محمد جاد الزغبي
14-12-2006, 12:28 AM
هذه أغرب مناقشة خضتها بحياتى ..
كانت البداية بسؤال بسيط ومعتاد فى الشأن العام ..
وبدلا من أن يستمر النقاش كما يستمر غيره وينتهى فى لحظات
وجدت نفسي أناقش الأمر مع نفسي منفردا فى محاولة للاجابة ولجأت لمكتبتى فى محاولة لاعادة الاطلاع على بعض المعلومات لم تلفت نظرى بحينها
فأجبت على السؤال بالموضوع التالى !!!
ارتفاع الأسعار ..
ترى هل هو ارتفاع للأسعار بالفعل ..؟!!
هل يمكننا وصف الحالة التجارية المصرية السائدة الآن ومنذ عام 1998 م تحديدا بأنها حالة ارتفاع فى الأسعار
الواقع أنه لا يمكننا التسليم بهذا على اطلاق الأمر ..
فيجب أن نعرف أولا ما هو تعريف حالة ارتفاع الأسعار لنتيقن هل هى الوصف الصحيح فعلا أم لا
ارتفاع الأسعار هى حالة فى السوق تخص سلعه أو أكثر يرتفع سعرها لندرتها أو لشيوع استخدامها وارتفاع معدلات استهلاكها عن معدل الاستهلاك الطبيعى ..
وهى حالة اما تأتى منطقية ومتوقعه من خلال اقتصاديات السوق
كأى سلعه جديدة تبدأ بسعر طبيعى ثم يتدرج الارتفاع حسب الطلب والانتشار
واما تأتى مفاجأة اثر حادث طارئ كالحروب مثلا ..
كما حدث مع سلعه البترول أثناء حرب أكتوبر عام 1973 م واثر سياسة استخدام البترول كسلاح استراتيجى للتفوق العربي
ارتفع سعر البترول فجأة وبشكل فادح بعد توقف الدول العربية المصدرة للبترول عن الانتاج والتصدير للدول الغربية المنحازة للدعاية الاسرائيلية مما تسبب فى أزمة حادة بالولايات المتحدة خصيصا والذى يمثل لها البترول العربي حجر الزاوية فى اعتمادها عليه كمصدر رئيسي للطاقة
مما سبق نكتشف أن حالة ارتفاع الأسعار ما هى الا حالة خاصة تنتاب السوق فى ظروف خاصة فى سلعه أو أكثر على سبيل التحديد لظروف طبيعية أو متوقعه واما فى حالات عرضية طارئة ..
فاذا طبقنا هذا المفهوم على الحالة المصرية فسنجد بمقارنة بسيطة ما يلي
أولا
ارتفاع الأسعار فى مصر أخذ جانب العموم وشمل جميع السلع بلا استثناء
ثانيا
الحالة فى مصر دائمة ومستمرة بل ومتحركة للزيادة باطراد الا فيما ندر
اذا فى هذه الحالة فليس الأمر أمر ارتفاع فى الأسعار سواء كان طبيعيا أو طارئا
بل هى حالة اقتصادية شاذة لا تنطبق عليها قواعد السوق المعروفة والعلمية .. بل بالأحرى تحتاج فيلسوفا فى الاقتصاد لا عالما به فقط .. كى يتمكن من تفسير تلك التداعيات الخطيرة وآثارها
الأسباب والتداعيات لحالة السوق المصرية
منذ منتصف عام 1998 م تقريبا وأثناء رياسة الدكتور عاطف محمد عبيد للوزارة المصرية .. اتخذت الحكومة المصرية فجأة قرارا بالغ الخطورة ونفذته بشكل مباشر فى تجاوز كامل لاليات السوق
ألا وهو قرار تحرير سعر الصرف !!
مما أوحى للكثير من دوائر المهتمين والعلماء بالشأن الاقتصاى الى الايحاء بأن القرار لا علاقة له بعلم الاقتصاد ولا علاقة له بالمنطق فى الأساس .. بل هو قرار سياسي بحت لا يمت لظروف السوق بصلة ..
