هنوف السلطان
26-11-2004, 09:47 AM
مقالة أدبية رائعة ومكتملة الأركان يطرحها لنا الدكتور والاستاذ الفاضل / ابراهيم القهوايجي
شعرية القص واستراتيجية الكتابة
قراءة في " الكلام بحضرة مولانا الإمام"
تفاجئنا أضمومة علي الوكيلي القصصية الأولى بقدرتها على رسم لوحات متكاملة تعبر عن قسوة فترة تاريخية مغربية
/عربية ، وهذه اللوحات / القصص بالغة الوضوح، وكثيرة العمق والدلالات ، إذ تستحيل رؤى مكثفة تحفل بموضوعة السلطة ، بما هي تاريخ عربي، أبدع مجموعة من الانكسارات الممتدة ، التي تتولد عنها سلط أخرى أشد وقعا على الإنسان العربي، كل ذلك يقدم عبر محاكاة ساخرة لأشكال تراثية ، قائمة على جمالية التوتر والتنسيب والتعدد والتجريب.. ، وهذه قراءة من بين قراءات محتملة قد تسمح بها نصوص هذه المجموعة القصصية لما تكتنزه من عمق رؤيوي وإيحائية ثخينة ..
العتبـــات النصـية :
تسعفنا قراءة العتبات في استجلاء طبيعة النصوص وفك شفراتها ، ومن بين مجموع العتبات نتناول : العنوان وأيقونة صورة الغلاف.
1-عتبة العنوان :
بما أن العنوان يمثل دليلا لتمييز نص عن آخر، ويفتح أفق القارئ على كون أدبي معين ، محفزا إياه على مضي الاطلاع عليه قصد إشباع توقعاته الجمالية ، فإن عنوان :" الكلام بحضرة مولانا الإمام" قد يسعفنا في استجلاء بعض الاحتمالات التي تتداعى ترةيبيا لتشكل مركبا اسميا مضمر الخبر ، المتعلق بالجار والمجرور،) بحضرة (، ليغدو عنوانا غير تام إلا بتقدير احتمال الخبر: واقع أو كائن ، المتعلق بالجار والمجرور: " الكلام واقع أو كائن بحضرة مولانا الإمام" ، ومن تم يكون الإسناد في هذا المركب بين " الكلام" باعتباره تحققا وبين " مولانا" باعتباره مستقبلا أو باثا له، وهذه النسبة تفيد الحصر والقيد والتحديد عبر عنصر الإضافة بين " حضرة " و" مولانا"، وبين " نا" و" الإمام" ، مما يجعل المراد من "مولانا " محددا محصورا في مجال أضيق هو مجال السلطة السياسية ، وبالتالي لم يترك المجال- تركيبيا- لكثرة الاحتمالات الذهنية التي يمكن تواردها، خصوصا وأن لفظة " الإمام" وردت معرفة تحقيقا للتعريف والتخصيص ، وبخصوص الاحتمالات المحتملة لهذا العنوان يمكن النظر إليها من خلال وحداته المعجمية كالتالي:
-الكلام : هو ما " تركب من كلمتين أو أكثر ، و له معنى مفيد مستقل" / المعنى النحوي.
- ما يرادف الجملة أو النص أو الخطاب/ اللسانيات .
- قد يقصد به مجازا القص أو الإخبار، ولعل هذا المنحى هو المراد من العنوان نظرا لقوة تعريفه ب"أل" التي تخصصه عما سبق .
-بحضرة : الباء للجر ، تفيد الدلالة المكانية ، ولفظة حضرة تعني لغويا الدلالة المكانية المرتبطة بطقوس معينة عادة ما تتجاوز المألوف، وبمشهد شخص يحوز رتبة قيمية مميزة في سلم القيم الاجتماعي ، ولعلها الإحالة المتوقعة من هذه الوحدة المعجمية ، لأنها مرتبطة بشخص الزعيم /الإمام/السلطان.
