المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أدب السجون !!


عبير جلال الدين
31-10-2006, 08:26 PM
أدب السجون

أدب السجون مظلوم ، كما أن سجناء الرأي أنفسهم مظلومون ، فهل يأتي يوم ،
ترفع فيه كل الظلامات عن البشر والأدب ؟
وهل ظلم أدب السجون من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان أو لنفسه التي لا ترتاح لحديث السجن – ولو كان عن الأبرياء والمظلومين – كما ترتاح لحديث الحب والغزل ؟
وهل من العدالة أو الكياسة والذوق الرفيع الارتياح للغزل وشعر الغزل ،
والإعراض عن السجون وأدب السجون ؟
وإلى متى ينساق الإنسان وراء الغرائز ، انسياقاً أعمى ،
مما يصرفه عن الأخلاق والمُثُل والعواطف الشريفة النظيفة ؟

أدب السجون موجود منذ وجد الأدب ووجدت السجون ،
ويمكن أن نعدّ منها كتاب (تجربة السجن في الأدب الأندلسي- لرشا عبد الله الخطيب )
و ( السجون وأثرها في شعر العرب –لأحمد ممتاز البزرة )
و( السجون وأثرها في الآداب العربية من الجاهلية حتى العصر الأموي- لواضح الصمد )
وهي مؤلفات تهتم بأدب العصور الماضية ،

أما ما يهتم بأدب العصر الحديث ، فنذكر منها :
( أدب السجون والمنافي في فترة الاحتلال الفرنسي – ليحيى الشيخ صالح )
و( شعر السجون في الأدب العربي الحديث والمعاصر – لسالم معروف المعوش )
وأحدث دراسة في ذلك كتاب ( القبض على الجمر – للدكتور محمد حُوَّر)

أما النصوص الأدبية التي عكست تجربة السجن شعراَ أو نثراً فهي ليست قليلة ، لا في أدبنا القديم ولا في الأدب الحديث :
نذكر منها ( روميات أبي فراس الحمداني )
وقصائد الحطيئة وعلي ابن الجهم وأمثالهم في الأدب القديم .

أما في الأدب الحديث فنذكر :
( حصاد السجن - لأحمد الصافي النجفي )
و (شاعر في النظارة : شاعر بين الجدران- لسليمان العيسى )
و ديوان (في غيابة الجب – لمحمد بهار : محمد الحسناوي)
وديوان ( تراتيل على أسوار تدمر – ليحيى البشيري )
وكتاب ( عندما غابت الشمس – لعبد الحليم خفاجي )
ورواية (خطوات في الليل – لمحمد الحسناوي )

عبير جلال الدين
31-10-2006, 08:29 PM
عائلة الجنرال أوفقير


مليكة أوفقير .. وكتابها " السجينه "

من هي مليكة أوفقير؟؟

هي مليكة أوفقير ابنة الجنرال محمد أوفقير.. الذي قام في 16 أغسطس عام 1972 بمحاولة انقلاب فاشلة، حيث قذف الطائرة الملكية بوابل من الرصاص فوق مدينة تطوان...

ولقاء ذلك.. أعدم الجنرال أو فقير رمياً بالرصاص..

السجينة " هو الاسم الذى وضعته مليكة أو فقير لمذكراتها


الطفلة في قصر الملك :

طفولة مليكة فعلاً متميزة فقدكانت في الرابعة من عمرها حينما تبناها الملك ( محمد الخامس ) لتعيش داخل القصور مع ابنته ( للامينا ) والتي تقاربها في السن .
ظلت( مليكة ) بعيدة عن والدتها حتى بعد وفاة محمد الخامس وتولي ( الحسن الثاني ) السلطة ، كانت تعيش حياة رغد ودعه ، فكانت كل أمانيها محققه كما تقول هي ..

*هذا البيت الأبيض بمساحاته الشاسعة يبعد عن القصر الملكي مسافة عشر دقائق،
ما أن تجتاز السيارة البوابة الرئيسية حتى تصل عبر ممر صغير إلى المبنى الذي تحتل فيه للا مينا ومربيتها جان ريفل الطابق الأول المؤلف من مطبخ وصالون يتصدره بيانو ،
وغرفة طعام ، وغرفة جلوس ،وغرفة ضيوف، وحمامات وغرفة نوم للا مينا التي تتصل بباب داخلي بغرفة نوم مربيتها ،
تصميم البيت حديث وأثاثه عصري ومريح للغاية:السجاد الوثير ، الستائر، المقاعد والأسرة،كل ما تقع عليك عيناه يدل على ذوق رفيع وأناقة عالية..
وفي الطابق الأرض قاعة مترامية الأطراف مخصصة للعب ، تمتلئ بكل ما تهواه النفس من العاب مختلفة..
درجات ، سيارات صغيرة، بلياردو ،عدة تنكر،وعرائس بكل ملابسها ولوازمها،بالإضافة إلى صالة عرض سينمائية مخصصة فقط لاستعمالنا الشخصي..
الحديقة الخلابة تسر الناظرين تزدان بكل مايخطر على البال من أنواع الورود والأزهار:الياسمين ، الجوري،الكاميليا،زهر ة العسل،وتحف بالممرات أشجار المندرين والليمون والحامض والنخيل...

