عبود سلمان
01-12-2006, 12:12 AM
الحان "جدل" ما بين الحروف والألوان
زاهد عزت حرش
في البدء
من روايته لميلاد الحروف في وجدانه.. يمكننا إن نقول إنهما ولدا من رحم واحد.. يتذكر كميل ضو إن علاقته بجمالية كتابة الخط العربي تعود إلى بداية عهده بمعرفة اللغة العربية كتابة وقراءة.. أي منذ سنوات عمره الأولى.. كان كلما وقع بين يديه قلم ومساحة ما.. يخط عليها بأصابع الطفولة أحرفاً عشقها عشقاً طوباوياً, دون إن يعرف لماذا, كيف, ومن أين.!! إلى اليوم ما زال كميل يتذكر ذلك الإطراء والإعجاب من عائلته وأهله ومعلميه.. على ما كان يكتبه من خط جميل ملفت للنظر.. عرف كميل بها ومنها إن ما بينه وبين أحرف اللغة المكتوبة.. اللغة العربية خاصة!! ما يشبه التوأمة والتلاحم.. حتى انه شب فتىً يتغنى بأحرف كلماته المكتوبة رسماً.. يطرب لها وبها كمتيم يعشق صبابة الخط العربي يوماً بعد يوم.
إن رسم الكلمات عاش معه.. مع أول الكلام كتابة وحروفاً.. ونما كما تنمو الدوحة المعطاءة الدائمة الخضرة.. تعطي من ذاتها ومن ظلالها ما هو طيب للآخرين.. وتلتقي العيون بأعمال طفولة هادئة.. ترسم الكلمات على مهل.. حتى أصبحت أغنية "الرسم بالكلمات" بين يديه, سيمفونية حروف بسطت معالمها على أعماله الفنية منذ تلك البدايات إلى اليوم.
http://www.doniafun.com/images/stories/7wareat%20adonia/kamel_do-1_11-100-70.jpg
محطات في سجل مسيرته الفنية
1) جاء اللقاء المميز له مع قواعد كتابة الخط العربي.. في الكلية الأرثوذكسية ألحيفاوية المنشأ والتاريخ, هناك توطدت علاقة ذاك الفتى ألراماوي بمجد الخط العربي وفضائه أللامحدود.. كان لكلمات الجمل التي كتبها أستاذه الشاعر الأديب حنا أبو حنا.. بخط يده على بساط اللوح الأسود بطبشورة بيضاء, بذور ثبات اليقين لمجد فن الخط العربي, هذا الذي هام به الفنان الواعد كميل ضو وعايشه على مدى الأيام.
هي حقبة توالد وتواصل فطري عمقت علاقته بالخط, كارتباط أزهار الربيع بأرض فلسطين.. كما بأرض الدنيا قاطبة.. جاءت الجمل التي كان يكتبها بشكل فني جميل, الأستاذ حنا أبو حنا.. مع بداية درسه في اللغة العربية.. جمل الصرف والنحو والشعر.. جاءت لتُراكم أحلام العشق في مخيلة واحداً من طلاب الأرثوذكسية.. في حقبة السبعينيات من قرن لتوه ذوى, وشكلت بدوافعها الذاتية علاقة معرفية بأصول كتابة فن الخط العربي, حروفاً ورؤيا.. فكان ميلادها دوحة امتد بها العمر لأكثر من ثلاثين عاماً.. ولا يزال.
2) مع إطلالة شبابه الأول دعاه أستاذه حنا أبو حنا ليحل محله في صحيفة "الاتحاد".. كي يعمل بوظيفة "خطاط" في الغرفة الشرقية الاتجاه.. من مبنى الصحيفة في شارع الحريري في حيفا. كان في السابعة عشر من عمره.. أحاط به كبار المثقفين الثورين العرب آنذاك.. بداية من "الإميلين" فيها.. والى لفيف من الشعراء والكتاب والمفكرين والفنانين.. أولئك الذين عايشوا هذه الصحيفة "التاريخ" وتوافدوا إليها من كل صوب.! وهو على بساط أوراق بسيطة بيضاء, يكتب عناوين الصحيفة بعد تحرير موادها الرئيسة. ليس هذا وحسب, بل واستجابة لطلبه الذي أرسله إلى مدير مدرسة مار يوحنا الإنجيلي الأسقفية العربية أيامها.. الأستاذ ناجي فرح, الذي أعجب بخط رسالته أيما إعجاب.. فما كان منه إلا أن استدعاه, وألقى عليه مهمة تدريس فن الخط العربي, لطلاب المدرسة ألحيفاوية العالية.. هذه التي سكنته وسكنها منذ تلك البداية والى ما بعد زمانه الآتي!!
