المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حلم السعادة


متفائل جداً
24-12-2006, 04:48 AM
لا أعلم لماذا استوقفني منظر ذلك الرجل الجالس أمام البوابة وهو يعبث ببعض أغراضه الشخصية ويستل منها موقدٌ صغير وإبريق متسخ تلون منتصفه بالون الأسود يضعه على الموقد ويبدو أنه قد وضع به ماء، لم أستطع أن أقاوم هذا المنظر وبقيت أنتظر حتى أرى غطاء الإبريق يرتجف معلناً استعداده لاستضافة زائرا عزيز وكأن الرجل استجاب له سريعاً واضعاً السكر وملحقاً به أعواد الشاهي منتظراً قليلاً قبل أن يبدء بصب الشاهي والتلذذ بشربه ، يا الله كم كان منظر هذا الرجل جميلاً والهواء يلفح وجهه المليء بالتجاعيد مظهراً السعادة التي يفتقدها الكثيرون ممن قضى عليهم البرستيج والمكانة الاجتماعية والعادات والتقاليد .
لا أعتقد أن هذا الرجل يتوقع أن يحسد على مثل هذه اللحظات ويتمنى غيره مثل هذه الأدوات البالية التي استطاعت أن تحقق له السعادة ، حاولت أن أوقف السيارة وأترجل منها وأقدم عليه بكل فخر لأشاركه شيء من السعادة وأرتشف معه من إبريق البساطة ولكني جبنت ولم أستطع نسيان أن هذا الوضع لا يليق بالمكانة الاجتماعية
ولا يناسب الوجاهة ، هم يقولون ذلك وعليا الالتزام به فأنا جزء من هذا المجتمع متقيداً بقيوده الواهية .
لقد تحرر هو من هذه القيود حتى أنه لم يراني وأنا أرقبه كل هذه المدة فهو لا يحفل بمن وقف أو مضى ولا يشغل نفسه بمثل هذه الأمور طالما لم تمسه ، لم أنقم على المجتمع قدر نقمتي عليه في هذه اللحظات لأني شعرت بأنه حرمني من سعادة لم يحققها لي رغم إعطائي المكانة البالية التي لم تصمد أمام أبسط المواقف ، هل يعقل أن نبقى محرومين من مثل هذه البساطة بسبب قيود وضعناها بأيدينا واحترمناها حتى طوقتنا وحرمتنا من معنى الحياة.
لم أستطع إلا إدارة محرك السيارة والانطلاق منظماً إلى قوافل التعساء وأنا أندب حضي الذي كشف لي أن السعادة ملكاً للفقراء لا ينافسهم عليها الأغنياء .
بالطبع السعادة الحقيقية لا تكون إلا لمن كان مع الله سبحانه وتعالى ، استجاب لأوامره واجتنب نواهيه فهذا هو أصل السعادة ولكن هذا الأصل قد يضيع إذا كُبلنا بقيود المجتمع التي لا أصل لها في شريعتنا فالرسول صلى الله عليه وسلم رغم ماله من مكانه لا ينافسه عليه أحد من بني أدم أقول رغم ذلك لم يكن يبتعد عن مخالطة صغار القوم وأحقرهم بالمقاييس الدنيوية وأرفعهم عند الله في اليوم الآخر فكان يشاركهم فرحهم وحزنهم ويتبسط معهم حتى أنه يغفر لهم زلاتهم وانتقاصهم من مكانته صلى الله عليه وسلم وكان لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله سبحانه وتعالى برغم من كونه يستطيع القصاص لنفسه ، ما نستفيده من ذلك أن للسعادة شرطين أولهما القرب من الله سبحانه وتعالى والإقتداء بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والآخر البساطة والتخلص من القيود الاجتماعية ، فمثل هذا الرجل الذي استوقفني لا يحلم بأكثر من توفير لقمة العيش له ولأسرته ليوم واحد فقط وهذا ما يحقق له السعادة التي قد يحرم منها الكثير ممن يملكون ما يوفر لهم المؤنة لمدة مئة عام ، فلما هو سعيد ونحن تعساء أليس هو جائع وفي أحسن الأحوال شبه جائع بينما نحن أتخمنا من الشبع وأصبحنا نفكر بأكثر من طريقة للجوع ؟!!