-مولانا : هذه العلامة اللغوية لها دلالة مقدسة في الثقافة العربية الإسلامية ، حيث تحيل إما إحالة دينية متعلقة بالإله أ و الرسول أ و الولي الصالح، .. أ و إحالة سياسية مرتبطة بالخليفة أ و الأمير أو السلطان ... ولعل ما يعضد هذا ، علاقة هذه اللفظة بلفظة أخرى هي :
-الامام : فتعريف هذه العلامة نحويا يفيدها التخصيص ،الذي يقصي تداعياتها الدلالية السالفة لتعلن ، ربطا بباقي الوحدات المتعالقة معها في سياق العنوان، احتفاءها بالفاعل السلطوي: الزعيم = السلطان.
وعليه، فان وحدات العنوان تحيل على فكرة السلطة السياسية ، وأهم عنصر في مقوماتها السميائية هو إحالتها على رجل السلطة، الذي ينجز بمحضره كلام، لن يخرج بأي شكل من الأشكال عن تدبير علاقة الحاكم بالمحكوم، وإذا ما ربطنا هذه الإمكانات التأويلية التي يقترحها علينا العنوان بالتحققات النصية والمتخيل القصصي العام في المجموعة، سيتأكد بالملموس ما ذهبنا إليه، لكون موضوعة السلطة تؤثث نسيجها النصي . ويمكن الإشارة إلى أن عنوان هذه المجموعة ، هو نفسه ،عنوان القصة الرابعة بها، ولعل الكاتب لجأ إلى هذا الإجراء احتفاء بمكانة، ونضج هذا النص، أو تقديرا لشهرته ودرجة مقروئيته ، خصوصا وأنه نشر سابقا بمجلة "الناقد" .
2 -عتبة أيقونة صورة الغلاف :
تعد الأيقونة – حسب بيرس – علامة تمتلك الخصائص التي تجعلها دالة ، لذلك قصد القاص علي الوكيلي إلى إ نجاز أيقونة صورة الغلاف بنفسه ، وهي صورة لجملة من الشموع ، عددها ستة، تكبر تدريجيا لتضيء نفسها ، فيزداد توهجها ، وتنمو أحجامها ، وبربط هذه الإشارات بمتن المجموعة نلفيها تعادل قصصها الممتدة في تجربة صاحبها القصصية من الكمون إلى التحقق ، ومن البداية إلى النضج ، على مستوى البناء والتركيب واللغة والتفاعل النصي.. ، ولاشك أن كل ذلك يوحي بنوع من التفاوت في تحقيق التراكم الكمي والنوعي لدى كاتبها ، وهو ما يعكس تفاوتا في وعي المجتمع المغربي – العربي بمتغيراته الإبداعية والفنية ، وكأن احتراق تلك الشموع ، إشارة إلى الاحتراق والأ لم والمجاهدة القاسية المرتبطة بذاتية المبدع في علاقته بين وجوده الخاص وبين ما هو تاريخي ، وقد توحي أيضا ببحثه عن هويته " القصصية " ، والتي لن تحقق إلا بالاحتراق والمعاناة الذاتيين ، من خلال الحفر في ذاكرة مفعمة بالاحتراقات و الانكسارات ، وتاريخ ماض ، مليء بالظلم ، أو كأن تلك الشموع إحالة على ذلك البعد المعرفي الثاوي في ثنايا النصوص المصوغة قصصيا من أجل إضاءة العوالم المعتمة عبر ومضات سريعة ومكثفة ، تعبر عن مواقف كاتبها بحثا عن تدرج في نور الحقيقة ،أو هي شهادة على واقع مافتىء ينيخ بتداعياته الممضة على إنسان هذه الفترة.
موضــوعة السلطــة :
تتعاضد قصص المجموعة ، وتتكامل لبلورة رؤيا تتسم بالتعدد والتموج والانسجام في نفس الآن ، لذلك يحتار القارئ في اختيار التيمة موضوع الدراسة ، ولقد أثارت انتباهي ، وأنا أقرؤها، موضوعة السلطة.
تضم المجموعة عشرة نصوص تهجس جميعها بما تشكله السلطة في تعدد مدلولاتها،
والسلطة ليس المقصود منها السياسية فقط ، بل هناك سلط متعددة وكثيرة في المجتمع ليس بمفهومها الدستوري ، فالأسرة سلطة ، والمدرسة سلطة ، والعادة سلطة، والرأي العام سلطة ، إضافة إلى سلط رمزية أخرى . [. وما يفتك بإنسانية الإنسان في الواقع ، وبالرغم من أن قصص المجموعة تقدم هجاء قاسيا وساخرا لما يهشم قيم الحق والخير والجمال ، فإنها لا تقول ذلك على نحو واحد ، بل تعيد صوغه بما يوفر لها من خصائص فنية من جهة ، وبما يدخلها في تفاعلات تناصية مع أشكال أدبية كالمقامة والسيرة ، ودينية كالقرآن الكريم ، وتاريخية ، وأسطورية من جهة أخرى.