يتبع

عبير جلال الدين
31-10-2006, 08:33 PM
*في فيلا ياسمينة كانت المربية تعطينا دروس في آداب السلوك تعلمنا كيف نجلس على الطاولة،
وفي الصالون،وأصول الضيافة،وكيف نستقبل ونودع ،
ونطهو ،وكيف نفرض احترامنا ،
وكيف نصبح فتيات عصريات قادرات على التصرف في كل المناسبات ..

أما في القصر الملكي :

فقد تولوا تعليمنا كيف نصبح نساء منذ اللحظة الأولى لبلوغنا..علينا التقيد بالبروتوكول..
- ممنوع علينا بعد اليوم الخطأ..
- علينا عدم تجاوز عتبة البلاط،وملازمة جناح الحريم.
- علينا ارتداء الزي المغربي الطويل.
- علينا الخضوع ، والانحناء ، والسجود ، والطاعة..
للأسف كانوا يولون جل اهتمامهم إلى النواحي السطحية والقشور التي تهمش دور المرأة وتحولها إلى مجرد أداة للمتعة ووسيلة للولادة ليس إلا وتقتل في داخلها أي ملامح فكر أو إبداع..


تقول بألم :
( أين أمي لتذود عني وتحميني من جور هذه المربية ( ريفل ) التي لم تترك يوماً يمر دون أن تذكرني أنني كائن وضيع ..!!
وأن ( للامينا ) أرفع مني قدراً وشأناً، كانت تمنعني من ألبس مثلها ، أو أن أبقي شعري طويلاً ، لأن هذا يخدش مشاعر ( للامينا ) ويستفزها ، حيث كان شعرها مجعداً لا تستطيع تطويله ( ..!!
أمضت مليكة أحد عشر عاماً في حياتها في القصر، وراء أسوار قصر قلما خرجت منه، عاشت فيها ( مليكة ) سنوات طفولتها محرومة من أمها فأفاقت ذات ( غصة ) على الحقيقة ...
( فصرخت ) :
( لقد أدركت مع الوقت أنني كنت طوال تلك السنوات والأيام سجينة بين جدران القصر وأنني كنت أذبل واختنق تدريجياً ) ..!!
لذا قررت- مليكة - أن ( تقنع ) الملك بالعودة للعيش مع والدتها لعلها ( تلحق ) ببعض طفولتها
( الهاربة ) لتعيش ما تبقى منها بين ( أحضان والدتها) ..!!

الوداع للحياة السعيدة

بعد ثلاث سنوات من هذا النعيم ، حدث ما لم يكن في الحسبان ، إذ دبر والدها مؤامرة ( اغتيال فاشلة ) ضد الملك ( الحسن الثاني ) مما أدى بالأخير إلى قتل أو فقير بخمس رصاصات، واحدة في كبده، والثانية في رئتيه، والثالثة في بطنه، والرابعة في ظهره، ثم جاءت رصاصة الرحمة في عنقه لترسل الرجل الثاني والقوى إلى العالم الآخر.

كانت هذه – المؤامرة - نقطة ( التحول ) في حياة مليكة وعائلتها فلقد ( بدلت ) هذه الحادثة( الحب ) الذي كان في قلب الملك تجاههم إلى ( كره ) ..!!

أمر الملك بسجن مليكة وعائلتها المكونة من أمها وستة ( أطفال ) أصغرهم ( عبداللطيف ) وكان عمره حينذاك( سنتان ونصف ) ..!!!

يتبع

عبير جلال الدين
31-10-2006, 08:39 PM
تتألم مليكة فتقول..
"كل المشاهد والصور العائلية التي كانت عالقة في خيالي كانت حزينة ومأساوية..
موت أبي المفجع مراسم الحداد التي تلت ذلك..
بينما كنت في غمرة ، لم يكن يراودني أدنى شعور بالضغينة أو الحقد ضد أحد ..
حتى أنني لم أتخيل أبداً أنني قمت في أحلام اليقظة بأي ثورة أو تمرد أو مواجهة ..
وحدها ذكريات الطفولة الباكرة كانت مقبولة نوعاً ما ..
لكنهم سرعان ما سرقوها مني ..

