المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نونية أبن زيدون


امرؤ القيس.
11-01-2005, 09:00 AM
سأقف عند هذا الشاعر برهة لنكتشف شيئا من وجه حياته ثم سأعقبها

بقصيدته المشهورة في ولادة بنت المستكفي:وُلِدَ ابن زيدون في قرطبة سنة 1003م (394هـ) واسمه أحمد بن عبد الله بن زيدون أبوه فقيه من سلالة بني مخزوم القرشيين، وجدُّه لأمه صاحب الأحكام الوزير أبو بكر محمد ابن محمد بن إبراهيم، وكلمة صاحب الأحكام تعني أنه اشتغل بالفقه والقضاء.

تعلَّم ابن زيدون في جامعة قرطبة التي كانت أهم جامعات الأندلس يَفِدُ إليها طلاب العلم من الممالك الإسلامية والنصرانية على السواء.. ولمع بين أقرانه كشاعر.. وكان الشعر بداية تعرُّفه بفراشة ذلك العصر ولادة بنت المستكفي الخليفة الأموي الضعيف المعروف "بالتخلف والركاكة، مشتهرًا بالشرب والبطالة، سقيم السر والعلانية، أسير الشهوة، عاهر الخلوة" كما يقول عنه أبو حيان التوحيدي.

كانت ولادة جميلة مثقفة شاعرة مغنية، لها مجلس بقرطبة يضم أشهر مثقفي وشعراء هذا العصر، أحبها ابن زيدون حبًّا ملك عليه حياته، وأحبته هي أيضًا، وعاش معها في السعادة أيامًا، ثم هجرته لسبب تافه اختلف فيه المؤرخون بغناء إحدى جواريها في حضورها فأغضبها منه ذلك.. ولكي تغيظه وجدت عاشقًا جديدًا هو الوزير أبو عامر بن عبدوس.. وحاول ابن زيدون إبعادها عن ابن عبدوس واستعادة الأيام الجميلة الماضية، لكنها رفضت، واتهمه ابن عبدوس بأنه ضالع في مؤامرة سياسية لقلب نظام الحكم وزُجَّ به في السجن.. وكتب ابن زيدون قصائد كثيرة يستعطف فيها "أبا الحزم جهور" حاكم قرطبة، كما كتب قصائد أخرى لأبي الوليد بن أبي الحزم ليتوسط لدى أبيه، وكان أبو الوليد يحب ابن زيدون، لكن وساطته لم تنفع، فهرب ابن زيدون من السجن، واختبأ في إحدى ضواحي قرطبة وظل يرسل المراسيل إلى الوليد وأبيه حتى تمَّ العفو عنه، فلزم أبا الوليد حتى تُوُفِّيَ أبو الحزم وخلفه أبو الوليد الذي ارتفع بابن زيدون إلى مرتبة الوزارة.

أثناء ذلك كله لم يَنْسَ ابن زيدون حبه الكبير لولادة التي أهملته تمامًا، فجعله أبو الوليد سفيرًا له لدى ملوك الطوائف حتى يتسلى عن حبه بالأسفار وينساه، لكن السفر زاد من حب ابن زيدون لولادة وشوقه إليها، فعاد إلى قرطبة.. وما لبث أن اتهم مرة أخرى بالاشتراك في محاولة قلب نظام الحكم على أبي الوليد بن جهور الذي غضب عليه، فارتحل ابن زيدون عن قرطبة وذهب إلى بلاط المعتضد بن عباد في أشبيلية، وهناك لقي تكريمًا لم يسبق له مثيل، ثم زادت مكانته وارتفعت في عهد المعتمد بن المعتضد، ودان له السرور وأصبحت حياته كلها أفراحًا لا يشوبها سوى حساده في بلاط المعتمد أمثال "ابن عمار" و "ابن مرتين" اللذين كانا سببًا في هلاكه في الخامس عشر من رجب سنة 463 هجرية؛ إذ ثارت العامة في أشبيلية على اليهود فاقترحا على المعتمد إرسال ابن زيدون لتهدئة الموقف، واضطر ابن زيدون لتنفيذ أمر المعتمد رغم مرضه وكبر سنه، مما أجهده وزاد المرض عليه فدهمه الموت.

ظل ابن زيدون حتى آخر يوم في حياته شاعرًا عاشقًا، فبالشعر عشق، وبالشعر خرج من السجن، وبالشعر نال حظوظه من الحياة.. ولم ينس أبدًا ذكرى ولادة وأيامه الجميلة معها.. وقد كانت حياته المتقلبة، وحبه الكبير لولادة بالإضافة إلى أعماله الشعرية والنثرية المتميزة موضوعات لدراسات وإبداعات كثيرة لعل أشهرها مسرحية الشاعر المصري فاروق جويدة "الوزير العاشق" التي قام ببطولتها عبد الله غيث وسميحة أيوب.

