المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من صفحات مكتبتي ..


عبير جلال الدين
07-12-2006, 04:47 AM
الجاحظ

أبو عثمان (عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري) أعظم ناثري العصر العباسي وأكثر بلغائه تصنيفاً وكتابةً وأثراً.
جمع بين علوم الأوائل والأواخر, وأتقن رواية أهل النقل ودراية أهل العقل, وانحاز في كتابته إلى العقل الذي رآه حجة الله على خلقه, وسبيلهم إلى صنع حياتهم بإرادتهم الحرة, فمضى في طريق علماء الكلام الذين وُصفوا بأنهم فرسان العقل, وأن ما يحسنونه من علوم الدين في وزن ما يحسنونه من معارف الفلسفة, واختط لنفسه سبيلاً بينهم, مجتهداً لا متّبعاً, فتميز بآراءٍ نُسبت إليه, وجماعة تحلّقت حوله تحت مسمى: (الجاحظيّة).
وكانت كتابته الإبداعية الوجه الآخر من كتابته الفكرية, إعلاءً من شأن العقل الذي يبتدع لغاته الكاشفة عن وعوده, واحتفاء بالجذور العربية الأصيلة المنفتحة على كل جديدٍ يضيف إليها بالقدر الذي تضيف إليه, وتأكيدا للمعنى الإنساني الذي فتح أفق الهوّية على علوم وفنون المعمورة البشرية بأسرها دون تعصب أو تحيز, ومن غير اتباع أو تقليد, طلباً للحكمة التي هي ـ كالمعرفة والفن ـ ضالة المؤمن. وكان ذلك تجسيداً لحلم التنوع البشري الخلاّق, وسعياً إلى تتميم ما لم يقل فيه السابقون على مجرى عادة اللسان وسنة الزمان وخصوصية المكان .

ولد الجاحظ بمدينة البصرة, موطن المعتزلة, حوالي سنة 150 هـ (=767م). وأفاد من انفتاح علمائها على معارف الدنيا القديمة التي أصبحت ميسورة لأمثاله باللسان العربي. وأكسبه نهمه المعرفي المذهل صفة الموسوعية التي دفعته إلى الكتابة في كل مجال, كما لو كان حريصاً على أن يستحضر في كتبه ورسائله كل ما في الدنيا حوله, وكما لو كان يريد لكتاباته المتنوعة إلى درجة غير مسبوقة أن تكون مرايا متغايرة الخواص, ينعكس عليها التعدد اللانهائي لحضور الإنسان في الكون, ذلك الحضور الذي يجعل من الإنسان العالم الأصغر الذي ينطوي على العالم الأكبر.
هكذا, كتب عن معنى التوحيد والعدل وحجج النبوة ونظم القرآن,
كما كتب عن النخل والزرع والمعادن وأنواع الحيوان,
وعن تعدد الأجناس الموجود في زمنه (الترك, والسودان, والهند والسند, والفرس)
وتعدد اتجاهات الفكر (الشيعة بعامة والزيدية بخاصة, والرافضة, والخوارج, والعباسية, والعثمانية) وعن الحرف والطوائف (المعلمين, والكتاب, والصناع, والزراع, والقيان, والجواري, والخصيان) وعن العوائد والأخلاق والملامح النفسية للنماذج والأنماط البشرية, فكتب عن الحب والعشق, الكره والحسد, الجد والهزل, المعاد والمعاش, فضلا عن محبة الأوطان.
ولم تفُتْه الكتابة عن النبيذ أو رواية الُملَح والنوادر بلهجاتها, واصلاً ما كتبه عن الغلمان بما كتبه عن البخلاء, غير مفلتٍ حتى لصوص الليل ولصوص النهار, بل البرصان والعرجان والعميان, من مرايا رسائله وكتاباته التي انعكس عليها كل شيء في زمنه .