وأشارت الجهات الاقتصادية المستقلة الى ضغوط صندوق النقد الدولى وبعض الهيئات السياسية الدولية
وأدى القرار المفاجئ لكارثة اقتصادية على جميع المستويات حيث كانت أولى الأزمات ارتفاع سعر الدولار من معدله الطبيعى أمام الجنيه المصري الى ما يزيد عن الضعف بقليل من هذا المعدل
وفى بلد استهلاكى من الدرجة الأولى مثل مصر فان هذا الارتفاع كان سببا مباشرا فى انهيار قيمة الجنيه المصري الضعيف فى الأساس لعدم وجود اقتصاد قوى مبنى على تنمية حقيقية .. بل كان قائما على منطق الاستهلاك الأعمى منذ بداية سياسة الانفتاح فى فترة نهاية السبعينيات بقرار منفرد من الرئيس المصري الراحل أنور السادات !!
واستمر ارتفاع الأسعار الجنونى فى الزيادة على جميع المستويات بما فى ذلك السلع الأساسية وبدت حالة السوق المصرية منذرة بعواصف تشابه الحالة التى عايشتها مصر مع قرار الرئيس السادات بالغاء الدعم عن بعض السلع الرئيسية مما أدى بتفجر المظاهرات الحاشدة عبر ثلاثة أيام فى شتى ربوع مصر
غير أن تلك الحالة لم تتكرر بالرغم من تفجر الاعتراضات العنيفة على قرار رئيس الوزراء بتحرير سعر الصرف وبالتالى لم يتراجع رئيس الوزراء عن قراره الغير مبرر
مما سبق يمكننا أن نسوق أسبابا ثلاثة رئيسية لحالة الانفلات الاقتصادى بالسوق المصرية
أولها .. أسباب من مراحل ماضية
وهى الفترة التى بدأت بسياسة الانفتاح الاقتصادى التى ارتبطت بالرئيس المصري الراحل أنور السادات والتى تم تطبيقها بعشوائية شديدة ولم تخضع لأدنى رقابة من أجهزة الدولة لا سيما وأن المنطق العلمى يقول بالتدرج المتواتر للانفتاح فى حالة تطبيقه على دولة كانت تعيش بنظام اشتراكى كامل ومنغلقة تماما عن الاسواق العالمية
مما أدى بطبيعه الحال الى تسابق استيرادى رهيب لكل السلع دونما استثناء أو تنظيم مما أدى بالسوق المصرية بالغرق فى بحر الاستهلاك الكامل وانخفضت الواردات بالمقابل الى أدنى مستوياتها وظهرت فى الدوائر السياسية المصرية مصطلحات تعبر عن تلك الحالة تصف السلع المنعدمة الأهمية التى يتم استيرادها بلفظ " السلع الاستفزازية " وأخذوا منها مثالا أغذية القطط والكلاب والتى يتجاوز مجموع المدفوع بها سنويا أسعار استيراد بعض السلع الرئيسية وبمراحل ..
والمنطق الذى تم تطبيق سياسة الانفتاح به كان كفيلا بالوصول بالاقتصاد المصري الى حالة الانهيار الكامل نتيجة للتضخم لولا وجود بعض موارد العملات الأجنبية من دخول قناة السويس وعائدات المصريين بالخارج وأموال المعونات الأجنبية ومقابل تصدير بعض السلع الرئيسية المكتشفة كحقلي الطاقة الحرارية ببلاعيم والمرجان
لكن وبالرغم من هذا تدنت الحالة الاقتصادية الى أدنى مستوياتها وقاربت على حافة الانهيار لا سيما بعد انعقاد المؤتمر الاقتصادى الموسع الذى دعى اليه الرئيس مبارك فى أولى فتراته لمعالجة الموقف فتكشفت بعض الحقائق والأرقام وعلى رأسها الديون العسكرية والمدنية وفاائدها الباهظة سنويا والتى كانت تـُدفع سنيا ويـُترك أصل الدين معلقا وخانقا ..
ثانيا .. أسباب لاحقة
مع بداية التسعينيات وبالتحديد عقب مشاركة مصر فى التحالف العسكرى المعقود برياسة الولايات المتحدة الأمريكية لتحرير الكويت .. قامت الادارة الأمريكية فى ذلك الوقت من عام 1992 م باسقاط الديون المصرية العسكرية واستمر بذات الوقت تدفق أموال المعونة الأمريكية بلا توقف حتى وقتنا الحالى وهى معونة تبلغ ملياري دولار يكون نصفها نقدا ونصفها سلعا ..