ومن أهم أعمال ابن زيدون الباقية للآن غير أشعار "الرسالة الجدية" التي استعطف فيها ابن جهور ليخرجه من السجن، و"الرسالة الهزلية" التي كتبها على لسان ولادة ذمًّا في ابن عبدوس حبيبها الجديد، وهي الرسالة التي زادت الهوة بينه وبين ولادة وعجلت بابن عبدوس ليزج بالشاعر في السجن.. وقد بقيت هاتان الرسالتان علامة على الموهبة الكبيرة والثقافة المتنوعة التي تميز بها ابن زيدون في أعماله الشعرية والنثرية على السواء.



نونية أبن زيدون


أَضْــحَـى الـتَّـنَـائِي بَــدِيْـلاً مِــنْ تَـدانِـيْنا=وَنَــا بَ عَــنْ طِـيْـبِ لُـقْـيَانَا تَـجَافِيْنَا

ألا وقـــد حـــانَ صُـبـح الـبَـيْنِ صَـبَّـحنا=حِــيـنٌ فــقـام بــنـا لـلـحِـين نـاعِـينا
مَــــن مُــبـلـغ الـمُـبْـلِـسينا بـانـتـزاحِـهم=حُـزن ًـا مــع الـدهر لا يَـبلى ويُـبلينا

أن الــزمـان الـــذي مـــا زال يُـضـحكنا=أنــسًـا بـقـربـهم قـــد عـــاد يُـبـكينا

غِـيظَ الـعِدى من تساقينا الهوى فدعوا=بـــأن نَــغُـصَّ فـقـال الـدهـر آمـيـنا

فــانـحـلَّ مـــا كـــان مـعـقـودًا بـأنـفـسنا=وانـبـتَّ مــا كـان مـوصولاً بـأيدينا

لــــم نـعـتـقد بـعـدكـم إلا الــوفـاءَ لــكـم=رأيًــــا ولـــم نـتـقـلد غــيـرَه ديــنـا

مــا حـقـنا أن تُـقـروا عـيـنَ ذي حـسـد=بـنـا، ولا أن تـسـروا كـاشـحًا فـيـنا

كــنـا نــرى الـيـأس تُـسـلينا عـوارضُـه=وقـــد يـئـسـنا فـمـا لـلـيأس يُـغـرينا

بِــنـتـم وبــنــا فــمــا ابـتـلـت جـوانـحُـنا=شــوقًـا إلـيـكـم ولا جــفـت مـآقـيـنا

نـــكــاد حـــيــن تُـنـاجـيـكـم ضــمـائـرُنـا=يَـقـض ي عـلـينا الأسـى لـولا تـأسِّينا

حـــالـــت لــفــقـدكـم أيــامــنـا فَـــغَــدَتْ=سُــود ًا وكـانـت بـكـم بـيـضًا لـيالينا

إذ جــانـب الـعـيـش طَــلْـقٌ مــن تـألُّـفنا=ومــوردُ اللهو صـافٍ مـن تـصافينا

وإذ هَـصَـرْنـا غُـصـون الـوصـل دانـيـة=قـطـوفُـها فـجـنـينا مــنـه مــا شِـيـنا
لـيـسـقِ عـهـدكـم عـهـد الـسـرور فـمـا=كــنــتـم لأرواحـــنــا إلا ريـاحـيـنـا

لا تــحـسـبـوا نَــأْيــكـم عـــنــا يُـغـيِّـرنـا=أن طـالـمـا غــيَّـر الـنـأي الـمـحبينا

والله مـــــا طــلــبـت أهـــواؤنــا بـــــدلاً=مـنـكم ولا انـصرفت عـنكم أمـانينا

يـا سـاريَ البرقِ غادِ القصرَ فاسق به=من كان صِرفَ الهوى والود يَسقينا

واســــأل هــنـاك هـــل عــنَّـي تـذكـرنـا=إلــفًــا، تــذكــره أمــســى يُـعـنِّـيـنا

ويـــــا نــسـيـمَ الــصِّـبـا بــلــغ تـحـيـتـنا=مـن لـو عـلى الـبعد حيًّا كان يُحيينا
فــهـل أرى الــدهـر يَـقـصينا مُـسـاعَفةً=مــنـه ولـــم يــكـن غِــبًّـا تـقـاضينا

ربـــيـــب مـــلـــك كــــــأن الله أنـــشــأه=مـسـكًا وقــدَّر إنـشـاء الـورى طـينا

أو صــاغــه ورِقًــــا مـحـضًـا وتَــوَّجَـه=مِــن نـاصع الـتبر إبـداعًا وتـحسينا
إذا تَــــــــــأَوَّد آدتــــــــــه رفــــاهـــيَـــة=تُ ــومُ الـعُـقُود وأَدْمَـتـه الـبُـرى لِـينا
كـانـت لــه الـشـمسُ ظِـئْـرًا فــي أَكِـلَّتِه=بـــل مـــا تَـجَـلَّـى لـهـا إلا أحـايـينا