أليس يسكن في كوخ خشبي وفي أحسن الأحوال بيت شعبي متواضع قد يسقط فوق رأسه لأقل الأسباب البيئية وغيره يسكن القصور ورغم ذلك هو أسعد ، ألسنا نشعر بأن كل تقدم نعايشه في مجتمعاتنا يسرق من رصيد سعادتنا ألم نكن أسعد في تلك المدن الصغيرة الم يكن أطفالنا يشعرون بالفرح في أعيادنا في تلك الحواري القديمة الم تكن أزقة الحارة وتلك البيوت المهدمة والمساحات الشاسعة غير المبنية والظلام الدامس بعد الغروب والخبز الذي لن تجده إذا لم تمر على الخباز قبل الغروب الم تكن كل هذه الأمور هي سعادتنا ، الم نكن نربي أبنائنا ولا نخشى أن يفسدهم أبن الجيران الم نستخدم أقدامنا في التنقل ولا نعرف وسائل المواصلات ، إن كل هذه الظروف القاسية هي التي جلبت لنا السعادة فأجسامنا كانت قوية كوننا لم نكن نعطل عمل أي عضو فالقدمان نستخدمها كثيراً في التنقل وبالتالي فهي تمارس رياضة يومية كفيلة ببقائها تعمل بطريقة جيدة أطول فترة ممكنة واليدين نكسب بهما قوت يومنا وكل هذا يحقق لنا الرشاقة التي هي أعز مطلب في عصور التقدم وعقولنا متفرغة للاستزادة من العلم فالملهيات أقل بكثير مما نراه اليوم ، الم تكن عقولنا على سجيتها لا تتغير وفق أهواء الآخرين باستخدام الإعلام الكاذب أو المنافق في أحسن الأحوال الم يكن ديننا يسمو فوق أي تحزبات أو تكتلات سياسية ألم نثق بعلمائنا كون ما يقولونه اليوم هو ما يقال غداً أو بعد غد الم نكن نحلم على قدر استطاعتنا الم يكن سقف طموحنا لا يتعدى المسلمات والبديهيات .
أكد أجن هل نحن الذين خربنا بيوتنا بأيدينا ؟ ألم تكن السعادة ملكٌ لنا لا يشاطرنا فيه أحد لماذا تركناه واعتقدناها موجودة عند غيرنا فسابقناهم على أسبابها من وجهة نظرهم ، هل يعقل أن نرمي ما بأيدينا لنطلب ما بأيدي الآخرين ألم يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن زوال سعادتنا في الدنيا والآخرة يكون بإتباعهم .
ربما تكون هذه هي المشكلة أو هي مشكلة بالفعل مشكلة كونها تخالف شرعنا ولكني أعتقد أننا من خلال هذا الطرح نلامس أساس المشكلة وهي كوننا مسلوبي الإرادة فليس لدينا القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب أي أننا نفتقد للشجاعة حتى وإن تبين لنا الحق مقنعين أنفسنا بأننا ضحايا لمجتمع يفرض علينا وصاية يتحكم من خلالها في كل قراراتنا بينما الصحيح أننا أصحاب القرار فهل كان المجتمع سيقف حائلاً بيني وبين مشاركة هذا الرجل البسيط شيء من سعادته وهل المجتمع يملك صلاحية تجريدي من كل المكتسبات الوهمية التي حققتها في حياتي العملية ، إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد نقد والعاقل من يوطن نفسه على ذلك ففي كل الأحوال لن يختفي هذا النقد وتبقى القافلة تسير والنقاد يكتبون ولن يوقف نقدهم هذه المسيرة إلا إذا لامس واقع إذا يمكن لنا أن نكون أحرار في اتخاذ القرار وقتها قد يتحقق لنا حلم السعادة ...

