مؤيد منيف
27-01-2007, 12:13 PM
عباقرة الفن التشكيلي ضحايا على مذبح «الهوس السياحي»
المعارض الاستعادية قناع لنزاعات عتيقة بين العواصم الكبرى
الشرق الاوسط \ الاربعـاء 06 محـرم 1428 هـ 24 يناير 2007 العدد 10284
http://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10284&article=403110
http://www.asharqalawsat.co m/2007/01/24/images/art.403110.jpg
استوكهولم: فاروق يوسف
لا تتوقف المتاحف والمؤسسات الفنية وقاعات العرض في أوروبا، عن فتح مخازنها من أجل اقامة المعارض الاستعادية لهذا الفنان أو ذاك، ممن كان لهم أثر واضح في مسيرة الفن التشكيلي الاوروبي والاميركي. العروض الاستعادية هذه، التي باتت من معالم العواصم الكبرى، لم تعد حكرا على فناني اتجاه بعينه، بل تشمل برعايتها فنانين من مختلف الاتجاهات والعصور، وتقام على مدار السنة. ولكن، هل القصد هو فعلا إعادة النظر في أهمية الفنان المحتفى به من خلاله المرحلة التي يمثلها، أم أننا أمام أنشطة سياحية، ترويجية، بعيدة عن البراءة الرومانسية، تريد الجهات الراعية من ورائها قطف المزيد من الاموال؟
قبل الروسي فاسيلي كاندنسكي، مخترع التجريدية وملهم تجاربها المختلفة طوال القرن الماضي، كان المعنيون بالفن على موعد مع الفرنسي بول سيزان الذي يعتبر بحق أبا للحداثة الفنية. وما بين الأثنين انشغلت العواصم الأوروبية، بايف كلاين وروبرت روشنبرغ وديفيد هوكني وارشيل غوركي وبونار وأيغون شيلا وادوارد هوبير وديفيد سميث، وسواهم من الفنانين الذين صارت اعمالهم أشبه بالايقونات التي لا تخطئ الطريق اليها عين أي هاو لقراءة تاريخ الفن في عصرنا. نعثر في فن كل واحد من هؤلاء على سبب أو أكثر لشهرته إذا لم نقل لخلود فنه، وان مغامرة حياته لم تذهب هدرا. فها هي نتائج أفعاله (لوحاته وتماثيله) تنتسب الى التاريخ بصفتها دروسا في صناعة التحولات الكبرى. ولان التأريخ لا يمتلك شروطا مفهومة ومكرسة وموضوعة سلفا للانتساب اليه، فانه يطل بنا دائما على مفاجآته.
الشهرة لا قاعدة علمية لها
* يحدث العكس أحيانا: لا أحد يذكر اليوم اسم الفنان الذي كتب عنه الشاعر الفرنسي شارل بودلير مقالته التي اخترع فيها مصطلح الحداثة، وهي واحدة من أكثر مقالات بودلير شهرة، وفي المقابل فان فنسنت فان غوغ مات محروما من أية شهرة، لقد اندلع الشغف به بعد وفاته بخمسة أعوام. كان سيزان يردد دائما: لو أنني أعرف أن لوحاتي لن تدخل اللوفر لتوقفت عن الرسم. ظاهرياً لا يعير الكثير من الفنانين هذا الوهم السيزاني أهمية تذكر، في أقوالهم كما في حياتهم المباشرة، ولكن هل يعبر هذا اللااكتراث عن حقيقة مشاعرهم؟ كان النرويجي مونخ يترك لوحاته بعد أن ينجزها في العراء ليلحق بها الضرر بسبب مناخ بلده الثلجي، وكان يقول: «لو أنها لم تتضرر فانها لا تنتسب الي». وكان العراقي شاكر حسن آل سعيد يصنع لوحاته من مواد قابلة للتلف السريع، وكان حين اسأله شيئا من العناية بلوحاته تلك يجيبني مبتسما بحزن: «أنا فانٍ، فلم لا تفنى أدعيتي مثلي». ولكن حين سرقت لوحة مونخ الشهيرة «الصرخة» من متحف اوسلو، سيطر الوجوم على اجهزة الاعلام. اما بالنسبة لال سعيد فان الكثيرين من متابعي الشأن الفني في مختلف انحاء الوطن العربي يضعون أيديهم على قلوبهم خشية أن يضيع أرث ذلك الفنان الكبير بسبب الفوضى التي تعم العراق الان.
