المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النور الخالد محمد صلى الله عليه وسلم.. كتاب بالتركية


مراسل
19-06-2006, 07:01 PM
ظهر في تركيا كتاب عن الرسول صلاة الله وسلامه عليه‏، بعنوان النور الخالد محمد، مفخرة الإنسانية لمؤلفه العالم محمد فتح الله كولن، وقام بترجمة الكتاب إلى العربية الأديب التركي أورخان محمد علي والكتاب لا يتناول السيرة كسرد أحداث وذكر تواريخ‏..‏ بل يتناولها من ناحية فقهها وحكمتها ومعانيها وأسرارها، وهذا أصعب ولكنه جهد مطلوب‏.‏إن تسليط الأضواء على شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ‏، وشرحها وبيانها‏، ثم تقديمها كمنقذ للبشرية‏، وكدواء للمشاكل المستعصية على الحل وللأمراض غير القابلة للشفاء‏، وإظهار هذه الشخصية السامقة وسيرتها بما هي أهل له‏... هذا كله كان هاجسا من هواجس فكر الشيخ فتح الله كولن‏، وموضوعا مهما من المواضيع التي لا سبيل لمقاومة جاذبيتها وسحرها‏.‏
وهو يبدأ كتابه بمقدمة يميل فيها لجانب التفاؤل فيقول: 'يكفي للاستدلال على عظمته صلى الله عليه وسلم أنه بالرغم من كل عوامل الهدم التي أصابت عصرنا‏، إلا أننا ما زلنا نسمع من فوق المآذن أصداء نداء 'أشهد أنّ محمداً رسول الله‏'.‏ تأملوا هذه الكرامة‏، إن جميع العقبات والسدود والموانع التي وضعها خصومنا لكي يمنعوا حبه صلى الله عليه وسلم من القلوب أو يزيلوا ذكره من العقول‏، قد انهارت جميعها وتهدمت وأزيلت وتجاوزتها الإنسانية‏، وبدأ الشباب يهرع إليه بكل فرح وحبور‏.‏ لا أدري إذا كنتم قد انتبهتم إلى الذين يملئون المساجد على سعتها في صلاة الجمعة‏، لو دققتم النظر لاكتشفتم أن معظمهم من الشباب‏. ما الذي يدفع هؤلاء الشباب في برد الشتاء القارس وفي المطر والثلج إلى المساجد وإلى الوضوء وأسنانُهم تصطكّ من البرد‏؟ من يدفع هؤلاء -برغم محاولة أرباب الضلالة والطغيان- جذبهم نحوهم بقوة لا تقاوم؟‏‏ إنها قوة الجاذبية القدسية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ‏.'
‏واضح من كتاب 'النور الخالد' أن صاحبه كتبه بحبّ عميق للرسول‏ صلى الله عليه وسلم ، يقول الشيخ محمد فتح الله كولن: 'عندما منّ الله عليّ بزيارة الأراضي المقدسة لكي أعفر وجهي بترابها بدَت لي مدينة الرسول مضيئة ونورانية إلى درجة أنني ذقت معها سعادة روحية غامرة وفرحا لا يوصف‏، وشعرت أنه -على فرض المستحيل- لو فتحت لي أبواب الجنة كلها ودعيت أن أدخل على أن أترك المدينة لَرفضت مفضّلا البقاء في المدينة المنورة‏'.
يبدأ الشيخ محمد فتح الله كولن حديثه عن النبي المرسل رحمة للعالمين‏ برسم لوحة لشكل الدنيا يومئذ‏. الدنيا يسودها ظلام دامس‏، ظلام يحمل في طياته نورا مرتقبا‏، وأصداء تحمل بشري ظهور نبي جديد‏.‏
لم يكن إنسان ذلك العصر يحمل قيمة تعطي للحياة معنى‏، وتجعل لها هدفا يستحق العيش من أجله‏.‏ كان اسم هذا العصر عصر الجاهلية‏، والجاهلية هنا لا تأتي كنقيض للعلم‏، بل كمرادف للكفر الذي هو نقيض الإيمان والاعتقاد‏.‏ كان مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم نعمة كُبري للبشرية‏، ورحمة سابغة للعالمين‏، وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالي‏: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164]. كان العهد الذي سبق بعثة الرسول عهدا مظلما‏؛ وكل عهد تهتز فيه عقيدة التوحيد يعدّ عهدا مظلما، لأن الإيمان بالله إذا لم يحكم جميع القلوب سيطر الظلام على الأرواح واسودّت القلوب وعميت، فلم تعد قادرة على الرؤية‏.‏