تقول :
لقد حاول أبي أن يقتل أبي ( بالتبني ) مما أدى إلى قتله ،
كانت كارثة وقعت على رأسي أنا ..!!
خلال السنوات الأولى ..لم أكن أحلم إلا بالملك..
كنت استحضر لحظاتنا المميزة والنادرة..
كنت أنفضها عني لأعود إلى الواقع وأنا يمزقني شعور بالعار والذنب..
كنت أبقى بعدها مشتته ومبعثرة لا أجرؤ على البوح بهذه الكوابيس لأحد من أهلي إنهم لن يفهموني ..
ولم يتقبلوا مني هذه الخيانة..أبداً..
كم كان رهيباً أن يكون من رباني هو جلادي.
وأن تعصف بي بلا رحمة أو هوادة مشاعر متضاربة من الحب والكراهية نحوه..

عشرون عاماً من المعاناة

عشرون عاما قضتها عائلة أوفقير في قبو تحت الأرض أو في بقايا سجن يقع على مسافة مئات الأميال من أي مدينة أو منزل محاط بحراسات وحضر تجول ،
مع الأوامر التي يلقيها الحسن الثاني، بأن يحرم القتل على هؤلاء النسوة والأطفال الصغار، ولكن ينبغي أن يشاهدوا الموت في كل لحظة ويتمنونه…
حاولوا الانتحار مرات عديدة وكتبوا بدمائهم وثيقة تذلل وطلبا للعفو ‍..

تقول مليكة عن ما فعله الملك ( الحسن الثاني ) تجاهها وعائلتها :
( إذا كنت أحترم دائماً الحسن الثاني باعتباره أبي بالتبني فأنني أكره فيه الظلم والتعسف الذين ألحقهما بنا دون رحمة ، أكرهه لحقده علينا ، أكرهه لما ألحقه بأمي وأخوتي من أذى لا يحتمل، ضاعت طفولة أخوتي إلى غير رجعة ، عانت أمي الأمرين ، وأنا تحطمت حياتي ..!!
كيف طاوعه قلبه على ارتكاب هذه الجريمة بحقنا ،وعلى قذفنا (( عشرين عاماً )) في أتون السجن المحرق ؟!! )

يتبع

عبير جلال الدين
31-10-2006, 08:44 PM
مليكة تتحدث عن دورها

نجحت بتحمل عشرين سنة من السجن أفضل من أخوتي ربما لأنني كنت متمرسة وصاحبة خبرة في هذا المجال ،أعرف ماذا تعني الوحدة وأعرف ماذا يعني الهجران..
ليس هذا هو كل ما يؤلمني ويمزقني كل شيء يمضي ويمر إلا أن يكون عدوك هو جزء لا يتجزأ منك..
وتلك هي المصيبة والهزيمة..

* لقد توليت الاعتناء بهم ، وتثقيفهم وتأديبهم ، حاولت بشتى الوسائل الممكنة رفع معنوياتهم..
كنت أختهم الكبرى وأمهم وأباهم ومستودع أسرارهم ، ومرشدتهم وحاميتهم..
وكان هذا الأمر طبيعياً بالنسبة لي..
كانت العاطفة التي أكنها لهم عميقة وأقوى من مجرد عاطفة الأخوة..
على غرار أمي كانوا هم أكثر ما أحب في الحياة ..
لأجلهم وحدهم كنت أتألم وليس لأجلي..

*علمتهن الثقافة والتهذيب والعلم وآداب السلوك واحترام الآخرين..
لم أكن أسمح بأي عبث أو استهتار أو تجاوز للقواعد والأصول..
كنت أُصر على التقيد بآداب الطعام أثناء تناول الوجبة..
غسل اليدين ، المضغ بتأن وروية ، الجلوس المستقيم ، عدم إهمال عبارات شكراً..
من فضلك..معذرة..

*استطاعت مليكة أوفقير أن توصلهم بالعالم الخارجي بطريقتين
الأولى "راديو" مهرب فكانوا ينصتون لما يحدث في العالم الغائب عنهم.
وقامت بتأليف 150 قصة من خيالها على مدى 11 سنة فكانت ترويها لهم طوال الليل
مثل شهرزاد من خلال أنابيب مرروها بين الزنزانات سرا فكان صوتها يصل إليهم حتى مطلع الفجر وهي تسليهم بقصة، وتخرج من قصة، وقصة تشرح قصة، وقصة تدخل في قصة،

يتبع

عبير جلال الدين
31-10-2006, 08:47 PM
عرض ( للوجع )

في مزيد من التفنن في الإذلال أمر الملك بأن تنقسم الأسرة إلى قسمين في نفس القبو الذي تتخذه الفئران والصراصير مقرا دائما، ومرت عدة سنوات لا ترى الأم فيها أولادها وبناتها وهم يعيشون موتى ويموتون أحياء في نفس المكان، ويفصل بينهم جدار..

