عبود سلمان
21-01-2007, 11:26 PM
لوحة فلافيا قدسي تمسرح الفراغ الواقعي
فيصل سلطان
(لبنان)
www.jehat.com/.../Tashkeel/maared/a_bazzoon.htm (http://www.jehat.com/Jehaat/ar/Tashkeel/maared/a_bazzoon.htm)
http://www.jehat.com/jehaat/images/tashkeel/25-10.jpg"وجوه"، المعرض الجديد لفلافيا قدسي في صالة "اسباس اس دي" (سنتر داغر، جادة شارل حلو، المرفأ) يؤكد من خلال 25 لوحة اكريليك، قدرة هذه الفنانة الشابة على اختراق تيارات الواقعية الجديدة بأسلوبها المتميز في التشخيص. فهي تعيد الاعتبار الى التقاليد الأكاديمية، حين تجمع بين رمزية الجلسات والحالات الإنسانية وخواء الأمكنة، فتنحاز الى الايهامات المقبلة من فن خداع البصر وأسلوب المانييريزم الذي يقوم على المبالغة في إبراز عناصر الرسم والتصوير الكلاسيكي بتكلف متعمد. الاستلقاء داخل الخواء
تعتمد فلافيا قدسي، رغم كونها فنانة عصامية، على المفاهيم الأكاديمية بأمانة مفرطة. تسجل أدق التفاصيل المحسوسة في جلسات الموديل للوصول الى فضاء الحقائق الحية، كحاضر مستمر. تنطلق من جمالية الإيهام البصري الذي يوحي للمشاهد أنه أمام شيء حقيقي ورائع ومحيّر وغامض ومثير للالتباس بواقعيته الفوتوغرافية. هذا الأسلوب القديم - الحديث، استخدمه جيوتو في عصر النهضة. ويروى عنه انه كان لا يزال تلميذا في محترف شيمابو عندما رسم ذبابة على انف احد الشخصيات مازحا، الى درجة ان أستاذه اعتقد إنها ذبابة حقيقية وأراد إبعادها. وما لبث هذا الأسلوب ان تطور نحو المزيد من إثارة اللبس. فقد قام العديد من الفنانين الكلاسيكيين منذ القرن السادس عشر باختراق المنظور المألوف عبر التركيز على ما سمّي الخيالي، لإظهار الاندماج الحي بين الجسد وفضائه المتخيل، فراجت في تجارب القرن العشرين رسوم الوهم البصري على الجدران كما لو إنها مسرح داخل مسرح.
على هذا الأساس تستعيد فلافيا قدسي تلك الخاصية وتجعل خلفيات لوحاتها ذات مساحات تحمل مواصفات الجدار. انه الحائط بكل ما يكتنفه من خربشات وزيوح عفوية وآثار للزمن من تعرية وتآكل. لكنه يحافظ على أناقته كخلفية مناسبة للوضعيات المتنوعة التي يتخذها الموديل سواء كان رجلا أو امرأة، في حالات الوقوف أو الجلوس أو الاضطجاع أو النوم، كما لو ان الرسامة تُلبس نماذجها ألبسة الوحدة التي تشع منها الذكريات. النظرات ثابتة والوجوه واجمة والشعر يتناثر ويطير في الهواء بينما يخيم على اللوحة سكون الانطواء والخوف والغربة.
http://www.jehat.com/jehaat/images/tashkeel/25-10-1.jpg
سكون الانطواء.
يغيب الكادر الخارجي في اللوحة فلا يبقى سوى الفراغ الداخلي - الجدار الذي يطبع بوحشته جلسات الموديل. تحاول تركيب موضوعات في فضاء افتراضي قائم على الفراغ والزوايا الحادة والفتحات الداخلية الأفقية (رفوف، خط الأرض ومكعبات)، وهذه العناصر تظهر أيضا في رسمها للطبيعة الجامدة (التفاح، الموز والرمان).
تعتمد فلافيا قدسي على التصوير الفوتوغرافي بعد اختيار عناصرها، ثم ترسم الموديل - الفوتو، وغالبا ما تكون موديلاتها من أصدقائها وصديقاتها. تحاول استنطاق وجوههم وأجسادهم الى أعلى درجات المبالغة، لتبرز توترات عروق اليد وأشكال نتوء العضلات والعظام، تماما كما تتبع حركات ثنايا الأقمشة والتواءاتها، لتُظهر إحساسها بالعمق الوجداني للظلال.
