المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : .. في الفن و الأخلاق و الجمال


ياسر محمد
06-01-2007, 05:57 PM
تاريخ الفكر الجمالي مليء بالمعارك أو الصراعات الفكرية بين أنصار الجمال و أنصار المنفعة في الفن فما طبيعة الفن ؟ ما وظيفته ؟ و ما الصلة بين الفن و الأخلاق ؟ و بعبارة أخرى ما موقفنا من العمل الفني الساقط أخلاقيا و العمل الأخلاقي الساقط فنيا
تلك هي بعض المشكلات التي سأناقشها لبعض أشهر المواقف النقدية في تاريخ الفكر الجمالي و الأخلاقي في عالم الفن
وأحب أن أبين هنا أن كلمة الأخلاق لا تشير إلى نوع معين من الفضائل الخلقية بل تستخدم بمعناها العام فتشمل نظريات أرسطو الأخلاقية و أغراض دانتي الدينية و تطلعات الصوفيين و نزعات الإصلاح الاجتماعي من خلال توجه الأدب لدى الواقعيين و الواقعيين الاشتراكيين و يراد بكلمة الأخلاق كل اتجاه يستخدم الأدب في سبيل الأخلاق أو العقيدة أو المذهب0
في القرن الأول قبل الميلاد ظهر الشاعر اللاتيني هوراس و كتب( فن الشعر ) مرددا فيه الكثير من آراء أرسطو و مثيرا مشكلة ظلت و سوف تظل محورا رئيسيا تدور حوله المعارك النقدية فقد قال في أحد السطور من كتابة فن الشعر : غاية الشعر إما إفادة أو الإمتاع أو إثارة اللذة و شرح عبر الحياة في آن واحد 0
و بهذا التعريف استطاع هوراس أن يرضي جميع المتصارعين حول وظيفة الفن بإسناده إليه القيمة المنفعية و القيمة الجمالية و القيمة المنفعية الجمالية معا فأقام وظيفة الفن على نظرية مثلثة الأضلاع لو هدم ضلع لانهار المثلث كله دفعة واحدة ولكن يلاحظ هذه النظرية في وظيفة الفن إن كانت جامعة فهي ليست مانعة فهناك أشياء من وظائفها أنها تمنعنا و لكنها ليست من الأدب في شيء كما أنه بالمقابل هناك أشياء و لا تمت إلى الأدب بصلة و من هنا يلاحظ أوستن وارن و رينيه وليك أنه علينا أن ننظر إلى مفهومي المتعة و المنفعة نظرة خاصة فهما خاصتان متميزتان جدا من بين المتع و المنافع العامة و القول : إن الشعر تعليم مماثل لأي كتاب مدرسي0

و إذا تتبعنا مسار الحركة النقدية و الأدبية في العصر الحديث وجدنا النقاد و الأدباء و فلاسفة الجمال يقتتلون حول طبيعة الأدب ووظيفته و كأننا ما زلنا نعيش في العصر اليوناني أو اللاتيني و لكن مع اختلاف الأسماء وابتداع مصطلحات جديدة لتلك التيارات النقدية و التي عرفت بالمذاهب الأدبية حيث يقف وراء كل مذهب منظرون يضعون الدساتير و الشرائع الفنية و الأخلاقية متأثرين بميولهم و نزعاتهم و عقائدهم السياسية أو الدينية أو اتجاهاتهم الفكرية الفلسفية 0

