (المرئي) لصالح الجوهر ، لتأخذ التكوينات بعدها الصوفي الذي يجعل منها إيقونات متراكبة لمعاني إنسانية مطلقة تنسجم مع نوع الانفعال ؛ لان الفنان " آل تاجر " قد تعامل مع طاقات بصرية أكثر مما هي أشكال فوتغرافية بسبب وعيهُ المعرفي والأدائي الذي قادهُ إلى حصيلتين الأولى مفادها ان معنى الفوتغراف لا يتوقف عند حدود المرئي المنسوخ عن الطبيعي ، بل يتجاوز الآلة نحو الذات المبدعة ،والثانية ان أصنام البعد المكاني لا تنفلت من ذاكرة الفنان البكرية ، فتحولت الأجساد إلى قباب وأشجار وأطلال البيت العتيق ، بل وتحولت إلى وطــن ..؛ على اعتبار ان ألأجساد المتراكبة والمترابطة معاً بفعل الألوان الداكنة قد أحالت ذهن المتلقي إلى تكوينات روحية تحمل بين طياتها دلالات فكرية جمالية عبر تدخل المخيلة فيها على وفق مثال جمالي مقترح من قبل الفنان ، مبتعداً عن الدلالة المطابقة للايقون نحو دلالة تقترح التأويل عنواناً لها .. كمحاولة لتحويل الأشكال الثلاثية الأبعاد إلى مسطحات في عفوية واعية تقترب من عين الفنان الانطباعي بعض الشيء الذي يرسم ما يرى ليصل إلى ما لا يرى .
إن المساحات اللونية البنية ( لون الجسد- الأرض..) قد آلفت بين الأجساد المتناثرة في الفضاء التصويري الناتجة من تضادات اللون الأبيض (الفترات) والأسود(الوحدات) ضمن دائرة التدرج اللوني ، وساهمت في إشاعة مبدأ الوحدة في التنوع والذي لا يخلو من منحى تصوفي .
ان استثمار الفنان " محمد " للتكوينات الدائرية والمنحنية الناتجة بفعل حركة الأجساد واختياره الانسجام اللوني ، جعله يتفحص حدود اللا معنى في المعنى ، عبر انتقال بعض مفردات مشهده التصويري الى فضاءات شبه لا شكلية ؛ كونه قد أهمل صلابة الشكل الايقوني المنطقي لصالح الأشكال المحورة عن الطبيعي ليجعل من التمويه والتبسيط غاية تشخيصية لمفهوم الصورة الفنية .. بمعنى ان الرؤية العميقة التي فرضتها ذاتية الفنان المصور قد أحالت تكويناته الجسدية إلى دلالات عميقة لمواضيع الحياة والإنسان المطرود من جنة الإنسانية !!.. لان أغلب نتاجاته قد مثلت مشاهد إنسانية أُريد لها ان تتشبه بالفراشات حينما تُحلق إلى المجهول لتطلعنا على الآتي .
فالوطن بما فيه من قبور يصبح موضوع إبداع الفنان علّـها تُعيد للإنسان المغترب ما فقده من أحلام وسط ركام لا نهائي من الألم ، علنا نجد بعض عناقيد الفرح .. فمقولة أن نجعل من الكلام أغنية اعتبرت في الأمس معجزة ، اما اليوم فهي تزيح الستار عن الكنوز المتخفية والتي تتطلع إلى الحوار الشفاف لترسيخ مفهوم الإنسان الكامل .
د . شـوقي الموسـوي
ناقـد وباحث أكاديمـي تشـكيلي
أستاذ كلية الفنون الجميلة / جامعة بابل
منقول من مجلة التصوير الضوئي Copyright © 2000-2006, Fotografia. All rights reserved.
