سعاد شهاب
31-01-2007, 11:09 AM
http://www.kifaharabi.com/uploadedimages/articleimage-128142328084430000ma sara7.jpg
فاديا وشادي وأيمن في أحد مشاهد المسرحيةhttp://www.kifaharabi.com/images/arrow.gif مشهديتان صداميتان خلف «الخطوط الحمراء»جلال خوري: «قانا» بين الرأي والرؤيا«الطريق الى قانا», هو عنوان المسرحية التي قدَّمها الكاتب والمخرج «جلال خوري» على خشبة مسرح «مونو» كانون الاول €ديسمبر€ 2006.
هي حكاية رجل يأتي الى «قانا», البلدة اللبنانية الواقعة جنوب مدينة «صور», التي كانت منذ القديم وما زالت موضع تجاذب وشكوك, في أنها هي «الأصليّة» والمقصودة أم غيرها, حيث حَدَثَتْ الأعجوبة في «عرس» إحدى صباياها, حين حوَّل السيد المسيح الماء الى خمر.
والذي أثار النقاش والالتباس, هو وجود قريتين بالاسم ذاته في فلسطين. ومما زاد من شدة الاهتمام والتساؤل حول «قانا» اللبنانية, هو وجود عدة «وجوه» منحوتة على إحدى صخورها الرمادية بالقرب من مغارةٍ مختفية في عبّ كتفٍ جبلي يُشرف ويطل على الوادي والمرتفعات والسهول المحيطة بالمكان, هذا, الى جانب وجود «الأجران» موضوع الحدث والجرار القديمة العهد.
لقد أتى هذا الرجل بهدف الاستكشاف, والتعرف الى «المكان», ولكسر الشَكّ باليقين وللتأكُّد ان كان هذا «المطرح», هو «الموضع» الحقيقي المقدَّس, الذي حَدَثَت فيه الأعجوبة. وفي أثناء تأمله للمكان, يلتقي بأحد الأشخاص, الذي يوحي وكأنه من «الموجودات» الرمادية للزمن الغابر, وذلك من خلال ردائه وعصاه ومنطق كلامه ووتيرة ايقاع لفظه عبر تعابير وجهه وأدائه «الداخلي», الذي يتماهى مع «المكان» فيوهمكَ بخروجه للتوّ من الصخرة الكبيرة المعلَّقة في الهواء في وسط المنصَّة, أو أنه من سكَّان «الزمن المزمن», الذي يحضر ويتجلَّى لتبيان وطرح الأمور, كممثل واثق لـ«الماضي» الملتبس, حيث تختلط «الوثيقة» و«الوصايا» بالأسطورة والحكاية... فيصبح كل شيء جاهزاً للنفي والاثبات في الوقت نفسه! وهذا ما يستدعي على الدوام استنفار وتحريك خلايا العقل وقواعد المنطق و«تحييد» يقين «المسلَّمات», إن لم نَقُل اخضاعها «للعقلانية».
بدأ الحوار بين الرجلين حذراً مغلَّفاً بودٍّ مصطنع واختبار لنيات خَفيّة, ليتطوَّر عبر مسار النص المسرحي الى نقاط ساخنة في الأمور الغيبيَّة, التي تطاول فضاء «الروحانيات» ومتاهاتها, وصولاً الى اخراج «المكان» من طبيعته «الجغرافية» المادية, والارتقاء به, وجعله أفقاً درامياً يسع ويستوعب العالم بأسره! هكذا, يُمسك جلال خوري بانتباهنا ويدخلنا في اللعبة, التي شكَّلت له دائماً هواجس انسانية روحانية فنيّة وتساؤلات, ليس لها حدود ولا نهاية. ثم يدخل شخصان هما امرأة نعرف أنها «قسِّيسَة» أميركية جاءت لزيارة هذا «المكان» المسيحي بامتياز, وبصحبتها زوجها, المستشرق الآسيوي من الهند والذي آمن بالمسيحية واعتنقها على طريقته الخاصة من خلال امتداد تراث فلسفة الشرق الأقصى الضاربة في عمق الزمن, إذ كان طوال وقت الزيارة على تضاد مع زوجته في فهم وتفسير وتأويل الأمور.
