المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القدس تحت الاحتلال والانتداب البريطانيين.. كتاب في التاريخ


مراسل
14-06-2006, 04:04 PM
مفكرة الإٍسلام: صدر حديثا عن الجامعة الأردنية كتاب بعنوان مدينة القدس تحت الاحتلال والانتداب البريطانيين [1917 -1948] للدكتور صالح الشوره.
يقدم الدكتور صالح الشوره في دراسته حول القدس في عصر الانتداب، معالجة لواحدة من أخطر فترات تاريخ القدس الحديث، وإذا كان تاريخ القدس خصوصاً، وتاريخ فلسطين عموماً، قد تعرضا للسطو اليهودي والغربي المتصهين، فإن الدراسات العربية ذات الصبغة العلمية نادرة، وتأتي هذه المساهمة من أحد الباحثين العرب الشبان وفاءً للمدينة المقدسة.
تؤكد المبادرة العثمانية لتشكيل متصرفية خاصة بالقدس 1874 اهتمام العثمانيين بالمدينة وإدراكهم لحجم المخاطر التي تتهددها. لكن عدداً من الباحثين يجادلون في دوافع العناية العثمانية المتأخرة بالمدينة وبفلسطين، وهل جاءت رداً على الأطماع الأوروبية واليهودية، أم رداً على الأطماع المصرية؟ وهل نجحت الدولة العثمانية في حماية فلسطين والقدس من الشرور المحدقة يهما؟
شكلت الامتيازات الأجنبية مدخلاًً تسللت منه القوى الأوروبية للمدينة المقدسة، كما تسللت عبره المؤامرة اليهودية الصهيونية إليها. وجاء الحكم المصري 1831-1840 ليفتح الأبواب أمام التغلغل الأوروبي واليهودي في المدينة. وبعد المساندة الأوروبية للدولة العثمانية لاستعادة بلاد الشام من يد محمد على، تمادى التدخل الأوروبي، خاصة فيما يتعلق بالامتيازات الأجنبية في القدس.
كان الوجود اليهودي في القدس في مطلع العهد العثماني لا يتجاوز 115 شخصاً عام 1572، لكنه راح يتعاظم، بفضل الهجرة المتواصلة، حتى وصل العدد عام 1806 نحو ألف نسمة، وارتفع إلى ثلاثة آلاف عام 1819، وتفرغت القنصلية البريطانية في القدس منذ تأسيسها 1838 لحماية الطائفة اليهودية، ودعمها. وتبنت فكرة 'عودة اليهود' restoration. وأثمرت جهودها أن وصل عدد اليهود في القدس 1880 إلى حوالي سبعة عشر ألفاً. لكنه وصل عام 1912 إلى ثمانية وأربعين ألفاً.
حاولت الدولة العثمانية إعاقة هذا التدفق، لكنها كانت محاولات متعثرة. وشكل مجيء جمعية الاتحاد والترقي للحكم إزاحة لما تبقى من عقبات شكلية في وجه الاجتياح اليهودي لفلسطين والقدس.
راحت أنظار الصهيونية تتجه نحو بريطانيا بوصفها الدولة الوحيدة التي تمتلك الإرادة والقدرة على تنفيذ المشروع الصهيوني، وتدعمت أركان التحالف وصولاً إلى وعد بلفور 1917، واحتلت القوات الإنجليزية القدس 1917 بقيادة الجنرال اللينبي الذي أعلن 'انتهت اليوم حلقة الحروب الصليبية'.
ومنذ البداية كان واضحاً أن بريطانيا ما جاءت إلا من أجل تهيئة فلسطين بالتدريج لتصبح وطناً قومياً لليهود. وفي هذا السياق أدخلت سلطة الاحتلال ثم الانتداب على خارطة مدينة القدس الجغرافية والديموغرافية تعديلات جذرية تهدف إلى تحويلها إلى مدينة ذات أغلبية يهودية بضم جميع المستوطنات اليهودية إلى حدود بلدية القدس، واهتمت سلطة الانتداب بتطوير عملية البناء وفق معايير، وأنظمة، وقوانين أصدرتها لهذه الغاية، وبهدف تغيير شكل المدينة، أعلنت القدس الغربية كمنطقة تطوير، وأقيمت مؤسسات كثيرة طبعت القدس بطابع جديد كان له الأثر في شخصية المدينة.
وتسهيلات الانتداب للهجرة اليهودية لفلسطين والقدس تحديداً، جعلت اليهود يشكلون ما نسبته60% من إجمالي سكان القدس عام 1948. وتواصل النشاط الاستيطاني في القدس منذ 1859، وتعزز في ظل الانتداب مما أدى إلى رفع نسبة ملكية الأراضي لليهود في القدس من حوالي 4% عام 1918، إلى حوالي 25% عام 1948. اقتصرت المقاومة الوطنية في مسألة بيع الأراضي لليهود على الوعظ والإرشاد والتنديد بالبائعين والسماسرة، وإصدار الفتاوى التي تحرّم بيع الأراضي لليهود وتجرّمها، لكن معظم المبادرات العملية لإيقاف عمليات البيع كان مصيرها الفشل، مثل فكرة صندوق الأمة، أو أنها لم تحقق نجاحاً ملموساً.