ومع عودة المعونات العربية المختلفة بعد انتهاء عهد المقاطعه العربية لمصر عام 1977 م عادت أيضا المعونات العربية للتدفق .. وتفجرت عدة اكتشافات بترولية لا سيما بالغاز الطبيعى لتصب فى جملة الموارد الاقتصادية المصرية وارتفع دخل قناة السويس الى أعلى معدلاته مع زيادة فى مصدر العملة الصعبة من تحويلات العاملين بالخارج .. وبدت للمراقبين أن الأزمة فى طريقها للانفراج مع كل تلك الموارد
الا أن تلك الآمال توقفت بعد تحسن نسبي فى فترة رياسة الدكتور كمال الجنزورى للحكومة خلفا للدكتور عاطف صدقي وأخذت الأسعار مرة أخرى فى الارتفاع دون مبررات واضحة أمام الهيئات الاقتصادية المعنية أو أمام جمهور المستهلكين لتصل حالة السوء الى مداها الأقصي فى فترة تحرير سعر الصرف وحتى الآن
هنا ... تراجع علم الاقتصاد قليلا عند تفسير تلك الحالة الغامضة .. وبرزت السياسة خاصة وأن اقتران السياسة بالاقتصاد بصفهما وجهان لعملة واحدة أصبح طابعا معروفا للقرن العشرين " القرن الأمريكى "
وعندما جاءت الحكومة بمحاولة لتفسير تلك الحالة المتردية التى تطحن الجمهور العادى من المستهلكين طحنا أتت بعدة أسباب كلها باتت غير منطقية مع تحليل الخبراء لها
وكانت أولى الأسباب انكار الحالة من الأساس !!
وجاءت أرقام واحصائيات الحكومة أمام مجلس الشعب تعلن أن معدل التمنية مرتفع الى حد اشادة الهيئات الدولية بتلك الأرقام .. الا أن ضعف المنطق هنا كان داعيا للحكومة للبحث عن ذرائع مختلفة
فالتحسن الاقتصادى وزيادة معدل التنمية بأى دولة يعتمد تماما على شعور المواطن بهذا التحسن
ثم جاءت الحكومات المتعاقبة بتفسيرات أخرى وأصرت عليها وهى الأسباب التقليدية وتنحصر فى زيادة عدد السكان .. وفى نقص الموارد ..
فجاءت اجابة المراقبين والمحللين لهذه الأسباب المساقة من الحكومة داحضة تماما !!
فبالنسبة لزيادة عدد السكان فى مصر فهذا ادعاء غير صحيح ودلل المراقبون السياسيون على انعدام تلك الزيادة بتقارير معهد التخطيط المصري نفسه التابع للحكومة حيث أشارت التقارير الى انخفاض معدل زيادة السكان من 2.2 % الى 108 % خلال العشر سنوات الماضية
وبالنسبة لنقص الموارد ..
فقد جاءت اجابة المراقبين والمحللين داحضة أيا وبالأرقام الرسمية لكل تلك الأسباب
فأفادت تقارير المراقبين الى أن مصر دخلت اليها موارد من الخارج فقط بدون حساب للدخل الداخلى حوالى 150 مليار دولار وبالأرقام الرسمية .. على هيئة معونات لا ترد وقروض ميسرة ومساعدات هيئات دولية ودخول للمصريين من الخارج خلال الثلاثين عاما الماضية فقط
فاذا ما أضيفت اليها الأرقام الرسمية للدخل الداخلى المعتمد على قناة السويس وحقل المرجان واكتشافات البترول واستثمارات أجنبية بالداخل سيتجاوز الأمر حدود الحساب !!
فما هو المبرر للحالة الاقتصادية المصرية المتدهورة خاصة اذا تم مقارنة ما تم صرفه فى الشأن الداخلى والتنمية من خلال المشروعات المختلفة خلال تلك الفترة واتضحت الفوارق الضخمة بين الداخل والمنصرف ؟!!
