نازك
13-01-2005, 09:11 AM
مقدمة ديوان "أساطير"
بقلم / بدر شاكر السياب
ليس ما أكتبه الآن مقدمة، إنما هي خواطر تتجاوب في نفسي، وأنا مقدم على وضع هذه القصائد، التي يحويها هذا الديوان، بين أيدي القراء. والقراء يختلفون في أذواقهم الفنية،وفي نظراتهم إلى الشعر وإحساسهم به؛ اختلاف شاعر عن شاعر، وأديب عن أديب، أو أكثر من هذا. ولهذا كان إلزاما على أن أسجل بعضا من هذه الخواطر، علها تعين على فهم هذه القصائد والانفعال فيها من صور وأحاسيس.
وأول ما يلتقي به قارئ هذا الديوان، نوع من الموسيقى، لا عهد به لأغلب قراء الشعر في العراق. لقد ثار أكثر من شاعر في كل بلد عربي، على تلك الموسيقى الرتيبة، التي تأثر الشعر العربي بها، وتناولت الثورة، في أول عهدها، وحدة القافية، ثم تعدتها إلى الأوزان فهجر كثير من الشعراء المجددين البحور الطويلة، واستعاضوا عنها بالبحور القصيرة، إلا في القصائد التي تستلزم الفخامة. وقامت دعوة إلى "الشعر المهموس" كان أول من قادها الأستاذ الكبير محمد مندور. وهناك فريق آخر من الشعراء، ثار على وحدة الوزن، منهم الشاعر الكبير المرحوم؛ إلياس أبو شبكة في "غلواء" و "إلى الأبد" وبعض القصائد من "أفاعي الفردوس" والأستاذ خليل شيبوب في قصيدته (القصر القديم والحديقة المهجورة)؛ وشعراء آخرون.ولكن الانتقال من وزن إلى وزن سواه، كثيرا ما يسبب "نشازا" في الموسيقى لا تقبله الأذن الحساسة. وللأستاذ مصطفى عبد اللطيف السحرتي، بحث ممتع عن الموسيقى في الشعر الحديث، في كتابة القيم "الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث" نود للقارئ أن يرجع إليه.
وقد لاحظت من مطالعاتي في الشعر الإنكليزي، أن هناك "الضربة" وهي تقابل "التفعيلة" عندنا، "مع مراعاة في خصائص الشعرين من اختلاف" و "السطر" أو "البيت" الذي يتألف من ضربات مماثلة في النوع للضربات الأخرى في بقية الأبيات، ولكنها تختلف عنها في العدد "في بعض القصائد" وقد رأيت أن من الإمكان أن نحافظ على انسجام الموسيقى في القصيدة، رغم اختلاف موسيقى الأبيات، وذلك باستعمال "الأبحر" ذات التفاعيل الكاملة، على أن يختلف عدد التفاعيل من بيت إلى آخر. وأول تجربة لي من هذا القبيل، كانت في قصيدة "هل كان حبا" من ديواني الأول "أزهار ذابلة" وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولا عند كثير من شعرائنا الشباب، أذكر منهم الشاعرة المبدعة الآنسة "نازك الملائكة".
وهناك شيء من الغموض في بعض القصائد؛ ولكنني لست شاعرا رمزيا وقد كنت مدفوعا إلى أن أغشي بعض قصائدي بضباب خفيف، وذلك لأنني كنت متكتما، لا أريد أن يعرف الناس كل شيء عن حبي الذي كانت كل قصائد هذا الديوان صدى له؛ فقد كانت "موحية" هذا الديوان، تغضب أشد الغضب، إذا أنا ذكرت شيئا عن قبلاتنا ومواعيدنا، وكثيرا ما مزقت بعض القصائد التي كانت تشير إلى شيء تأبى هي أن يعرفه الناس. وقصيدة "أساطير" في هذا الحب، ولكنها توشحت ببعض الغموض الذي تزيله المقدمة النثرية لهذه القصيدة، وكذلك الحال في قصيدة "اللقاء الأخير" ولولا بأنها خانت هذا الذي كانت تسميه "النبي الوديع" لظلت هاتان القصيدتان غامضتين، دون مقدمة يفهم منها القارئ ما أقصده.
***
وهناك ظاهرة أخرى في هذه القصائد، هي تنادي المعاني وتداعيها، ومزج الوعي باللاوعي، وتلوين الأمل بالذكرى، وهذا يظهر في القصائد: (في القرية الظلماء)، (في السوق القديم) و (نهاية)، (لقاء ولقاء)، و (اتبعيني) وغيرها.