السطو الفني على طريقة الدول
* من خلال كاندنسكي يحاول بعض منشطي الفن التقليل من شأن الهيمنة الفرنسية على الحداثة الفنية. إنهم يلوحون بشكل صريح الى أن التجريد، الذي هو واحد من أهم اختراعات القرن العشرين الفنية لم يكن فرنسيا. غير أن باريس من جهتها تستمر في تمثيل دور المدينة الكونية بالنسبة للفنون، فتستعيد فن الاميركيين: راوشنبرغ وسمث وجيمس توريل في معارض نادرة كبرى، مثلما تحتضن فن أبنها ايف كلاين. هذا الفنان الذي مات شابا بعد أن وضع الفن على طريق ما بعد الحداثة، حسب الوصفة الفرنسية. صراع ثقافات تنشئ من خلاله المدن قيمة لمعمارها الروحي: نيويورك من جهة وباريس من جهة أخرى. منذ نهايات اربعينات القرن الماضي والسخرية الاميركية من اوروبا القديمة لا يمكن اخفاؤها. على المستوى الفني مثلت باريس هدفاً صلباً، وجد الاميركيون أن الحرب الثانية قد يسرت اختراقه، والنزوح الى ما بعده. لقد حمل الفنانون الباريسيون (من فرنسييين ومقيمين، لا فرق) بسبب الحرب تجاربهم الرائدة في الحداثة الفنية الى اميركا حين هاجروا اليها. حينها وجد الاميركيون أن في امكانهم أن يقيموا فنا يشبههم، فنا يغزون به العالم، الذي قررت جهة ما أن يكون اميركيا في المستقبل. وفي ظل هذه النية المعبأة الغازا نشأت التجريدية التعبيرية والفن الشعبي ليقيما صروحا مقابلة لتلك الصروح الفنية التي اقامتها اوروبا العتيقة يوما ما.
وكما أرى فان المعارض الاستعادية اليوم ليست سوى التعبير المعاصر عن ذلك الصراع القديم: مدن تؤهل أعين المتطلعين اليها للقبول بها نوعا من الحافات التي ينتهي اليها الجمال. نيويورك تفكر في أن تكون الوريثة لمدن اوروبية لا تزال تهب احلامها قدمين مستعارتين من خيال التاريخ الانساني، مشدودة الى خيلائها الاغريقي.
هل يمكن أن تكون الاستعادة نوعا من الاستيلاء والضم؟ بمعنى أن يكون الاحتفاء بفنان ما، بغض النظر عن جنسيته، مناسبة لاظهار ما تمتلك هذه المدينة أو تلك من أعماله الفنية، ومن ثم الحاقه بها. هناك وقائع تاريخية كثيرة تثبت هذه الفرضية: المتخصصون وحدهم يعرفون ان فنسنت فان غوغ هو هولندي (بالرغم من أن هناك متحفا يحمل أسمه في امستردام)، أو أن «ماتا» لم يكن فرنسيا بل تشيليا، أو أن زها حديد لا تزال عراقية، أو أن جياكومتي كان سويسريا، أو أن برانكوزي كان رومانيا، أو أن ماهولي ناجي (أحد مؤسسي مدرسة باو هاوس الكبار) كان هنغاريا. حالات كثيرة في تاريخ الفن في امكانها أن تؤكد عكس ما تذهب اليه الحقيقة. فتاريخ الفن هو الآخر صناعة. صحيح أن تلك الصناعة تبدأ بشكل مسل غير أنها تفرض في النهاية نتائج قاسية من جهة انحرافها. المعارض الاستعادية بالرغم من أهميتها على مستوى انعاش الذاكرة الفنية فانها تنطوي على رغبة مدن بعينها في العالم في أن يعترف العالم بريادتها الثقافية. وهي رغبة لا تخفي هوسا سياحيا تدعمه شهوة الربح المالي المؤكد من قبل مؤسسات كبرى صارت تنظر الى التاريخ، بصفته ملعبا لنزواتها الغامضة.