ومن بين القصص التي تشتغل على تيمة السلطة السياسية ، بامتياز، باعتبارها بنية مهيمنة : "الكلام بحضرة مولانا الإمام " ص 25 ،" مباشر " ص 35 ، "القائد الباسل" ص 55 ،" قصة معاوية " ص 36 .. ، فهذه القصص تكشف ".. عن ترهل الزمن المغربي وضمنه الزمن العربي العام في إحباطاته السياسية المميضة، حيث الصراع التراجيدي بين الحاكم والمحكوم " ، وهو ما تجسده بوضوح قصة " الكلام بحضرة مولانا الإمام " ، التي سميت المجموعة باسمها، حيث تحكي عن" خبر وباء خطير يهدد قبيلة " بني مغضوب " الصحراوية ، التي تشد الرحال الى عاصمة" الفاتك بالله" طلبا " لرد الضر على أعقابه". يقضون أياما في أبواب الحجابة يتعلمون شكليات البروتوكول . وتنتهي رحلتهم بسقوط الحاكم ميتا بصدمة انغلاق فهمهم وعقم بلاغتهم . فيوصي بإحراقهم ورمي رمادهم في البحر" )3( ، أما نص " مباشر" ، ونص" القائد الباسل" ، ونص" قصة معاوية" ، فتقدم لنا تلك الصورة الكاريزمية لشخص الحاكم العربي)**( ، الذي يقول عنه السارد في " مباشر" : " شعب يحب قائده إلى حد الإغماء والدوار ، قائد يعيد الحياة إلى فاقدها ، ويعلم الصبي في حجر أمه ، هذا شعبك يفنى فيك ، هذه هي الصوفية القحطانية، هذه هي الديمقراطية القحطانية ، تلامذة المدارس أضربوا اليوم عن الدراسة ، وجاؤوا ليتعلموا من القائد دروسا لن يتعلموها في الصفوف ،... الشعب يعبر عن حبه لقائده بحرية بدون قمع" ص37 . إنها تراجيديا العلاقة بين الحاكم العربي وشعبه التي تصل حد القداسة للطرف الأول ، وتجعل الطرف الثاني لا ينشغل ".. بزيادة في الأجور ولا بحرب ضد البطالة ولا بشيء من هذه الهموم التافهة " ص 38، إنها مفارقة الديمقراطية القحطانية التي تترجح بين " تأليه" و" تقديس" الحاكم ، وما يستلزمه ذلك من تقوية وتأمين الأمن الداخلي ، وبين إنتاجها القهر والكبت والإرهاب الممنهج على الشعب، ولننصت الى ما ورد على لسان السارد في " قصة معاوية" : " أيها الأعراب ، لو يقول بعضكم إن هذا فعل المجوس لأملأن جوفه صديدا وأطوفن به البلاد حتى يكون عبرة للجاهلين " ص63 ، لذلك تتأزم تلك العلاقة ، يقول السارد في قصة" مباشر" : " .. ترددت في البداية ، لأنني أكره آ ل السلطة ، أتجنبهم جهد المستطاع ، حتى لو تعلق الأمر بحق من الحقوق ، ليس لأنني أخاف منهم ولكن لأنني لا أحتمل نظرة الاحتقار التي ترافق سلوكهم ، أنا أتجنب المقدم المتلصص ، فكيف بي ألتقي بالقائد الممتاز؟" ص65 “ .