أما في تاريخ الفكر النقدي عند العرب فإن مسألة الفن و الأخلاق لم تأخذ أبعادها الفكرية و النقدية كما لاحظنا ذلك عند اليونان و الرومان و في الأدب الأوروبي الحديث و مذاهبه المعاصرة و قد حدث هذا التقصير على الرغم من حركةالترجمة الواسعة التي سادت في العصر الذهبي من الحضارة العربية الإسلامية زمن العباسيين و رغم التيارات الاجتماعية المتصارعة و المذاهب الفكرية و الثقافية العامة والدينية أيضا و كل التيارات المتنوعة الوافدة علما بأن العرب ترجموا كتاب أرسطو العظيم في فن الشعر ( ابن سينا – متى بن يونس القنائي ) و لكن بما أن الشعر اليوناني كان شعرا مسرحيا تمثيليا بخلاف الشعر الغنائي و العرب أمة شعرية غنائية فلم يهتموا بكتاب أرسطو الاهتمام الكافي لأنه كان يعتمد على الملاحم و الأساطير0
لقد ضاعت على العقل العربي و الأدب العربي فرصة نادرة مبكرة لتلقيح ذلك العقل بثقافة إنسانية رفيعة الطراز لكن ( النرجسية الشعرية ) على أساس تفووق العرب شعريا على سائر الأمم في زعمهم و عقيدة التوحيد كل ذلك جعل المترجمين يديرون ظهورهم لملاحم الإغريق و مسرحياتهم و أشعارهم فلم يستثمرواا ما ترجموه من أرسطو في مجال الشعر و نقده استثمارا مفيدا لكن لكل عصر تفكيره و عقليته و نمط فنه المحكوم بشروط حضارية عامة و خاصة 0 و الملاحظ بشكل عام أن الحركة النقدية العربية حتى على أيدي النقاد الكبار أمثال الندي و الجرجاني مثلا ظلت محصورة في الغالب ضمن إطار من الشكلية و خاضعة لمقاييسها في تقويم العمل الفني0
مجمل القول عن مسألة الأخلاق في نقدنا القديم إن المواقف الدينية و الأخلاقية العامة حجبت عن نقادنا الدوافع الكامنة وراء مجالات كثيرة في شؤون النقد و تياراته و ظل في مجمله نقدا شكليا 0

ياسمين الحمود
06-01-2007, 07:49 PM
تابعت باهتمام موضوعك أخي الفاضل " ياسر محمد " و لي بعض الملاحظات ....
تعرضت لموقف النقاد العرب القدماء بما يعكس نظرة أحادية مبتسرة للنقد العربي بأكمله عبّرت عنها بقولك
و الملاحظ بشكل عام أن الحركة النقدية العربية حتى على أيدي النقاد الكبار أمثال الآفدي و الجرجاني مثلا ظلت محصورة في الغالب ضمن إطار من الشكلية و خاضعة لمقاييسها في تقويم العمل الفني0

أولا / لم أسمع بـ " الآفدي " ربما تقصد الآمدي " ؟ الله أعلم
ثانيا / لا أدري ما هي الشكلية التي خضع لها نقاد العرب ، هل هي الشكلية الروسية عند بروب مثلا ؟ أم الشكلية الأميركية ، أم أن المقصود بالشكلية السطحية ؟
حتى أن الأمثلة التي استشهدت بها لم تتعد الأقوال المأثورة التي لا تكون رؤية متكاملة و لا تسهم حتى في تكوينها ، إذ أن تكوين تلك الرؤية لا يتم إلا عبر تكسير جميع المأثورات القولية ، و البحث عن المأثور الفعلي لهؤلاء النقاد 0
و لعل موقف نقاد العرب القدماء من قضية الفن و الأخلاق أكثر حساسية بعيدا عن الفلسفة اليونانية ، و مرجع ذلك دخول الإسلام طرفا بارزا فيها بدءا من " والشعراء يتبعهم الغاوون " مرورا بـ " أهجهم حسان و روح القدس تؤيدك " حتى خلع البردة على كعب ، و قد وضع النبي صلى الله عليه و سلم الصيغة التوفيقية بين الفن و الأخلاق كأول ناقد ديني ، حين قال في جوابه عن امرئ القيس " هو أشعر الشعراء ، و أسبقهم إلى النار " فقد فصل بين الفعل الشعري كبنية فنية خاصة و جزائه ، فللشعر مقاييسه بعيدا عن الأخلاق التي جعلت من امرئ القيس أشعر الشعراء في حين يؤدي تجاوزه الأخلاق إلى وضعه أمام مساءلة الدين 0
و لعل حركة النقد العربية و زخم الآراء فيها يعكسان بدقة حساسية القضية حيث يمكن أن نرصد تيارين مختلفين ، الأول يشترط التزام الفن بالأخلاق و من رواده " علي بن أبي طالب " و " بن قتيبة " و " الباقلاني " و الثاني يؤكد تمايز جوهر الفن بعيدا عن الأخلاق ، و من ورائه " الآمدي و الأصمعي و عبد القاهر الجرجاني ، فالآمدي في موازنته كان يبحث عن أي الشاعرين أشعر ، متجاهلا تماما القضية المقابلة " أيهما أخير " فالشعر عنده فعل مستقل بذاته تنبع أدوات تقويمه من أدوات تكوينه ذاتها 0
أما عبد القاهر فقد جعل جوهر الشعر في أنه نظام خاص من التأليف اللغوي، و لم يتعرض في نقده للشعر إلى الجوانب الأخلاقية عند الشاعر إلا نادرا ، و مقولة الأصمعي في شعر حسان مشهورة 0

