ماجدة ريا
05-11-2006, 04:00 PM
من المعروف تاريخيا أن ثمة موقفاً عنصرياً شعبياً أوروبياً مضاداً لليهود، والسبب لا يخفى على أحد ويتعدى الرواية التاريخية المرتبطة بدور اليهود في صلب السيد المسيح نحو استنكار ممارسات واقعية تتخصص بالديون الربوية اشتهر بها اليهود، تمتد عبر التاريخ وإلى يومنا هذا، وكان شكسبير أول من أفصح صراحة عن احتقار هذه الممارسة المتجذرة في الشخصية اليهودية من خلال شخصية المرابي اليهودي شايلوك في مسرحيته الشهيرة “تاجر البندقية”.
على الرغم من ذلك فإن السينما الأوروبية و الأمريكية تبرهن باستمرار على أنها تحت سيطرة أحفاد شايلوك، ولهذا السبب لم تجرؤ السينما الأوروبية والأمريكية على فعل ما جرؤ على فعله في أواسط القرن السادس عشر المسرحي الإنجليزي شكسبير عندما عمم مواصفات اليهودي الجشع عبر شخصية المرابي شايلوك الفاقد لإنسانيته لدرجة التحول إلى وحش بشري.
يوجد في السينما الأمريكية استثناء واحد يرتبط بالموقف الساخر من الشخصية اليهودية ويتسم بصراحة خاصة، موقف جاء موقعا من قبل ممثل، مؤلف ومخرج يهودي المولد لكنه غير يهودي الانتماء بتأثير من والده اليساري الاشتراكي النزعة، عبّر عنه في أواسط سبعينات القرن العشرين في فيلم “آني هول” الذي لعب فيه أيضا الدور الرئيسي.
يبدأ فيلم “آني هول”، بمشهد للمخرج وودي آلان نفسه في دور ممثل يقف أمام الجمهور ويتطلع للشاشة مباشرة ويخاطب مشاهدي الفيلم كما لو أنه في لقاء مباشر معهم. وهو يروي مجموعة نكات للمشاهدين، النكتة الثانية منها فيها إشارة واضحة للشخصية اليهودية يعبر وودي آلان من خلالها بشكل ساخر عن عزلة اليهودي اجتماعيا وواقع احتقار اليهودي لنفسه. يقول وودي آلان: “النكتة الأخرى المهمة بالنسبة لي، هي التي تعزى عادة للممثلين الكوميديين الأخوة غروشو ماركس، لكني أعتقد أن أساسها الأصلي يرتبط بآراء فرويد حول “الوعي وعلاقته باللاوعي”، والتي تعبر عنها النكتة التالية: “أنا لا يمكن أن أوافق أبدا على الانضمام لأي ناد يمكن أن يقبل شخصا مثلي عضوا فيه””.
ففي هذا الفيلم الذي يتضمن مشاهد كثيرة يعود فيها المخرج إلى ذكريات طفولته ونشأته في كنف أسرة يهودية، وهي مشاهد تتضمن إشارات ساخرة ناقدة تفضح تفكك التقاليد اليهودية وعيوب الشخصية اليهودية، يؤدي وودي آلان دور اليهودي المهزوز الشخصية والذي لا ينسجم مع العالم من حوله و يعاني من عجزه عن الاتصال مع الآخرين وهذا ما يعكس نفسه في فشله في إقامة العلاقات مع النساء. وحين ينجح في إقامة علاقة مع فتاة أمريكية فهو لا يجد وسيلة لقضاء الوقت معها وتسليتها وصولا إلى إغوائها، غير اصطحابها لحضور فيلم في إحدى صالات السينما يدور موضوعه حول الاضطهاد النازي لليهود، وهو يظل يكرر دعوتها لحضور ذات الفيلم في كل مرة. وفي ليلة وبعد عودتهما من المشاهدة الثالثة لنفس الفيلم يظن إنها باتت جاهزة للاستلام لرغبته في ممارسة الغرام معها غير انها تصده وتعرض عن مداعباته مبررة بذلك بأنها لا ترغب في ذلك لأنها حزينة حيث صارت تسيطر عليها مشاعر عقدة الذنب تجاه اليهود بعد مشاهدتها للفيلم عدة مرات، فلا يستغرب ذلك بل يجيبها ساخرا بان هذا بالضبط هو المطلوب وهذا هو الغرض من إنتاج مثل هذه الأفلام.