هنالك مواقف تدل على وجود بعض الوعي على الخطر الصهيوني، وأخرى تدل على غيابه؛ ففي عام 1891 أرسل فريق من وجهاء القدس عريضة إلى الباب العالي يطلبون فيها وقف هجرة اليهود، ومنعهم من امتلاك الأراضي، ومن جهة أخرى نجد محاولات الصهاينة للاستعانة بعرب فلسطين لإقناع الدولة العثمانية بإفساح المجال أمام الهجرة اليهودية. إضافة إلى اتصال البعثة الصهيونية برئاسة وايزمن عند زيارتها فلسطين في نيسان 1918 بعدد من الشخصيات المقدسية، وحاول وايزمن إقناعهم بمقاصد الصهيونية السليمة.
ومن مؤشرات غياب الوعي مشاركة المفتي كامل الحسيني في حفل وضع حجر الأساس للجامعة العبرية عام 1918 تحت رعاية وايزمن، واضعاً بيده حجراً من ضمن الأثني عشر حجراً [تيمناً بعدد الأسباط]. ثم شارك في حفل الافتتاح عام 1925 ولجانبه عدد من الشخصيات الفلسطينية والعربية!
وجرى تأليف الجمعية الإسلامية المسيحية في القدس لمقاومة الصهيونية. وكانت القدس نقطة الانطلاق لمعظم الثورات والانتفاضات الفلسطينية. إن كثيراً من القيادات السياسية والزعامات الفلسطينية لم تدرك مرامي وأهداف الصهيونية ومخاطرها، كما أنها عولت على الدور البريطاني لإعاقة المشروع الصهيوني! واستقبل البعض الاحتلال البريطاني بالترحاب، بل ورحب هؤلاء بفكرة التعاون العربي اليهودي منذ عام 1920، وتشكّل الحزب الوطني العربي في القدس برعاية فورديك كيش رئيس المنظمة الصهيونية في لندن!
وشكلت هذه القيادات بخلافاتها و صراعاتها عبئاً على القضية الوطنية، ولعل مناسبة انعقاد المؤتمر الإسلامي لعم 1931 تشير إلي حجم الضرر الذي تلحقه هكذا قيادات بأعدل القضايا!
بلغ العمل الوطني ذروته خلال سني الثورة الكبرى 1936-1939، لكنه راح يتراجع خلال سنوات الحرب العالمية الثانية 1939-1945. بل إن بعض القيادات راحت تتعاون مع سلطة الانتداب لضرب المقاومة الوطنية التي تصدت لحمل أعباء الثورة الكبرى، فقد أنشئت [فصائل السلام] لضرب الثورة من الداخل! وزاد الأمر سوءاً الصراعات العائلية والمناطقية والشخصية وإحجام المثقفين عن الالتحاق بالثورة.
سعت بريطانيا إلى تدويل القضية بإحالتها إلى الأمم المتحدة،وقادت هذه الخطوة لصدور قرار التقسيم رقم 181 عام 1947، وقد نص على تدويل القدس.وكما كانت القدس موضوعاًً للخطط والمقترحات السياسية؛ فإنها كانت ميداناً للمواجهة العسكرية بين العرب واليهود، وفي القدس وجوارها دارت أهم المعارك، وفيها ومن حولها تمركزت معظم' قوات الجهاد المقدس' بقيادة عبد القادر الحسيني. وقوات جيش الإنقاذ، وفي كل الأحوال كانت هذه القوات من المتطوعين تفتقر لأسس التنظيم والإعداد والتجهيز، في حين توفرت للعصابات اليهودية كل مقومات التفوق في العدد والعدة و التخطيط. ولعل معارك القسطل [9 نيسان 1948] ودير ياسين [10 نيسان 1948] تكشف عن حجم الاستهداف العسكري الصهيوني للمدينة.
جاء قرار الدول العربية بالتدخل العسكري، وأنيطت مسؤولية منطقة القدس بالجيش العربي الأردني، وانتشرت القوات الأردنية في مواقع شتى من المدينة، وخاضت معارك بطولية في الشيخ جراح وباب العمود واللطرون. وتمكن الجيش العربي من السيطرة على الحي اليهودي في 28 أيار بعد تكبيد الصهاينة خسائر فادحة.
ثم ظهرت إدارة عسكرية إسرائيلية في الجزء الغربي من المدينة في حين تشكلت إدارة عسكرية أردنية في جزئها الشرقي، ثم جاءت وحدة الضفتين فألغيت الإدارة العسكرية الأردنية، وظهرت إدارة مدينة أردنية، وعقدت اتفاقيات الهدنة النهائية بين العرب وإسرائيل. وتوزعت القدس بعد الحرب فكان نصيب الإدارة الأردنية 11.48%، والاحتلال الإسرائيلي 84.12% ، والأرض المحايدة 4.4%.