تصف مليكة رؤيتها لعائلتها بعد سنوات من العزل..

في الساعة الثامنة صباحاً.. .
فتحوا كل الأبواب ودفعونا باتجاه الخارج كدنا نجن من الفرح برؤية بعضنا البعض مجدداً إنها المرة الأولى منذ أعوام..لقد تغيرنا كلياً..
لم تعد أمي تعرف فتياتها التي كن صغيرات تركت سكينة وماريا وهن في الرابعة عشرة والخامسة عشرة وهما الآن شابتان في الثانية والعشرين والثالثة والعشرين..
أصبح رؤف رجلاً قامته أشبه بقامة أبي..
أما عبد اللطيف فغدا شاباً في السادسة عشرة من عُمره..
وأمي كعهدها مازالت جميلة،ولكن أثار المصائب والهموم كانت واضحة عليها..
شعر حليمة وعاشورا أصبح بلون الرماد..
غدونا جميعاً بقامات هزيلة ،وبوجوه شاحبة ممتقعة ،وعيون محاطة بهالات زرقاء،ونظرات تائهة زائغة......


وتستمر مليكة في هذا الوصف إلى أن تقول..
ولكن فرحة اللقاء طغت على ما عداها..
كنا ممزقين مابين الرغبة بالتعانق والتلامس ،والرفض بإظهار ما كان يعتمل بداخلنا من ألم بسبب الفراق ،أمام أعين جلادينا المسلطة علينا من كل حدب وصوب..
لم نتخلى عن تحفظنا .
أذهلت تصرفاتنا المتماسكة بورو_جندي مسئول _الذي راح يشجعنا على الاقتراب من بعضنا البعض وهو يقول..هيا تعانقوا ،اعلموا أنه بمناسبة عيد العرش ،سيسمح لكم منذ الآن فصاعداً بالتواجد مع بعضكم يومياً بدءاً من الثامنة والنصف صباحاً حتى الثامنة مساء..


شكراً لأنهم منحونا هذا الإحسان بعد مضي خمسة عشر عاماً بين قضبان زنزاناتهم..!!؟؟..


*ليس ماسبق هو الوجع فقط..فهناك الجوع..
الذي تصفه لنا مليكه فتقول..
تباً للجوع وسحقاً له..
كم يذل الإنسان ويحط من قدره ..
إنه ينسيك أهلك وعائلتك وأصدقاءك ويجردك من كل قيمك ومبادئك..
وينتزع منك كرامتك وإنسانيتك ويحولك إلى وحش بشري لا يأتمر إلا بغريزته ..
وهذا ما أصابنا نحن.. لقد كنا نرزح تحت نير الجوع الدائم ولم نشعر يوماً بالشبع أما التخمة فقد انمحت منذ زمن من قاموس تداولنا نحن بالكاد نجد ما نسد به الرمق....

يتبع

عبير جلال الدين
04-11-2006, 01:00 PM
الهـــــــــــــــــ ـروب

بعد عدة سنوات في غياهب السجون..
استطاعت مليكة وعبد اللطيف ورؤف وماريا الهرب من خلال نفق حفروه تحت جنح الظلام لفترة أشهر بعد سجن جهنمي استمر 15 عاماً..

خرجوا إلى الفضاء انطلقوا..
ضاعوا في المنطقة فلم يعرفوا تحديد الاتجاهات في الليل فقادهم عبد اللطيف بذكاء فطري...
تقول مليكة :
نادى عبد اللطيف ، مليكة تعالي وانظري أنه قاس !!
لا أعرف ما هو هرعت باتجاهه لأجد أمامي طريقاً تعلوه طبقة من ( الإسفلت ) ..!!
يال المسكين إنها المرة ( الأولى ) في حياته التي تقع فيها عيناه على الإسفلت ..!!

لم يضع الجنود يدهم على مكان النفق إلا بعد مضي 24ساعة ..لم يكن الجنود دائماً ليفهموا كيف تمكن الأخوة من الهرب...
.وكيف يمكن أن يحفر النفق؟؟!!

