المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدن البحر الاحمر بعدسة : حسن حامد


مؤيد منيف
31-01-2007, 08:47 AM
مدن البحر الأحمر بعدسة السوداني حسن حامد: عمارة واحدة قديمة

محمد جميل أحمد الحياة - 16/01/07//http://www.alhayat.com/culture/01-2007/Item-20070115-26ab9c5e-c0a8-10ed-0090-682e8b9f2c5c/story.html





http://www.doroob.com/wp-content/images/userimages/2007/01/jameel3.jpg




البحر الأحمر عاش ظلاً للبحر المتوسط، «وأخاً محَقَّراً» بحسب الطيب صالح في خمول الذكر وإهمال السيرة. ربما أخذ تلك الصورة من موسم الفتوحات الإسلامية المتجهة شمالاً، فالعرب والمسلمون الذين عبروا المتوسط في القرن الأول والثاني للهجرة وأسسوا على ضفافه حضارتهم في الأندلس وصقلية وكريت لم يحفظ عنهم أنهم عبروا فاتحين، غرب البحر الأحمر، إلا في الهجرة الأولى إلى الحبشة، وبذلك ظل الهامش العربي الإسلامي جنوب البحر الأحمر وغربه منعزلاً مخذولاً، لا تعين عليه إلا رحلات جغرافية مقتضبة. مع أن العرب في جاهليتهم لم يذكروا «اليم» في أشعارهم إلا في سياق المشاكلة اللفظية بين البحر الأحمر ودجلة والفرات.
هذا مدخل الى عالم المصور الفوتوغرافي السوداني حسن حامد نراه في أعماله الفوتوغرافية عن موروثات فن العمارة الإسلامية في مدن البحر الأحمر، محاولاً أن يكشف علاقات أكثر حميمية بين الأمكنة في مدن البحر الأحمر. تفصح لوحاته الفوتوغرافية عن ملامح مادية تتوزع بين فنون العمارة العامة (أبواب المدن القديمة) والعمارة الخاصة (المنازل) والأكثر خصوصية (النوافذ والرواشين) كتيمات تسمح بالنظر المتعدد في مفردات تلك العمارة وصولاً إلى صورة جمالية تنسج كل ذلك في معادلة الوحدة والتنوع التي حكمت التصور الحضاري الإسلامي ووحدت ذاكرة المكان في مدن البحر الأحمر وغيرها من مدن العالم الإسلامي. ذاكرة ورثتها عمارتنا (الحديثة) من خلال مطابقات مشوهة بفعل التباس الحداثة المنسوخة عن أصولها المدنية والمعمارية من الآخر الأوروبي، ومن دون الانتباه إلى أي فرز لصورة المكان وسياقاتها الفلسفية والبيئية والاجتماعية بين حضارة وأخرى.

يوثق حسن حامد، بحرص ملامح التراث المعماري في مدن البحر الأحمر في كل من السودان (بورسودان - سواكن) وإرتريا (مصوع - عصب) واليمن (المخا - الحديدة) والسعودية (جدة - ينبع). يذهب المصور في رحلة دائرية برية بحرية مضنية، تبدأ من السودان مروراً بمصوع وعصب في إرتريا عبوراً إلى اليمن من ميناء عصب إلى المخا ووصولاً إلى سواحل جدة وينبع السعودية. وطوال الرحلة المصورة تسترق الكاميرا تيمات متناسخة من نماذج العمارة التراثية، فتبدو عناصر التوحد أكثر التصاقاً من تفاصيل الصنعة.



