ياسمين الحمود
14-01-2007, 09:35 PM
هاتوا إعلانات و خذوا شعرا "
كنا نرفع أعناقنا و نمطها عاليا مثل قطيع الكنغر الأسترالي الذي يستشعر خطرا داهما و نحن ننتظر الشاعر لكي يجلس على المنبر و ينشد لنا شعرا في تلك الأمسية التي خصصها المركز الثقافي له 0
و بعد أن ألقى شاعرنا ثلاث أو أربع قصائد شعرية حديثة حرة مستقلة من الاستعمار العروضي الغاشم ، و قع الجمهور بورطة التصفيق ، لأنه لم يكن يعرف أن هذه القصيدة انتهت و بدأ دور القصيدة التالية ، فانقلب المستمعون يتحدثون فيما بينهم دونما انتباه أو متابعة ، و ساد اللغط القاعة و كأنها تحوي مجموعات من أسر البطريق المتشمسة على صخور الساحل ، و أصبح الجميع ينتظرون النقاش الذي يعقب انتهاء الإلقاء الشعري0
انتهت الأمسية ، ارتـفعت الأيدي ...
قال أحدهم :أستاذ أنا لم أفهم شيئا مما قلت ، فهل هذا قصور مني أم أن قصائدك لم تستطع الدخول إلى عـقلي و مشاعري؟ !
قال الشاعر بيـقينية مطلقة : السبب يكمن فيك وحدك !!
قال السائل :أستاذ ، إنني أعتبر درجة ثـقافتي فوق ال 51 % أي فوق المتوسط ، أحمل مؤهلا جامعيا من كلية الآداب ، و أقرأ بتفحص و نهم ، و لي مجموعة قصصية طبعتها وزارة الثقافة ، و من يأخذ ثلاث درجات من أصل ستة في فحص النظر يستطيع أن يسترشد طريقه .. أي أنه ليس أعمى ، و أنا هنا لم أستطع أن أسترشد شيئا عما تعنيه بـقصائدك .. لم أفهم إن كنت تحثنا على الخنوع أو الثورة ، على الضحك أو البكاء ، على التفاؤل بالمستقبل أو إدارة الظهر له !!
قال الشاعر بحدة : إنني أخاطب الأذكياء و المثـقـفين فقط !!
قال السائل متوجها إلى الجمهور : أيها الأخوة أصبحت القضية بحاجة إلى حل منصف ، هل أحس أحد منكم بما أحسست ، أم أن في كلامي تجنيا على الأستاذ الشاعر ؟ !
على الفور ارتفعت الأيدي في القاعة مؤيدة و كأنها شواهد أضرحة لمقبرة ضخمة من مقابر الحرب العالمية الثانية " كما شاهدت بالصور طبعا "
ثم قال السائل :إذن كان يتوجب على السيد مدير المركز الثقافي أن يضع جهازا لمقياس الذكاء و الثقافة على الباب الرئيسي ، و بالتالي سوف نكون جميعا ممنوعين من الدخول ما عدا أنت و السيد رئيس المركز.. و دوى التصفيق 0
هذه الحادثة تقود إلى إشكالية الشعر الحديث ، فبغياب موازين النقد لهذا النمط من الشعر يستطيع أن يدعي أي شاعر بأنه أشعر الشعراء ، إن ذلك يشبه تماما غياب الرقابة التموينية و المختبرية الكاشفة على أسعار وجودة البضائع و الأدوية ، حيث تستطيع أي جهة تجارية الادعاء بأنها الأجود و الأحسن و الأروع 0
و وفقا لما تقدم ، ما الذي يمنعني من أن أصبح شاعرة .. تعالوا و اقرأوا هذا المقطع من شعري ..
" الشرق الأوسط يتشرف
بأكبر عقد تشغيلي
يعتمد جهاز نظام رقمي
و في أحدث أستوديو ياباني مستورد
جهزت السلطة قبرا لي !! "
وإذا لم يفهم أحدكم شعري فسوف أكون واسعة الصدر ، و سأشرح له ما عنيت بهذا المقطع : " إن ما تنعم به منطقتنا من بهارج و ديكورات خارجية ، إنما هي حاجات استهلاكية مستوردة لتلبي طلبات رحى طاحون العصر0
لكن تروس الطاحون تهرسنا معها بتشجيع من الحكومات التي لا تعالج نزيف الاستيراد ، و الآن جاء دوري في الطحن لكي أكون غذاء لذاك الرحى لأنني أعارض خطط الحكومة " 0
و الحقيقة إن هذا المقطع الشعري ليس مني ، إنه في حقيقته مجرد إعلان جاف قرأته في إحدى الصحف اليومية ، و لم يكن دوري سوى تقديم و تأخير صفصفة كلماته مع بعض التعديل الطفيف .. يقول الإعلان بالحرف الواحد :
يتشرف المركز " ... " للموسيقى ، الوكيل المعتمد لأجهزة " ... " بتوقيع عقد توريد أجهزة التشغيل الرقمي الحديثة لاستديوهات " ... " و هذا العقد يوفر للاستديوهات بأن تكون أكبر و أحدث أستديوهات في الشرق الأوسط بنظام 48 قناة الرقمي - اليابان " 0
و بناء عليه ، هاتوا إعلانات ، و خذوا شعرا و تفسيرات ، و موعدنا قاعة المركز الثقافي 0
كنا نرفع أعناقنا و نمطها عاليا مثل قطيع الكنغر الأسترالي الذي يستشعر خطرا داهما و نحن ننتظر الشاعر لكي يجلس على المنبر و ينشد لنا شعرا في تلك الأمسية التي خصصها المركز الثقافي له 0
و بعد أن ألقى شاعرنا ثلاث أو أربع قصائد شعرية حديثة حرة مستقلة من الاستعمار العروضي الغاشم ، و قع الجمهور بورطة التصفيق ، لأنه لم يكن يعرف أن هذه القصيدة انتهت و بدأ دور القصيدة التالية ، فانقلب المستمعون يتحدثون فيما بينهم دونما انتباه أو متابعة ، و ساد اللغط القاعة و كأنها تحوي مجموعات من أسر البطريق المتشمسة على صخور الساحل ، و أصبح الجميع ينتظرون النقاش الذي يعقب انتهاء الإلقاء الشعري0
انتهت الأمسية ، ارتـفعت الأيدي ...