لقد ركَّب جلال خوري بذكاء وعمق ثنائيتين صداميتين. الأولى, تمثلَّت بالرجل الأول «أيمن غنَّام» ورجل الزمن القديم «منير غاوي». والثانية, وتمثلَّت بالقسِّيسَة الأميركية «فاديا صعيبي» وزوجها الهندي «شادي الزين», ثم جهدَ واجتهدَ على شَبْك الثنائيتين بتقاطعات طاولت وتخطَّت «الخطوط الحمراء» ولامست, بل, هَتَكَت ستر المسلَّمات, وهزَّت عنيفاً «اليقين» الأعمى بالمقدَّس, الى درجة ارتقى معها «النصّ» عالياً في كثير من المواقف الحاسمة فوق قدرة الأداء التمثيلي! وحين كانت الأمور تصل الى عمق «الدلالات» مقاربة جوهر الرؤيا, كان جلال يسارع وبتوقيت مدروس الى التدخل من دون «تبريد» حرارة الموقف, وذلك عن طريق النغم, واللحن والصوت بكلامٍ هو من لبّ النصّ, موقَّع كـ«استنتاج وجواب», حيث لَعِبَت الموسيقى المفصلة على القياس دوراً مركزياً بين الثنائيتين اللتين مزجتا «اليقين الديني» «الأبدي», بالسياسي «المرحلي», وألغتا مرور وتقادم الزمن, وأسكنتا «التاريخ» في حضن «الحاضر».
يقول «فرانز كافكا»: «لا ينمو الانسان من تحت لفوق, بل من الداخل الى الخارج».
أنا أعتقد بأن جلال خوري, ومنذ بدء مسيرته المسرحية, استطاع بإحساسه واستشرافه وبأناقة «مشهدية» مشهودة من أن يمزج ويوحد «الداخل» بـ«الخارج» و«الأدنى» بـ«الأبعد» في معادلة صدامية تهزُّ الوجدان الراكد المتصحِِّر, والتي شَنَقَهَا أو نَحَرَها العديد من المسرحيين العرب, الذين عشقوا وألِفوا وألَّفوا في «المساحة» الحائرة بين الشرق «الروحاني» والغرب «العقلاني», فبقي الأمر مسطحاً وهشاً وهامشياً.
لهذا فإننا نرى عبر أعماله بكل أنماطها وأنواعها ككاتب ومعدّ ومخرج ومنها: «قبضاي», «الرفيق سجعان», «جحا في القرى الأمامية», «فخامة الرئيس», «رزق الله يا بيروت», «صعود أرتورووي», «كذاب», «بنسيون الست نعيمة» وهي نص لأسامة العارف «هندية» الراهبة الحلبية الى جانب أعمال أخرى متعددة, ونستكشف مدى شمولية رؤاه وترابطها بأنسجة خفيّة, مما شكَّل لديه «أسلوبية» عَرَفَت كيف تُمسك بالعين, وتشغل الذهن, فهي مرتكزة على ثقافة واسعة عالمها الشرق والغرب على حد سواء, مع انحياز شفاف وذكي الى روح ومناخ «الشرق الأقصى» وتقاليده الدرامية والافادة منها وإلباسها اللباس الموضوعي وتشكيلها من جديد لتأخذ الطابع الذي يريده لها في قَطْف وَهج «الحركة» الداخلية والإمساك بالإيقاع ووتيرة ووقع تقطيع «الكلام», واختزال «الأشكال» وتكثيفها الى حدود التأويل المتوالد المستمر.
جلال خوري, العاشق المغرم, الذي «يهوى» الاشكاليات, ويسير بشغف على طريق الصعوبة الصراط متخطياً «جغرافية» المكان الى فضاءات رحبة, تطاول الهواجس والآمال الانسانية الحائرة. ربَّما لهذا, ركَّبَ وَوَلَّفَ نصاً مشهدياً على شفير هاوية «المعتقدات», بحوار سار وراوح بين التوتر المستَفِز الصارخ, وبين «الصمت الصاخب» وبينهما الموسيقى الحاملة رحيق «زعتر» قانا, وطراوة حركة انحناء الزهر البري بنسيم هواء الجنوب.