عبير جلال الدين
07-12-2006, 04:51 AM
من (كتاب الحيوان) للجاحظ


الإنسانِ


تسميةُ الإنسانِ بالعالَم الأصْغر


أوَ ما علمتَ أنّ الإنسان الذي خُلقت السمواتُ والأرضُ وما بينَهما من أجْله كما قال عزَّ وجلَّ: سَخَّرَ لَكُمْ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ جميعاً مِنْهُ إنَّما سمَّوه العالَم الصغير سليلَ العالَم الكبير, لمَا وجَدوا فيه من جَميع أشكالِ ما في العالم الكبير, ووجدْنا له الحواسَّ الخمسَ ووجدُوا فيه المحسوساتِ الخمس, ووجدُوه يأكل اللَّحم والحَبَّ, ويجمعُ بينَ ما تقتاته البهيمةُ والسبع, ووجدَوا فيه صَولةَ الجمل ووُثوبَ الأسد, وغدْرَ الذئب, ورَوَغان الثعلب, وجُبْن الصِّفْرِد, وجَمْعَ الذَّرَّةِ, وصنْعةَ السُّرْفة , وجُودَ الديكِ, وإلفَ الكلب, واهتداءَ الحمام. ورَّبما وجدوا فيه ممَّا في البهائم والسباع خُلُقَيْن أو ثلاثة, ولا يبلغُ أن يكون جملاً بأن يكون فيه اهتداؤه وغَيرته, وصَولته وحِقدُه, وصبرُه على حمْل الثِّقْل, ولا يلزَم شبهُ الذئبِ بقدْر ما يتَهَيَّأ فيه من مِثل غدْرِه ومكْرِه, واسترواحه وتوحُّشه, وشدَّة نُكْره. كما أن الرجلَ يصيبُ الرأىَ الغامضَ المرّةَ والمرَّتين والثلاثَ, ولا يبلغُ ذلك المقدارُ أن يقال له داهيةٌ وذو نَكراء أو صاحبُ بزلاء يخطئ الرجل فيفحُش خَطَؤُه في المرَّة والمرَّتين والثلاث, فلا يبلغ الأمرُ به أن يقال له غبيٌّ وأبلهُ ومنقوص.

وسمَّوه العالَمَ الصغيرَ لأَّنهم وجدُوه يصوَّر كلَّ شيءٍ بيده, ويحكي كلَّ صوتٍ بِفَمه. وقالوا: ولأنَّ أعضاءَه مقسومةٌ على البروج الإثنى عشر والنجومِ السبعة, وفيه الصفراء وهي من نِتاج النار, وفيه السوداء وهي من نِتاج الأرض, وفيه الدمُ وهو من نِتاج الهواء, وفيه البلغَمُ وهو من نِتاج الماء. وعلى طبائعه الأربع وضعت الأوتاد الأربعة.

فجعَلوه العالَمَ الصغير, إذ كانَ فيه جميعُ أجزائِه وأخلاطِهِ وطبائعه. ألا تَرَى أنَّ فيه طبائعَ الغضبِ والرضَا, وآلة اليقين والشكِّ, والاعتقاد والوقف وفيه طبائعُ الفطنةِ والغَباوة, والسلامة والمكر, والنصيحةِ والغِشِّ, والوَفاء والغدر, والرياء والإخلاص, والحب والبُغْض, والجِدِّ والهزْل, والبخْل والجُود, والاقتصادِ والسّرَف, والتواضع والكبر, والأنسِ والوحشة, والفكرة والإمهال, والتمييز والخبْط, والجبْن والشجاعة, والحزم والإضاعة, والتبذير والتقتير, والتبذل والتعزز, والادِّخار والتوكُّل, والقَناعة والحِرْصِ, والرغبة والزُّهْد, والسُّخْط والرِّضا, والصبر والجزَع, والذِّكر والنسيان, والخوفِ والرجاء, والطمَعِ واليأس, والتنزُّه والطبَع, والشكِّ واليقين, والحياء والقِحَة, والكتْمانِ والإشاعة, والإقرار والإنكار, والعلم والجهل, والظلم والإنصاف, والطلب والهَرب, والحقْد وسرْعة الرضا, والحْدَّةِ وبُعْدِ الغَضب, والسرُّور والهمّ, واللَّذةِ والألَمَ, والتأميلِ والتمنِّي, والإصرارِ والنَّدَم, والجِمَاحِ والبَدَوات, والعيِّ والبلاغَة, والنطْق والخرَس, والتصميمِ والتوقف, والتغافُلِ والتفاطُن, والعفوِ والمكافأة, والاستطاعةِ والطبيعة وما لا يحصى عدده, ولا يُعرَف حَدُّه.
.
.

عبير جلال الدين
07-12-2006, 04:54 AM
من (رسالة المعاش والمعاد) للجاحظ


طبائع الخَلْق


اعلمْ أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه خَلَق خلْقه, ثمَّ طبعهم على حبِّ اجترار المنافع , ودفع المضارّ, وبُغض ما كان بخلاف ذلك. هذا فيهم طبعٌ مركَّب, وجِبِلّة مفطورة, لا خلافَ بين الخلْق فيه; موجودٌ في الإنس والحَيَوان, لم يدعِ غيره مدعٍ من الأوَّلين والآخرين. وبقدر زيادةِ ذلك ونُقصانه تزيد المحبَّة والبغضاء; فنقصانُه كزيادته تميل الطَّبيعة معهما كميلِ كفَّتي الميزان, قلَّ ذلك أو كثُر.