هكذا تمارس الكتابة القصصية الوكيلية صرختها في وجه التاريخ القمعي لمجتمعنا، وتدمن على عشق الحرية ، ومن تم قدمت نصوصها قراءة حقيقية للوا قع ، معيدة بناءه من منظور المتخيل القصصي ، فكانت " أداة معرفة ونقد تساهم في زعزعة التمركز الإيديولوجي للطبقات السائدة التي حرصت على الإيهام بالوحدة العقائدية والطبقية والأيديولوجية ")4( ، وكشفت حقيقة السلطة نفسها التي لا تعدو أن تكون سوى مخلوق "التيتن"/" ميدوزا"/ الأسطورة،) تلك المرأة ذات الوجه البشع، والأنياب الخضراء، والشعر الذي كله أفاعي ، عندما تنظر إلى أي كان تحوله الى حجر، وفي ظهرها كنانة سهام تصيب بها من يحاول الفرار(، لذلك تقصد المجموعة التأكيد على أن السلطة هي السلطة في كل زمكان ، وليس على المرء إلا أن يحذر الوقوع في حبالها ، وأن عليه أن يتحلى بالمعرفة المقترنة بالحكمة ، التي هي وحدها القادرة على كشف الحقيقة من الوهم ، وكشف التعسف والظلم ، وهذا ما يتمظهر في الملفوظ التالي : " وحين أدخلوني عليه ، وجدت نفسي في ساحة فسيحة ، مثل ملعب مغطى ، مكتب دائري، أماكن للاستراحة، ديكورات خضراء ومكتبة مثقلة بالكتب والمجلدات ، قلت في نفسي ما عساه يقرأ؟ ثم تراجعت وقلت الحمد لله ،إنه يقرأ، هناك طريقة للتفاهم مع من يقرأ.." ص56 / قصة " القائد الباسل" (3).
وتدخل قصص المجموعة في قارة شاسعة من النصوص الغائبة، مقيمة معها تعلقا نصيا وتناصيا عبر المحاكاة الساخرة والتحويل الفني البارع ، وهكذا تحاور قصص" المقامة السطاتية"،"الكلام بحضرة مولانا الكلام" شكل المقامة والسيرة ، بينما تتفاعل " قصة معاوية " ، " قصة الوعد" مع القرآن الكريم ، في حين تتعالق قصة" الحاجة ميدوزا"،" ساعة القيامة" ،" مقتل الحسين " مع الأسطورة والتاريخ ، وتتناص قصة"مباشر " مع الخبر/التعليق الصحفي . وفي توازي أشكال هذه النصوص مع السلطة في علاقاتها الجدلية مع الواقع الخارجي ، تشكل وسيلة لتعرية عناصر الفساد والإفساد ، وفضح تآكل وتدني الواقع السياسي الطحلبى على كل المستويات ، حيث ينجح القاص في أن ينقل لنا قبح المحتوى إلى جمال الشكل ، ومما يزيد جمالية وشعرية القص رونقا حوار القصص الضمني بين القصصي الخيالي ، التسجيلي المحيل على الواقعي ، بين الواقعي والتاريخي ، بين التاريخي والأسطوري ، بين الأسطوري و الرمزي ، بين المشاهد والمتذكر، وبين الخيالي والمعيش ، ليتحول هذا التوليف المتعدد تحويلا سيميوطيقيا يحدث انزياحا دلاليا في دلالات الأشياء والأمكنة وعلاقة الزمن بالحدث أو اللقطة باللحظة، خاصة وأن هذا الكون القصصي مبني على التنوع اللغوي ، بما فيه من تباين وتناقض وصراع . وتبقى المسارات التأويلية لتيمة السلطة المتعددة التي كانت تجتذب شخوص المجموعة ، رهينة بتحديد جملة السلط الأخرى التي تنكتب في النسيج النصي ، مثل سلطة العادة في " الموعد المغشوش"، وسلطة الدين في " الحاجة ميدوزا".. وسلط أخرى .. لتظل السلطة تلك الجرثومة المتناسلة عبر كل الحقول .