في نص «الطريق الى قانا» أكَّد جلال خوري «مشاكسته» وتحرشه بـ«الكبائر» وبحرفيّة عالية, لدرجة جَعَلَت المشاهد يتبنَّى ويصدِّق «النقيضين» بالوقت نفسه, وذلك لمنطقية وقوة حجة الطرفين المتصادمين في الرأي والرؤيا!! لقد أوقعنا جلال بـ«الحيرة» وهنا يكمن مدى امساكه بالأمور وقد بلغ بنا ومعنا مراتب ديمقراطية, وذلك بامتلاكنا لحرية الحسم, بين أن نكون أمناءللتاريخ بواسطة الاستقراء والاستدلال والاستنتاج, وبين أن نعتقد ونؤمن ونتبع فلسفة «اليقين», حيث لا نقاش ولا مراجعة, وإنما «تنزيل» يدحض كل الاجتهادات العقلانية... وهكذا, فإن القسِّيسة الأميركية حَسَمَت المسألة حين بيَّنت أن اكتمال ضم الأراضي حسب الاجتهادات «التوراتية» الى دولة إسرائيل يشكل أعلى درجات «التجسد» الإلهي, ألا وهو ظهور السيد «المسيح»!!
على الرغم من أن نص «الطريق الى قانا», هو من نفس «قماشة» تساؤلات مسرحية الراهبة «هندية» للكاتب نفسه, إلا, أن نص قانا, جاء في مناخ آخر. وإذا, كانت مشهدية الراهبة «هندية» قد صَبَّت في بحر التصوُّف, فإن مسرحية «الطريق الى قانا» جاءت أقرب الى «النبع» منها الى «المصبّ».
ربما لهذا, تآلف الممثلون ولو بشكل متفاوت مع أدوارهم, ضمن «سينوغرافيا» لرفيق الأشقر بألوانها الرمادية التي عَكَسَت صدى النص فكانت بمثابة «لوغو», بقي راسخاً في العين طوال مدة العرض. وكانت الصخرة الكبيرة المشغولة باتقان مع الوجوه المنحوتة, وكذلك البساط الرمادي الكلسي الذي حَدَّد بالإيهام مساحة ومدى اللعب, الى جانب المعبر الدرب الذي يصل الى وسط المنصَّة نزولاً ثم يتوقف بجوار صخرتين وظائيفيتين كعلامتي استفهام غلبهما العديد من علامات التعجب!!
وعلى خشبة المسرح كانت كل الأشياء المرئية «أفقيّة»: الصخرة, الدرب, «عليّة» الموسيقيين والمغنيّة... وحركة الدخول والخروج... وكأن الجميع يلعبون على خط الأفق! فقد أخذت الصخرة كل المدى, وأصبحت هي المنتهى بدلالاتها, حيث لا دخول ولا خروج من وسط المسرح, وكل هذا ضمن الانارة المختلفة على منصة الموسيقيين التي جاءت ولو من خلف ستارة شفَّافة «حارَّة» بلونها وتأثيرها أمام كثافة اللون الأسود الذي لفَّ المسرح لاغياً الاحساس بالمسافات والأبعاد, والميقات.
إن «سخرية» جلال خوري المرّة الحرَّاقة التي استعملها كمتكآت تفصل وتصل بين المواقف في آن معاً هي تماماً كمياه البحر التي تفصل بين الجزر, وهي بذاتها التي توصل بينها!
