مراسل
26-06-2006, 06:24 PM
صدر مؤخرا عن نادي أبها الأدبي بالسعودية كتاب بعنوان
( بوح السجون ) ،
للأديب علي إبراهيم مغاوي
___________
وقد أثار بأحداثه المؤلمة شهادة أخرى على وجود [أدب السجون] كتاريخ حي لهذا الهدير والبوح الأدبي، الذي أضاء في لحظات اعتقال الزمان والمكان عتمة الجدران الرطبة لتتحول هذه العتمة إلى إبهار فني وأدبي تباينت خلاله التداعيات والارتدادت والبنية الدرامية.
يقول المؤلف إن الحديث عن السجون والسجناء محاولة جادة للثأر من النفي والإقصاء والتغييب، وليس من قبيل رفاه التناول كما أن الكتابة عن السجن والسجناء ليست محاماة ولا دفاعا عن المجرمين والخونة المذنبين المعتدين ولا تبريرا لخطاياهم ولا تفسيرا نلحن فيه بالقول لإعفائهم من جزاءات عدوانهم وبطشهم بالآخرين وعبثهم بالأمن واختراقهم أسوار الحياة الهادئة الماتعة التي يعيشها غيرهم...
ويؤكد الأديب علي مغاوي في [بوح السجون] أنه من السجن تسرب أدب ماكان له أن يندثر، لتعدد وتنوع الروايات التي حال دون توثيقها الموقف من الحكَّام وربما تدخل معامل فارق الزمن في زيادة أو نقص أو ضياع لبعض جوانبها نسبة إلى جوانب الأدب الأخرى التي قُتلت بحثا وتحقيقا ومعرفة وبقي الحدث الفعلي فيها عرضة للروايات المستسلمة لحماسة الأنصار بولائهم وتبريراتهم تارة والخصوم بأحقادهم وتشفّيهم وإرجافهم حول السجناء بما ليس فيهم تارة أخرى، كل ذلك كان في مراحل زمنية كانت تزخر بتهم الانتحال.. والآن نحن بهذه الثورة المعلوماتية البحثية نمثل أمام مجتمعات لاتنفر من التهم بقدر ما تحفظها أرصدة تاريخية توظفها في إذلال الآخرين دون تسامح، فنتأخر كثيرا في التصالح مع الآخرين ونعتمد أن نكرس في نفوسنا وفي أجيالنا مزيدا من التحديق في نقائص الآخرين وأخطائهم ونصرُّ على المبالغات والمثاليات فينا بمزيد من الانغماس في شؤون الآخرين.. وأمام هذه المشاهد الحياتية النفسية للأسرى والمسجونين مظلومين أو مذنبين زج المؤلف للقارئ كوكبة من الصور المتمردة على العتمة والقضبان والنفي وسُبة الخروج إلى النور وجراح خطيئة الحبس التي لاحقتهم بظلم.. حتى لم يُعد شروق الشمس وموعد الحرية والخلاص تعنيهم شوقا مهما اقتربت مواعيدها.. هكذا هي السجون كما رآها المؤلف بين الضرورة الملحة لردع المعتدين بزجهم في غياهبها وخلف أسوارها حماية للمجتمعات من بطشهم وعقوقهم وبين المظلومين ساقهم الحظ العاثر إلى تلك الظلمات لتتحول الحياة الهنيئة إلى عذابات قاسية تراق في ليال تطول وكأنها لا تنقضي وأيام من الظلام لا تنتظر انبلاج الفجر ولا إطلالة شمس تحمل الدفء والحياة وبين كل أولئك سيق بعض المبدعين الشعراء والمفكرين إلى السجون إحدى الشرائح التي لا ندعي براءتها كما أننا لا نملك اليقين باستحقاقهم دخول السجون..
لنرى بعد ذلك استفتاح المؤلف لهذا البوح بما كتبه أشرف السجناء [ يوسف عليه السلام ] بتهمة أخلاقية هو منها براء، حينما كتب على باب السجن [ هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء، ثم أورد ما قالته الكاتبة غادة السمان س ليست قضيتي أن أتورط في الدفاع عن إنسانية المجرمين وأتناسى ضحاياهم، لأن المجرم حين يهدد حياة الآخرين يكون قد بادر إلى قتل إنسانيته وتنازل عنها أولا ولكنني لم استطع إلغاء قناعتي بوجود سجناء أبرياء ولم استطع أيضا التخلص من ارتباط السجن في ذهني بالقمع أكثر من ارتباطه بالعقاب العادل . وهُنا يتحدث الأديب علي مغاوي عن مقولة [ أفظع الجرائم تقترف محتمية بأشرف القيم ] معتبرا هذه المقولة الدافع إلى قراءة تاريخ السجناء وسيرهم التي تجمع ماضيهم قبل حبسهم وحقائق حياتهم وما روي عنهم في السجون أثناء اعتقالهم.. لينتقل بعد ذلك إلى تقديم ما يشبه السيرة الذاتية عن سير السجناء وسلوكهم داخل السجن وحالاتهم قبل دخولهم إليه وقبل أن يُجرّموا بحق أو بغير حق.. معتبرا أنه إن صح ما ترويه كتب التاريخ من أن الذهنية العربية العاتية لم تتأثر كثيرا بسماحة ورحمة الدين الإسلامي فيما يخص السجناء مدللا على تلك الفرضية بما كان يحدث في السجون الأموية والعباسية وما بعدها من عفو وتعذيب وإكرام وإهانة.. مختتما هذه التجربة الجمالية في الكتابة عن هذا الأدب وما أفرزته معاناة خاصة في السجون بسرد موفق لنماذج من سير السجناء بداية بالعصر الجاهلي وانتهاء بالعصر الأموي..