أوراق
26-12-2006, 08:26 PM
ولا يناسب الوجاهة ، هم يقولون ذلك وعليا الالتزام به فأنا جزء من هذا المجتمع متقيداً بقيوده الواهية .
لقد تحرر هو من هذه القيود حتى أنه لم يراني وأنا أرقبه كل هذه المدة فهو لا يحفل بمن وقف أو مضى ولا يشغل نفسه بمثل هذه الأمور طالما لم تمسه ، لم أنقم على المجتمع قدر نقمتي عليه في هذه اللحظات لأني شعرت بأنه حرمني من سعادة لم يحققها لي رغم إعطائي المكانة البالية التي لم تصمد أمام أبسط المواقف ، هل يعقل أن نبقى محرومين من مثل هذه البساطة بسبب قيود وضعناها بأيدينا واحترمناها حتى طوقتنا وحرمتنا من معنى الحياة.

:::::::::::::::::::: :::::::::::::::::::: :::::::::::

نصٌ على بساطته ضرب على وتر حساس يتردد مع إيقاع الواقع في الأعماق

حري أن يحتفى بهكذا فكر

فائق التقدير لك أيها الكاتب

متفائل جداً
27-12-2006, 11:07 AM
الأخ أوراق شكراً جزيلاً على مرورك على موضوعي المتواضع جداً من الناحية الأدبية والغني بالمشاعر والاحاسيس التي قد نمر فيها جميعاً في ظل صخب الحياة التي نعيشها ونرى أنفسنا فيها سعداء بينما نحن تعساء طالما لم نمارس البساطة التي هي سر السعادة أكرر شكري لك أستاذ أوراق وأتمنى أن يناقش الموضوع من ناحية وأقعية هل ما شعرت به هو واقع معايش للجميع أو للغالبية أم هي فورة أحساس انتابتني أنا فقط ...

متفائل جداً
27-12-2006, 03:41 PM
كنت أهدف من طرح مثل هذه المواضيع القريبة جداً من العنوان الرئيسي للمنتدى أن تشبع مناقشةً وحواراً حتى نخرج بفائدة ولم يكن الهدف فرد العضلات بمقالات مطولة تحكي واقعاً تعيساً نعايشه ، ولك يبدو أننا في ساحة القراءة للجميع ولم يتقن القوم فن الحوار والنقاش وهنا أنصح بإغلاق هكذا منتدى أو على الأقل تغيير العنوان إلى عنوان آخر يناسب الوضع الحالي ، وقد يقول قائل أن الموضوع لم يرقى إلى أن يرد عليه وهذا بالطبع أمر وارد من حيث عدم جودة ما يقال ولكن غير صحيح من حيث أنه لا يستحق الرد ، فكل ما يقال يستحق الرد إما يالتأييد وتعزيز الأفكار الجيدة وطرح أفكار آخرى أو بالنقد الهادف البناء حتى وإن وصل الأمر لنسف المقال ولكن ذلك يكون بالحوار والحوار فقط وليس بتطنيش ،
وفي الختام أكرر أن أفضل طريقة للنقد هو التغليف في قالب قصة أو مسرحية أو رواية طويلة وتحت أي عنوان من هذه العناوين يجب أن لا نقرأ بسذاجة ممتعين أنفسنا بالسياق القصصي دون إدراك لم وراء الأكمة
وسامحونا

متفائل جداً
31-12-2006, 04:08 PM
ينتابني شعور أحياناً بأني أغرد خارج السرب
وأن هذه الأحاسيس التي أشعر بها تنحصر في داخلي فقط ولا تتواجد في دواخل الآخرين
من هذا أود أن يطرح هذا الموضوع كمحور نقاش نستشف من خلاله
ماهية السعادة الحقيقية هل هي كما ذكرت تدور في فلك البساطة
أم أنكم ترون السعادة شيء أخر ليس له علاقة بالبساطة
أتمنى المشاركة من الجميع
وسامحونا ...