قاموا بالعديد من التحقيقات للسيدة أوفقير وابنتها الباقية..
إلى أن ضاقت ذرعاً بهم فأطلقت الحقيقة الصارخة في وجوههم كبركان يتفجر..-

أيها السادة :
خذوا علمكم لم نكن بحاجة إلى سواعد مفتولة ،لكي نثور ونهرب من ناركم وجحيمكم ،
كان يلزمنا خمسة عشر عاماً من السجن فقط..
و خمسة عشر عاماً فقط من المعاناة والمعاملة اللا إنسانية .
و خمسة عشر عاماً فقط من الجوع والبرد والحرمان..
أما فيما يخص الذكاء فاعلموا أن الفضل يعود إليكم ..
فقد منحتمونا خمسة عشر عاماً من التحامل كي ينضج ذكاؤنا ويثمر..ألف شكر لكم


بعد هروبهم استطاعوا الاتصال بالصحافة الفرنسية وإذاعة فرانس أنتير وهكذا تمكنوا من رؤية النور مرا أخرى..

منقول

عبير جلال الدين
20-12-2006, 01:44 PM
سليم عبد القادر شاعراً سوريأ

له دواوين : القادمون الخضر و نعيم الروح

وله أناشيد للأطفال التي أخرجتها (دار سنا) في أشرطة كاسيت وأشرطة فيديو ، فطبقت الآفاق

وله روايات هى : (الأصدقاء الثلاثة ) ( و( ذبيح القدس )
ما لا ترونه – الناشر بلا حدود – 2005م ) فهي روايته الثالثة

وهي تحكي تجربة المؤلف نفسه بضمير الغائب من خلال الشخصية الأولى ( محمود النعيمي ) : طالب جامعي في كلية الهندسة من جامعة حلب في الثمانينيات من القرن المنصرم ، اعتقل من حرم الجامعة أمام زملائه وزميلاته في وضح النهار ، على حين اعتقل معظم زملائه من بيوتهم في جنح الظلام ، ولم تعرف أماكن اعتقالهم أو زيارتهم إلا بعد شهور من اختطافهم ، وتعذيبهم واستشهاد بعضهم تحت التعذيب ، من غير ذنب ارتكبوه إلا مخالفة الرأي للذين اغتصبوا السلطة .

أول درس
سياسي في هذه الرواية – ولعله الهدف الأول منها – أن بطل الرواية محموداً كان قبل الاعتقال ضد العنف في معارضة النظام ، يؤمن بالحوار وبالعمل السلمي ، لكن طريقة الاعتقال ، بلا مذكرة قضائية ، وأشكال التحقيق المصحوبة بالتعذيب الرهيب ، نفسياً وجسمانياً ، مما وقع عليه وعلى إخوانه .. جعله ذلك كله يتحول إلى طلب العنف ، والتخلي عن النهج السلمي الذي كان يعتقده . فبعد شهور تستطيع أمه الوالهة أن تظفر بالموافقة على زيارته عن طريق أحد الأقارب الذي يعمل في أجهزة القمع ، بشرط أن تقنع ابنها المعتقل محموداً بالضغط على أخيه فخر الدين المتواري عن الأنظار ، بأن يسلم نفسه ويعترف على (إخوانه ) ثم يتم الإفراج عنه ، يقول الكاتب : ( نظر محمود في الوجوه التي ترقب ردّ فعله باهتمام ، وكان رئيس الفرع يجلس بعيداً في صدر المكتب يتشاغل ببعض الأوراق أمامه ، فسأل محمود : وأخي ؟ ما رأيه ؟
قالت الأم : إنه يرفض الاستسلام ؟
فأخذ نفساً عميقاً ، وقال : الحمد لله ..ثم التفت إلى ذلك الرجل ليطلب منه طلباً استفزازياً مستحيلاً ، فقال: أخرجوني من هنا لأسلمكم أخي .
ولم يكترث فيما يكون لسخريته الغضوب من أثر ، وتابع الكلام وهو ينظر إلى أمه : إنهم كذابون ، مراوغون ، واحذروا أن يخدعوكم .. لقد عانيت من جراحهم أربعة شهور بلا علاج ، إنهم ألعن من الشياطين ألف مرة ..
فقالت : حتى المقدم علي ؟!
أجابها بغيظ : إنه أكذب من مسيلمة الكذاب ... قولي لأخي وللشباب جميعاً ، ألا يستسلموا مهما تكن الظروف ... أن يقاتلوا بالرصاص ، بالسكاكين ، بالعصي ، بالحجارة ، بالأظافر ... بأي شيء ... والذي يعجز عن ذلك فليرحل خارج البلاد لينجو من هذا الجحيم الكافر ، ولو كنت أعلم بأني سألقى هنا معشار ما لقيت ، لما تركتهم يستلمونني إلا جثة هامدة .
فقال الرجل : إذا كان الأمر كما تقول ، فأنا أنسحب ، وأنتم أحرار .
قال الرائد : انتهت الزيارة .
فقالت الأم : يا له من لقاء قصير ، بعد فراق طويل ) ( ما لا ترونه – ص 91- 92 ) ويبدو أن أخاه الشاب فخري سمع نصيحة أخيه ، فقاوم وقاتل حتى استشهد ( وحملت له الأخبار نبأ استشهاد أخيه فخر الدين ابن الثمانية عشر ربيعاً ، فتلقى أكبر صدمة في حياته بالصبر والتسليم ، واستشهد صديقه أيمن ، وهو أمر كان يتوقعه ، أما أبو اليسر فقد اعتقل بعد إصابات بالغة فقد فيها عينه وذراعيه ، وقضى في المنفردة بضعة شهور ، ثم حكم بالإعدام ونال ما يتمناه : الشهادة في سبيل الله ) ( ص 97 ) ..وبالمناسبة هذه الأسماء حقيقية ، وبقية الأسماء التي وردت في الرواية كاملة أو بالاسم الأول ، وفي ديوانه الأول ( القادمون الخضر ) قصيدة خاصة برثاء أخيه الشهيد فخر الدين ، وقصائد متعددة في رثاء الآخرين ، لكن المؤلف لما اتخذ اسم محمود في الرواية ، تحدث عن بعده الأدبي من خلال شاعر اسمه (عبد القادر ) يطرب المعتقلين بأناشيده وبمزاحه الطريف للتخفيف من وطأة السجن ، والترويح عن النفوس المكدودة وبعث الأمل .