http://www.doniafun.com/images/stories/7wareat%20adonia/kamel_do_1.jpg
كحبة القمح المغروسة في الأرض الطيبة.. جاءت هذه البدايات لتشكل الينبوع الصافي, الذي نهلت منه روح الفنان كميل ضو, وأعطته زخم إشراقاتها الفنية.. جاءت لتستمر وتتواعد وتتواصل مع الأيام.. وليصبح بما أنجزه من إعمال فنية حروفية رائعة.. واحداً من أوائل رواد فن الزخرفة الخطوطية.. والحروفية التشكيلية في البلاد.
3) في جامعة حيفا.. أيام تلك الحقبة من بداياته.. درس الفنان كميل ضو موضوعي الرياضيات والفلسفة.. لم يختر دراسة الفنون الجميلة, على الرغم من إنها كانت بوسائلها المتواضعة.. مصدره الوحيد لكسب الرزق من أجل متابعة مشوار الحياة.!! أيامها كانت فلسفة الجامعة وثورية "الاتحاد".. تشكلان جدراناً من الجدل الفكري والنفسي, بين ما هو قائم وبين من هو كميل ضو؟!! استمرت صراعات الذات في البحث عن مخرج يسدل نوعاً من الاطمئنان وراحة البال, على فتى يعيش تشكيل الجمل الرائعة حروفاً وألواناً, مع كل فضاء يوم جديد.. إلى أن دعاه احد زملائه في مدرسة مار يوحنا الإنجيلي, لحضور لقاء روحاني من نوع آخر!! هناك اكتشف كميل صاحب مقولة "أنا هو الطريق والحق والحياة".
هنا استقر الإيمان في نفس الفتى الشاب, إذ عرف النهر طريق مجراه الوحيد إلى البحر الكبير. بيد أن مفهوم هذه العلاقة الذاتية امتزج بصيرورته بالبعدين الإنساني والوطني.. وساهمت في بلورة شخصيته الفنية, ولم تتحول رغم قناعاته إلى رسالة دينية ضيقة.. بل يظهر هذه المحبة لجميع الناس دون استثناء.. فكميل ضو إضافة إلى إيمانه وعقيدته الروحية.. فهو مخزوناً بتراث من عاصرهم من كبار اللغة والفكر والفلسفة, من أبناء فلسطين في حقبة أواسط القرن العشرين في حيفا, مخزوناً من الثقافة العربية الفكرية والإنسانية.. ومن الثورية الوطنية بشكل خاص, من هنا فان مقولات في الله والأرض والإنسان والعشق والحياة نجدها كامنة فيه, وحاضرة في تشكيل لوحاته منذ ذاك الزمان.. ولم تزل!!
4) بعد سنوات من العمل في رحاب صحيفة "الاتحاد" أي في عام 1978.. ومن خلال تلك العلاقات الطيبة مع الكثيرين من روادها ورائديها.. تلك التي أتاحت له أن يتعرف على أناس فتحوا الأبواب بوجه أعماله الفنية, كي تلتقي مع نور عيون البشر.. هكذا!! ومن خلال تعارف سردي مع مديرة قسم الثقافة والفنون في بلدية حيفا.. وهي امرأة كانت تربطها علاقة قربى مع عائلة توما.. عملت على أقامة المعرض الأول لأعماله, والذي تبنته بلدية حيفا بكل احتياجاته ومتطلباته, ليشمل ما يقارب ثلاثين عملاً فنياً خطوطياً, بالحبر الصيني الأسود على مساحات صغيرة بيضاء.