قال أحدهم :أستاذ أنا لم أفهم شيئا مما قلت ، فهل هذا قصور مني أم أن قصائدك لم تستطع الدخول إلى عـقلي و مشاعري؟ !
قال الشاعر بيـقينية مطلقة : السبب يكمن فيك وحدك !!
قال السائل :أستاذ ، إنني أعتبر درجة ثـقافتي فوق ال 51 % أي فوق المتوسط ، أحمل مؤهلا جامعيا من كلية الآداب ، و أقرأ بتفحص و نهم ، و لي مجموعة قصصية طبعتها وزارة الثقافة ، و من يأخذ ثلاث درجات من أصل ستة في فحص النظر يستطيع أن يسترشد طريقه .. أي أنه ليس أعمى ، و أنا هنا لم أستطع أن أسترشد شيئا عما تعنيه بـقصائدك .. لم أفهم إن كنت تحثنا على الخنوع أو الثورة ، على الضحك أو البكاء ، على التفاؤل بالمستقبل أو إدارة الظهر له !!
قال الشاعر بحدة : إنني أخاطب الأذكياء و المثـقـفين فقط !!
قال السائل متوجها إلى الجمهور : أيها الأخوة أصبحت القضية بحاجة إلى حل منصف ، هل أحس أحد منكم بما أحسست ، أم أن في كلامي تجنيا على الأستاذ الشاعر ؟ !
على الفور ارتفعت الأيدي في القاعة مؤيدة و كأنها شواهد أضرحة لمقبرة ضخمة من مقابر الحرب العالمية الثانية " كما شاهدت بالصور طبعا "
ثم قال السائل :إذن كان يتوجب على السيد مدير المركز الثقافي أن يضع جهازا لمقياس الذكاء و الثقافة على الباب الرئيسي ، و بالتالي سوف نكون جميعا ممنوعين من الدخول ما عدا أنت و السيد رئيس المركز.. و دوى التصفيق 0
هذه الحادثة تقود إلى إشكالية الشعر الحديث ، فبغياب موازين النقد لهذا النمط من الشعر يستطيع أن يدعي أي شاعر بأنه أشعر الشعراء ، إن ذلك يشبه تماما غياب الرقابة التموينية و المختبرية الكاشفة على أسعار وجودة البضائع و الأدوية ، حيث تستطيع أي جهة تجارية الادعاء بأنها الأجود و الأحسن و الأروع 0
و وفقا لما تقدم ، ما الذي يمنعني من أن أصبح شاعرة .. تعالوا و اقرأوا هذا المقطع من شعري ..
" الشرق الأوسط يتشرف
بأكبر عقد تشغيلي
يعتمد جهاز نظام رقمي
و في أحدث أستوديو ياباني مستورد
جهزت السلطة قبرا لي !! "
وإذا لم يفهم أحدكم شعري فسوف أكون واسعة الصدر ، و سأشرح له ما عنيت بهذا المقطع : " إن ما تنعم به منطقتنا من بهارج و ديكورات خارجية ، إنما هي حاجات استهلاكية مستوردة لتلبي طلبات رحى طاحون العصر0
لكن تروس الطاحون تهرسنا معها بتشجيع من الحكومات التي لا تعالج نزيف الاستيراد ، و الآن جاء دوري في الطحن لكي أكون غذاء لذاك الرحى لأنني أعارض خطط الحكومة " 0
و الحقيقة إن هذا المقطع الشعري ليس مني ، إنه في حقيقته مجرد إعلان جاف قرأته في إحدى الصحف اليومية ، و لم يكن دوري سوى تقديم و تأخير صفصفة كلماته مع بعض التعديل الطفيف .. يقول الإعلان بالحرف الواحد :
يتشرف المركز " ... " للموسيقى ، الوكيل المعتمد لأجهزة " ... " بتوقيع عقد توريد أجهزة التشغيل الرقمي الحديثة لاستديوهات " ... " و هذا العقد يوفر للاستديوهات بأن تكون أكبر و أحدث أستديوهات في الشرق الأوسط بنظام 48 قناة الرقمي - اليابان " 0
و بناء عليه ، هاتوا إعلانات ، و خذوا شعرا و تفسيرات ، و موعدنا قاعة المركز الثقافي 0