السخريـــة والتنــاص :
1 - السخريــــة :
تشتغل المجموعة على حركية التشخيص والمزج ، باعتبارها صممت على أساس تنضيد خطابات متجاورة ، تعكس البعد الفكري الذي يؤثث فضاءاتها، ورغم طابع التعدد اللغوي ، وتعدد الأصوات المشتغلة في إطار تلك الخطابات ، يمكن الإنصات فيها الى الصوت الإيديولوجي العميق عن طريق وسيلتين متكاملتين : الأولى ، هي تقنية تعرية التناقض، والثانية تقنية السخرية : فمن خلال الأولى ، ندرك التباين العميق بين الوجه والقناع ، الوهم والواقع : قصص "الحاجة ميدوزا"،" ساعة القيامة"،"الكلام بحضرة مولانا الامام"،"مباشر" ، " الموعد المغشوش" ،" القائد الباسل"..، وهذا ما يحدد المسافة بين السارد والأحداث ، ويقدح ، بالتالي ، شرارة السخرية القائمة على الهدم والبناء : هدم القيم السائدة التي أدت الى فواجع تجاوزت حدود الإنساني ، ودخلت عالم الأسطورة : " الحاجة ميدوزا" و"مباشر"، لتصير نتيجة لذلك موضوعا للتقديس ، وفي ذلك إشارة ونقد لذهنية ألفت دفء الخضوع لسلطة المقدس السياسي والديني ..
وخطاب السخرية في المجموعة يمتح من مميزات الكتابة الجاحظية ، باعتبارها توظف بويطيقا التناقض أو الازدواج -بتعبير عبد الفتاح كيليطو - لأنها تروم الإضحاك غير البريء ، وتنسيب القيم ، ولنلاحظ هذه العبارات كيف يتحدث الكاتب فيها عن الشيء ونقيضه : سعد بن مكذوب ، جلال الدين اللحاس، السلطان القاتل بالله ، ما أ قدس رجسك،القرد الفلاحي ، هذا التوليف بين الوحدات المعجمية الدالة على التعارض بين جملة من الثنائيات ينطلق فيها الكاتب من استراتيجية الكتابة القصصية المراهنة على أن تكون أفقا للتعدد ، وفضاء للجدل بين المألوف والغريب ، بين الجدي والهزلي ، يقول الجاحظ :" اللفظ الهجين الرديء ، والمستكره الغبي ، أعلق باللسان ، وآلف للسمع ، وأشد التحاما بالقلب من اللفظ النبيه الشريف ، والمعنى الرفيع )5(، ولعل هذا هو ما يؤسس لرؤية فكرية مفادها جعل السخرية أداة لمقاومة هموم الحياة اليومية بما هي سلط تجثم على رقابنا أينما حللنا وارتحلنا، إذ تقوم السخرية معجميا في نصوص المجموعة على مستويين : الأول يرتبط بألفاظ مقرونة بألقاب محيلة على قيم منحطة : سعد بن مكذوب ، الحاجة ميدوزا ، صريح بن مخزي ، القرد الفلاحي ، قرية "عنق الجمل"..، والثاني يتخذ من تسمية الحاكم موضوعا للتشخيص البار ودي ، حيث التوليف بين المقدس والمدنس ، الجدي والهزلي : السلطان القاتل بالله ، الحاجب جلال الدين اللحاس ، الديمقراطية القحطانية ،... ولعل السخرية تعبر عن ذلك الانقسام الذي يحسه أبطال القصص، وهم يواجهون تحديات الواقع ، فلا يجدون مندوحة من مقاومته غير السخرية التي تغدو ، في جل الاحوا ل ، سلاحا يحصنهم ضد عنف العالم وغرابته .
وتلعب السخرية داخل النصوص وظيفة سردية تخدم من خلالها السرد ، وتنميه بإحداث التوتر المؤثر في تنظيم الحبكة وتطويرها ، ولعل أبرز نموذج لذلك نص"الكلام بحضرة مولانا الامام" ، أضف الى ذلك الوظيفة التكرارية الفنية التي تتمظهر من خلال تصوير عالم غريب ، وواقع مرعب وتافه، لا وجود حقيقي له خارج اللغة، والشواهد كثيرة منها قصتي :"الحاجة ميدوزا " و"القائد الباسل" ، هذا ، علاوة على الوظيفة الواقعية ، التي تضفي على النصوص المسحة الواقعية بالرغم من توسل الكاتب بأدوات فنية تبدو غير واقعية كما في قصة"الموعد المغشوش".