السؤال برمته يمثل حالة مستعصية على الاجابة
آراء المستهلك المصري وتوجهاته أمام أزمة الأسعار
فى محاولة للاستقصاء البسيط للرأى حول تلك المعضلة .. حرصت على اختيار عينة من كل مجموعه أو فئة من المجتمع المصري وذلك اما بالرأى المباشر عبر الحوارات واما بتحرى الرأى فى كتابات بعض المفكرين والخبراء الذين يمثلون مختلف الخبرات بقدر الامكان .. اضافة الى رأى رجل الشارع
فقد ركز المحللون السياسيون
مثل الأستاذ محمد حسنين هيكل على أسباب الفساد السياسي باعتبارها الداعى الأكبر لحالة السوق المصرية والاقتصاد عامة .. " برنامج تجربة حياة للأستاذ محمد حسنين هيكل "
بينما ركز المحللون الاقتصاديون وخبراء السوق
مثل الدكتور أحمد المصري فى أسباب معالجة الدولة لبرامج الخصخصة العشوائية والقرارات السياسية التى تمس السوق بشكل مباشر " محاضرات مختلفة "
وتناول المثقفون
على تنوع اتجاهاتهم أزمة القرار وانعدام الرقابة الحقيقية على السياسات من المجالس التشريعية كما يري بذلك الكاتب الصحفي مجدى مهنا
وبرر رجال الأعمال
تلك الحالة بعدم قبول السوق المصرية بطبيعتها للمناخ المشجع للاستثمار نتيجة للروتين الحكومى وعوائق التيسير التى لا تشجع المستثمرين على المغامرة فى السوق المصرية وتفشي سياسة الاحتكار والسيطرة المستندة على مقياس سياسي
وعبر شباب الخريجين المتجهين للعمل بالسوق الحرة
عن تأثر حالة السوق بالارتفاع غير المنتظم فى الأسعار الى عدم صدق الدولة فى معاونة الشباب ومساندتهم بشروط ميسرة لفتح السوق أمامهم للانتاج
وعند سؤالهم عن مصادر مشاريعهم التى تعتمد لى دعم الدولة من خلال القروض المختلفة وشروطها الميسرة أفاد الشباب بأن تلك القروض كانت ميسرة عند المنح غير أن الدولة تراجعت عن المساندة فى فتح الأسواق أمام منتجاتهم مما أدى لفشل أغلب تلك المشروعات
تلك هى مجمل الآراء التى تم الحصول عليها من شرائح متعددة تعبر بشكل ما عن سائر المجتمع
بالقاء نظرة ملخصة عامة على ما سبق
يتضح أن الحالة التى يعانيها الاقتصاد والسوق المضرين لا يمكن التعبير عنها بحالة ارتفاع أسعار طبيعية أو طارئة على نحو ما تقدم من تفسير
وبمحالة ادراك تلك الأسباب ودوافعها عبر آراء الخبراء .. ورجل الشارع العادى
وبدراسة مجمل اجاباتهم سنجدها تقريبا تصب فى خانة واحدة تشي بعدم الانضبااط السياسي أو المبنى على أساس علمى لانشاء سوق اقتصادية سليمة ..
بالرغم من محاولات الحكومة لتغيير النظم السياسية المسئولة اقتصاديا من خلال افراد مجمعوعه وزراء متخصصين عرفوا باسم وزراء المجموعه الاقتصادية ..
ثم التعديلات المختلفة فى الهياكل الاقتصادية مثل الغاء وزارة الاقتصاد واستبدالها بوزارة الاستثمار والتى أعلنت عند انشائها أنها الطريق الحقيقي لبناء اقتصاد قوى وهو ما لم يتحقق خلال خمس سنوات هى عمر تلك الوزارة وسياستها فى الخصخصة
مما أدى الى اقتناع رجل الشارع العادى بخطأ تلك السياسات لا سيما فى ظل حالة الحراك السياسي ومتابع جمهور عريض لأحاديث ومتابعات الخبراء التى أفادت باستحالة قبول العالم الثالث لنظرية الاقتصاد الحر الكامل على النهج الغربي
لأن الطبيعه التنموية لبلاد العالم الثالث لا يمكن أن يتولى مسئوليتها القطاع الخاص مسئولية كاملة لعدم تشبع الجمهور لتلك السياسات لا سيما فى ظل عقود طويلة كانت فيها الدولة ولا زالت حارسا على السوق راعية له متدخلة فيه بالتنظيم
ولذا فقد خلص البحث الى نتيجة مؤداها أن الحالة الاقتصادية المتردية مرجعها سياسي بالمقام الأول نظرا لعدم الاهتمام بالعلم الاقتصادى كأساس لبناء سوق قوى ضد طوارئ الأحداث
بالرغم من أن الفرص السانحة للاصلاح الاقتصادى كانت ولا زالت أمام التحقق ..