ثم قلت :

مجمل القول عن مسألة الأخلاق في نقدنا القديم إن المواقف الدينية و الأخلاقية العامة حجبت عن نقادنا الدوافع الكامنة وراء مجالات كثيرة في شؤون النقد و تياراته و ظل في مجمله نقدا شكليا 0

ادعاؤك هنا يلغي تراث العرب النقدي بأكمله دون وعي بقيمة هذا التراث وهنا أحيل إلى أحد أمثلتك " هل حجبت الأخلاق و الدين الأصمعي عن وصم مدائح حسان بالضعف ؟ .."
إن رؤيتك للنقد العربي تحتاج إلى كثير من المراجعات بعيدا عن التحامل و القرارات المسبقة 0
في القرن الأول قبل الميلاد ظهر الشاعر اللاتيني هوراس و كتب( فن الشعر ) مرددا فيه الكثير من آراء أرسطو و مثيرا مشكلة ظلت و سوف تظل محورا رئيسيا تدور حوله المعارك النقدية فقد قال في أحد السطور من كتابة فن الشعر : غاية الشعر إما إفادة أو الإمتاع أو إثارة اللذة و شرح عبر الحياة في آن واحد 0
و بهذا التعريف استطاع هوراس أن يرضي جميع المتصارعين حول وظيفة الفن بإسناده إليه القيمة المنفعية و القيمة الجمالية و القيمة المنفعية الجمالية معا فأقام وظيفة الفن على نظرية مثلثة الأضلاع لو هدم ضلع لانهار المثلث كله دفعة واحدة ولكن يلاحظ هذه النظرية في وظيفة الفن إن كانت جامعة فهي ليست مانعة فهناك أشياء من وظائفها أنها تمنعنا و لكنها ليست من الأدب في شيء كما أنه بالمقابل هناك أشياء و لا تمت إلى الأدب بصلة و من هنا يلاحظ أوستن وارن و رينيه وليك أنه علينا أن ننظر إلى مفهومي المتعة و المنفعة نظرة خاصة فهما خاصتان متميزتان جدا من بين المتع و المنافع العامة و القول : إن الشعر تعليم مماثل لأي كتاب مدرسي0


وفي تعليقك على مقولة هوراس خلط بين الغاية و الماهية فأنت تعيب على هوراس أنه لم يضع أشياء مانعة لدخول غير الشعر في وظيفته ، و المعروف أن الوظيفة و الغاية قد يشترك فيهما آلاف الأفعال الإنسانية ، و هوراس لا يتحدث عن ماهية الشعر حتى نطلب أن يكون تعريفه جامعا مانعا 0

وهنا ذكرت :
و إذا تتبعنا مسار الحركة النقدية و الأدبية في العصر الحديث وجدنا النقاد و الأدباء و فلاسفة الجمال يقتتلون حول طبيعة الأدب ووظيفته و كأننا ما زلنا نعيش في العصر اليوناني أو اللاتيني و لكن مع اختلاف الأسماء وابتداع مصطلحات جديدة لتلك التيارات النقدية و التي عرفت بالمذاهب الأدبية حيث يقف وراء كل مذهب منظرون يضعون الدساتير و الشرائع الفنية و الأخلاقية متأثرين بميولهم و نزعاتهم و عقائدهم السياسية أو الدينية أو اتجاهاتهم الفكرية الفلسفية 0


واختزلت هنا حركة النقد الأدبي الحديثة و المعاصرة في مجرد" اختلاف الأسماء و ابتداع مصطلحات جديدة " و لكنني أجد العذر لك لأنك لم تدرك الفارق بين التيارات النقدية و المذاهب الأدبية فاعتبرتهما شيئا واحدا 0

أخي الفاضل " ياسر محمد "
حنانيك بنا أيها الكاتب فقد ألغيت تراثنا العربي النقدي ، و أنكرت الجهد النقدي لعقول البشرية على مدى قرن و نصف القرن 0