الدرس الثاني
في هذه الرواية الجانب التوثيقي فيها لجانب من أحداث سورية في ثمانينيات القرن الماضي : أنواع التعذيب وأدواته .. أماكن الاعتقال ..أسماء الجلادين .. بذاءة التحقيق .. نتن النوايا المنكشفة .. حجم المأساة والضحايا ولا سيما جيل الشياب الجامعي المثقف .. المحاكم الأمنية الصورية .. التجديف بالله تعالى وبالأنبياء والرسل .. الافتراء على العلماء لتخذيل الشباب عن أساتذتهم والإيقاع بهم ..

يتبع

عبير جلال الدين
20-12-2006, 02:12 PM
الدرس الثالث
هو تحليل نفسيات الجلادين الكبار والصغار ، الصغار منهم يتنافسون في الإيذاء الجسدي والنفسي ويتفنون في إرضاء الكبار ، ومن خلال رسم صورهم الجسدية وبذاءة لسانهم وقساوة نفوسهم وخلوهم من أي إحساس إنساني ، فهم وحوش في لبوس بشر أو عبيد ،
وأما الكبار فيتفنون في حبك الاستدراج من خلال حبائل الترغيب والترهيب من جهة ، ومن خلال الافتراء أو الإيقاع بين المعتقلين من جهة ثانية .
ومن قاع المأساة ، من صلب القساوة والوحشية والبذاءة والاستعباد تشرق نفوس إنسانية تعيد الثقة بأن الإنسان ليس وحشاَ محضاً ، بل هو من مادة وروح ، يظهر ذلك حتى في بعض الجلادين ،
مثل الرقيب طاهر( بدءاً من الصفحات 104 ) ، الذي تعاطف مع المعتقلين ، فأخذ يسهل لهم الانتفاع من دورات المياه ، ومن التواصل فيما بينهم ، ومن إحضار بعض الكتب والأوراق والأقلام والأخبار والرسائل ، وكل ذلك ممنوع ، يعرّض صاحبه للمهالك ، فكيف إذا بلغ به الأمر أن يتواطأ مع المعتقلين على ترتيب عملية هرب جماعية من السجن ، ثم تأمين مخابيء لهم خارج السجن ؟ وقد حصل ذلك في الرواية ( ص109) وفي الواقع على حدّ سواء .
أما الأطرف من ذلك فهو انقسام المعتقلين في البداية حول (نظافة ) الرقيب طاهر ، أي هناك من يشك بتصرفاته على احتمال أن يكون جاسوساً عليهم ، يستدرجهم للإيقاع بهم ، أو إنساناً موثوقاً يتعاطف معهم ، وهذه واقعة مألوفة في صناعة القمع ، وفي تحطيم الثقة بين البشر المعتقلين لدرجة الشك ، فيمن يتعاطف معهم أو يريد تقديم خدمة لهم .
فما أعظم جريمة القمع وسجون الرأي بحق الإنسان والبشرية جمعاء ، وهي جريمة ترتكب في السجن الصغير، كما ترتكب في الوطن كله حين يصبح سجناً كبيراً ، وقد صارت سورية للأسف كذلك ، فما من إنسان سوري أو أسرة سورية أو حزب سوري إلا انشق على نفسه طولاً أوعرضاً أو الاثنين معاً ، وكم يلزم من الجهود والأزمان للإصلاح الحقيقي ؟!