وهاتان جملتان داخلٌ فيهما جميع محَاَبِّ العباد ومَكارههم. والنَّفس في طبعها حبُّ الراحة والدَّعة, والازدياد والعلوّ, والعزّ والغَلبة, والاستطراف والتنوق , وجميع ما تستلذ الحواسُّ من المناظر الحسنة, والروائح العَبقة, والطعوم الطَّيِّبة, والأصوات المونقة, والملامس اللَّذيذة. ومما كراهيتُه في طباعهم أضدادُ ما وصفتُ لك وخلافه.

فهذه الخلالُ التي تجمعها خَلتان غرائز في الفِطَر, وكوامن في الطَّبع; جِبِلَّةٌ ثابتة, وشيمة مخلوقة. على أنَّها في بعضٍ أكثرُ منها في بعضٍ, ولا يعلم قدرَ القلَّة فيه والكثرة إلاَّ الذي دبَّرهم.

فعِلم اللهُ أنهم لايتعاطفون ولايتواصلون ولاينقادون إلا بالتأديب, وأنَّ التأديب ليس إلاَّ بالأمر والنَّهي, وأن الأمر والنهي غير ناجعَين فيهم إلاَّ بالترغيب والترهيب اللذَين في طباعهم. فدعاهم بالتَّرغيب إلى جَنّته, وجعلها عوضاً مما تركوا في جنب طاعته, وزجَرهم بالتَّرهيب بالنار عن معصيته, وخوَّفهم بعقابها على ترك أمره. ولو تَرَكهم جلَّ ثناؤه والطِّباعَ الأوّل جرَوْا على سنَنَ الفِطرة, وعادة الشِّيمة.

ثم أقامَ الرَّغبة والرَّهبةَ على حدود العَدل, وموازين النَّصَفة, وعدَّلهم تعديلاً متفقا, فقال: فمن يَعْمل مِثقالَ ذرّةٍ خيراً يَرَهُ. ومَن يَعمل مِثقالَ ذرّةٍ شرًّا يره ثم أخبر الله تبارك وتعالى أنَّه غير داخلٍ في تدبيره الخللُ, ولا جائزٌ عنده المحاباة; ليعملَ كلُّ عاملٍ على ثقةٍ ممَّا وعَده وواعَده, فتعلَّقت قلوبُ العباد بالرغبة والرَّهبة, فاطرَّدَ التدبير, واستقامت السِّياسة, لموافقتهما ما في الفِطرة, وأخذهما بمجامع المصلحة.

فإذا كانوا لم يصلحوا لخالقهم ولم ينقادوا لأمره إلاَّ بما وصفتُ لك من الرغبة والرَّهبة, فأعجزُ الناسِ رأياً وأخطؤهم تدبيراً, وأجهلُهم بموارد الأمور ومصادرها, مَنْ أمَّل أو ظنّ أو رجاَ أنَّ أحداً من الخلْق ـ فوقه أو دونه أو من نظرائه ـ يصلح له ضميره, أو يصحُّ له بخلاف ما دبرهم الله عليه.