كما اجتهد المؤلف في انتقاء سير مختصرة لنماذج من السجناء والشعراء والأدباء وممن أوتوا بلاغة الحديث وحسن التناول باختلاف أسباب حبسهم أو أسرهم أو نفيهم، باعتبار أن السجناء عالم متحول حتى بين اللحظة واللحظة في حياتهم داخل السجن والسجين غريب كل الغرابة في تصوراته لسبل خلاصه من محنته، يهادن سجانه ويستعطفه لا عن قناعة ولا تأدب بل للتخفيف عليه من تعذيب أو عزل أو تجويع أو بما يفعلونه أو ينوون فعله خليط من العشاق المغرمين مثل ،العرجي، والعلماء البارعين مثل سعيد بن جبير، والفرسان الشجعان مثل أبي محجن الثقفي أو كذابون هجائون امتهنوا الوشاية مثل علي بن الجهم، مظلومون أُوقع بهم مثل إبراهيم بن المدبر، ملوك وأمراء أدباء، مثل المعتمد بن عباد، صعاليك لصوص كرام أقوياء مثل الشنفرى الأزدي، قتلة غيورون شجعان أشراف مثل هدبة بن خشرم، أهل بلاغة وشجاعة أدبية لا ذنب لهم مثل آمنة بنت الشريد الثقفية، ثوار ساخطون تنكروا لسلاطينهم محبون لأوطانهم مثل أبي فراس الحمداني ومفدي زكريا..
المفكرة
( بوح السجون ) ،
للأديب علي إبراهيم مغاوي
___________
وقد أثار بأحداثه المؤلمة شهادة أخرى على وجود [أدب السجون] كتاريخ حي لهذا الهدير والبوح الأدبي، الذي أضاء في لحظات اعتقال الزمان والمكان عتمة الجدران الرطبة لتتحول هذه العتمة إلى إبهار فني وأدبي تباينت خلاله التداعيات والارتدادت والبنية الدرامية.
يقول المؤلف إن الحديث عن السجون والسجناء محاولة جادة للثأر من النفي والإقصاء والتغييب، وليس من قبيل رفاه التناول كما أن الكتابة عن السجن والسجناء ليست محاماة ولا دفاعا عن المجرمين والخونة المذنبين المعتدين ولا تبريرا لخطاياهم ولا تفسيرا نلحن فيه بالقول لإعفائهم من جزاءات عدوانهم وبطشهم بالآخرين وعبثهم بالأمن واختراقهم أسوار الحياة الهادئة الماتعة التي يعيشها غيرهم...