وذلك بالركون الى الخبراء المحايدين واعطائهم الفرصة الكاملة لتحقيق توصياتهم
والآن هل لدى أحدكم اجابة للسؤال تختلف يا ترى
كانت البداية بسؤال بسيط ومعتاد فى الشأن العام ..
وبدلا من أن يستمر النقاش كما يستمر غيره وينتهى فى لحظات
وجدت نفسي أناقش الأمر مع نفسي منفردا فى محاولة للاجابة ولجأت لمكتبتى فى محاولة لاعادة الاطلاع على بعض المعلومات لم تلفت نظرى بحينها
فأجبت على السؤال بالموضوع التالى !!!
ارتفاع الأسعار ..
ترى هل هو ارتفاع للأسعار بالفعل ..؟!!
هل يمكننا وصف الحالة التجارية المصرية السائدة الآن ومنذ عام 1998 م تحديدا بأنها حالة ارتفاع فى الأسعار
الواقع أنه لا يمكننا التسليم بهذا على اطلاق الأمر ..
فيجب أن نعرف أولا ما هو تعريف حالة ارتفاع الأسعار لنتيقن هل هى الوصف الصحيح فعلا أم لا
ارتفاع الأسعار هى حالة فى السوق تخص سلعه أو أكثر يرتفع سعرها لندرتها أو لشيوع استخدامها وارتفاع معدلات استهلاكها عن معدل الاستهلاك الطبيعى ..
وهى حالة اما تأتى منطقية ومتوقعه من خلال اقتصاديات السوق
كأى سلعه جديدة تبدأ بسعر طبيعى ثم يتدرج الارتفاع حسب الطلب والانتشار
واما تأتى مفاجأة اثر حادث طارئ كالحروب مثلا ..
كما حدث مع سلعه البترول أثناء حرب أكتوبر عام 1973 م واثر سياسة استخدام البترول كسلاح استراتيجى للتفوق العربي
ارتفع سعر البترول فجأة وبشكل فادح بعد توقف الدول العربية المصدرة للبترول عن الانتاج والتصدير للدول الغربية المنحازة للدعاية الاسرائيلية مما تسبب فى أزمة حادة بالولايات المتحدة خصيصا والذى يمثل لها البترول العربي حجر الزاوية فى اعتمادها عليه كمصدر رئيسي للطاقة
مما سبق نكتشف أن حالة ارتفاع الأسعار ما هى الا حالة خاصة تنتاب السوق فى ظروف خاصة فى سلعه أو أكثر على سبيل التحديد لظروف طبيعية أو متوقعه واما فى حالات عرضية طارئة ..
فاذا طبقنا هذا المفهوم على الحالة المصرية فسنجد بمقارنة بسيطة ما يلي
أولا
ارتفاع الأسعار فى مصر أخذ جانب العموم وشمل جميع السلع بلا استثناء
ثانيا
الحالة فى مصر دائمة ومستمرة بل ومتحركة للزيادة باطراد الا فيما ندر
اذا فى هذه الحالة فليس الأمر أمر ارتفاع فى الأسعار سواء كان طبيعيا أو طارئا
بل هى حالة اقتصادية شاذة لا تنطبق عليها قواعد السوق المعروفة والعلمية .. بل بالأحرى تحتاج فيلسوفا فى الاقتصاد لا عالما به فقط .. كى يتمكن من تفسير تلك التداعيات الخطيرة وآثارها
الأسباب والتداعيات لحالة السوق المصرية
منذ منتصف عام 1998 م تقريبا وأثناء رياسة الدكتور عاطف محمد عبيد للوزارة المصرية .. اتخذت الحكومة المصرية فجأة قرارا بالغ الخطورة ونفذته بشكل مباشر فى تجاوز كامل لاليات السوق
ألا وهو قرار تحرير سعر الصرف !!
مما أوحى للكثير من دوائر المهتمين والعلماء بالشأن الاقتصاى الى الايحاء بأن القرار لا علاقة له بعلم الاقتصاد ولا علاقة له بالمنطق فى الأساس .. بل هو قرار سياسي بحت لا يمت لظروف السوق بصلة ..