وفي حين فاز هذا الفيلم في حينه بست من جوائز الأوسكار على الرغم من سخريته من اليهود، وربما كان شفيعه في ذلك أن المخرج يهودي ونجم من نجوم السينما الأمريكية، فإن الفيلم الأوروبي الوحيد الذي لم يعان من عقدة ذنب تجاه اليهود و خصص موضوعه للصراع العربي “الإسرائيلي”، محاولا أن يكون موضوعيا في طرحه لوجهة نظره التي لم تخل من التعاطف مع الفلسطينيين، ووجه بحملة عنيفة ضده من الأوساط اليهودية الصهيونية ومن الواقعين تحت تأثيرها من الأوروبيين، ناهيك عن الأمريكيين. وهذا الفيلم هو “هانا 00 ك” للمخرج الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس، وهو المعروف بنزعته اليسارية وباختيار بعض مواضيع أفلامه بالعلاقة مع الحركات السياسية والثورية اليسارية و القضايا السياسية المرتبطة بها، والذي أعطى البطولة فيه للممثل الفلسطيني الأصل محمد البكري في دور الفلسطيني الذي يسعى لتأكيد حقه التاريخي في أرضه وبيته في فلسطين المحتلة وتتضامن معه وتدافع عنه محامية “إسرائيلية”، وهو موقف مارسته بقناعة تتناقض مع السياسة “الإسرائيلية”” وحتى مع قناعة وموقف زوجها الصهيوني النزعة.
لم يظهر بعد فيلم كوستا غافراس هذا أي فيلم أوروبي آخر فيه إشارات لليهود لا يلزم نفسه بالتعبير عن عقدة ذنب تجاه اليهود، بل تكاثرت الأفلام الأوروبية، والمصرة على تحميل الأوروبيين معاناة عقدة الذنب، بما يقود ضمنا إلى مناصرة الدولة الصهيونية أو على اقل تقدير، تأييد أيديولوجيتها. ومن المفيد هنا أن نشير إلى أن بعض الأفلام الأوروبية الممهورة بتوقيع مخرجين كبار، مثل جوزيف لوزي (فيلم “مسيو كلاين”) وفرانسوا تروفو(فيلم” المترو الأخير”) ولوي مال (فيلم “وداعا يا أطفال”) وغيرهم من المخرجين الأوروبيين والذين لم ترق أفلامهم هذه إلى مستوى سمعتهم كمخرجين مبدعين.
والمفارقة هنا أن ما تعكسه الأفلام الأوروبية من مواقف لتحقيق هذا الغرض، لا يجد تعبيرا عنه أو دعما له في المواقف الشعبية الأوروبية المتابعة أو المتفاعلة مع الأحداث السياسية لا سيما منها المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط والتي تتميز بتزايد مظاهر الاحتجاج الشعبي الأوروبي على السياسات العدوانية “الإسرائيلية”” ضد فلسطين ولبنان، تلك المظاهر التي تنقل صورها يوميا شاشات التلفزيون العالمية ولا تجد مكانا لها في الأفلام السينمائية، ذلك لأن التعبير عن عقدة الذنب تجاه اليهود التي تعكسها الأفلام الأوروبية، على الأغلب، أمر مفروض على السينما وشركات الإنتاج في أوروبا فرضا من قبل الحركة الصهيونية العالمية وممثليها في شركات الإنتاج والتوزيع وحتى وسائل الإعلام بكافة أنواعها، وليس نتاج مشاعر طبيعية وقناعات صادقة.
صحيفة الخليج الإماراتية
على الرغم من ذلك فإن السينما الأوروبية و الأمريكية تبرهن باستمرار على أنها تحت سيطرة أحفاد شايلوك، ولهذا السبب لم تجرؤ السينما الأوروبية والأمريكية على فعل ما جرؤ على فعله في أواسط القرن السادس عشر المسرحي الإنجليزي شكسبير عندما عمم مواصفات اليهودي الجشع عبر شخصية المرابي شايلوك الفاقد لإنسانيته لدرجة التحول إلى وحش بشري.
يوجد في السينما الأمريكية استثناء واحد يرتبط بالموقف الساخر من الشخصية اليهودية ويتسم بصراحة خاصة، موقف جاء موقعا من قبل ممثل، مؤلف ومخرج يهودي المولد لكنه غير يهودي الانتماء بتأثير من والده اليساري الاشتراكي النزعة، عبّر عنه في أواسط سبعينات القرن العشرين في فيلم “آني هول” الذي لعب فيه أيضا الدور الرئيسي.
يبدأ فيلم “آني هول”، بمشهد للمخرج وودي آلان نفسه في دور ممثل يقف أمام الجمهور ويتطلع للشاشة مباشرة ويخاطب مشاهدي الفيلم كما لو أنه في لقاء مباشر معهم. وهو يروي مجموعة نكات للمشاهدين، النكتة الثانية منها فيها إشارة واضحة للشخصية اليهودية يعبر وودي آلان من خلالها بشكل ساخر عن عزلة اليهودي اجتماعيا وواقع احتقار اليهودي لنفسه. يقول وودي آلان: “النكتة الأخرى المهمة بالنسبة لي، هي التي تعزى عادة للممثلين الكوميديين الأخوة غروشو ماركس، لكني أعتقد أن أساسها الأصلي يرتبط بآراء فرويد حول “الوعي وعلاقته باللاوعي”، والتي تعبر عنها النكتة التالية: “أنا لا يمكن أن أوافق أبدا على الانضمام لأي ناد يمكن أن يقبل شخصا مثلي عضوا فيه””.