كان هذا هو معرضه الأول.. لكنه كان المميز بحضوره وحاضريه!! إذ جاء إليه مثالاً لا حصراً.. طيب الذكر د. إميل توما.. والكاتب الكبير إميل حبيبي والشاعر سميح القاسم.. وطيبا الذكر علي عاشور وصليبا خميس.. وجاء أيضا الشاعر الأديب حنا أبو حنا وزاهي كركبي والفنان عبد عابدي.. وحضره أيضا طيب الذكر الشاعر عصام العباسي.. الذي كان يحث الخطاط الشاب على الرسم.. إذ كان يقول له ما بين حين وآخر.. أن بمقدور كل خطاط أن يكون فناناً تشكيلياً أيضاً. كان الحضور لفيفاً من الذين شكلوا في تلك الحقبة من تاريخنا.. رأس الحربة في الفكر والأدب والفن والسياسة!! ومما لا يمكن أن ينساه كميل ضو.. أن أكثر من نصف أعماله الخطوطية التي عرضها آنذاك قد بيعت لعدد منهم.
http://www.doniafun.com/images/stories/7wareat%20adonia/kamel_do_7.jpg
وبعدها بعام واحد وبعد اهتمام كبير بأعماله، أقيم له في مركز سانت لوكس بحيفا معرضا كبيرا يضم 60 لوحة. كان المبادر له القس الدكتور نعيم عتيق، رئيس مدرسة مار يوحنا الإنجيلي آنذاك، والحق يقال كما يقول كميل إن هذا الشخص قد ساند الأستاذ الفنان الشاب وهو في المدرسة وفي حياته الشخصية وكفنان. وقد جاءت أعمال كميل متكاملة مع هذا المبنى الرائع في سانت لوكس. افتتح المعرض القس نعيم عتيق حيث أشاد بأعمال الفنان كميل الفريدة وبالانطلاقة الكبيرة التي حققها في هذا المجال. وقد كان للفنان مرسما في هذا البناء، وكان آخر معرض له في هذا البناء الرائع عام 2005 حيث عرض 30 لوحة من الخط العربي، وافتتح المعرض آنذاك القس الدكتور شحادة شحادة.
5) من خلال عمله في مدرسة مار يوحنا الإنجيلي في حيفا.. ومن خلال زيارات المطران سمير قفعيتي إليها, وهو مطران الكنيسة الإنجيلية الأسقفية العربية في القدس.. والمنحدر من أصل حيفاوي.. توطدت علاقة صداقة بين أستاذ فن الخط العربي وبين المطران العربي الإنجيلي.. فما كان من الأخير إلا أن أقام سنة 1982, لصديقه الفنان الشاب, معرضاً تشكيلياً في مؤسسة (y.m.c.i) المقدسية.. ليكون واحداً من أوائل المعارض الفنية التي تقام لفنان جليلي في رحاب المدينة المقدسة.
عرض كميل ضو في هذا المعرض قرابة 32 عملاً تشكيلياً في فن الخط العربي والزخرفة.. وهي أعمال لم تقتصر على اللون ألحبري الأسود فقط, كسابقها مما عرض في المعرض الأول.. بل احتوت في فضائها على ألوان أحبار أخرى.. وتقنيات تشكيل لوني متعددة.. إنما خجولة في بداياتها.. ككل البدايات الأخرى!! بيد انه في هذا المعرض.. كما في المعرض الأول بيع العديد من أعماله لمحبي هذا الفن ألزخرفي العربي الخالص.. وهذه ظاهرة قل وجودها في تلك السنوات.. كما تكاد أن تكون معدومةً حتى في أيامنا هذه أيضاً.!! وهي تشكل في مداها النفسي والمعنوي رافعة وأداة دعم لاستمرار عمل الفنان وعطائه.
6) في حيفا مرة أخرى.. في رحاب المبنى المحاذي لكنيسة سانت لوكس.. أقيم معرض كميل ضو الثالث سنة 1987, وقد شغل المعرض المساحات المترامية في الطابقين الأرضي والأول.. ليحتوي كل منهما على نوع مختلف من أعماله.. فقد شكل القسم الأول مجموعة من أعمال فن الخط والزخرفة العربية.. وشكل القسم الثاني مجموعة من أعمال التصوير اللوني (الرسم الملون).. متعدد التقنيات, ذات الانتماء الانطباعي في تكوينه, إذ احتوت أعماله تلك على مشاهد "طبيعة صامتة" رسم فيها معالم من مدينة حيفا وأماكن ورموز أخرى.