هذه الروح الواسعة الرحبة لمفهوم الدراما عنده, أعطَت لمسرحه نكهة غير آنيةموسمية, لها خصوصيتها وفرادتها, حاملة في ثناياها شيئاً من «الرصانة» الألمانية, وأشياء من «المهابة الخفيَّة» اليابانية المتنسمة روح الطقوسية, من دون إيقاد شموعها! والكثير من طبيعة «الوجدان» اللبناني العربي المسكون بالتردد وعدم الثقة والهلامية التي هي مزيج وخليط من المتناقضات «الهائلة», التي تكسر المنطق والعقلانية بقلب «بارد» على الرغم من «حر» وهجير جهنَّم الصحراء! فنرى هذا ضمن الطائفة الواحدة والعائلة الواحدة, والشخص الواحد!! ولا ترتكز أهمية حضور جلال خوري فقط على ما كتب! وإنما على ما استطاع أن يحذفه ويختزله ويمحوه!
جلال خوري جريء, في زمن كَثُرَ فيه الجهل والتخاذل والانكفاء, وهو ما يزال كذلك منذ مطالع الستينيات, خصوصاً بعد نكسة 1967.
لقد جاءت موسيقى العمل التي وقَّعها «سامي حواط» و«كمال القصَّار» والغناء الانشادي «ريم عبد الكريم الشعار» ضمن السياق, ولم تكن مع الصوت مجرّد «محطة فاصلة» وإنما ظَهَرَت بكفاءة كدورٍ له حضور وكنصّ جاذب «مسموع» وكأنها إيحاء لمفهوم «الجوقة, أو, الصوت الخفي الموضوعي المنبِّه, ولم تكن كما هو متعارف عليه وسائد ومألوف «تختاً شرقياً» تقليدياً.
أما الأداء التمثيلي, الذي طبعه جلال خوري بـ«مناخ روحه» فقد جاء:
«فاديا صعيبي»: ممثلة بقدرات غنيّة, مقنِعَة الأداء, لعبت دور القسِّيسة الأميركية المتزمتة, وشكَّلت ثنائية «ملتهبة» مع زوجها الهندي الأصل وكانت مفتاحاً رائعاً لكل ردات فعله.
«شادي الزين»: ممثل «زُمْبَرَك» لا يهدأ, حتى في لحظات الصمت «الهندية». أحب القسيسة الأميركية بروحه وعاطفته الشرقية الهندية, واعتنق المسيحية بمفاهيم وتقاليد هندوسية, مما أدَّى به الأمر الى الصدام الدائم مع زوجته حول مفاهيم «المعتقد» وتجلياته في عالم «العصر والمعاصرة». وعلى الرغم من ذلك كانت تصريحاته تقول بأنه عادة ما يصل مع زوجته الى حلول لأعقد وأقدس المسائل في دفء حميمية «السرير»!!
«منير غاوي»: حضور مريح, مرتكز على خبرة كبيرة مرافق لأعمال جلال خوري هو يملك وجهاً «رومانياً» قديماً ومحيّا يأخذك الى عَبَق وعبير غابر ولفتات فيها براءة مزمنة, وثقة وأداء محترف. لعب دور «الزمن» الطالع من الماضي. هادئ, هدوء وسكون صخرة «قانا», ومستوعِبْ لكل نَزَق ومشاكسة الزائرين على مختلف اقتناعاتهم.
«أيمن غنَّام»: المشكِّك السلبي, الذي يود الوصول الى ما هو ايجابي, وذلك مع ميله الداخلي الى نفي الأمور ورفع وتيرة الجدال حولها. فقد لعب دور الزائر الأول, الذي استطاع أن يُخرجَ رجل «الزمان» عن طوره ووقاره وحضوره «الأسطوري»!
طوال العرض كانت السينوغرافيا المختزلة حاضرة وغير منفصلة عن حوار النص, وعن الموسيقى والاضاءة والأداء والغناء الانشادي «السولو» الجميل والجديد.
يقول أحد الصوفيين: «اللهَّم زدني فيك تحيّراً»!!
وجلال خوري أوقعنا وأغرقنا بـ«الحيرة», وهذا منتهى الليبرالية والديمقراطية, لنتحرر ونختار ونحسم.