فاللعب على النور جزء لا يتجزأ من لعبة الوهم البصري، ودقة المنظور الذي يدور في فلك البعدين. البعد الحقيقي المنقول فوتوغرافياً والبعد المتخيّل الذي يتم أحياؤه بإحساس قوي وجارف في جنوحه المثمر نحو التضخيم وإبراز عيوب الجسد والحركة المشهدية الممسرحة. تنطلق دائما من نقطة حيوية تثيرها حركة اليدين أو اليد الواحدة، حركة الانطواء على الذات وحركة الالتفاف على الحقائق الجديدة،
http://www.jehat.com/jehaat/images/tashkeel/25-10-2.jpg
سجن أم طبيعة "ميتة"؟!ثم حركة التفاصيل في مناخات الغرابة والألم والتحدي والانعتاق. إذ ان دقة الاشياء المرسومة تجعلنا نكتشف من جديد أهمية أسلوب فلافيا قدسي، التي ترسم من دون دراسة فنية أكاديمية، وهذا ما يعجز الأكاديميون المعاصرون من جيلها على رسمه. تمتلك عينا صادقة وروحا شعرية تتسرب الى عالم الداخل أو ما يسمّى الشيئية الجديدة التي تعكس خواء الفراغ والملل وصدى الأمكنة الرمادية ذات اللمعان الفضي وما تنطوي عليه من خربشات وتوترات.
ثمة تلك النظرة الانتقادية الخفية إزاء غياب القيم الإنسانية. فالكلاب تعوي والأشخاص ينامون أو يجلسون في الخواء كأنهم ضحايا الحروب والعنف والجوع والفراغ واللامبالاة. الممثل إنسان ممسوح الوجه في كهفه المغلق يتشرب الصمت حاملا بيده أقنعة وجوه في حالات الضحك والبكاء والألم، كأنه يدعونا للتفرج على حالات الانسان المجهول في هاوية قدره. إما المرأة الواقفة من الخلف فشبه عارية. ترفع بيديها الستارة التي تغطي الجزء السفلي من جسدها، كأنها تنشرها على المساحة، التي تمتد من ظاهر البارافان الى خلفه.
http://www.jehat.com/jehaat/images/tashkeel/25-10-3.jpg
الستار والبارفان وصمت الوقوف في عري الجسدتخاطب فلافيا قدسي الأمكنة الخاوية الآتية من العصور الحجرية الحديثة، كالعيش داخل مربعات صغيرة أو الاستلقاء داخل رفوف شبيهة بغرف السجون. فالقيم اللونية لديها تأتي دائما من الخواء، من الفراغ الرمادي أو البني المحروق أو الأبيض أو الأحمر الناري أو الأصفر، كما لو أنها تتوغل في شتى معاني الحياة، حلوها ومرها، آملة اقتناص الحالة المسرحية للواقع، من خلال لعبة المليء والفارغ. تختار الزوايا الصعبة، الزوايا المريرة التي لا تلامس حركة الجزئيات قدر ما تلامس حركة العواطف، أي إنها تحاول الوصول الى تسجيل وحدة المكان والزمان والحركة في ملامستها لإثارة الأوهام والقيم الفنية.
تنظم الرسامة العناصر وتبالغ في ترتيبها وإبراز أشكالها وأجزائها، لتقطف الهواء العاصف أو الصمت أو الصرخة التي تظل تراوح في شكلانيتها بين ما هو واقعي طبيعي وواقعي متكلف، كما لو أنها تبحث عن وهم ابدي، حين تنظر الى داخل الشيء الى عمق نوافذ الروح. تخترق الظروف المختلفة والجلسات والوقفات الممسرحة التي تكون في الوقت نفسه واقعية وغير واقعية، إنسانية سطحية عادية وغير عادية، تجمعها أمامنا وتصورها كما لو أنها حدث استثنائي على عتبة مسرح اللوحة، حيث السكون هو وقار الرغبات وهو الطاقة الروحانية للهروب من العالم. الجدار والموديل والملابس كلها تعكس الإضاءة الميتافيزيقية الساطعة للبحث عن الحقيقة. صحيح ان هذه الإضاءة ساطعة غير أنها مجهولة الوجهة أحيانا، وهي قوية أو خافتة الى ان تضمحل كالهمس على الجدران. لكن القماش اللامع يتشربها ويطويها.
لوحات فلافيا قدسي متعطشة دوما الى الضوء. الى الوهم بفضاء أرحب وافق أوسع. تؤمن بوجود نور غريب يمكن ان يساعد فجأة في الخروج من الكهوف التقليدية حتى عندما تبدو الأحلام والآمال كأنها ستتحطم الى الأبد.
