هند أبو العينين
04-07-2006, 08:19 PM
من أغرب ما رأيتُ في حياتي ، منظرٌ مررت به في أحد أزقة العاصمة البريطانية عام 1995. كان يجلس على الأرض شابٌ من عديمي المأوى، وكان هذا الشاب عاجزاً، بحيث أن يديه مبتورتان، إحداهما من الكوع والأخرى من الكتف، كما أن رجليه مبتورتان إحداهما من الركبة والأخرى من أعلى الفخذ. وكان بجانب مكان جلوسه محلٌ صغيرٌ لبيع الفواكه والخضار، وقد أعطى البائعُ الشابَ موزة. طبعا الشاب أراد أن يأكلها، وعليه أن يقشرها أولا. هل لكم أن تتخيلوا كيف سيقشر إنسانٌ بلا يدين ولا رجلين موزة ً ليأكلها؟ قام الشاب بتثبيت الموزة على الحائط بكوعه وقشر الموزة بفمه وأكلها وهي مثبتة علىالحائط ، وكانت تلك لحظة مروري به. هي صورة بحتة للرغبة في البقاء.
خلال الأيام الماضية، أجهزت القوات الإسرائيلية على البنية التحتية في غزة في عملية عسكرية تستهدف تحرير الجندي الإسرائيلي الذي اختطفه "الإرهابيون" الفلسطينيون. وقتلت القواتُ الأبرياء واختطفت ثلث وزراء حكومة هنية، كما أنها قطعت بالغزيين السبل، فأغلقت الطرق والمعابر وهدمت الجسور والطرق. بات أكثر من مليون ونصف المليون من أهل غزة بدون كهرباء ، والمياه الصالحة للشرب تأتي من آبار يتم ضخ المياه منها بمضخات كهربائية، وبالتالي فانعدام الماء النظيف أصبح قريبا أيضا. كما أن مخزون الدقيق في المدينة يكفي أهلها لما يقارب الشهر فقط، بحسب التصريحات الفلسطينية . وقبل هذه العميلة العسكرية لم تكن غزة تعيش في بحبوحة، بل كانت أيضا تحت حصار دبلوماسي إن لم يكن عسكري، وهو ناجم عن موقف الحكومة الإسرائيلية من حكومة حماس "الإرهابية" التي تتخذ من غزة مقرا لها، وسيطرة الأولى على أرصدة وأموال الثانية.
إختطاف الفتى العسكري الإسرائيلي كان على أيدي فدائيين (نعم - الكلمة لا زالت موجودة) قاموا باختراق معسكر للعدو (نعم - وهذه أيضا)، وقاموا بإحداث أضرار بالغة في محتويات المعسكر من أسلحة ومبان ٍ. وإستحقت عمليتهم إسمها وهو "تبديد الوهم" بأن الجيش الإسرائيلي لا يُقهر. وبرغم أن الرئيس الفلسطيني عباس أسرع بالقيام بواجبه الدبلوماسي بشجب واستنكار هذه العملية على أنها "خرق للإتفاقات بين الأطراف" ، إلا أن هذا لم يمنع الحكومة الإسرائيلية من تحميله - ضمن من حمّلت - مسؤولية إختطاف جنديها. وبدأت تدك غزة بترسانتها ما أن إنتهت المهلة المعطاة لحماس لتسليم الجندي، علماً بأن مطلب حماس مقابل الإفراج عن الجندي هو فك أسر النساء والأطفال من السجون الإسرائيلية.
أصبح التعمق في قراءة الأخبار كالمسك على الجمر أحيانا. فالفدائيون الذين هاجموا المعسكر والجنود بدل أن يصبوا جام غضبهم على المدنيين في الكيبتسات الإسرائيلية .. هم إرهابيون! أما الجنود الذين يهاجمون مليون ونصف أعزل في مدينة محاصرة وتعاني من العطش والجوع أصلا فهم "يمارسون حقهم في الدفاع عن النفس"، كما صرحت الحكومة الإسرائيلية وهلل الإعلام الغربي !
