المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بشار العيسى (فنان تشكيلي سوري عالمي يكتب لوحاته بالشعر واطياب شقائق النعمان ؟)


عبود سلمان
27-10-2006, 08:17 PM
بشار العيسى (فنان تشكيلي سوري عالمي يكتب لوحاته بالشعر واطياب شقائق النعمان ؟)

أطياب شقائق النعمان

نصوص تشكيلية

أرسلت في الأحد 21 مايو 2006 من الفنان العالمي : بشار العيسى/ فرنسا



الملكة تودع للرحيل


بيني وبينك سيدتي المتوجة نهر من الحنين
بيني وبينك قمر بهي في ليل بيروت المدمى بأقمار مضيئة بالقنابل
بيني وبينك الحقول والبيادر والحرائق وحكايا الجن والساحرات ومنهوب المجرات وأحزان العاشقين
بيني وبينك بيروت ودمارها، والبغي في غير أوانه، والقنابل تهطل ثلجاً على قيظ الظهيرة
بيني وبينك صديقتي أشياء نرويها عن الضواحي، والجنازير، والحرائق البهية في الحقول والثقيلة في المدن
.................... .................... ..

بيني وبينك ضحكاً مؤجلاً، وخزائن الأسرار التي لم ترو، ولم تتمرى متعتها البسيطة
بيني وبينك فقراء بيروت ودمارها، أهلها الطيبون والبسطاء، الروشة كأنها بيادر باب السلام
بيني وبينك خجل صامت، كأنني أخاف أن أخاف من ألا أودعك
فاعذريني إن غبت أكثر مما استأذنت منك ومن الأحبة والأصدقاء
اعذريني إن سهوت، إن أهملت ذاكرتي.. فالقصف يشتد سيدتي، والدمار من حولي كبير وأنا أحرس بيوت اللاجئين، وأشياء حميمة للأمهات.
.................... .................... .................... .................... .................... .................... .................... .................... .

عبود سلمان
27-10-2006, 08:23 PM
"من رسالة "اعتذار" كتبت في الثامن عشر من تموز1982، إلى "جازية العبدي" في الدرباسية ـ سوريا."

لم أعد، وبقي الحلم، وتاهت الهجرة
.................... .................... ...............
منذ أن غادرت "جازية"، توقف انبعاث تلك الأطياب والأنفاس العطرة التي كانت تغلفني من وقت لآخر... تشل ذاكرتي بالتذكار وتسيح المكان بالزمان، تقطع المسافات إلى أيام خلت ومواقف وفصول ليس عندي مكانها ولا أزمانها، عبق أمكنة، براري وحواري ومساكن تترامى عليها أوراق "الكركور"، يفوح منهاعطر "البابونج"، تتعالى تنهيدة "المروند"، "الفريكة"، أنفاس ظروف السمن البلدي، أسرار صناديق الأعراس الخشبية الملونة، تتداخل ألوانها وتطريزات عمائم "الهفرميش"، وقزحيات البنفسجي لزهر"الخلخالوك"، و"الهيرو"، وتقصيبات "الحروانيات".
.................... .................... .................... .................... .................... .................... .................... .................... .....
توقفت الأطياب، إلا لماما، منذ آخر مرة، يوم أحاطت بي وبها انتشيت، كأنها عاصفة مرت بخزائن "كروان"، مترع بأطايب الشرق كله، فوح مخازنه، عطر نسائه، ضجيج أعراسه، شلالات ألوانه، أثيابه المعطرة بأصباغ الحناء، شقائق النعمان، "النركز"، "عندكّو"، "المرّ"، والأصبار، "القرفة"، "الزنجفيل"، وأخذتني في تهويمة اللوحة، الملكة تودع للرحيل..!
.................... .................... .................... ............
رحلت الملكة، ولم أكن أعرف، يوم كنت أتيهُ في شلال ضياءات اللوحة.
كنت كمن يسابق الريح الى حتفه المؤجل بقوانين القدر، أتحايل على قلبي المحاصر بألف سؤال وسؤال، مستهديا بسراج خيمة في برية "عبدو سلامة" أقود خيولا حرون إلى مرابض مجهولة، أستهدي بفوح دخان المواقد الثكلى بجذور الخرنوب الطرية تزبد برغوة الطوفان الناري، في عتمة التيه المتألق بضوء القلب الوجل وجفلة الحجل الرمادي في لهاث الصيادين الزنخة. لم أكن طريد الدغل المهجور لكن لسعة الأفاعي تقض مضجع رأسي المزنًر بأكاليل من الأزهار البرية بفوحها المجنون الذي يبث الخدر المنعش وكأنه إغماءة السيجارة الصباحية.
.................... .................... .................... ...................
كنت في تيهي إلى ضلالة منشودة بالابتهال إلى الله في وحدته وعزلته الجليلة،وأنا أقود القطيع الشفاف إلى شغاف القلب في كسرته التائبة ـ هيهات ـ إلى صلاة العائد إلى تربة مطمئنة بالرطوبة الفائحة برفوف القطا تتوجه جنوبا.
رحلت الملكة وبقي الضياء الذي يسقطه النيزك من علياء الفضاء إلى متعة اللهفة المشرقة بالوجد يتسلل خفية إلى تحت جلد المبتلين بلوعة الإيمان.

بقيت روحها العصية على النسيان، بعض عطرها، عطر منزلها، المنزل الأول، الذي ما أن غادرته حتى بدأ حلم العودة إليه يعتصرني كل غروب كالأنين، لم أعد، بقى الحلم، وتاهت الهجرة، لتترنح الذاكرة بهمس خفي، تعيد أحياءه، كلما تاهت بي الأقدار، واحتارت الروح في حيرتها.
.................... .................... .................... .............
جوكوندا

تواقت انتهائي من لوحة "جوكندا" في ربيع 1976، وزيارتها لنا، شمس وأنا، مزودة كعادتها بالبيض، والجبن، وخبز التنور، ما كادت تضع أحمالها حتى ضحكت وهي تقول:
" شو إبني، إنتقلت من رسم "قرشيفانا" حاملات القش، إلى إختلاس صورة أمك"
قطبت وهي تقول:
"بس أكيد ماراح تبيع صورة أمك لحدا، خليني آخذها معي للضيعة. بس هونيك مين راح يحكيها، والصور حتى الصور تحتاج من يتحدث إليها."


.................... .................... .....