النهار الثقافي- 12 أكتوبر 2003
فيصل سلطان
(لبنان)
www.jehat.com/.../Tashkeel/maared/a_bazzoon.htm (http://www.jehat.com/Jehaat/ar/Tashkeel/maared/a_bazzoon.htm)
http://www.jehat.com/jehaat/images/tashkeel/25-10.jpg"وجوه"، المعرض الجديد لفلافيا قدسي في صالة "اسباس اس دي" (سنتر داغر، جادة شارل حلو، المرفأ) يؤكد من خلال 25 لوحة اكريليك، قدرة هذه الفنانة الشابة على اختراق تيارات الواقعية الجديدة بأسلوبها المتميز في التشخيص. فهي تعيد الاعتبار الى التقاليد الأكاديمية، حين تجمع بين رمزية الجلسات والحالات الإنسانية وخواء الأمكنة، فتنحاز الى الايهامات المقبلة من فن خداع البصر وأسلوب المانييريزم الذي يقوم على المبالغة في إبراز عناصر الرسم والتصوير الكلاسيكي بتكلف متعمد. الاستلقاء داخل الخواء
تعتمد فلافيا قدسي، رغم كونها فنانة عصامية، على المفاهيم الأكاديمية بأمانة مفرطة. تسجل أدق التفاصيل المحسوسة في جلسات الموديل للوصول الى فضاء الحقائق الحية، كحاضر مستمر. تنطلق من جمالية الإيهام البصري الذي يوحي للمشاهد أنه أمام شيء حقيقي ورائع ومحيّر وغامض ومثير للالتباس بواقعيته الفوتوغرافية. هذا الأسلوب القديم - الحديث، استخدمه جيوتو في عصر النهضة. ويروى عنه انه كان لا يزال تلميذا في محترف شيمابو عندما رسم ذبابة على انف احد الشخصيات مازحا، الى درجة ان أستاذه اعتقد إنها ذبابة حقيقية وأراد إبعادها. وما لبث هذا الأسلوب ان تطور نحو المزيد من إثارة اللبس. فقد قام العديد من الفنانين الكلاسيكيين منذ القرن السادس عشر باختراق المنظور المألوف عبر التركيز على ما سمّي الخيالي، لإظهار الاندماج الحي بين الجسد وفضائه المتخيل، فراجت في تجارب القرن العشرين رسوم الوهم البصري على الجدران كما لو إنها مسرح داخل مسرح.
على هذا الأساس تستعيد فلافيا قدسي تلك الخاصية وتجعل خلفيات لوحاتها ذات مساحات تحمل مواصفات الجدار. انه الحائط بكل ما يكتنفه من خربشات وزيوح عفوية وآثار للزمن من تعرية وتآكل. لكنه يحافظ على أناقته كخلفية مناسبة للوضعيات المتنوعة التي يتخذها الموديل سواء كان رجلا أو امرأة، في حالات الوقوف أو الجلوس أو الاضطجاع أو النوم، كما لو ان الرسامة تُلبس نماذجها ألبسة الوحدة التي تشع منها الذكريات. النظرات ثابتة والوجوه واجمة والشعر يتناثر ويطير في الهواء بينما يخيم على اللوحة سكون الانطواء والخوف والغربة.
http://www.jehat.com/jehaat/images/tashkeel/25-10-1.jpg
سكون الانطواء.
يغيب الكادر الخارجي في اللوحة فلا يبقى سوى الفراغ الداخلي - الجدار الذي يطبع بوحشته جلسات الموديل. تحاول تركيب موضوعات في فضاء افتراضي قائم على الفراغ والزوايا الحادة والفتحات الداخلية الأفقية (رفوف، خط الأرض ومكعبات)، وهذه العناصر تظهر أيضا في رسمها للطبيعة الجامدة (التفاح، الموز والرمان).
تعتمد فلافيا قدسي على التصوير الفوتوغرافي بعد اختيار عناصرها، ثم ترسم الموديل - الفوتو، وغالبا ما تكون موديلاتها من أصدقائها وصديقاتها. تحاول استنطاق وجوههم وأجسادهم الى أعلى درجات المبالغة، لتبرز توترات عروق اليد وأشكال نتوء العضلات والعظام، تماما كما تتبع حركات ثنايا الأقمشة والتواءاتها، لتُظهر إحساسها بالعمق الوجداني للظلال.