وأشارت الجهات الاقتصادية المستقلة الى ضغوط صندوق النقد الدولى وبعض الهيئات السياسية الدولية
وأدى القرار المفاجئ لكارثة اقتصادية على جميع المستويات حيث كانت أولى الأزمات ارتفاع سعر الدولار من معدله الطبيعى أمام الجنيه المصري الى ما يزيد عن الضعف بقليل من هذا المعدل
وفى بلد استهلاكى من الدرجة الأولى مثل مصر فان هذا الارتفاع كان سببا مباشرا فى انهيار قيمة الجنيه المصري الضعيف فى الأساس لعدم وجود اقتصاد قوى مبنى على تنمية حقيقية .. بل كان قائما على منطق الاستهلاك الأعمى منذ بداية سياسة الانفتاح فى فترة نهاية السبعينيات بقرار منفرد من الرئيس المصري الراحل أنور السادات !!
واستمر ارتفاع الأسعار الجنونى فى الزيادة على جميع المستويات بما فى ذلك السلع الأساسية وبدت حالة السوق المصرية منذرة بعواصف تشابه الحالة التى عايشتها مصر مع قرار الرئيس السادات بالغاء الدعم عن بعض السلع الرئيسية مما أدى بتفجر المظاهرات الحاشدة عبر ثلاثة أيام فى شتى ربوع مصر
غير أن تلك الحالة لم تتكرر بالرغم من تفجر الاعتراضات العنيفة على قرار رئيس الوزراء بتحرير سعر الصرف وبالتالى لم يتراجع رئيس الوزراء عن قراره الغير مبرر
مما سبق يمكننا أن نسوق أسبابا ثلاثة رئيسية لحالة الانفلات الاقتصادى بالسوق المصرية
أولها .. أسباب من مراحل ماضية
وهى الفترة التى بدأت بسياسة الانفتاح الاقتصادى التى ارتبطت بالرئيس المصري الراحل أنور السادات والتى تم تطبيقها بعشوائية شديدة ولم تخضع لأدنى رقابة من أجهزة الدولة لا سيما وأن المنطق العلمى يقول بالتدرج المتواتر للانفتاح فى حالة تطبيقه على دولة كانت تعيش بنظام اشتراكى كامل ومنغلقة تماما عن الاسواق العالمية
مما أدى بطبيعه الحال الى تسابق استيرادى رهيب لكل السلع دونما استثناء أو تنظيم مما أدى بالسوق المصرية بالغرق فى بحر الاستهلاك الكامل وانخفضت الواردات بالمقابل الى أدنى مستوياتها وظهرت فى الدوائر السياسية المصرية مصطلحات تعبر عن تلك الحالة تصف السلع المنعدمة الأهمية التى يتم استيرادها بلفظ " السلع الاستفزازية " وأخذوا منها مثالا أغذية القطط والكلاب والتى يتجاوز مجموع المدفوع بها سنويا أسعار استيراد بعض السلع الرئيسية وبمراحل ..
والمنطق الذى تم تطبيق سياسة الانفتاح به كان كفيلا بالوصول بالاقتصاد المصري الى حالة الانهيار الكامل نتيجة للتضخم لولا وجود بعض موارد العملات الأجنبية من دخول قناة السويس وعائدات المصريين بالخارج وأموال المعونات الأجنبية ومقابل تصدير بعض السلع الرئيسية المكتشفة كحقلي الطاقة الحرارية ببلاعيم والمرجان
لكن وبالرغم من هذا تدنت الحالة الاقتصادية الى أدنى مستوياتها وقاربت على حافة الانهيار لا سيما بعد انعقاد المؤتمر الاقتصادى الموسع الذى دعى اليه الرئيس مبارك فى أولى فتراته لمعالجة الموقف فتكشفت بعض الحقائق والأرقام وعلى رأسها الديون العسكرية والمدنية وفاائدها الباهظة سنويا والتى كانت تـُدفع سنيا ويـُترك أصل الدين معلقا وخانقا ..
ثانيا .. أسباب لاحقة
مع بداية التسعينيات وبالتحديد عقب مشاركة مصر فى التحالف العسكرى المعقود برياسة الولايات المتحدة الأمريكية لتحرير الكويت .. قامت الادارة الأمريكية فى ذلك الوقت من عام 1992 م باسقاط الديون المصرية العسكرية واستمر بذات الوقت تدفق أموال المعونة الأمريكية بلا توقف حتى وقتنا الحالى وهى معونة تبلغ ملياري دولار يكون نصفها نقدا ونصفها سلعا ..