والمتمعن في قراءة التاريخ القريب – وتحديدا منذ تولي حركة حماس الحكومة– يستطيع أن يرى أن العملية العسكرية على غزة لم يكن لها علاقة بتحرير أي جندي. بل هي الحلقة الأخيرة في سلسلة مخططات تهدف إلى تفكيك حركة حماس، ولإفقادها أهليتها لتولي الحكومة الفلسطينية، وبالتسلسل التالي : تـُحاصر المناطق الفلسطينية وتُمنع الأموال عن الحكومة، مما سيؤدي إلى تجويع الشعب الفلسطيني، ومن ثم سيقوم الشعب بالمطالبة بإعادة الإنتخابات والإطاحة بالحركة عن منصبها. إلا أن المخطط له لم يحدث، رغم التجويع والهجمات على المدنيين في غزة . ورغم أن الإعلام نشر تصريحات إسرائيلية بالعزم على الهجوم على غزة ردا على هجمات كتائب عز الدين القسام بالصواريخ المصنعة يدويا، والتي يعترفون هم بأنها لا تؤذي أحدا، إلا أن العملية الفدائية التي نفذها الشباب التسعة أتت في وقت الإسرائيليون فيه بحاجة إلى مبرر للهجوم، "حُجّـة بـِحاجة " . فضلا عن أن هذه العملية وتبريرها بإنقاذ الجندي هي فرصة أولمرت المناسبة لإثبات وجوده على رأس حكومة دربها السفاح شارون على ردود الفعل العسكرية التي تبطش بيد من حديد. خصوصا أنه – أولمرت - تولى المنصب وهو لم يكن أبدا خريجا للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ولو كان هدفه إعادة الجندي المختطف فقط لمارس بعض الحنكة السياسية في مفاوضات لتبادل الأسرى، كما فعل مع حزب الله وأطراف أخرى من قبل، خصوصا أن ما طلبته حماس هو مبادلة الجندي بنساء وأطفال من أسراهم في السجون الإسرائيلية ممن أدينوا برمي الجنود بالحجارة، ولم تطلب أعلاما من قادتها المحتجزين كعبد الخالق النتشة أو بسام السعدي مثلا.
ولو إفترضنا أن الشعب الفلسطيني واع ٍ لهذه الأسباب المبيتة، وواع ٍ لسلاسل المخططات السابقة للأحداث، وأنه يرفض أن ينوّلهم مبتغاهم مهما كان ومهما حصل، يظل السؤال هو: إلى أي حد ٍ يستطيع الصمود بجوع أطفاله وعطشهم
؟
الجور الإسرائيلي لا حدود له، والعرب أغلقوا مرحلة الشجب والاستنكار وقلبوا صفحتها، كما أغلقوا مرحلة المقاطعة قبلها، ومرحلة الصراع قبلها أيضا. والشعب لا يزال يجوع ويئن ويستنجد.
إذا كان هذا هو الحال اليوم، فما الآتِ غدا في وسط ظلمة هذا النفق اللانهائي؟
خلال الأيام الماضية، أجهزت القوات الإسرائيلية على البنية التحتية في غزة في عملية عسكرية تستهدف تحرير الجندي الإسرائيلي الذي اختطفه "الإرهابيون" الفلسطينيون. وقتلت القواتُ الأبرياء واختطفت ثلث وزراء حكومة هنية، كما أنها قطعت بالغزيين السبل، فأغلقت الطرق والمعابر وهدمت الجسور والطرق. بات أكثر من مليون ونصف المليون من أهل غزة بدون كهرباء ، والمياه الصالحة للشرب تأتي من آبار يتم ضخ المياه منها بمضخات كهربائية، وبالتالي فانعدام الماء النظيف أصبح قريبا أيضا. كما أن مخزون الدقيق في المدينة يكفي أهلها لما يقارب الشهر فقط، بحسب التصريحات الفلسطينية . وقبل هذه العميلة العسكرية لم تكن غزة تعيش في بحبوحة، بل كانت أيضا تحت حصار دبلوماسي إن لم يكن عسكري، وهو ناجم عن موقف الحكومة الإسرائيلية من حكومة حماس "الإرهابية" التي تتخذ من غزة مقرا لها، وسيطرة الأولى على أرصدة وأموال الثانية.