افتتح المعرض الشاعر الأديب حنا أبو حنا.. وهو الأعرف والأقرب إلى بدايات الفنان كميل ضو.. فاثني على مسيرة الفنان كميل ضو وعلى ثباته وإيمانه بأدواته وقدراته الفنية, التي شهدت مراحل من التطور والإبداع المستمر من أيام الدراسة في الأرثوذكسية.. إلى يوم إقامة هذا المعرض الذي احتوى على قرابة 72 عملاً من أعماله الأخيرة آنذاك. وقد نوه أبو حنا إن أعمال ضو تنتمي إلى مرجعين أساسيين, هما الله والوطن.
http://www.doniafun.com/images/stories/7wareat%20adonia/_008.jpg
7) مع حلول العام 1992 وبمناسبة افتتاح جاليري الكرمل.. أقيم المعرض المميز الرابع لأعمال الفنان كميل ضو.. لقد افتتح هذا المعرض الشاعر سميح القاسم, وقد أدهشه الكم الكبير للذين حضروا حفل الافتتاح.. إلى أن قال فيه وفيهم ما معناه.. إنني أتحدى أن يكون هذا العدد من الناس, في حضور حفل افتتاح معرض للفن التشكيلي في هذا الزمان في أي مكان آخر في العالم!!
احتوى معرض الكرمل على أعمال تعددت فيها أنماط وأساليب العمل الفني.. لتلتقي وتتباعد ما بين فن الخط والزخرفة العربية, وما بين الرسم بتقنيات الألوان الزيتية والمائية.. كما وبدت تظهر المعالم الخصوصية لأعمال كميل ضو.. ومنها تلك التي تتحول فيها لوحة فن الخط والزخرفة العربية.. إلى لوحة حروفية قوامها تجليات الحرف العربي في تجرده من المكنون اللغوي الكامن فيه.
8) في العام 2005 وبعد زيارة لأحد معارض كميل ضو، ترتب الدكتورة روت أورن معرضا للفنان في جامعة حيفا، ضم المعرض 30 من أعمال الفنان الأخيرة، وافتتح المعرض البروفيسور بطرس أبو منة .
زاهد عزت حرش
في البدء
من روايته لميلاد الحروف في وجدانه.. يمكننا إن نقول إنهما ولدا من رحم واحد.. يتذكر كميل ضو إن علاقته بجمالية كتابة الخط العربي تعود إلى بداية عهده بمعرفة اللغة العربية كتابة وقراءة.. أي منذ سنوات عمره الأولى.. كان كلما وقع بين يديه قلم ومساحة ما.. يخط عليها بأصابع الطفولة أحرفاً عشقها عشقاً طوباوياً, دون إن يعرف لماذا, كيف, ومن أين.!! إلى اليوم ما زال كميل يتذكر ذلك الإطراء والإعجاب من عائلته وأهله ومعلميه.. على ما كان يكتبه من خط جميل ملفت للنظر.. عرف كميل بها ومنها إن ما بينه وبين أحرف اللغة المكتوبة.. اللغة العربية خاصة!! ما يشبه التوأمة والتلاحم.. حتى انه شب فتىً يتغنى بأحرف كلماته المكتوبة رسماً.. يطرب لها وبها كمتيم يعشق صبابة الخط العربي يوماً بعد يوم.
إن رسم الكلمات عاش معه.. مع أول الكلام كتابة وحروفاً.. ونما كما تنمو الدوحة المعطاءة الدائمة الخضرة.. تعطي من ذاتها ومن ظلالها ما هو طيب للآخرين.. وتلتقي العيون بأعمال طفولة هادئة.. ترسم الكلمات على مهل.. حتى أصبحت أغنية "الرسم بالكلمات" بين يديه, سيمفونية حروف بسطت معالمها على أعماله الفنية منذ تلك البدايات إلى اليوم.
http://www.doniafun.com/images/stories/7wareat%20adonia/kamel_do-1_11-100-70.jpg
محطات في سجل مسيرته الفنية
1) جاء اللقاء المميز له مع قواعد كتابة الخط العربي.. في الكلية الأرثوذكسية ألحيفاوية المنشأ والتاريخ, هناك توطدت علاقة ذاك الفتى ألراماوي بمجد الخط العربي وفضائه أللامحدود.. كان لكلمات الجمل التي كتبها أستاذه الشاعر الأديب حنا أبو حنا.. بخط يده على بساط اللوح الأسود بطبشورة بيضاء, بذور ثبات اليقين لمجد فن الخط العربي, هذا الذي هام به الفنان الواعد كميل ضو وعايشه على مدى الأيام.