غازي قهوجي
نقلا عن جريدة الكفاح العربي اللبنانية اسبوعية سياسية | الاربعاء 31 كانون الثاني 2007
فاديا وشادي وأيمن في أحد مشاهد المسرحيةhttp://www.kifaharabi.com/images/arrow.gif مشهديتان صداميتان خلف «الخطوط الحمراء»جلال خوري: «قانا» بين الرأي والرؤيا«الطريق الى قانا», هو عنوان المسرحية التي قدَّمها الكاتب والمخرج «جلال خوري» على خشبة مسرح «مونو» كانون الاول €ديسمبر€ 2006.
هي حكاية رجل يأتي الى «قانا», البلدة اللبنانية الواقعة جنوب مدينة «صور», التي كانت منذ القديم وما زالت موضع تجاذب وشكوك, في أنها هي «الأصليّة» والمقصودة أم غيرها, حيث حَدَثَتْ الأعجوبة في «عرس» إحدى صباياها, حين حوَّل السيد المسيح الماء الى خمر.
والذي أثار النقاش والالتباس, هو وجود قريتين بالاسم ذاته في فلسطين. ومما زاد من شدة الاهتمام والتساؤل حول «قانا» اللبنانية, هو وجود عدة «وجوه» منحوتة على إحدى صخورها الرمادية بالقرب من مغارةٍ مختفية في عبّ كتفٍ جبلي يُشرف ويطل على الوادي والمرتفعات والسهول المحيطة بالمكان, هذا, الى جانب وجود «الأجران» موضوع الحدث والجرار القديمة العهد.
لقد أتى هذا الرجل بهدف الاستكشاف, والتعرف الى «المكان», ولكسر الشَكّ باليقين وللتأكُّد ان كان هذا «المطرح», هو «الموضع» الحقيقي المقدَّس, الذي حَدَثَت فيه الأعجوبة. وفي أثناء تأمله للمكان, يلتقي بأحد الأشخاص, الذي يوحي وكأنه من «الموجودات» الرمادية للزمن الغابر, وذلك من خلال ردائه وعصاه ومنطق كلامه ووتيرة ايقاع لفظه عبر تعابير وجهه وأدائه «الداخلي», الذي يتماهى مع «المكان» فيوهمكَ بخروجه للتوّ من الصخرة الكبيرة المعلَّقة في الهواء في وسط المنصَّة, أو أنه من سكَّان «الزمن المزمن», الذي يحضر ويتجلَّى لتبيان وطرح الأمور, كممثل واثق لـ«الماضي» الملتبس, حيث تختلط «الوثيقة» و«الوصايا» بالأسطورة والحكاية... فيصبح كل شيء جاهزاً للنفي والاثبات في الوقت نفسه! وهذا ما يستدعي على الدوام استنفار وتحريك خلايا العقل وقواعد المنطق و«تحييد» يقين «المسلَّمات», إن لم نَقُل اخضاعها «للعقلانية».
بدأ الحوار بين الرجلين حذراً مغلَّفاً بودٍّ مصطنع واختبار لنيات خَفيّة, ليتطوَّر عبر مسار النص المسرحي الى نقاط ساخنة في الأمور الغيبيَّة, التي تطاول فضاء «الروحانيات» ومتاهاتها, وصولاً الى اخراج «المكان» من طبيعته «الجغرافية» المادية, والارتقاء به, وجعله أفقاً درامياً يسع ويستوعب العالم بأسره! هكذا, يُمسك جلال خوري بانتباهنا ويدخلنا في اللعبة, التي شكَّلت له دائماً هواجس انسانية روحانية فنيّة وتساؤلات, ليس لها حدود ولا نهاية. ثم يدخل شخصان هما امرأة نعرف أنها «قسِّيسَة» أميركية جاءت لزيارة هذا «المكان» المسيحي بامتياز, وبصحبتها زوجها, المستشرق الآسيوي من الهند والذي آمن بالمسيحية واعتنقها على طريقته الخاصة من خلال امتداد تراث فلسفة الشرق الأقصى الضاربة في عمق الزمن, إذ كان طوال وقت الزيارة على تضاد مع زوجته في فهم وتفسير وتأويل الأمور.