ولكم تحياتي
مؤيد منيف
المعارض الاستعادية قناع لنزاعات عتيقة بين العواصم الكبرى
الشرق الاوسط \ الاربعـاء 06 محـرم 1428 هـ 24 يناير 2007 العدد 10284
http://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10284&article=403110
http://www.asharqalawsat.co m/2007/01/24/images/art.403110.jpg
استوكهولم: فاروق يوسف
لا تتوقف المتاحف والمؤسسات الفنية وقاعات العرض في أوروبا، عن فتح مخازنها من أجل اقامة المعارض الاستعادية لهذا الفنان أو ذاك، ممن كان لهم أثر واضح في مسيرة الفن التشكيلي الاوروبي والاميركي. العروض الاستعادية هذه، التي باتت من معالم العواصم الكبرى، لم تعد حكرا على فناني اتجاه بعينه، بل تشمل برعايتها فنانين من مختلف الاتجاهات والعصور، وتقام على مدار السنة. ولكن، هل القصد هو فعلا إعادة النظر في أهمية الفنان المحتفى به من خلاله المرحلة التي يمثلها، أم أننا أمام أنشطة سياحية، ترويجية، بعيدة عن البراءة الرومانسية، تريد الجهات الراعية من ورائها قطف المزيد من الاموال؟
قبل الروسي فاسيلي كاندنسكي، مخترع التجريدية وملهم تجاربها المختلفة طوال القرن الماضي، كان المعنيون بالفن على موعد مع الفرنسي بول سيزان الذي يعتبر بحق أبا للحداثة الفنية. وما بين الأثنين انشغلت العواصم الأوروبية، بايف كلاين وروبرت روشنبرغ وديفيد هوكني وارشيل غوركي وبونار وأيغون شيلا وادوارد هوبير وديفيد سميث، وسواهم من الفنانين الذين صارت اعمالهم أشبه بالايقونات التي لا تخطئ الطريق اليها عين أي هاو لقراءة تاريخ الفن في عصرنا. نعثر في فن كل واحد من هؤلاء على سبب أو أكثر لشهرته إذا لم نقل لخلود فنه، وان مغامرة حياته لم تذهب هدرا. فها هي نتائج أفعاله (لوحاته وتماثيله) تنتسب الى التاريخ بصفتها دروسا في صناعة التحولات الكبرى. ولان التأريخ لا يمتلك شروطا مفهومة ومكرسة وموضوعة سلفا للانتساب اليه، فانه يطل بنا دائما على مفاجآته.
الشهرة لا قاعدة علمية لها
* يحدث العكس أحيانا: لا أحد يذكر اليوم اسم الفنان الذي كتب عنه الشاعر الفرنسي شارل بودلير مقالته التي اخترع فيها مصطلح الحداثة، وهي واحدة من أكثر مقالات بودلير شهرة، وفي المقابل فان فنسنت فان غوغ مات محروما من أية شهرة، لقد اندلع الشغف به بعد وفاته بخمسة أعوام. كان سيزان يردد دائما: لو أنني أعرف أن لوحاتي لن تدخل اللوفر لتوقفت عن الرسم. ظاهرياً لا يعير الكثير من الفنانين هذا الوهم السيزاني أهمية تذكر، في أقوالهم كما في حياتهم المباشرة، ولكن هل يعبر هذا اللااكتراث عن حقيقة مشاعرهم؟ كان النرويجي مونخ يترك لوحاته بعد أن ينجزها في العراء ليلحق بها الضرر بسبب مناخ بلده الثلجي، وكان يقول: «لو أنها لم تتضرر فانها لا تنتسب الي». وكان العراقي شاكر حسن آل سعيد يصنع لوحاته من مواد قابلة للتلف السريع، وكان حين اسأله شيئا من العناية بلوحاته تلك يجيبني مبتسما بحزن: «أنا فانٍ، فلم لا تفنى أدعيتي مثلي». ولكن حين سرقت لوحة مونخ الشهيرة «الصرخة» من متحف اوسلو، سيطر الوجوم على اجهزة الاعلام. اما بالنسبة لال سعيد فان الكثيرين من متابعي الشأن الفني في مختلف انحاء الوطن العربي يضعون أيديهم على قلوبهم خشية أن يضيع أرث ذلك الفنان الكبير بسبب الفوضى التي تعم العراق الان.