هي حقبة توالد وتواصل فطري عمقت علاقته بالخط, كارتباط أزهار الربيع بأرض فلسطين.. كما بأرض الدنيا قاطبة.. جاءت الجمل التي كان يكتبها بشكل فني جميل, الأستاذ حنا أبو حنا.. مع بداية درسه في اللغة العربية.. جمل الصرف والنحو والشعر.. جاءت لتُراكم أحلام العشق في مخيلة واحداً من طلاب الأرثوذكسية.. في حقبة السبعينيات من قرن لتوه ذوى, وشكلت بدوافعها الذاتية علاقة معرفية بأصول كتابة فن الخط العربي, حروفاً ورؤيا.. فكان ميلادها دوحة امتد بها العمر لأكثر من ثلاثين عاماً.. ولا يزال.
2) مع إطلالة شبابه الأول دعاه أستاذه حنا أبو حنا ليحل محله في صحيفة "الاتحاد".. كي يعمل بوظيفة "خطاط" في الغرفة الشرقية الاتجاه.. من مبنى الصحيفة في شارع الحريري في حيفا. كان في السابعة عشر من عمره.. أحاط به كبار المثقفين الثورين العرب آنذاك.. بداية من "الإميلين" فيها.. والى لفيف من الشعراء والكتاب والمفكرين والفنانين.. أولئك الذين عايشوا هذه الصحيفة "التاريخ" وتوافدوا إليها من كل صوب.! وهو على بساط أوراق بسيطة بيضاء, يكتب عناوين الصحيفة بعد تحرير موادها الرئيسة. ليس هذا وحسب, بل واستجابة لطلبه الذي أرسله إلى مدير مدرسة مار يوحنا الإنجيلي الأسقفية العربية أيامها.. الأستاذ ناجي فرح, الذي أعجب بخط رسالته أيما إعجاب.. فما كان منه إلا أن استدعاه, وألقى عليه مهمة تدريس فن الخط العربي, لطلاب المدرسة ألحيفاوية العالية.. هذه التي سكنته وسكنها منذ تلك البداية والى ما بعد زمانه الآتي!!
http://www.doniafun.com/images/stories/7wareat%20adonia/kamel_do_1.jpg
كحبة القمح المغروسة في الأرض الطيبة.. جاءت هذه البدايات لتشكل الينبوع الصافي, الذي نهلت منه روح الفنان كميل ضو, وأعطته زخم إشراقاتها الفنية.. جاءت لتستمر وتتواعد وتتواصل مع الأيام.. وليصبح بما أنجزه من إعمال فنية حروفية رائعة.. واحداً من أوائل رواد فن الزخرفة الخطوطية.. والحروفية التشكيلية في البلاد.
3) في جامعة حيفا.. أيام تلك الحقبة من بداياته.. درس الفنان كميل ضو موضوعي الرياضيات والفلسفة.. لم يختر دراسة الفنون الجميلة, على الرغم من إنها كانت بوسائلها المتواضعة.. مصدره الوحيد لكسب الرزق من أجل متابعة مشوار الحياة.!! أيامها كانت فلسفة الجامعة وثورية "الاتحاد".. تشكلان جدراناً من الجدل الفكري والنفسي, بين ما هو قائم وبين من هو كميل ضو؟!! استمرت صراعات الذات في البحث عن مخرج يسدل نوعاً من الاطمئنان وراحة البال, على فتى يعيش تشكيل الجمل الرائعة حروفاً وألواناً, مع كل فضاء يوم جديد.. إلى أن دعاه احد زملائه في مدرسة مار يوحنا الإنجيلي, لحضور لقاء روحاني من نوع آخر!! هناك اكتشف كميل صاحب مقولة "أنا هو الطريق والحق والحياة".