لقد ركَّب جلال خوري بذكاء وعمق ثنائيتين صداميتين. الأولى, تمثلَّت بالرجل الأول «أيمن غنَّام» ورجل الزمن القديم «منير غاوي». والثانية, وتمثلَّت بالقسِّيسَة الأميركية «فاديا صعيبي» وزوجها الهندي «شادي الزين», ثم جهدَ واجتهدَ على شَبْك الثنائيتين بتقاطعات طاولت وتخطَّت «الخطوط الحمراء» ولامست, بل, هَتَكَت ستر المسلَّمات, وهزَّت عنيفاً «اليقين» الأعمى بالمقدَّس, الى درجة ارتقى معها «النصّ» عالياً في كثير من المواقف الحاسمة فوق قدرة الأداء التمثيلي! وحين كانت الأمور تصل الى عمق «الدلالات» مقاربة جوهر الرؤيا, كان جلال يسارع وبتوقيت مدروس الى التدخل من دون «تبريد» حرارة الموقف, وذلك عن طريق النغم, واللحن والصوت بكلامٍ هو من لبّ النصّ, موقَّع كـ«استنتاج وجواب», حيث لَعِبَت الموسيقى المفصلة على القياس دوراً مركزياً بين الثنائيتين اللتين مزجتا «اليقين الديني» «الأبدي», بالسياسي «المرحلي», وألغتا مرور وتقادم الزمن, وأسكنتا «التاريخ» في حضن «الحاضر».
يقول «فرانز كافكا»: «لا ينمو الانسان من تحت لفوق, بل من الداخل الى الخارج».
أنا أعتقد بأن جلال خوري, ومنذ بدء مسيرته المسرحية, استطاع بإحساسه واستشرافه وبأناقة «مشهدية» مشهودة من أن يمزج ويوحد «الداخل» بـ«الخارج» و«الأدنى» بـ«الأبعد» في معادلة صدامية تهزُّ الوجدان الراكد المتصحِِّر, والتي شَنَقَهَا أو نَحَرَها العديد من المسرحيين العرب, الذين عشقوا وألِفوا وألَّفوا في «المساحة» الحائرة بين الشرق «الروحاني» والغرب «العقلاني», فبقي الأمر مسطحاً وهشاً وهامشياً.
لهذا فإننا نرى عبر أعماله بكل أنماطها وأنواعها ككاتب ومعدّ ومخرج ومنها: «قبضاي», «الرفيق سجعان», «جحا في القرى الأمامية», «فخامة الرئيس», «رزق الله يا بيروت», «صعود أرتورووي», «كذاب», «بنسيون الست نعيمة» وهي نص لأسامة العارف «هندية» الراهبة الحلبية الى جانب أعمال أخرى متعددة, ونستكشف مدى شمولية رؤاه وترابطها بأنسجة خفيّة, مما شكَّل لديه «أسلوبية» عَرَفَت كيف تُمسك بالعين, وتشغل الذهن, فهي مرتكزة على ثقافة واسعة عالمها الشرق والغرب على حد سواء, مع انحياز شفاف وذكي الى روح ومناخ «الشرق الأقصى» وتقاليده الدرامية والافادة منها وإلباسها اللباس الموضوعي وتشكيلها من جديد لتأخذ الطابع الذي يريده لها في قَطْف وَهج «الحركة» الداخلية والإمساك بالإيقاع ووتيرة ووقع تقطيع «الكلام», واختزال «الأشكال» وتكثيفها الى حدود التأويل المتوالد المستمر.
جلال خوري, العاشق المغرم, الذي «يهوى» الاشكاليات, ويسير بشغف على طريق الصعوبة الصراط متخطياً «جغرافية» المكان الى فضاءات رحبة, تطاول الهواجس والآمال الانسانية الحائرة. ربَّما لهذا, ركَّبَ وَوَلَّفَ نصاً مشهدياً على شفير هاوية «المعتقدات», بحوار سار وراوح بين التوتر المستَفِز الصارخ, وبين «الصمت الصاخب» وبينهما الموسيقى الحاملة رحيق «زعتر» قانا, وطراوة حركة انحناء الزهر البري بنسيم هواء الجنوب.