السطو الفني على طريقة الدول
* من خلال كاندنسكي يحاول بعض منشطي الفن التقليل من شأن الهيمنة الفرنسية على الحداثة الفنية. إنهم يلوحون بشكل صريح الى أن التجريد، الذي هو واحد من أهم اختراعات القرن العشرين الفنية لم يكن فرنسيا. غير أن باريس من جهتها تستمر في تمثيل دور المدينة الكونية بالنسبة للفنون، فتستعيد فن الاميركيين: راوشنبرغ وسمث وجيمس توريل في معارض نادرة كبرى، مثلما تحتضن فن أبنها ايف كلاين. هذا الفنان الذي مات شابا بعد أن وضع الفن على طريق ما بعد الحداثة، حسب الوصفة الفرنسية. صراع ثقافات تنشئ من خلاله المدن قيمة لمعمارها الروحي: نيويورك من جهة وباريس من جهة أخرى. منذ نهايات اربعينات القرن الماضي والسخرية الاميركية من اوروبا القديمة لا يمكن اخفاؤها. على المستوى الفني مثلت باريس هدفاً صلباً، وجد الاميركيون أن الحرب الثانية قد يسرت اختراقه، والنزوح الى ما بعده. لقد حمل الفنانون الباريسيون (من فرنسييين ومقيمين، لا فرق) بسبب الحرب تجاربهم الرائدة في الحداثة الفنية الى اميركا حين هاجروا اليها. حينها وجد الاميركيون أن في امكانهم أن يقيموا فنا يشبههم، فنا يغزون به العالم، الذي قررت جهة ما أن يكون اميركيا في المستقبل. وفي ظل هذه النية المعبأة الغازا نشأت التجريدية التعبيرية والفن الشعبي ليقيما صروحا مقابلة لتلك الصروح الفنية التي اقامتها اوروبا العتيقة يوما ما.
وكما أرى فان المعارض الاستعادية اليوم ليست سوى التعبير المعاصر عن ذلك الصراع القديم: مدن تؤهل أعين المتطلعين اليها للقبول بها نوعا من الحافات التي ينتهي اليها الجمال. نيويورك تفكر في أن تكون الوريثة لمدن اوروبية لا تزال تهب احلامها قدمين مستعارتين من خيال التاريخ الانساني، مشدودة الى خيلائها الاغريقي.
هل يمكن أن تكون الاستعادة نوعا من الاستيلاء والضم؟ بمعنى أن يكون الاحتفاء بفنان ما، بغض النظر عن جنسيته، مناسبة لاظهار ما تمتلك هذه المدينة أو تلك من أعماله الفنية، ومن ثم الحاقه بها. هناك وقائع تاريخية كثيرة تثبت هذه الفرضية: المتخصصون وحدهم يعرفون ان فنسنت فان غوغ هو هولندي (بالرغم من أن هناك متحفا يحمل أسمه في امستردام)، أو أن «ماتا» لم يكن فرنسيا بل تشيليا، أو أن زها حديد لا تزال عراقية، أو أن جياكومتي كان سويسريا، أو أن برانكوزي كان رومانيا، أو أن ماهولي ناجي (أحد مؤسسي مدرسة باو هاوس الكبار) كان هنغاريا. حالات كثيرة في تاريخ الفن في امكانها أن تؤكد عكس ما تذهب اليه الحقيقة. فتاريخ الفن هو الآخر صناعة. صحيح أن تلك الصناعة تبدأ بشكل مسل غير أنها تفرض في النهاية نتائج قاسية من جهة انحرافها. المعارض الاستعادية بالرغم من أهميتها على مستوى انعاش الذاكرة الفنية فانها تنطوي على رغبة مدن بعينها في العالم في أن يعترف العالم بريادتها الثقافية. وهي رغبة لا تخفي هوسا سياحيا تدعمه شهوة الربح المالي المؤكد من قبل مؤسسات كبرى صارت تنظر الى التاريخ، بصفته ملعبا لنزواتها الغامضة.
ولكم تحياتي
مؤيد منيف