إختطاف الفتى العسكري الإسرائيلي كان على أيدي فدائيين (نعم - الكلمة لا زالت موجودة) قاموا باختراق معسكر للعدو (نعم - وهذه أيضا)، وقاموا بإحداث أضرار بالغة في محتويات المعسكر من أسلحة ومبان ٍ. وإستحقت عمليتهم إسمها وهو "تبديد الوهم" بأن الجيش الإسرائيلي لا يُقهر. وبرغم أن الرئيس الفلسطيني عباس أسرع بالقيام بواجبه الدبلوماسي بشجب واستنكار هذه العملية على أنها "خرق للإتفاقات بين الأطراف" ، إلا أن هذا لم يمنع الحكومة الإسرائيلية من تحميله - ضمن من حمّلت - مسؤولية إختطاف جنديها. وبدأت تدك غزة بترسانتها ما أن إنتهت المهلة المعطاة لحماس لتسليم الجندي، علماً بأن مطلب حماس مقابل الإفراج عن الجندي هو فك أسر النساء والأطفال من السجون الإسرائيلية.
أصبح التعمق في قراءة الأخبار كالمسك على الجمر أحيانا. فالفدائيون الذين هاجموا المعسكر والجنود بدل أن يصبوا جام غضبهم على المدنيين في الكيبتسات الإسرائيلية .. هم إرهابيون! أما الجنود الذين يهاجمون مليون ونصف أعزل في مدينة محاصرة وتعاني من العطش والجوع أصلا فهم "يمارسون حقهم في الدفاع عن النفس"، كما صرحت الحكومة الإسرائيلية وهلل الإعلام الغربي !
والمتمعن في قراءة التاريخ القريب – وتحديدا منذ تولي حركة حماس الحكومة– يستطيع أن يرى أن العملية العسكرية على غزة لم يكن لها علاقة بتحرير أي جندي. بل هي الحلقة الأخيرة في سلسلة مخططات تهدف إلى تفكيك حركة حماس، ولإفقادها أهليتها لتولي الحكومة الفلسطينية، وبالتسلسل التالي : تـُحاصر المناطق الفلسطينية وتُمنع الأموال عن الحكومة، مما سيؤدي إلى تجويع الشعب الفلسطيني، ومن ثم سيقوم الشعب بالمطالبة بإعادة الإنتخابات والإطاحة بالحركة عن منصبها. إلا أن المخطط له لم يحدث، رغم التجويع والهجمات على المدنيين في غزة . ورغم أن الإعلام نشر تصريحات إسرائيلية بالعزم على الهجوم على غزة ردا على هجمات كتائب عز الدين القسام بالصواريخ المصنعة يدويا، والتي يعترفون هم بأنها لا تؤذي أحدا، إلا أن العملية الفدائية التي نفذها الشباب التسعة أتت في وقت الإسرائيليون فيه بحاجة إلى مبرر للهجوم، "حُجّـة بـِحاجة " . فضلا عن أن هذه العملية وتبريرها بإنقاذ الجندي هي فرصة أولمرت المناسبة لإثبات وجوده على رأس حكومة دربها السفاح شارون على ردود الفعل العسكرية التي تبطش بيد من حديد. خصوصا أنه – أولمرت - تولى المنصب وهو لم يكن أبدا خريجا للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ولو كان هدفه إعادة الجندي المختطف فقط لمارس بعض الحنكة السياسية في مفاوضات لتبادل الأسرى، كما فعل مع حزب الله وأطراف أخرى من قبل، خصوصا أن ما طلبته حماس هو مبادلة الجندي بنساء وأطفال من أسراهم في السجون الإسرائيلية ممن أدينوا برمي الجنود بالحجارة، ولم تطلب أعلاما من قادتها المحتجزين كعبد الخالق النتشة أو بسام السعدي مثلا.
ولو إفترضنا أن الشعب الفلسطيني واع ٍ لهذه الأسباب المبيتة، وواع ٍ لسلاسل المخططات السابقة للأحداث، وأنه يرفض أن ينوّلهم مبتغاهم مهما كان ومهما حصل، يظل السؤال هو: إلى أي حد ٍ يستطيع الصمود بجوع أطفاله وعطشهم
؟
الجور الإسرائيلي لا حدود له، والعرب أغلقوا مرحلة الشجب والاستنكار وقلبوا صفحتها، كما أغلقوا مرحلة المقاطعة قبلها، ومرحلة الصراع قبلها أيضا. والشعب لا يزال يجوع ويئن ويستنجد.
إذا كان هذا هو الحال اليوم، فما الآتِ غدا في وسط ظلمة هذا النفق اللانهائي؟