وتتاخم بلاغة السخرية، في المجموعة ، بعض مظاهر الفونطاستيك ، حيث كثرة تداول مفردات وعبارات تفيد معنى الغرابة ، إما تصريحا أو تلميحا : القائد الباسل، القرد الفلاحي ..، ويتخذ البعد العجائبي وسائط التشخيص مثل إحياء الجماد واستنطاقه:" تجمد حول شفتيه حتى اللعاب الخارج من فمه" ص13- 14 ، وتقنية التشويه الذي قوامه عدم الملاءمة بين العمل ومحله :" ساكون قربك يا رائحة الثعالب والجيف .." ص29 ، وغالبا ما يتمفصل المسخ مع التحول والتشويه ، بفعل القهر: القرد الفلاحي .. ، فتفقد الأشياء والشخصيات طبيعتها الأولى : القرض الفلاحي ، لتصاب بمسخ يحولها إلى أشياء وكائنات غريبة أو تافهة . هكذا تمتطي الكتابة القصصية صهوة الإضحاك ، الذي" يمكن أن يكون عنصر توازن لا عنصر اختلال وحسب ، ومادة فرح لا مادة ألم وحسب" ، ومن هنا تبدو الفكاهة فوضى ، لكنها غير عدمية ولا تؤدي الى العدمية ، وهي لا تؤكد العبث ، بل السخرية ، ولا الهدم ، بل الطهارة . إنها تخبئ حنينا عميقا إلى الشفاء من مرض العالم ، وتخبئ حلما بنظام آخر للأ شياء والكائنات.
تابع
شعرية القص واستراتيجية الكتابة
قراءة في " الكلام بحضرة مولانا الإمام"
تفاجئنا أضمومة علي الوكيلي القصصية الأولى بقدرتها على رسم لوحات متكاملة تعبر عن قسوة فترة تاريخية مغربية
/عربية ، وهذه اللوحات / القصص بالغة الوضوح، وكثيرة العمق والدلالات ، إذ تستحيل رؤى مكثفة تحفل بموضوعة السلطة ، بما هي تاريخ عربي، أبدع مجموعة من الانكسارات الممتدة ، التي تتولد عنها سلط أخرى أشد وقعا على الإنسان العربي، كل ذلك يقدم عبر محاكاة ساخرة لأشكال تراثية ، قائمة على جمالية التوتر والتنسيب والتعدد والتجريب.. ، وهذه قراءة من بين قراءات محتملة قد تسمح بها نصوص هذه المجموعة القصصية لما تكتنزه من عمق رؤيوي وإيحائية ثخينة ..
العتبـــات النصـية :
تسعفنا قراءة العتبات في استجلاء طبيعة النصوص وفك شفراتها ، ومن بين مجموع العتبات نتناول : العنوان وأيقونة صورة الغلاف.
1-عتبة العنوان :
بما أن العنوان يمثل دليلا لتمييز نص عن آخر، ويفتح أفق القارئ على كون أدبي معين ، محفزا إياه على مضي الاطلاع عليه قصد إشباع توقعاته الجمالية ، فإن عنوان :" الكلام بحضرة مولانا الإمام" قد يسعفنا في استجلاء بعض الاحتمالات التي تتداعى ترةيبيا لتشكل مركبا اسميا مضمر الخبر ، المتعلق بالجار والمجرور،) بحضرة (، ليغدو عنوانا غير تام إلا بتقدير احتمال الخبر: واقع أو كائن ، المتعلق بالجار والمجرور: " الكلام واقع أو كائن بحضرة مولانا الإمام" ، ومن تم يكون الإسناد في هذا المركب بين " الكلام" باعتباره تحققا وبين " مولانا" باعتباره مستقبلا أو باثا له، وهذه النسبة تفيد الحصر والقيد والتحديد عبر عنصر الإضافة بين " حضرة " و" مولانا"، وبين " نا" و" الإمام" ، مما يجعل المراد من "مولانا " محددا محصورا في مجال أضيق هو مجال السلطة السياسية ، وبالتالي لم يترك المجال- تركيبيا- لكثرة الاحتمالات الذهنية التي يمكن تواردها، خصوصا وأن لفظة " الإمام" وردت معرفة تحقيقا للتعريف والتخصيص ، وبخصوص الاحتمالات المحتملة لهذا العنوان يمكن النظر إليها من خلال وحداته المعجمية كالتالي:
-الكلام : هو ما " تركب من كلمتين أو أكثر ، و له معنى مفيد مستقل" / المعنى النحوي.