هنا استقر الإيمان في نفس الفتى الشاب, إذ عرف النهر طريق مجراه الوحيد إلى البحر الكبير. بيد أن مفهوم هذه العلاقة الذاتية امتزج بصيرورته بالبعدين الإنساني والوطني.. وساهمت في بلورة شخصيته الفنية, ولم تتحول رغم قناعاته إلى رسالة دينية ضيقة.. بل يظهر هذه المحبة لجميع الناس دون استثناء.. فكميل ضو إضافة إلى إيمانه وعقيدته الروحية.. فهو مخزوناً بتراث من عاصرهم من كبار اللغة والفكر والفلسفة, من أبناء فلسطين في حقبة أواسط القرن العشرين في حيفا, مخزوناً من الثقافة العربية الفكرية والإنسانية.. ومن الثورية الوطنية بشكل خاص, من هنا فان مقولات في الله والأرض والإنسان والعشق والحياة نجدها كامنة فيه, وحاضرة في تشكيل لوحاته منذ ذاك الزمان.. ولم تزل!!
4) بعد سنوات من العمل في رحاب صحيفة "الاتحاد" أي في عام 1978.. ومن خلال تلك العلاقات الطيبة مع الكثيرين من روادها ورائديها.. تلك التي أتاحت له أن يتعرف على أناس فتحوا الأبواب بوجه أعماله الفنية, كي تلتقي مع نور عيون البشر.. هكذا!! ومن خلال تعارف سردي مع مديرة قسم الثقافة والفنون في بلدية حيفا.. وهي امرأة كانت تربطها علاقة قربى مع عائلة توما.. عملت على أقامة المعرض الأول لأعماله, والذي تبنته بلدية حيفا بكل احتياجاته ومتطلباته, ليشمل ما يقارب ثلاثين عملاً فنياً خطوطياً, بالحبر الصيني الأسود على مساحات صغيرة بيضاء.
كان هذا هو معرضه الأول.. لكنه كان المميز بحضوره وحاضريه!! إذ جاء إليه مثالاً لا حصراً.. طيب الذكر د. إميل توما.. والكاتب الكبير إميل حبيبي والشاعر سميح القاسم.. وطيبا الذكر علي عاشور وصليبا خميس.. وجاء أيضا الشاعر الأديب حنا أبو حنا وزاهي كركبي والفنان عبد عابدي.. وحضره أيضا طيب الذكر الشاعر عصام العباسي.. الذي كان يحث الخطاط الشاب على الرسم.. إذ كان يقول له ما بين حين وآخر.. أن بمقدور كل خطاط أن يكون فناناً تشكيلياً أيضاً. كان الحضور لفيفاً من الذين شكلوا في تلك الحقبة من تاريخنا.. رأس الحربة في الفكر والأدب والفن والسياسة!! ومما لا يمكن أن ينساه كميل ضو.. أن أكثر من نصف أعماله الخطوطية التي عرضها آنذاك قد بيعت لعدد منهم.
http://www.doniafun.com/images/stories/7wareat%20adonia/kamel_do_7.jpg
وبعدها بعام واحد وبعد اهتمام كبير بأعماله، أقيم له في مركز سانت لوكس بحيفا معرضا كبيرا يضم 60 لوحة. كان المبادر له القس الدكتور نعيم عتيق، رئيس مدرسة مار يوحنا الإنجيلي آنذاك، والحق يقال كما يقول كميل إن هذا الشخص قد ساند الأستاذ الفنان الشاب وهو في المدرسة وفي حياته الشخصية وكفنان. وقد جاءت أعمال كميل متكاملة مع هذا المبنى الرائع في سانت لوكس. افتتح المعرض القس نعيم عتيق حيث أشاد بأعمال الفنان كميل الفريدة وبالانطلاقة الكبيرة التي حققها في هذا المجال. وقد كان للفنان مرسما في هذا البناء، وكان آخر معرض له في هذا البناء الرائع عام 2005 حيث عرض 30 لوحة من الخط العربي، وافتتح المعرض آنذاك القس الدكتور شحادة شحادة.