ففي هذا الفيلم الذي يتضمن مشاهد كثيرة يعود فيها المخرج إلى ذكريات طفولته ونشأته في كنف أسرة يهودية، وهي مشاهد تتضمن إشارات ساخرة ناقدة تفضح تفكك التقاليد اليهودية وعيوب الشخصية اليهودية، يؤدي وودي آلان دور اليهودي المهزوز الشخصية والذي لا ينسجم مع العالم من حوله و يعاني من عجزه عن الاتصال مع الآخرين وهذا ما يعكس نفسه في فشله في إقامة العلاقات مع النساء. وحين ينجح في إقامة علاقة مع فتاة أمريكية فهو لا يجد وسيلة لقضاء الوقت معها وتسليتها وصولا إلى إغوائها، غير اصطحابها لحضور فيلم في إحدى صالات السينما يدور موضوعه حول الاضطهاد النازي لليهود، وهو يظل يكرر دعوتها لحضور ذات الفيلم في كل مرة. وفي ليلة وبعد عودتهما من المشاهدة الثالثة لنفس الفيلم يظن إنها باتت جاهزة للاستلام لرغبته في ممارسة الغرام معها غير انها تصده وتعرض عن مداعباته مبررة بذلك بأنها لا ترغب في ذلك لأنها حزينة حيث صارت تسيطر عليها مشاعر عقدة الذنب تجاه اليهود بعد مشاهدتها للفيلم عدة مرات، فلا يستغرب ذلك بل يجيبها ساخرا بان هذا بالضبط هو المطلوب وهذا هو الغرض من إنتاج مثل هذه الأفلام.
وفي حين فاز هذا الفيلم في حينه بست من جوائز الأوسكار على الرغم من سخريته من اليهود، وربما كان شفيعه في ذلك أن المخرج يهودي ونجم من نجوم السينما الأمريكية، فإن الفيلم الأوروبي الوحيد الذي لم يعان من عقدة ذنب تجاه اليهود و خصص موضوعه للصراع العربي “الإسرائيلي”، محاولا أن يكون موضوعيا في طرحه لوجهة نظره التي لم تخل من التعاطف مع الفلسطينيين، ووجه بحملة عنيفة ضده من الأوساط اليهودية الصهيونية ومن الواقعين تحت تأثيرها من الأوروبيين، ناهيك عن الأمريكيين. وهذا الفيلم هو “هانا 00 ك” للمخرج الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس، وهو المعروف بنزعته اليسارية وباختيار بعض مواضيع أفلامه بالعلاقة مع الحركات السياسية والثورية اليسارية و القضايا السياسية المرتبطة بها، والذي أعطى البطولة فيه للممثل الفلسطيني الأصل محمد البكري في دور الفلسطيني الذي يسعى لتأكيد حقه التاريخي في أرضه وبيته في فلسطين المحتلة وتتضامن معه وتدافع عنه محامية “إسرائيلية”، وهو موقف مارسته بقناعة تتناقض مع السياسة “الإسرائيلية”” وحتى مع قناعة وموقف زوجها الصهيوني النزعة.
لم يظهر بعد فيلم كوستا غافراس هذا أي فيلم أوروبي آخر فيه إشارات لليهود لا يلزم نفسه بالتعبير عن عقدة ذنب تجاه اليهود، بل تكاثرت الأفلام الأوروبية، والمصرة على تحميل الأوروبيين معاناة عقدة الذنب، بما يقود ضمنا إلى مناصرة الدولة الصهيونية أو على اقل تقدير، تأييد أيديولوجيتها. ومن المفيد هنا أن نشير إلى أن بعض الأفلام الأوروبية الممهورة بتوقيع مخرجين كبار، مثل جوزيف لوزي (فيلم “مسيو كلاين”) وفرانسوا تروفو(فيلم” المترو الأخير”) ولوي مال (فيلم “وداعا يا أطفال”) وغيرهم من المخرجين الأوروبيين والذين لم ترق أفلامهم هذه إلى مستوى سمعتهم كمخرجين مبدعين.
والمفارقة هنا أن ما تعكسه الأفلام الأوروبية من مواقف لتحقيق هذا الغرض، لا يجد تعبيرا عنه أو دعما له في المواقف الشعبية الأوروبية المتابعة أو المتفاعلة مع الأحداث السياسية لا سيما منها المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط والتي تتميز بتزايد مظاهر الاحتجاج الشعبي الأوروبي على السياسات العدوانية “الإسرائيلية”” ضد فلسطين ولبنان، تلك المظاهر التي تنقل صورها يوميا شاشات التلفزيون العالمية ولا تجد مكانا لها في الأفلام السينمائية، ذلك لأن التعبير عن عقدة الذنب تجاه اليهود التي تعكسها الأفلام الأوروبية، على الأغلب، أمر مفروض على السينما وشركات الإنتاج في أوروبا فرضا من قبل الحركة الصهيونية العالمية وممثليها في شركات الإنتاج والتوزيع وحتى وسائل الإعلام بكافة أنواعها، وليس نتاج مشاعر طبيعية وقناعات صادقة.
صحيفة الخليج الإماراتية