ومقابل شخصيات الجلادين تظهر شخصيات المعتقلين صغاراً وكباراً في الأعمار والمدارك والنفوس ، أفراداً وجماعات ، لم يظهر فيهم جاسوس واحد ، لكن سقط عدد منهم في الاعتراف على أنفسهم أو على إخوانهم من شدة التعذيب ، ومنهم محمود النعيمي (أي المؤلف نفسه )،
وكان ذلك عبئاً آخر من آلام السجن أن يضطر السجين إلى أن يخون أخاه أو صديقه أو جاره أو زميله ، وأن يسلمه مضطراً لكابل الحديد ، والصعق الكهربائي ، والانحشار في الدولاب للضرب على الأرجل أو على القفا بالعصي ، أو حمل الدولاب ساعات طوالاً ، أو لإطفاء السكاير في المواضع الحساسة من الجسم ولا سيما الأعضاء التناسلية ، أو ما شابه مما يعف القلم عن ذكره .
وهذا غير السباب والشتائم من العيار الثقيل ، وغير الهواء المتعفن وضيق النفس ، والتناوب على شم الهواء من ثقب في أسفل الباب من قبو محروم من النوافذ والتهوية ، لدرجة التعرض للإغماء. ولقد تمنى محمود النعيمي الموت أكثر من مرة للخلاص من هذا الجحيم الذي لا يُطاق ، وتوسل للمحققين أن يريحوه بالموت فرفضوا ذلك (ص32و 35و 40 و43و ) ،
لأن الغرض إيقاد الألم ، وتفريغ الحقد ، وليس راحة الإنسان .
كانت المعادلة ( عدوّ مع عدو) لا (محقق مع متهم ) ، فتصور الثمار التي أنتجتها هذه الصناعة /العلاقة
يقول : ( لقد انتهى كل شيء .. لقد اعترفت ، انتهيت .. سيأتون بإخوانك إلى هنا ، يقاسون العذاب والمرارة مثلما قاسيت أنت ... أصحابك الذين يظنون بك خيراً ، يحسبون أنك لن تعترف .. وأنت في نظرهم شيء كبير ،
وأنت الآن شيء تافه .. لاشيء .... لكن ماذا أصنع ؟ لكل شيء حدود ، ولكل إنسان طاقة .. حتى الفولاذ ينكسر ويذوب ، كان الموت أسهل عليَّ . ولكن الموت لم يأتِ ، والرحمة كلمة لا وجود لها هنا ، وقد صبرت كما لم يصبر إنسان ، وقد أخَّرت اعترافاتي سبعة أيام ، وعلى أصحابي أن يدبروا أمورهم .. أن يهربوا .. أو يختفوا ، أو يغادروا البلد ...و ليس من المعقول أن أذوب قطعة قطعة وهم يجلسون بلا حركة ... ولكنهم يظنون بأني أموت ولا أعترف ) ( ص45) .
إن طبيعة التحقيق (جلاد .. معتقل ) تقتضي وفرة في الحوار وتنوعاً بشكل مسّوغ ، والعزلة أو الانقطاع عن الآخرين تؤدي إلى النجوى أو (المنولوج) ، وذلك كله يعين على تحليل نفوس الشخصيات الظالمة والمظلومة على حد سواء ، وعلى الأخص الشخصية الأولى ( ص 22 و25 و29و 31 و 37 و38 و 41 و 42 و 45 ).