فاللعب على النور جزء لا يتجزأ من لعبة الوهم البصري، ودقة المنظور الذي يدور في فلك البعدين. البعد الحقيقي المنقول فوتوغرافياً والبعد المتخيّل الذي يتم أحياؤه بإحساس قوي وجارف في جنوحه المثمر نحو التضخيم وإبراز عيوب الجسد والحركة المشهدية الممسرحة. تنطلق دائما من نقطة حيوية تثيرها حركة اليدين أو اليد الواحدة، حركة الانطواء على الذات وحركة الالتفاف على الحقائق الجديدة،
http://www.jehat.com/jehaat/images/tashkeel/25-10-2.jpg
سجن أم طبيعة "ميتة"؟!ثم حركة التفاصيل في مناخات الغرابة والألم والتحدي والانعتاق. إذ ان دقة الاشياء المرسومة تجعلنا نكتشف من جديد أهمية أسلوب فلافيا قدسي، التي ترسم من دون دراسة فنية أكاديمية، وهذا ما يعجز الأكاديميون المعاصرون من جيلها على رسمه. تمتلك عينا صادقة وروحا شعرية تتسرب الى عالم الداخل أو ما يسمّى الشيئية الجديدة التي تعكس خواء الفراغ والملل وصدى الأمكنة الرمادية ذات اللمعان الفضي وما تنطوي عليه من خربشات وتوترات.
ثمة تلك النظرة الانتقادية الخفية إزاء غياب القيم الإنسانية. فالكلاب تعوي والأشخاص ينامون أو يجلسون في الخواء كأنهم ضحايا الحروب والعنف والجوع والفراغ واللامبالاة. الممثل إنسان ممسوح الوجه في كهفه المغلق يتشرب الصمت حاملا بيده أقنعة وجوه في حالات الضحك والبكاء والألم، كأنه يدعونا للتفرج على حالات الانسان المجهول في هاوية قدره. إما المرأة الواقفة من الخلف فشبه عارية. ترفع بيديها الستارة التي تغطي الجزء السفلي من جسدها، كأنها تنشرها على المساحة، التي تمتد من ظاهر البارافان الى خلفه.
http://www.jehat.com/jehaat/images/tashkeel/25-10-3.jpg
الستار والبارفان وصمت الوقوف في عري الجسدتخاطب فلافيا قدسي الأمكنة الخاوية الآتية من العصور الحجرية الحديثة، كالعيش داخل مربعات صغيرة أو الاستلقاء داخل رفوف شبيهة بغرف السجون. فالقيم اللونية لديها تأتي دائما من الخواء، من الفراغ الرمادي أو البني المحروق أو الأبيض أو الأحمر الناري أو الأصفر، كما لو أنها تتوغل في شتى معاني الحياة، حلوها ومرها، آملة اقتناص الحالة المسرحية للواقع، من خلال لعبة المليء والفارغ. تختار الزوايا الصعبة، الزوايا المريرة التي لا تلامس حركة الجزئيات قدر ما تلامس حركة العواطف، أي إنها تحاول الوصول الى تسجيل وحدة المكان والزمان والحركة في ملامستها لإثارة الأوهام والقيم الفنية.
تنظم الرسامة العناصر وتبالغ في ترتيبها وإبراز أشكالها وأجزائها، لتقطف الهواء العاصف أو الصمت أو الصرخة التي تظل تراوح في شكلانيتها بين ما هو واقعي طبيعي وواقعي متكلف، كما لو أنها تبحث عن وهم ابدي، حين تنظر الى داخل الشيء الى عمق نوافذ الروح. تخترق الظروف المختلفة والجلسات والوقفات الممسرحة التي تكون في الوقت نفسه واقعية وغير واقعية، إنسانية سطحية عادية وغير عادية، تجمعها أمامنا وتصورها كما لو أنها حدث استثنائي على عتبة مسرح اللوحة، حيث السكون هو وقار الرغبات وهو الطاقة الروحانية للهروب من العالم. الجدار والموديل والملابس كلها تعكس الإضاءة الميتافيزيقية الساطعة للبحث عن الحقيقة. صحيح ان هذه الإضاءة ساطعة غير أنها مجهولة الوجهة أحيانا، وهي قوية أو خافتة الى ان تضمحل كالهمس على الجدران. لكن القماش اللامع يتشربها ويطويها.
لوحات فلافيا قدسي متعطشة دوما الى الضوء. الى الوهم بفضاء أرحب وافق أوسع. تؤمن بوجود نور غريب يمكن ان يساعد فجأة في الخروج من الكهوف التقليدية حتى عندما تبدو الأحلام والآمال كأنها ستتحطم الى الأبد.
النهار الثقافي- 12 أكتوبر 2003