جدارية وطن
ثمة توقٌ في الفن إلى التوحد بالآتي ؟!! كيف نستشعره ؟؟ وما مدى علاقتهُ بالآتي ؟ هل الروح الفنية غايةٌ تُدرك أم وسيلة ؟؟ هل يواجه المؤلف موته عند رسم آلامه .. أم يتألم حين يرسم موته ؟ أم يتوارى خلف أشكاله العارية المتهالكة ؟!!
أسئلةٌ كثيرة تتسابق لحظة التفكير بالوجود ، عبر أزمنة الروح التي جعلها الفنان غاية تسمو على الجسد ، ليتطلع إليها في كل لحظة فن .. فالروح لا تُرسم إلا بالروح !! فكيف يمكن للجسد ان يلمُس الزهرة التي لا يُمكن إلا للروح وحدها أن تلمسها .... فالفنان العراقي المُعاصر والمُحاصر بشكلٍ عام والمصور الفوتغرافي بشكلٍ خاص ، نجدهُ قد كشف عن بعد جديد للواقع الطبيعي – بحدود موضوعة الجسد – من خلال استخدامه لآليات وبرامجيات الحاسوب والإبحار عميقاً في كوامن المرئيات بعيداً عن القشور ، فضلاً عن الكشف عما هو جوهري في المرئي الواقعي ، ليصبح الاهتمام بموضوعة الجسد لدى فناني الحداثة تستدعي إجراء عمليات التبسيط والتمويه على الشكل الواقعي للوصول إلى فن يستند إلى المخيلة التي تتمسك بالشكل الجوهري على الرغم من منطقية التصوير الايقوني .
لذلك نجد الفنان الفوتغرافي قد استدعى بعض الارتجالات بجانب السرعة في الأداء لأجل التعبير ، دون التقيّد بالمنطق الكلاسيكي ، ليصبح الواقع هنا ليس نتاجاً حسياً بقدر ماهو فكرة جمالية استحالت إلى واقع جمالي ... وما نتاجات الفنان الفوتغرافي " محمد آل تاجر " إلا تأكيداً لما تقدم ، عندما اعتقد بان الحقيقة الفنية لا تتموضع في الشكل الخارجي (الاقنعة) وانما في جوهره ؛ لهذا قد ابتدأ بتصوير الحدث الطبيعي المؤلف من الأجساد ، من ثم اقترح شكل جديد من خلال التنقيب في الجوهر عن طريق إجراءات الحذف والإضافة والتمويه والاستعارة من الايقون المصور ، بمساعدة تقنيات الحاسوب وصولاً إلى الشكل الفني .
ان عمليات التهشيم والتمويه بل وحتى التفكيك في بعض جوانب نتاجات الفنان التصويرية الذي أحدثها في تضاريس الجسد ، لا تلغي الطاقة الداخلية للصورة الايقونية وانما تُحدث تحولاً يخدم المضمون ، بمعنى انهُ-الفنان- يحطم بعض ملامح الايقون لإحالته إلى شكل ذي طابع مثالي يجسد ملامح مدينته العتيقة المؤلفة من تراكيب بشرية تعايشت معاً في زمن الحرب داخل فضاء مفتوح بفعل عمليات الإزاحة ، المتخذة من التماهي مع هذا الفضاء هدفاً جمالياً يعبر عن وحدة مطلقة بين أجزاء التكوين العام والفضاء المُحيط .. فمثلاً نلاحظ وضعية بعض حركات أطراف الأجساد (رؤوس- أيادي- أقدام ) وقد تلاحمت وتواشجت بفعل اللون أو الاتجاه لتتخذ مساراً مفتوحاً يخترق حافات البعد المكاني .. هذا التواشج أو التجاور لاجزاء العمل الفني يجعل الصورة الفوتغرافية (الايقون) تتعايش مع الرسم بعد الاستعاظة ببعض عمليات الاداء التشكيلي بدلاً من التسجيل ، لإعطاء المشهد الفني صفة الكلية التي تُـفعِل الوجود الفوتغرافي ، مما تمنح المشهد صفة الامتداد .