عبير جلال الدين
20-12-2006, 02:15 PM
محمود النعيمي شخصية مواطن مثالي أو عاشق للمثل العليا ، يظن الناس كلهم مثله ، ولم يخطر في باله أن يدخل سجناً ، وإذا دخل ، فهو يظن في نفسه المقدرة على إقناع الجلادين ببراءته ، وبعدالة الأفكار التي يؤمن بها ،
وبقدسية ما هو مقدس عند البشر من دين أو خلق أو صدق أو رحمة ، فإذا هو يكتشف الجانب القذر من إنسان الغابة في الكبار والصغار ، بل في مؤسسات كاملة ،
وهي خبرة نافعة للمواطنين العاديين ، ولكل مجتمع مبتلى بالطغيان ، حتى يكتسبوا المناعة ، وحتى تزول عن أعينهم الأغشية ،
ولكي يأخذوا دورهم في الهم العام وفي عملية الإصلاح ، وبذلك يكون الطغيان جلب لنفسه الخطر ، وأسس لمحاربة نفسه وحشد من لم يحشد من المواطنين ضده وضد وجوده .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن صمت الشارع أو الرأي العام طوال أربعة عقود من الانحرافات لا يعني إخراج المجتمع من السياسة ،
بل يعني أن هناك تراكمات من المعاناة المضاعفة المحتقنة كالبركان الذي ينتظر لحظة الانفجار ، كما أن تطاول الزمن لا يعني النسيان بحال من الأحوال ،
بل التخمر والتفاقم والمزيد من الغليان وتلاحم الآلام . فالثورة الفرنسية لم توجد أسبابها قبل يوم أو شهر أو سنة من انفجارها ،
وكذلك ثورة العبيد في روما ، لكن وعي الجماهير المضطهدة فعل فعله
حين اكتشف المواطن الفرد أن ألمه ألم جماعي ، وأن النقمة جماعية ،
وأن الحراك الجماعي قابل للتحرك والتفجير ثم التغيير . وهذا قانون أو سنة من قوانين الاجتماع البشري ، لكن هل يقيم الجلادون أو الطغاة شأناً للقوانين أيّاً كانت ؟

عبير جلال الدين
20-12-2006, 02:16 PM
يفسر هذا القانونَ العبثُ ولحظات الضحك التي يمرُّ بها مجتمع المعتقلين حين يأوون إلى النوم الساعة العاشرة مساء ، فلا ينضبطون بقرار اتخذوه في أحد المهاجع الجماعية ، يخرقه أحدهم بهمس أو نكتة ، فينفجر المهجع بصيحات التأييد أو المعارضة تنفيسا عما فيه من بلاء .
كما يفسره جانب السخرية اللاذعة في شخصية محمود النعيمي أيضاً ، يقول : ( القاضي : - هل من أقوال أخرى ؟
- نعم يا سيدي ، فإن كلامي لم ينتهِ بعد ، وكنت أودّ أن أقول ، بأنك أنت نفسك لو وضعوك في الفلق أو تحت لسع الكهرباء ، لاعترفت بأنك أخ لموشيه ديان .
- ضحك الجميع إلا القاضي ، فقد كان هو الآخر أعور ...) (ص100) . وما السخرية إلا ضحك هادف يخفي وجعاً عميقاً .
ويفسره أيضا الضحك غير الهادف إلا طلباً للترويح عن النفس ، والضحك للضحك في قاع الجحيم ، يقول :
( كان للشيخ مريد طريف طيب ، يدعى عبد السلام ، كان كلما شعر بدبيب الملل و احتدام الجدل ينقذ الموقف
بقوله : إذاعة القرآن الكريم من سجن<السادات> تقدم لكم ما تيسر من كتاب الله من تلاوة شيخي محمد خير .. فيقرأ الشيخ ما تيسر ، حتى يجد الهدوء والراحة والسكينة مرتسمة في الوجوه .
وقال عبد الكريم : عندي كنز لا ينفد من حكايات جدتي ، سأقص عليكم قصتين كل يوم ، نستعين بذلك على طرد الملل ، وجلب شيء من البهجة ) ( ص 76) والصفحات ( 66 و 74 و 75 و 1079 ) .
أما الروسم أي (الثيمة ) التي قام عليها بناء الرواية ، فهو التسلسل الزمني للأحداث والوقائع من البداية إلى النهاية ، وهو أخلق بالرواية التسجيلية .
والذي بعث الحيوية في هذا البناء ثلاثة عوامل :
الأول
تعدد الأمكنة والانتقال من سجن إلى سجن ومن تحقيق إلى آخر .
العامل الثاني
شبيه بالأول وهو تنوع الشخصيات في الجلادين والمعتقلين .
العامل الثالث
، وهو أهمها ، ختام الرواية بترتيب عملية هرب جماعية ،
يخطط لها وينفذها المعتقلون بتعاون مع السجان الرقيب (طاهر) ، وهي خاتمة تذكرنا بالقصص البوليسي وبروايات أغاثا غريستي ، خاتمة ملائمة لطبيعة الأحداث ، وللغة السجون القائمة على أحد الخيارات الثلاثة : دوام السجن لمعتقلي الرأي ، أو الموت صبراً ، أو الهرب لمن يتاح له الهرب ، وما أندر ذلك !! وحصول الهرب مؤشر على التفاؤل ، و على انتصار الخير على الشر بعد صراع مرّ ، وإعمال للفكر ، وتصميم على النصر . وما ضاع حقّ وراءه مطالب !!

منقول