http://www.doroob.com/wp-content/images/userimages/2007/01/jameel1.jpg



ومن يتأمل صورة بوابة سواكن (أو بوابة الشناوي) لا يكاد خياله يمسك بتفاصيل الفوارق بينها وبين باب مكة (أو باب شريف) في مدينة جدة، والشبه مدهش مع باب اليمن (أو باب الإمام) في صنعاء. يتجسد التصور التاريخي لأبواب المدن القديمة كعنوان للعمارة والسلطة أيضاً؛ فالسلطة هنا تأخذ مدلولها من الحاكم. لذلك ربما كان ارتباط السلطة بنماذج أبواب المدن القديمة نابعاً من ذلك التماهي بين المدينة والحاكم (الشناوي في سواكن، والشريف في جدة، والإمام في صنعاء).
وتتوحد ملامح العمارة التراثية في التقويس المنحوت في الصور الثلاث وهو تقويس ربما ارتدت جذوره إلى تعرجات الخط العربي، وكذلك الفراغات الهندسية المفتوحة والمغلقة في أشكال التربيع والاستطالة (في بوابة سواكن خصوصاً) فنرى المستطيلين في أعلى البوابة كمكان للحراسة، ومسافة الارتفاع في بوابات المدن الإسلامية القديمة تندرج مع بعدها الجمالي، في مفهوم الأمن إذ تسمح برؤية العدو من مكان بعيد.




http://www.doroob.com/wp-content/images/userimages/2007/01/jameel3.jpg


أما صورة المنزل المأخوذة لمنزل تراثي في مدينة ينبع البحر السعودية فتبرز خشب الروشان بصفة دقيقة، وبصورة جمالية تحمل الشكل الأوضح لمدلولها الاجتماعي أي علاقتها بطريقة النظر والمشاهدة، حيث تسمح المشربيات والشيش للنساء بفضول النظر من طرف واحد. بالإضافة إلى طبيعة المواد التي تلائم البيئة، كالخشب الذي يقاوم الرطوبة في مدن البحر الأحمر.


http://www.doroob.com/wp-content/images/userimages/2007/01/jameel2.jpg



أما صورة النافذة المأخوذة عن منزل في مدينة جدة فهي الأكثر حداثة في الزمن، إذ أن التنضيد لا يسمح بالرؤية والنظر، فهو يدل على وظيفته الجمالية أكثر من وظيفته الاجتماعية، ما يعني أن الحداثة تتخفف مع الزمن من ضغط التراث.
ذلك أن إمكانية تحريك النافذة جزئياً عبر المصراع ينطوي على تغيير في طريقة للنظر أكثر حرية، وكأن الصانع أراد أن يزاوج بين بقاء الموروث كزينة، وإمكان تجاوزه في الوقت نفسه. وربما أراد حسن حامد في الصور الثلاث الإشارة الى معنى التطور النسبي تاريخياً بين هذه المدن الثلاث (جدة - ينبع - سواكن) التي كانت في يوم من الأيام تابعة لإشراف إداري واحد؛ فعندما مر الرحالة المغربي الشهير ابن بطَّوطة بمدينة سواكن على الساحل السوداني غرب البحر الأحمر في القرن الثامن الهجري وجد حاكماً يحكمها من أشراف الحجاز (الشريف عون). وظلت سواكن في السودان ومصوع في إرتريا تتبعان إدارياً الحجاز حتى أواخر القرن التاسع عشر، فهناك وشائج تاريخية بين المدن الثلاث، تماماً كوحدة العمارة التراثية بين ضفتي البحر الأحمر.
تقوم تقنية الصورة عند حسن حامد على جدل متواصل بين الضوء والعتمة، والكتلة والفضاء، فصورة النافذة مثلاً ينشطر إطارها بين العتمة الخفيفة الناشئة من الظل أسفل الصورة، وبين الضوء في أعلاها، كأن هذه المزاوجة تفسر فلسفة الشكل المعماري الهجين. أي المزج بين التراث والمعاصرة. كما تبرز لنا مساحة الضوء في أعلى النافذة بتفاصيل أكثر من أسفل الصورة الغارق في الظل.
أما صورة بوابة سواكن فيشتغل حوارها الفوتوغرافي على ذلك الصفاء المصقول بين الكتلة والفضاء أي بين لونين يتقاطعان بين السماء والأرض.
ويكشف حسن حامد عن منحى أكثر معاصرة حين لا يغفل في صوره بعض أشياء الحياة المادية الحديثة مثل مكيف الهواء في صورة المنزل المأخوذة من مدينة ينبع أو عمود الكهرباء في صورة بوابة سواكن.




ولكم تحياتي

مؤيد منيف