هذه الوحدة المتمركزة في الأجزاء (الوطن) التي شملت نتاجات الفنان الفوتغرافية المركبة ، قد تبنت مبدأ الحرية في التفكير التصويري المنطلق من ذاتية الفنان ، حيث تفنى أقنعة الجسد (المرئي) لصالح الجوهر ، لتأخذ التكوينات بعدها الصوفي الذي يجعل منها إيقونات متراكبة لمعاني إنسانية مطلقة تنسجم مع نوع الانفعال ؛ لان الفنان " آل تاجر " قد تعامل مع طاقات بصرية أكثر مما هي أشكال فوتغرافية بسبب وعيهُ المعرفي والأدائي الذي قادهُ إلى حصيلتين الأولى مفادها ان معنى الفوتغراف لا يتوقف عند حدود المرئي المنسوخ عن الطبيعي ، بل يتجاوز الآلة نحو الذات المبدعة ،والثانية ان أصنام البعد المكاني لا تنفلت من ذاكرة الفنان البكرية ، فتحولت الأجساد إلى قباب وأشجار وأطلال البيت العتيق ، بل وتحولت إلى وطــن ..؛ على اعتبار ان ألأجساد المتراكبة والمترابطة معاً بفعل الألوان الداكنة قد أحالت ذهن المتلقي إلى تكوينات روحية تحمل بين طياتها دلالات فكرية جمالية عبر تدخل المخيلة فيها على وفق مثال جمالي مقترح من قبل الفنان ، مبتعداً عن الدلالة المطابقة للايقون نحو دلالة تقترح التأويل عنواناً لها .. كمحاولة لتحويل الأشكال الثلاثية الأبعاد إلى مسطحات في عفوية واعية تقترب من عين الفنان الانطباعي بعض الشيء الذي يرسم ما يرى ليصل إلى ما لا يرى .
إن المساحات اللونية البنية ( لون الجسد- الأرض..) قد آلفت بين الأجساد المتناثرة في الفضاء التصويري الناتجة من تضادات اللون الأبيض (الفترات) والأسود(الوحدات) ضمن دائرة التدرج اللوني ، وساهمت في إشاعة مبدأ الوحدة في التنوع والذي لا يخلو من منحى تصوفي .
ان استثمار الفنان " محمد " للتكوينات الدائرية والمنحنية الناتجة بفعل حركة الأجساد واختياره الانسجام اللوني ، جعله يتفحص حدود اللا معنى في المعنى ، عبر انتقال بعض مفردات مشهده التصويري الى فضاءات شبه لا شكلية ؛ كونه قد أهمل صلابة الشكل الايقوني المنطقي لصالح الأشكال المحورة عن الطبيعي ليجعل من التمويه والتبسيط غاية تشخيصية لمفهوم الصورة الفنية .. بمعنى ان الرؤية العميقة التي فرضتها ذاتية الفنان المصور قد أحالت تكويناته الجسدية إلى دلالات عميقة لمواضيع الحياة والإنسان المطرود من جنة الإنسانية !!.. لان أغلب نتاجاته قد مثلت مشاهد إنسانية أُريد لها ان تتشبه بالفراشات حينما تُحلق إلى المجهول لتطلعنا على الآتي .
فالوطن بما فيه من قبور يصبح موضوع إبداع الفنان علّـها تُعيد للإنسان المغترب ما فقده من أحلام وسط ركام لا نهائي من الألم ، علنا نجد بعض عناقيد الفرح .. فمقولة أن نجعل من الكلام أغنية اعتبرت في الأمس معجزة ، اما اليوم فهي تزيح الستار عن الكنوز المتخفية والتي تتطلع إلى الحوار الشفاف لترسيخ مفهوم الإنسان الكامل .
د . شـوقي الموسـوي
ناقـد وباحث أكاديمـي تشـكيلي
أستاذ كلية الفنون الجميلة / جامعة بابل
منقول من مجلة التصوير الضوئي Copyright © 2000-2006, Fotografia. All rights reserved.