المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حديثٌ معَ القلب ..


عبير جلال الدين
14-11-2006, 03:36 AM
.
.

أيا قلبُ صبراً قد قضى اللهُ ما قضى

و لن تُرْجِعَ الأنّاتُ والنوحُ ما مضى

أتجزعُ ممّا شاءَ أحكمُ حاكمٍ

و قد فازَ مَنْ بالأمرِ للهِ فوّضا

و تعلمُ كُلَّ العلمِ دُنياكَ كِذبةٌ

و مَنْ خسرَ الدنيا بِأخراهُ عُوِّضا

لقد ماتَ فيكَ السعْدُ من ميعةِ الصِّبا

فآثرْتُ أنْ ـ بالصبرِ ـ يا قلبُ تنبضا

فعاقِبةُ الصّبْرِ الجميلِ قِطافُها

لِكفِّكَ دانٍ فاجْعلِ الباعَ مِقْبضا

فذا صبرُ عُلامِ البريّةِ مثمرٌ

و ذا جزعُ الجُهّالِ عَمَّ تمخّضا ؟

لكَ اللهُ من قلبٍ تنزّتْ كُلومُهُ

بغيرِ صروفِ الدهر و الكربِ ما حضى

فعافَ ضِلالَ الذلِّ مستنفرَ الخطى

و رامَ بنارِ العزِّ أنْ يترمّضا

هويتَ العُلى سفْحاً لتُصْبِحَ قِمَّةً

يراها الذي لمْ يرضَ قبْلَ الذي ارتضى

فَكُنتَ سراجاً نيّرَ البوحِ طاهِراً

تقولُ مُحِقّاً ، لمْ تكُنْ ـ قَطُّ ـ مُغْرِضا

و حينَ الأماني شاخَ في الصبْرِ كهْلُها

و لمْ تكُ تقوى أن ـ إلى النَّيْلِ ـ تنهضا

دعاكَ الهدى فامْشِ الهوينا لِنيْلِهِ

كأضْعفِ إيمانٍ ، ولا توقِفَ القضا

ظننْتُكَ تمشي نحْوَهُ متوكّئاً

فغاضَ عذولي أنْ ـ كما الليثِ ـ تركضا

دعتْكَ مروءاتٌ توارثتَ جُلَّها

سجاياً ، متى كانَ العصاميُّ مُقرَضا

فقد شاءَ ربُّ الكونِ يكسوكَ عِزَّةً

كما قدْ أبى للذلِّ أنْ تتعرَّضا

فكنتَ لها أهلاً ، أبى اللهُ عِزَّةً

لعبْدٍ ذليلٍ أنْ ـ كما الفرْضِ ـ تُفرَضا

لكَ الحقُّ صِنْوٌ لمْ تَدعْهُ بُمرِّهِ

و حلوِ جناهُ ، لمْ تكُنْ لِتُبَعِّضا

فإنْ قيلَ لاتسْلكْ ذرى المجدِ يا فتى

و أنْتَ طريرٌ قبْلَ أنْ تتربّضا

رأيتُ فؤاداً كالأصمِّ أمامَهمْ

يمرُّ على لومِ المرائينَ مُعْرِضا

و يمضي بما شاءتْ لهُ أمنياتُهُ

كأنَّ ملامَ الناسِ للمجدِ حرَّضا

على العهدِ باقٍ صابراً و مُكابراً

ويأبى حيائي أنْ ـ إلى العهْدِ ـ أنقضا

و هبْتُكَ أغلى ما يُجادُ بِهِ جِدا

هو الصبرُ ، ما أغلى جِداهُ ، و أبهضا

فيا عاذليَّ ، اللهُ أبصرُ منكما

لهُ الأمرُ يأبى أنْ يُذادَ و يُدْحََضَا

فما دامَ عنّي مالكُ الملكِ راضياً

فسيّانِ عندي منكما السّخْطُ و الرضا

فأينكما حينَ التفتُّ فلم أجِدْ

من الناسِ إلا أسودَ القلبِ مُبْغِضا

فليسَ هُماماً غامِدُ السّيفِ في الوغى

و إنْ تفْترِ الهيجا لِصارِمِهِ انتضى

لقد صدأتْ في غمْدِها البيضُ عِنْدَكمْ

أما آنَ يوماً أنْ ـ من النَّقعِ ـ تُنْفَضا

سأفخرُ أنّي رغمَ سالفِ محنتي

على الضيمِ لي عينٌ أبتْ أنْ تُغمِّضا

تطالِعُ للعلياءِ و هْيَ قريحةٌ

من الدمعِ أضحى بارِقُ الطّرفِ أبيضا

و لي خافقٌ لو لمْ أُزِدْهُ تصبّراً

لغارَ من الآلامِ في زحْمةِ الفضا

و لي قَدَمٌ تأبى على الذلِّ موطئاً

و يأبى جبيني أنْ ـ إلى الأرضِ ـ يُخفَضا

و قَدْ سطعتْ شمْسُ الفصاحةِ في فمي

فكلُّ وريدٍ فيَّ من نورِها مُضا

فيا شِعْرُ صِحْ بالناسِ أنْ ترتضي النُّهى

رشيداً و أنْ ـ للجهلِ ـ ياشِعْرُ ترْفضا

فأنتَ دواءٌ للسقيمِ و لم تكنْ

تعيشُ على دنيا الزوالِ لِتمْرضا

و ها أنتَ قدْ أوشكْتَ أنْ تمتطي السُّرى

و كادَ بريقُ الشمسِ أنْ ـ فيكَ ـ يومِضا

.
.

فراس القافي