نهى علي
01-01-2007, 12:48 AM
اخي العزيز متفاءل جدا

لا اعتقد ان مثل هذا الرجل البسيط سعيد كما اعتقدت انت

مثلة يحمل الحقد والكراهية لاغنياء المجتمع

وهو علي راي القول
مجبر اخاكم لا بطل

لعلمك عندنا في مصر العامل البسيط الذى يتناول كوب الشاى في هذا البراد الاسود يتقاضى راتب اكثر منى الموظفه الحكومية الحاصلة علي بكالريوس

وانا لا اري مانع من مشاركتك اياه كوب الشاى ولن ينقص من البرستيج شئ بالعكس سيزداد الناس احتراما لك

وستكون حديث المدينة ويشار اليك ما اسعد هذا الرجل المتواضع

باقة ورد من نهى

ياسمين الحمود
04-01-2007, 09:33 AM
أخي الفاضل " متفائل جدا "

باختصار معنى السعادة في مفهومي الخاص

السعادة ذلك الدواء الذي يطلبه الكثيرون منا في معظم الأوقات – أين يكمن؟ - الكثير منا يناله التعب في البحث من أجل الحصول على أشياء يعتقد أنه بمجرد الحصول عليها تتحقق له السعادة ، و لكن السعادة الحقيقية في الإيمان الحقيقي الصادق أما ما عدا ذلك فهي أمور لا تجلب لنا الإحساس بالراحة و الرضى ، إذ أننا نحصل على بعض الأشياء التي كنا نحلم بها سرعان ما نفكر في أشياء أخرى و نسعى لتحقيقها و هكذا نظل ندور و صدق القائل
ليس السعيد الذي دنياه تسعده
أن السعيد الذي ينجو من النار

زياد الدليمي
04-01-2007, 09:50 AM
اروع مافي الانسان ان يكون متفائل فاستمر على تفائلكفلعل الشمس تشرق من جديد

متفائل جداً
06-01-2007, 11:46 AM
في البداية أشكر للجميع مرورهم ومشاركنهم في هذا النقاش وأتفق مع الجميع بأن البساطة لوحدها لا تقيم سعادة وهذا كان محور أساسي فيما قلت بل لابد من توافر شروط آخري حتى لا يصبح ذلك الرجل البسيط أشد خطراً على مجتمعه ، بما ينشره من ثقافة الكراهية كما قالت الأخت نهى علي وهذه الشروط أوجزنها لنا الأخت المبدعة الكبيرة ( الواعية الصغيرة ) في اشتراطها للسعادة القرب من الله سبحانه وتعالى وهي بهذا قد وضعت يدها على الجرح فالقرب من الله كفيلٌ بتحقيق السعادة كونه يفي بجميع شروطها ,وقد اشترطت لذلك أن يكون الإسلام حقيقياً وليس مزيفاً فهناك إسلام سيء لا ينعكس على السلوك الإنساني وهذا قد يجلب التعاسة أما المسلم الحق فهو سعيد كون رزقه على الله سبحانه وتعالى لذا وجب عليه الرضا وهو لا يحسد غيره فهو منهيٌ عن ذلك ، وحاله كله خير فإن أصابته ضراء صبر فكان خير له وإن أصابته سراء شكر فكان خير له وكل ذلك يورث القناعة وهي السر الحقيقي للسعادة وهذا المسلم يعلم كذلك أنه لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى فلا يتكبر مهما علا قدره في الدنيا فهي دار ابتلاء والتفاضل حسب ما يؤمن به يكون في الآخرة وهذه الإيديولوجية تمنعه من الوقوع في الموبقات التي تورث الحسرة والندامة وفي هذا هو كالطالب المجد لا يخشى أي اختبار مفاجئ كونه مستعد دوماً ، كذلك المسلم الحقيقي لا يخشى الموت .
ذلك كله كفيل بجلب السعادة ولكن تظل البساطة وأعني بها التنصل من المسؤوليات الكبيرة ( أن تكون مسؤول عن نفسك أو أسرتك ولا تملك من حطام الدنيا شيء ، يجلبُ الأنظار إليك ) بحيث لا تعيقك نظم المجتمع المتخلفة عن التحرك بحرية وممارسة ما تشعر به من سعادة أوجدها القرب من الله سبحانه وتعالى .