ومع عودة المعونات العربية المختلفة بعد انتهاء عهد المقاطعه العربية لمصر عام 1977 م عادت أيضا المعونات العربية للتدفق .. وتفجرت عدة اكتشافات بترولية لا سيما بالغاز الطبيعى لتصب فى جملة الموارد الاقتصادية المصرية وارتفع دخل قناة السويس الى أعلى معدلاته مع زيادة فى مصدر العملة الصعبة من تحويلات العاملين بالخارج .. وبدت للمراقبين أن الأزمة فى طريقها للانفراج مع كل تلك الموارد
الا أن تلك الآمال توقفت بعد تحسن نسبي فى فترة رياسة الدكتور كمال الجنزورى للحكومة خلفا للدكتور عاطف صدقي وأخذت الأسعار مرة أخرى فى الارتفاع دون مبررات واضحة أمام الهيئات الاقتصادية المعنية أو أمام جمهور المستهلكين لتصل حالة السوء الى مداها الأقصي فى فترة تحرير سعر الصرف وحتى الآن
هنا ... تراجع علم الاقتصاد قليلا عند تفسير تلك الحالة الغامضة .. وبرزت السياسة خاصة وأن اقتران السياسة بالاقتصاد بصفهما وجهان لعملة واحدة أصبح طابعا معروفا للقرن العشرين " القرن الأمريكى "
وعندما جاءت الحكومة بمحاولة لتفسير تلك الحالة المتردية التى تطحن الجمهور العادى من المستهلكين طحنا أتت بعدة أسباب كلها باتت غير منطقية مع تحليل الخبراء لها
وكانت أولى الأسباب انكار الحالة من الأساس !!
وجاءت أرقام واحصائيات الحكومة أمام مجلس الشعب تعلن أن معدل التمنية مرتفع الى حد اشادة الهيئات الدولية بتلك الأرقام .. الا أن ضعف المنطق هنا كان داعيا للحكومة للبحث عن ذرائع مختلفة
فالتحسن الاقتصادى وزيادة معدل التنمية بأى دولة يعتمد تماما على شعور المواطن بهذا التحسن
ثم جاءت الحكومات المتعاقبة بتفسيرات أخرى وأصرت عليها وهى الأسباب التقليدية وتنحصر فى زيادة عدد السكان .. وفى نقص الموارد ..
فجاءت اجابة المراقبين والمحللين لهذه الأسباب المساقة من الحكومة داحضة تماما !!
فبالنسبة لزيادة عدد السكان فى مصر فهذا ادعاء غير صحيح ودلل المراقبون السياسيون على انعدام تلك الزيادة بتقارير معهد التخطيط المصري نفسه التابع للحكومة حيث أشارت التقارير الى انخفاض معدل زيادة السكان من 2.2 % الى 108 % خلال العشر سنوات الماضية
وبالنسبة لنقص الموارد ..
فقد جاءت اجابة المراقبين والمحللين داحضة أيا وبالأرقام الرسمية لكل تلك الأسباب
فأفادت تقارير المراقبين الى أن مصر دخلت اليها موارد من الخارج فقط بدون حساب للدخل الداخلى حوالى 150 مليار دولار وبالأرقام الرسمية .. على هيئة معونات لا ترد وقروض ميسرة ومساعدات هيئات دولية ودخول للمصريين من الخارج خلال الثلاثين عاما الماضية فقط
فاذا ما أضيفت اليها الأرقام الرسمية للدخل الداخلى المعتمد على قناة السويس وحقل المرجان واكتشافات البترول واستثمارات أجنبية بالداخل سيتجاوز الأمر حدود الحساب !!
فما هو المبرر للحالة الاقتصادية المصرية المتدهورة خاصة اذا تم مقارنة ما تم صرفه فى الشأن الداخلى والتنمية من خلال المشروعات المختلفة خلال تلك الفترة واتضحت الفوارق الضخمة بين الداخل والمنصرف ؟!!