ولا بد من أن ألقي ضوءا على موقفي من المرأة وإحساسي تجاهها، ليتم الفهم على وجهه الأكمل:
فقدت أمي وما زلت طفلا صغيرا، فنشأت محروما من عطف المرأة وحنانها. وكانت حياتي، وما تزال كلها، بحثا عمن تسد هذا الفراغ، وكان عمري انتظارا للمرأة المنشودة، وكان حلمي في الحياة أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنينة. وكنت أشعر أنني لن أعيش طويلا؛ لهذا وجب على القارئ أن يربط بين (رئة تتمزق) وكثير من قصائد الديوان.
وهناك ظاهرة لعلها أهم الظواهر في هذا الديوان، تلك هي أن البيت ليس وحدة للقصيدة. فالمعنى يتسلسل من بين بيت إلى آخر، سالكا عددا من الأبيات. لهذا وجبت مراعاة "علامات الترقيم" وإلا تعذر فهم القصائد، ومن بعد تذوقها.
وقبل أن أختم هذه المقدمة، لا بد من التعرض لمشكلة كثيرا ما ثار حولها الجدل، تلك هي رسالة الفنان في المجتمع. أنا من المؤمنين بأن على الفنان دينا يجب أن يؤديه لهذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه.
ولكنني لا ارتضي أن نجعل الفنان وبخاصة الشاعر- عبدا لهذه النظرية، والشاعر إذا كان صادقا في التعبير عن الحياة في كل نواحيها، فلا بد من أن يعبر عن آلام المجتمع وآماله دون أن يدفعه أحد إلى هذا.
كما أنه من الناحية الأخرى يعبر عن آلامه هو، وأحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها، أحاسيس الأكثرية من أفراد هذا المجتمع. وبالإضافة إلى ديوانين من الغزل أصدرتهما "أزهار ذابلة" وهذا الديوان؛ لا تزال لدي مجموعة ضخمة من الشعر الاجتماعي والإنساني ستطبع في المستقبل القريب.
وبعد فهذا قليل من كثير، مما أردت أن أقوله، وأرجو أن تسمح الظروف فأقول في فرصة أخرى، ما فاتني قوله لآن.
بقلم / بدر شاكر السياب
ليس ما أكتبه الآن مقدمة، إنما هي خواطر تتجاوب في نفسي، وأنا مقدم على وضع هذه القصائد، التي يحويها هذا الديوان، بين أيدي القراء. والقراء يختلفون في أذواقهم الفنية،وفي نظراتهم إلى الشعر وإحساسهم به؛ اختلاف شاعر عن شاعر، وأديب عن أديب، أو أكثر من هذا. ولهذا كان إلزاما على أن أسجل بعضا من هذه الخواطر، علها تعين على فهم هذه القصائد والانفعال فيها من صور وأحاسيس.
وأول ما يلتقي به قارئ هذا الديوان، نوع من الموسيقى، لا عهد به لأغلب قراء الشعر في العراق. لقد ثار أكثر من شاعر في كل بلد عربي، على تلك الموسيقى الرتيبة، التي تأثر الشعر العربي بها، وتناولت الثورة، في أول عهدها، وحدة القافية، ثم تعدتها إلى الأوزان فهجر كثير من الشعراء المجددين البحور الطويلة، واستعاضوا عنها بالبحور القصيرة، إلا في القصائد التي تستلزم الفخامة. وقامت دعوة إلى "الشعر المهموس" كان أول من قادها الأستاذ الكبير محمد مندور. وهناك فريق آخر من الشعراء، ثار على وحدة الوزن، منهم الشاعر الكبير المرحوم؛ إلياس أبو شبكة في "غلواء" و "إلى الأبد" وبعض القصائد من "أفاعي الفردوس" والأستاذ خليل شيبوب في قصيدته (القصر القديم والحديقة المهجورة)؛ وشعراء آخرون.ولكن الانتقال من وزن إلى وزن سواه، كثيرا ما يسبب "نشازا" في الموسيقى لا تقبله الأذن الحساسة. وللأستاذ مصطفى عبد اللطيف السحرتي، بحث ممتع عن الموسيقى في الشعر الحديث، في كتابة القيم "الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث" نود للقارئ أن يرجع إليه.