يتحدث الأستاذ محمد فتح الله كولن عن الغاية من إرسال الأنبياء‏..‏ ورغم وجود فروق في المراتب والدرجات بينهم فإنهم يشتركون في شيء واحد؛ إنهم أناس مختارون مصطفون تجلّت عليهم رحمة الله تعالى، فربّاهم وأدّبهم وفضّلهم على العالمين‏، وجعل قلوبهم مقتصرة عليه لا تحوم حول أحد غيره‏.‏ وتلتقي الغاية التي من أجلها أرسل الأنبياء والرسل مع غاية خلق الإنسان وهي العبودية لله تعالى، ويشير القرآن الكريم إلى هذه الغاية فيقول‏:‏ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاْلإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
وإذن فإن الغاية الأساسية من خلقنا والهدف الرئيسي له هو معرفة الله‏، وإيفاء حقه من العبودية‏، وليس اقتناء القصور والأموال أو الأكل والشرب والتمتع بلذائذ الدنيا‏..‏ وصحيح أن هذه الأمور حاجات فطرية إلا أنها لا تشكل غاية لخلقنا‏.‏ وما جاء الأنبياء والرسل إلا لكي يدلّونا على هذه الغاية ويرشدوا إلى هذا الطريق. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
الغاية الأخرى من إرسال الأنبياء والمرسلين هو القيام بالتبليغ الديني‏، فلو لم يأتوا لَما عرفنا المسائل المتعلقة بالعبادة‏، ولَما عرفنا واجباتنا وما فُرض علينا‏. ‏قال تعالى:‏ ‏﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67]، والتبليغ يعني إرشـاد الناس إلى الصراط المستقيم‏، والتبليغ هو سر إرسال الأنبياء‏.‏
ومن الأسباب التي يمكن ذكرها لإرسال الله تعالى لأنبيائه ورسله أن يكونوا أسـوة حسنة وقدوة متبعة لأممهم‏. إن القرآن الكريم يخاطبنا قائلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. أيضا يأتي الأنبياء والرسل لتأمين التوازن بين الدنيا والآخرة‏.‏ قال تعالى:‏ ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].
لا يقوم النبي بدعوته نتيجة تفكيره الذاتي‏، أو قناعته بفلسفة خاصة‏، أو نظام معيّن رآه صالحا‏.‏ ليست النبوة كسبا بشريا، إنما هي اصطفاء واختيار من الله تعالي‏، وهي وحي يوحيه الله لمن يختاره من عباده المكرمين‏.‏ وإذا كان التجرد هو صفة الأنبياء الأولى فإن الأمانة هي صفتهم الثانية‏،‏ وهي صفة يشير إليها القرآن في أكثر من آية.‏

إن صفة الأمانة تتكرر مع كل الرسل كما تتكرر مع الملائكة الكرام؛ حيث أثنى الله تبارك وتعالى على جبريل عليه السلام وقال في وصفه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ  * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 20-21]. أما الرسول صلى الله عليه وسلم فكان أمينا قبل بعثه بالنبوة‏، وكان أمينا على الوحي الإلهي بعد بعثته‏، وكان أمينا حيال الوجود كله‏، فلم تكن روح الأمانة ومفهومها عنده مقتصرا على البشر‏، بل نحو الوجود كله بما فيه من كائنات.

والشيخ فتح الله كولن طوال الوقت الذي يكتب فيه كتابه يضع في ذهنه مجموعة من الشباب الذين يستهدفهم بكتابته‏،‏ وهو أحيانا يتوقف عن السياق الأصلي ليحدث هؤلاء الشباب ويلفت انتباههم إلى معني دقيق يريد توصيله إليهم وبهذا يكون الكتاب تاريخا ودعوة إلى الله في الوقت نفسه‏.

المفكرة