السؤال برمته يمثل حالة مستعصية على الاجابة
آراء المستهلك المصري وتوجهاته أمام أزمة الأسعار
فى محاولة للاستقصاء البسيط للرأى حول تلك المعضلة .. حرصت على اختيار عينة من كل مجموعه أو فئة من المجتمع المصري وذلك اما بالرأى المباشر عبر الحوارات واما بتحرى الرأى فى كتابات بعض المفكرين والخبراء الذين يمثلون مختلف الخبرات بقدر الامكان .. اضافة الى رأى رجل الشارع
فقد ركز المحللون السياسيون
مثل الأستاذ محمد حسنين هيكل على أسباب الفساد السياسي باعتبارها الداعى الأكبر لحالة السوق المصرية والاقتصاد عامة .. " برنامج تجربة حياة للأستاذ محمد حسنين هيكل "
بينما ركز المحللون الاقتصاديون وخبراء السوق
مثل الدكتور أحمد المصري فى أسباب معالجة الدولة لبرامج الخصخصة العشوائية والقرارات السياسية التى تمس السوق بشكل مباشر " محاضرات مختلفة "
وتناول المثقفون
على تنوع اتجاهاتهم أزمة القرار وانعدام الرقابة الحقيقية على السياسات من المجالس التشريعية كما يري بذلك الكاتب الصحفي مجدى مهنا
وبرر رجال الأعمال
تلك الحالة بعدم قبول السوق المصرية بطبيعتها للمناخ المشجع للاستثمار نتيجة للروتين الحكومى وعوائق التيسير التى لا تشجع المستثمرين على المغامرة فى السوق المصرية وتفشي سياسة الاحتكار والسيطرة المستندة على مقياس سياسي
وعبر شباب الخريجين المتجهين للعمل بالسوق الحرة
عن تأثر حالة السوق بالارتفاع غير المنتظم فى الأسعار الى عدم صدق الدولة فى معاونة الشباب ومساندتهم بشروط ميسرة لفتح السوق أمامهم للانتاج
وعند سؤالهم عن مصادر مشاريعهم التى تعتمد لى دعم الدولة من خلال القروض المختلفة وشروطها الميسرة أفاد الشباب بأن تلك القروض كانت ميسرة عند المنح غير أن الدولة تراجعت عن المساندة فى فتح الأسواق أمام منتجاتهم مما أدى لفشل أغلب تلك المشروعات
تلك هى مجمل الآراء التى تم الحصول عليها من شرائح متعددة تعبر بشكل ما عن سائر المجتمع
بالقاء نظرة ملخصة عامة على ما سبق
يتضح أن الحالة التى يعانيها الاقتصاد والسوق المضرين لا يمكن التعبير عنها بحالة ارتفاع أسعار طبيعية أو طارئة على نحو ما تقدم من تفسير
وبمحالة ادراك تلك الأسباب ودوافعها عبر آراء الخبراء .. ورجل الشارع العادى
وبدراسة مجمل اجاباتهم سنجدها تقريبا تصب فى خانة واحدة تشي بعدم الانضبااط السياسي أو المبنى على أساس علمى لانشاء سوق اقتصادية سليمة ..
بالرغم من محاولات الحكومة لتغيير النظم السياسية المسئولة اقتصاديا من خلال افراد مجمعوعه وزراء متخصصين عرفوا باسم وزراء المجموعه الاقتصادية ..
ثم التعديلات المختلفة فى الهياكل الاقتصادية مثل الغاء وزارة الاقتصاد واستبدالها بوزارة الاستثمار والتى أعلنت عند انشائها أنها الطريق الحقيقي لبناء اقتصاد قوى وهو ما لم يتحقق خلال خمس سنوات هى عمر تلك الوزارة وسياستها فى الخصخصة
مما أدى الى اقتناع رجل الشارع العادى بخطأ تلك السياسات لا سيما فى ظل حالة الحراك السياسي ومتابع جمهور عريض لأحاديث ومتابعات الخبراء التى أفادت باستحالة قبول العالم الثالث لنظرية الاقتصاد الحر الكامل على النهج الغربي
لأن الطبيعه التنموية لبلاد العالم الثالث لا يمكن أن يتولى مسئوليتها القطاع الخاص مسئولية كاملة لعدم تشبع الجمهور لتلك السياسات لا سيما فى ظل عقود طويلة كانت فيها الدولة ولا زالت حارسا على السوق راعية له متدخلة فيه بالتنظيم
ولذا فقد خلص البحث الى نتيجة مؤداها أن الحالة الاقتصادية المتردية مرجعها سياسي بالمقام الأول نظرا لعدم الاهتمام بالعلم الاقتصادى كأساس لبناء سوق قوى ضد طوارئ الأحداث
بالرغم من أن الفرص السانحة للاصلاح الاقتصادى كانت ولا زالت أمام التحقق ..
وذلك بالركون الى الخبراء المحايدين واعطائهم الفرصة الكاملة لتحقيق توصياتهم
والآن هل لدى أحدكم اجابة للسؤال تختلف يا ترى