وقد لاحظت من مطالعاتي في الشعر الإنكليزي، أن هناك "الضربة" وهي تقابل "التفعيلة" عندنا، "مع مراعاة في خصائص الشعرين من اختلاف" و "السطر" أو "البيت" الذي يتألف من ضربات مماثلة في النوع للضربات الأخرى في بقية الأبيات، ولكنها تختلف عنها في العدد "في بعض القصائد" وقد رأيت أن من الإمكان أن نحافظ على انسجام الموسيقى في القصيدة، رغم اختلاف موسيقى الأبيات، وذلك باستعمال "الأبحر" ذات التفاعيل الكاملة، على أن يختلف عدد التفاعيل من بيت إلى آخر. وأول تجربة لي من هذا القبيل، كانت في قصيدة "هل كان حبا" من ديواني الأول "أزهار ذابلة" وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولا عند كثير من شعرائنا الشباب، أذكر منهم الشاعرة المبدعة الآنسة "نازك الملائكة".
وهناك شيء من الغموض في بعض القصائد؛ ولكنني لست شاعرا رمزيا وقد كنت مدفوعا إلى أن أغشي بعض قصائدي بضباب خفيف، وذلك لأنني كنت متكتما، لا أريد أن يعرف الناس كل شيء عن حبي الذي كانت كل قصائد هذا الديوان صدى له؛ فقد كانت "موحية" هذا الديوان، تغضب أشد الغضب، إذا أنا ذكرت شيئا عن قبلاتنا ومواعيدنا، وكثيرا ما مزقت بعض القصائد التي كانت تشير إلى شيء تأبى هي أن يعرفه الناس. وقصيدة "أساطير" في هذا الحب، ولكنها توشحت ببعض الغموض الذي تزيله المقدمة النثرية لهذه القصيدة، وكذلك الحال في قصيدة "اللقاء الأخير" ولولا بأنها خانت هذا الذي كانت تسميه "النبي الوديع" لظلت هاتان القصيدتان غامضتين، دون مقدمة يفهم منها القارئ ما أقصده.
***
وهناك ظاهرة أخرى في هذه القصائد، هي تنادي المعاني وتداعيها، ومزج الوعي باللاوعي، وتلوين الأمل بالذكرى، وهذا يظهر في القصائد: (في القرية الظلماء)، (في السوق القديم) و (نهاية)، (لقاء ولقاء)، و (اتبعيني) وغيرها.
ولا بد من أن ألقي ضوءا على موقفي من المرأة وإحساسي تجاهها، ليتم الفهم على وجهه الأكمل:
فقدت أمي وما زلت طفلا صغيرا، فنشأت محروما من عطف المرأة وحنانها. وكانت حياتي، وما تزال كلها، بحثا عمن تسد هذا الفراغ، وكان عمري انتظارا للمرأة المنشودة، وكان حلمي في الحياة أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنينة. وكنت أشعر أنني لن أعيش طويلا؛ لهذا وجب على القارئ أن يربط بين (رئة تتمزق) وكثير من قصائد الديوان.
وهناك ظاهرة لعلها أهم الظواهر في هذا الديوان، تلك هي أن البيت ليس وحدة للقصيدة. فالمعنى يتسلسل من بين بيت إلى آخر، سالكا عددا من الأبيات. لهذا وجبت مراعاة "علامات الترقيم" وإلا تعذر فهم القصائد، ومن بعد تذوقها.
وقبل أن أختم هذه المقدمة، لا بد من التعرض لمشكلة كثيرا ما ثار حولها الجدل، تلك هي رسالة الفنان في المجتمع. أنا من المؤمنين بأن على الفنان دينا يجب أن يؤديه لهذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه.
ولكنني لا ارتضي أن نجعل الفنان وبخاصة الشاعر- عبدا لهذه النظرية، والشاعر إذا كان صادقا في التعبير عن الحياة في كل نواحيها، فلا بد من أن يعبر عن آلام المجتمع وآماله دون أن يدفعه أحد إلى هذا.
كما أنه من الناحية الأخرى يعبر عن آلامه هو، وأحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها، أحاسيس الأكثرية من أفراد هذا المجتمع. وبالإضافة إلى ديوانين من الغزل أصدرتهما "أزهار ذابلة" وهذا الديوان؛ لا تزال لدي مجموعة ضخمة من الشعر الاجتماعي والإنساني ستطبع في المستقبل القريب.
وبعد فهذا قليل من كثير، مما أردت أن أقوله، وأرجو أن تسمح الظروف فأقول في فرصة أخرى، ما فاتني قوله لآن.