عبير جلال الدين
07-12-2006, 04:56 AM
من (كتاب الحيوان) للجاحظ


كون الاجتماع ضرورياً


ثمَّ اعلمْ, رحِمَك الله تعالي, أنّ حاجةَ بعض الناس إلى بعضٍ, صفةٌ لازمةٌ في طبائِعهم, وخِلقةٌ قائمِةٌ في جواهرِهم, وثابتةٌ لا تُزايلُهم, ومُحيطةٌ بجماعتهم, ومشتملةٌ على أدناهم وأقصاهم, وحاجَتُهُمّ إلى ما غاب عنهم ـ مما يُعيِشُهم ويُحْييهم, ويُمسِك بأرْماقِهم, ويُصلحُ بالهم, ويجْمع شملَهم, وإلى التعاونِ في درْكِ ذلك, والتوازُرِ عليه ـ كحَاجَتِهم إلى التعاون على معرفة ما يضرُّهم, والتوازرِ على مايحتاجون من الارتفاق بأمورهم التي لم تَغِبْ عنهم, فحاجَةُ الغائِبِ موصوُلةٌ بحاجةِ الشاهد, لاحتياج الأدنَي إلى مَعرِفةِ الأقصى, واحتياجِ الأقصى إلى مَعرفةِ الأدنى, معانٍ متضمنةٌ, وأسبابٌ متَّصلة, وحبالٌ منعقدة. وجعل حاجتنَا إلى معرفة أخبارِ منْ كان قبلَنا, كحاجةِ من كان قبلَنا إلى أخبارِ منْ كان قبلَهم, وحاجةِ من يكُونُ بعدَنا إلى أخبارِنا; ولذلك تقدَّمت في كتب الله البِشاراتُ بالرُّسل, ولم يسخِّر لهم جميعَ خلْقِه, إلا وهُم يحتاجُون إلى الارتفاق بجميع خلْقه. وجعلَ الحاجَةَ حاجَتَين: إحداهما قِوامٌ وقُوت, والأخرى لذةٌ وإمْتاعٌ وازديادٌ في الآلَة, و في كلِّ ما أجذَلَ النفوس, وجمع لهم العَتاد. وذلكَ المقدارُ منْ جميع الصنْفَين وفقٌ لكثرةِ حاجاتهم وشهَواتهم, وعلى قدْر اتساعِ معرفتهم وبُعْدِ غَوْرِهم, وعلى قدْر احتمال طبعِ البشريَّة وفطرةِ الإنسانيَّة. ثم لم يقطعِ الزيادةَ إلا لعجْزِ خلقِهم عن احتمالها, ولم يجز أن يفرق بينهم وبين العجْزِ, إلا بعدَم الأعيان, إذ كان العجزُ صفةً من صفاتِ الخلق, ونعتاً من نُعوتِ العبيد.

لم يخلق اللّه تعالى أحداً يستطيعُ بلوغَ حاجَتهِ بنفسه دونَ الاستعانة ببعضِ من سُخِّرَ له, فأدناهم مُسخَّرٌ لأقصاهِم, وأجلُّهم ميسَّر لأدقِّهم. وعلى ذلك أحوَجَ الملوكَ إلى السوقةِ في بابٍ,
وأحوَجَ السُّوقَةَ إلى الملوك في باب, وكذلك الغنيُّ والفقير, والعبدُ وسيدُه. ثمَّ جعلَ الله تعالى كلَّ شيءٍ للإنسان خَوَلاً, وفي يدِه مُذللاً مُيسَّرًا إما بالاحتيالِ له والتلطفِ في إراغَتِه واستمالتِه, وإما بالصَّوْلةِ عليه, والفتكِ به, وإما أنْ يأتيه سهواً ورهواً. على أنّ الإنسانَ لولا حاجَتُهُ إليها, لما احتالَ لها, ولا صَالَ عليها. إلا أنّ الحاجةَ تفتَرِق في الجنس والجهةِ والجِبِلَّة, وفي الحظِّ والتقدير.

ثمَّ تعبَّدَ الإنسان بالتفكرِ فيها, والنظرِ في أمورِها, والاعتبارِ بما يَرَى, ووَصَل بينَ عُقولهم وبَيْنَ معرفةِ تلك الحكَم الشريفة, وتلك الحاجاتِ اللازمة, بالنظرِ والتفكير, وبالتنقيب والتنْقير, والتثبّت والتوقُّف; ووَصَلَ معارفَهم بموَاقعِ حاجاتِهم إليها, وتشاعُرِهم بمواضع الحكم فيها بالبيانِ عنها.

ابن العميد
11-12-2006, 11:03 AM
رحيق المسك:
هناك رأى مخالف كتبه"جياكومو ليوباردى"سوف اتلوا عليك منه ذكرا عندما اقدم له كتاب "المحاورات"
فالى اللقاء قريبا ....
مع تحياتى
ابن العميد..............
انى قد صحبت الناس مالهم عدد........وحسبت أنى قد ملأت يدى...
فلما بلوت اخلائى وجدتهم.......كالدهر فى الغدر لم يبقوا على أحد..
ان غبت عنهم فشر الناس يشتمنى...وان مرضت فخير الناس لم يعد..

فرعون الشعر
06-01-2007, 05:04 PM
سيدتى

ان الجاحظ من الكتاب المبدعين

واذكر ان والدى رحمه الله

اعطانى حين نجاحى فى المرحله الابتدائيه

كتابه البخلاء




وكنت اضحك منه جدا


ثم بدأت عندى مرحله الولع بهذا الكاتب


سيدتى


ذكرتنا بكاتب من اعظم كتاب العرب

فشكرا لك

دمتِ بود

كاتب
07-01-2007, 09:25 PM
هل توجد طبعة محققة ومعتنى بها لكتاب البخلاء ؟

المعلم الأول
28-01-2007, 04:44 PM
اخي كاتب...

افضل كتب الجاحظ اذا كان من تحقيق عبدالسلام هارون...