ويؤكد الأديب علي مغاوي في [بوح السجون] أنه من السجن تسرب أدب ماكان له أن يندثر، لتعدد وتنوع الروايات التي حال دون توثيقها الموقف من الحكَّام وربما تدخل معامل فارق الزمن في زيادة أو نقص أو ضياع لبعض جوانبها نسبة إلى جوانب الأدب الأخرى التي قُتلت بحثا وتحقيقا ومعرفة وبقي الحدث الفعلي فيها عرضة للروايات المستسلمة لحماسة الأنصار بولائهم وتبريراتهم تارة والخصوم بأحقادهم وتشفّيهم وإرجافهم حول السجناء بما ليس فيهم تارة أخرى، كل ذلك كان في مراحل زمنية كانت تزخر بتهم الانتحال.. والآن نحن بهذه الثورة المعلوماتية البحثية نمثل أمام مجتمعات لاتنفر من التهم بقدر ما تحفظها أرصدة تاريخية توظفها في إذلال الآخرين دون تسامح، فنتأخر كثيرا في التصالح مع الآخرين ونعتمد أن نكرس في نفوسنا وفي أجيالنا مزيدا من التحديق في نقائص الآخرين وأخطائهم ونصرُّ على المبالغات والمثاليات فينا بمزيد من الانغماس في شؤون الآخرين.. وأمام هذه المشاهد الحياتية النفسية للأسرى والمسجونين مظلومين أو مذنبين زج المؤلف للقارئ كوكبة من الصور المتمردة على العتمة والقضبان والنفي وسُبة الخروج إلى النور وجراح خطيئة الحبس التي لاحقتهم بظلم.. حتى لم يُعد شروق الشمس وموعد الحرية والخلاص تعنيهم شوقا مهما اقتربت مواعيدها.. هكذا هي السجون كما رآها المؤلف بين الضرورة الملحة لردع المعتدين بزجهم في غياهبها وخلف أسوارها حماية للمجتمعات من بطشهم وعقوقهم وبين المظلومين ساقهم الحظ العاثر إلى تلك الظلمات لتتحول الحياة الهنيئة إلى عذابات قاسية تراق في ليال تطول وكأنها لا تنقضي وأيام من الظلام لا تنتظر انبلاج الفجر ولا إطلالة شمس تحمل الدفء والحياة وبين كل أولئك سيق بعض المبدعين الشعراء والمفكرين إلى السجون إحدى الشرائح التي لا ندعي براءتها كما أننا لا نملك اليقين باستحقاقهم دخول السجون..
لنرى بعد ذلك استفتاح المؤلف لهذا البوح بما كتبه أشرف السجناء [ يوسف عليه السلام ] بتهمة أخلاقية هو منها براء، حينما كتب على باب السجن [ هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء، ثم أورد ما قالته الكاتبة غادة السمان س ليست قضيتي أن أتورط في الدفاع عن إنسانية المجرمين وأتناسى ضحاياهم، لأن المجرم حين يهدد حياة الآخرين يكون قد بادر إلى قتل إنسانيته وتنازل عنها أولا ولكنني لم استطع إلغاء قناعتي بوجود سجناء أبرياء ولم استطع أيضا التخلص من ارتباط السجن في ذهني بالقمع أكثر من ارتباطه بالعقاب العادل . وهُنا يتحدث الأديب علي مغاوي عن مقولة [ أفظع الجرائم تقترف محتمية بأشرف القيم ] معتبرا هذه المقولة الدافع إلى قراءة تاريخ السجناء وسيرهم التي تجمع ماضيهم قبل حبسهم وحقائق حياتهم وما روي عنهم في السجون أثناء اعتقالهم.. لينتقل بعد ذلك إلى تقديم ما يشبه السيرة الذاتية عن سير السجناء وسلوكهم داخل السجن وحالاتهم قبل دخولهم إليه وقبل أن يُجرّموا بحق أو بغير حق.. معتبرا أنه إن صح ما ترويه كتب التاريخ من أن الذهنية العربية العاتية لم تتأثر كثيرا بسماحة ورحمة الدين الإسلامي فيما يخص السجناء مدللا على تلك الفرضية بما كان يحدث في السجون الأموية والعباسية وما بعدها من عفو وتعذيب وإكرام وإهانة.. مختتما هذه التجربة الجمالية في الكتابة عن هذا الأدب وما أفرزته معاناة خاصة في السجون بسرد موفق لنماذج من سير السجناء بداية بالعصر الجاهلي وانتهاء بالعصر الأموي..
كما اجتهد المؤلف في انتقاء سير مختصرة لنماذج من السجناء والشعراء والأدباء وممن أوتوا بلاغة الحديث وحسن التناول باختلاف أسباب حبسهم أو أسرهم أو نفيهم، باعتبار أن السجناء عالم متحول حتى بين اللحظة واللحظة في حياتهم داخل السجن والسجين غريب كل الغرابة في تصوراته لسبل خلاصه من محنته، يهادن سجانه ويستعطفه لا عن قناعة ولا تأدب بل للتخفيف عليه من تعذيب أو عزل أو تجويع أو بما يفعلونه أو ينوون فعله خليط من العشاق المغرمين مثل ،العرجي، والعلماء البارعين مثل سعيد بن جبير، والفرسان الشجعان مثل أبي محجن الثقفي أو كذابون هجائون امتهنوا الوشاية مثل علي بن الجهم، مظلومون أُوقع بهم مثل إبراهيم بن المدبر، ملوك وأمراء أدباء، مثل المعتمد بن عباد، صعاليك لصوص كرام أقوياء مثل الشنفرى الأزدي، قتلة غيورون شجعان أشراف مثل هدبة بن خشرم، أهل بلاغة وشجاعة أدبية لا ذنب لهم مثل آمنة بنت الشريد الثقفية، ثوار ساخطون تنكروا لسلاطينهم محبون لأوطانهم مثل أبي فراس الحمداني ومفدي زكريا..
المفكرة