5) من خلال عمله في مدرسة مار يوحنا الإنجيلي في حيفا.. ومن خلال زيارات المطران سمير قفعيتي إليها, وهو مطران الكنيسة الإنجيلية الأسقفية العربية في القدس.. والمنحدر من أصل حيفاوي.. توطدت علاقة صداقة بين أستاذ فن الخط العربي وبين المطران العربي الإنجيلي.. فما كان من الأخير إلا أن أقام سنة 1982, لصديقه الفنان الشاب, معرضاً تشكيلياً في مؤسسة (y.m.c.i) المقدسية.. ليكون واحداً من أوائل المعارض الفنية التي تقام لفنان جليلي في رحاب المدينة المقدسة.
عرض كميل ضو في هذا المعرض قرابة 32 عملاً تشكيلياً في فن الخط العربي والزخرفة.. وهي أعمال لم تقتصر على اللون ألحبري الأسود فقط, كسابقها مما عرض في المعرض الأول.. بل احتوت في فضائها على ألوان أحبار أخرى.. وتقنيات تشكيل لوني متعددة.. إنما خجولة في بداياتها.. ككل البدايات الأخرى!! بيد انه في هذا المعرض.. كما في المعرض الأول بيع العديد من أعماله لمحبي هذا الفن ألزخرفي العربي الخالص.. وهذه ظاهرة قل وجودها في تلك السنوات.. كما تكاد أن تكون معدومةً حتى في أيامنا هذه أيضاً.!! وهي تشكل في مداها النفسي والمعنوي رافعة وأداة دعم لاستمرار عمل الفنان وعطائه.
6) في حيفا مرة أخرى.. في رحاب المبنى المحاذي لكنيسة سانت لوكس.. أقيم معرض كميل ضو الثالث سنة 1987, وقد شغل المعرض المساحات المترامية في الطابقين الأرضي والأول.. ليحتوي كل منهما على نوع مختلف من أعماله.. فقد شكل القسم الأول مجموعة من أعمال فن الخط والزخرفة العربية.. وشكل القسم الثاني مجموعة من أعمال التصوير اللوني (الرسم الملون).. متعدد التقنيات, ذات الانتماء الانطباعي في تكوينه, إذ احتوت أعماله تلك على مشاهد "طبيعة صامتة" رسم فيها معالم من مدينة حيفا وأماكن ورموز أخرى.
افتتح المعرض الشاعر الأديب حنا أبو حنا.. وهو الأعرف والأقرب إلى بدايات الفنان كميل ضو.. فاثني على مسيرة الفنان كميل ضو وعلى ثباته وإيمانه بأدواته وقدراته الفنية, التي شهدت مراحل من التطور والإبداع المستمر من أيام الدراسة في الأرثوذكسية.. إلى يوم إقامة هذا المعرض الذي احتوى على قرابة 72 عملاً من أعماله الأخيرة آنذاك. وقد نوه أبو حنا إن أعمال ضو تنتمي إلى مرجعين أساسيين, هما الله والوطن.
http://www.doniafun.com/images/stories/7wareat%20adonia/_008.jpg
7) مع حلول العام 1992 وبمناسبة افتتاح جاليري الكرمل.. أقيم المعرض المميز الرابع لأعمال الفنان كميل ضو.. لقد افتتح هذا المعرض الشاعر سميح القاسم, وقد أدهشه الكم الكبير للذين حضروا حفل الافتتاح.. إلى أن قال فيه وفيهم ما معناه.. إنني أتحدى أن يكون هذا العدد من الناس, في حضور حفل افتتاح معرض للفن التشكيلي في هذا الزمان في أي مكان آخر في العالم!!
احتوى معرض الكرمل على أعمال تعددت فيها أنماط وأساليب العمل الفني.. لتلتقي وتتباعد ما بين فن الخط والزخرفة العربية, وما بين الرسم بتقنيات الألوان الزيتية والمائية.. كما وبدت تظهر المعالم الخصوصية لأعمال كميل ضو.. ومنها تلك التي تتحول فيها لوحة فن الخط والزخرفة العربية.. إلى لوحة حروفية قوامها تجليات الحرف العربي في تجرده من المكنون اللغوي الكامن فيه.
8) في العام 2005 وبعد زيارة لأحد معارض كميل ضو، ترتب الدكتورة روت أورن معرضا للفنان في جامعة حيفا، ضم المعرض 30 من أعمال الفنان الأخيرة، وافتتح المعرض البروفيسور بطرس أبو منة .