في نص «الطريق الى قانا» أكَّد جلال خوري «مشاكسته» وتحرشه بـ«الكبائر» وبحرفيّة عالية, لدرجة جَعَلَت المشاهد يتبنَّى ويصدِّق «النقيضين» بالوقت نفسه, وذلك لمنطقية وقوة حجة الطرفين المتصادمين في الرأي والرؤيا!! لقد أوقعنا جلال بـ«الحيرة» وهنا يكمن مدى امساكه بالأمور وقد بلغ بنا ومعنا مراتب ديمقراطية, وذلك بامتلاكنا لحرية الحسم, بين أن نكون أمناءللتاريخ بواسطة الاستقراء والاستدلال والاستنتاج, وبين أن نعتقد ونؤمن ونتبع فلسفة «اليقين», حيث لا نقاش ولا مراجعة, وإنما «تنزيل» يدحض كل الاجتهادات العقلانية... وهكذا, فإن القسِّيسة الأميركية حَسَمَت المسألة حين بيَّنت أن اكتمال ضم الأراضي حسب الاجتهادات «التوراتية» الى دولة إسرائيل يشكل أعلى درجات «التجسد» الإلهي, ألا وهو ظهور السيد «المسيح»!!
على الرغم من أن نص «الطريق الى قانا», هو من نفس «قماشة» تساؤلات مسرحية الراهبة «هندية» للكاتب نفسه, إلا, أن نص قانا, جاء في مناخ آخر. وإذا, كانت مشهدية الراهبة «هندية» قد صَبَّت في بحر التصوُّف, فإن مسرحية «الطريق الى قانا» جاءت أقرب الى «النبع» منها الى «المصبّ».
ربما لهذا, تآلف الممثلون ولو بشكل متفاوت مع أدوارهم, ضمن «سينوغرافيا» لرفيق الأشقر بألوانها الرمادية التي عَكَسَت صدى النص فكانت بمثابة «لوغو», بقي راسخاً في العين طوال مدة العرض. وكانت الصخرة الكبيرة المشغولة باتقان مع الوجوه المنحوتة, وكذلك البساط الرمادي الكلسي الذي حَدَّد بالإيهام مساحة ومدى اللعب, الى جانب المعبر الدرب الذي يصل الى وسط المنصَّة نزولاً ثم يتوقف بجوار صخرتين وظائيفيتين كعلامتي استفهام غلبهما العديد من علامات التعجب!!
وعلى خشبة المسرح كانت كل الأشياء المرئية «أفقيّة»: الصخرة, الدرب, «عليّة» الموسيقيين والمغنيّة... وحركة الدخول والخروج... وكأن الجميع يلعبون على خط الأفق! فقد أخذت الصخرة كل المدى, وأصبحت هي المنتهى بدلالاتها, حيث لا دخول ولا خروج من وسط المسرح, وكل هذا ضمن الانارة المختلفة على منصة الموسيقيين التي جاءت ولو من خلف ستارة شفَّافة «حارَّة» بلونها وتأثيرها أمام كثافة اللون الأسود الذي لفَّ المسرح لاغياً الاحساس بالمسافات والأبعاد, والميقات.
إن «سخرية» جلال خوري المرّة الحرَّاقة التي استعملها كمتكآت تفصل وتصل بين المواقف في آن معاً هي تماماً كمياه البحر التي تفصل بين الجزر, وهي بذاتها التي توصل بينها!