كــأنـمـا أثـبـتـت فـــي صــحـن وجـنـتـه=زُهْـــرُ الـكـواكب تـعـويذًا وتـزيـينا

مــا ضَــرَّ أن لــم نـكـن أكـفـاءَه شـرفًـا=وفــي الـمـودة كــافٍ مــن تَـكَـافينا

يـــا روضـــةً طـالـمـا أجْـنَـتْ لَـوَاحِـظَنا=وردًا أجـلاه الـصبا غَـضًّا ونَـسْرينا

ويـــــــا حـــيـــاةً تَــمَـلَّـيْـنـا بــزهــرتـهـا=مُــنً ــى ضُــرُوبًـا ولـــذَّاتٍ أفـانِـيـنا
ويـــا نـعـيـمًا خَـطَـرْنـا مـــن غَـضَـارته=فـي وَشْـي نُـعمى سَـحَبْنا ذَيْـلَه حِينا

لــســنـا نُــسَـمِّـيـك إجـــــلالاً وتَــكْـرِمَـة=وقــد رك الـمـعتلى عــن ذاك يُـغنينا

إذا انـفـردتِ ومــا شُـورِكْتِ فـي صـفةٍ=فـحـسبنا الـوصـف إيـضاحًا وتَـبيينا

يــــا جــنــةَ الــخـلـد أُبــدلـنـا بـسَـلْـسِلها=والـكـ وثر الـعـذب زَقُّـومًا وغِـسلينا


كــأنـنـا لــــم نَــبِــت والــوصــل ثـالـثـنا=والـسعد قـد غَضَّ من أجفان واشينا
سِـــرَّانِ فـــي خـاطـرِ الـظَّـلْماء يَـكـتُمُنا=حـتـى يـكـاد لـسـان الـصبح يُـفشينا
لا غَرْو فِي أن ذكرنا الحزن حِينَ نَهَتْ=عـنه الـنُّهَى وتَـركْنا الـصبر نـاسِينا

إذا قـرأنـا الأســى يــومَ الـنَّـوى سُــوَرًا=مـكـتـوبة وأخــذنـا الـصـبـر تَـلْـقِينا

أمَّـــــا هــــواكِ فــلــم نــعــدل بـمـنـهـله=شِـرْبًـا وإن كــان يـرويـنا فـيُـظمينا

لـــم نَــجْـفُ أفــق جـمـال أنــت كـوكـبه=سـالـيـن عـنـه ولــم نـهـجره قـالـينا
ولا اخــتــيـارًا تـجـنـبـناه عــــن كَــثَــبٍ=لـكـن عـدتـنا عـلـى كــره عـواديـنا

نــأســى عــلـيـك إذا حُــثَّـت مُـشَـعْـشَعةً=فــيـ نـا الـشَّـمُـول وغـنَّـانـا مُـغَـنِّـينا

لا أَكْــؤُسُ الــراحِ تُـبـدى مــن شـمائلنا=سِـيـمَا ارتـيـاحٍ ولا الأوتــارُ تُـلهينا

دُومِـي عـلى الـعهد، مـا دُمْنا، مُحَافِظةً=فـالـحُرّ ُ مَــنْ دان إنـصافًا كـما دِيـنَا
فــمـا اسْـتَـعَـضْنا خـلـيلاً مِـنـك يَـحْـبسنا=ولا اسـتـفـدنا حـبـيـبًا عـنـك يُـثْـنينا
ولــو صَـبَـا نَـحْـوَنا مــن عُـلْـوِ مَـطْـلَعِه=بـدرُ الـدُّجَى لـم يكن حاشاكِ يُصْبِينا

أَوْلِـــي وفـــاءً وإن لـــم تَـبْـذُلِـي صِـلَـةً=فـالـطـيفُ يُـقْـنِـعُنا والـذِّكْـرُ يَـكْـفِينا
وفــي الـجـوابِ مـتـاعٌ لــو شـفـعتِ بـه=بِـيْضَ الأيـادي الـتي ما زلْتِ تُولِينا

عــلـيـكِ مِــنـي ســـلامُ اللهِ مـــا بَـقِـيَـتْ =صَــبَـابـةٌ مــنـكِ نُـخْـفِـيها فَـتُـخـفينا

تركي عبد الغني
11-01-2005, 11:23 AM
نحلق بهذه القصيدة حيث عذوبة المطر

حيث النسيم يحمل أريج أزهار الشجر

حيث العبرات من عيون العاشق الضجر

يقتله النوى من حب له في صورة الوجد آلاف الصور.........

لقد أمتعتنا بهذه القصيدة كما هي عادتك

فلك مني ما تستحق

أخوك تركي عبدالغني

نازك
13-01-2005, 09:21 AM
ماأروع قصائد الأندلسيين

وعلى رأسهم ابن زيدون الذي تميز بكل كلمة جميلة سواء أكانت شعرا أم كانت نثرا