هذه الروح الواسعة الرحبة لمفهوم الدراما عنده, أعطَت لمسرحه نكهة غير آنيةموسمية, لها خصوصيتها وفرادتها, حاملة في ثناياها شيئاً من «الرصانة» الألمانية, وأشياء من «المهابة الخفيَّة» اليابانية المتنسمة روح الطقوسية, من دون إيقاد شموعها! والكثير من طبيعة «الوجدان» اللبناني العربي المسكون بالتردد وعدم الثقة والهلامية التي هي مزيج وخليط من المتناقضات «الهائلة», التي تكسر المنطق والعقلانية بقلب «بارد» على الرغم من «حر» وهجير جهنَّم الصحراء! فنرى هذا ضمن الطائفة الواحدة والعائلة الواحدة, والشخص الواحد!! ولا ترتكز أهمية حضور جلال خوري فقط على ما كتب! وإنما على ما استطاع أن يحذفه ويختزله ويمحوه!
جلال خوري جريء, في زمن كَثُرَ فيه الجهل والتخاذل والانكفاء, وهو ما يزال كذلك منذ مطالع الستينيات, خصوصاً بعد نكسة 1967.
لقد جاءت موسيقى العمل التي وقَّعها «سامي حواط» و«كمال القصَّار» والغناء الانشادي «ريم عبد الكريم الشعار» ضمن السياق, ولم تكن مع الصوت مجرّد «محطة فاصلة» وإنما ظَهَرَت بكفاءة كدورٍ له حضور وكنصّ جاذب «مسموع» وكأنها إيحاء لمفهوم «الجوقة, أو, الصوت الخفي الموضوعي المنبِّه, ولم تكن كما هو متعارف عليه وسائد ومألوف «تختاً شرقياً» تقليدياً.
أما الأداء التمثيلي, الذي طبعه جلال خوري بـ«مناخ روحه» فقد جاء:
«فاديا صعيبي»: ممثلة بقدرات غنيّة, مقنِعَة الأداء, لعبت دور القسِّيسة الأميركية المتزمتة, وشكَّلت ثنائية «ملتهبة» مع زوجها الهندي الأصل وكانت مفتاحاً رائعاً لكل ردات فعله.
«شادي الزين»: ممثل «زُمْبَرَك» لا يهدأ, حتى في لحظات الصمت «الهندية». أحب القسيسة الأميركية بروحه وعاطفته الشرقية الهندية, واعتنق المسيحية بمفاهيم وتقاليد هندوسية, مما أدَّى به الأمر الى الصدام الدائم مع زوجته حول مفاهيم «المعتقد» وتجلياته في عالم «العصر والمعاصرة». وعلى الرغم من ذلك كانت تصريحاته تقول بأنه عادة ما يصل مع زوجته الى حلول لأعقد وأقدس المسائل في دفء حميمية «السرير»!!
«منير غاوي»: حضور مريح, مرتكز على خبرة كبيرة مرافق لأعمال جلال خوري هو يملك وجهاً «رومانياً» قديماً ومحيّا يأخذك الى عَبَق وعبير غابر ولفتات فيها براءة مزمنة, وثقة وأداء محترف. لعب دور «الزمن» الطالع من الماضي. هادئ, هدوء وسكون صخرة «قانا», ومستوعِبْ لكل نَزَق ومشاكسة الزائرين على مختلف اقتناعاتهم.
«أيمن غنَّام»: المشكِّك السلبي, الذي يود الوصول الى ما هو ايجابي, وذلك مع ميله الداخلي الى نفي الأمور ورفع وتيرة الجدال حولها. فقد لعب دور الزائر الأول, الذي استطاع أن يُخرجَ رجل «الزمان» عن طوره ووقاره وحضوره «الأسطوري»!
طوال العرض كانت السينوغرافيا المختزلة حاضرة وغير منفصلة عن حوار النص, وعن الموسيقى والاضاءة والأداء والغناء الانشادي «السولو» الجميل والجديد.
يقول أحد الصوفيين: «اللهَّم زدني فيك تحيّراً»!!
وجلال خوري أوقعنا وأغرقنا بـ«الحيرة», وهذا منتهى الليبرالية والديمقراطية, لنتحرر ونختار ونحسم.
غازي قهوجي
نقلا عن جريدة الكفاح العربي اللبنانية اسبوعية سياسية | الاربعاء 31 كانون الثاني 2007