- ما يرادف الجملة أو النص أو الخطاب/ اللسانيات .
- قد يقصد به مجازا القص أو الإخبار، ولعل هذا المنحى هو المراد من العنوان نظرا لقوة تعريفه ب"أل" التي تخصصه عما سبق .
-بحضرة : الباء للجر ، تفيد الدلالة المكانية ، ولفظة حضرة تعني لغويا الدلالة المكانية المرتبطة بطقوس معينة عادة ما تتجاوز المألوف، وبمشهد شخص يحوز رتبة قيمية مميزة في سلم القيم الاجتماعي ، ولعلها الإحالة المتوقعة من هذه الوحدة المعجمية ، لأنها مرتبطة بشخص الزعيم /الإمام/السلطان.
-مولانا : هذه العلامة اللغوية لها دلالة مقدسة في الثقافة العربية الإسلامية ، حيث تحيل إما إحالة دينية متعلقة بالإله أ و الرسول أ و الولي الصالح، .. أ و إحالة سياسية مرتبطة بالخليفة أ و الأمير أو السلطان ... ولعل ما يعضد هذا ، علاقة هذه اللفظة بلفظة أخرى هي :
-الامام : فتعريف هذه العلامة نحويا يفيدها التخصيص ،الذي يقصي تداعياتها الدلالية السالفة لتعلن ، ربطا بباقي الوحدات المتعالقة معها في سياق العنوان، احتفاءها بالفاعل السلطوي: الزعيم = السلطان.
وعليه، فان وحدات العنوان تحيل على فكرة السلطة السياسية ، وأهم عنصر في مقوماتها السميائية هو إحالتها على رجل السلطة، الذي ينجز بمحضره كلام، لن يخرج بأي شكل من الأشكال عن تدبير علاقة الحاكم بالمحكوم، وإذا ما ربطنا هذه الإمكانات التأويلية التي يقترحها علينا العنوان بالتحققات النصية والمتخيل القصصي العام في المجموعة، سيتأكد بالملموس ما ذهبنا إليه، لكون موضوعة السلطة تؤثث نسيجها النصي . ويمكن الإشارة إلى أن عنوان هذه المجموعة ، هو نفسه ،عنوان القصة الرابعة بها، ولعل الكاتب لجأ إلى هذا الإجراء احتفاء بمكانة، ونضج هذا النص، أو تقديرا لشهرته ودرجة مقروئيته ، خصوصا وأنه نشر سابقا بمجلة "الناقد" .
2 -عتبة أيقونة صورة الغلاف :
تعد الأيقونة – حسب بيرس – علامة تمتلك الخصائص التي تجعلها دالة ، لذلك قصد القاص علي الوكيلي إلى إ نجاز أيقونة صورة الغلاف بنفسه ، وهي صورة لجملة من الشموع ، عددها ستة، تكبر تدريجيا لتضيء نفسها ، فيزداد توهجها ، وتنمو أحجامها ، وبربط هذه الإشارات بمتن المجموعة نلفيها تعادل قصصها الممتدة في تجربة صاحبها القصصية من الكمون إلى التحقق ، ومن البداية إلى النضج ، على مستوى البناء والتركيب واللغة والتفاعل النصي.. ، ولاشك أن كل ذلك يوحي بنوع من التفاوت في تحقيق التراكم الكمي والنوعي لدى كاتبها ، وهو ما يعكس تفاوتا في وعي المجتمع المغربي – العربي بمتغيراته الإبداعية والفنية ، وكأن احتراق تلك الشموع ، إشارة إلى الاحتراق والأ لم والمجاهدة القاسية المرتبطة بذاتية المبدع في علاقته بين وجوده الخاص وبين ما هو تاريخي ، وقد توحي أيضا ببحثه عن هويته " القصصية " ، والتي لن تحقق إلا بالاحتراق والمعاناة الذاتيين ، من خلال الحفر في ذاكرة مفعمة بالاحتراقات و الانكسارات ، وتاريخ ماض ، مليء بالظلم ، أو كأن تلك الشموع إحالة على ذلك البعد المعرفي الثاوي في ثنايا النصوص المصوغة قصصيا من أجل إضاءة العوالم المعتمة عبر ومضات سريعة ومكثفة ، تعبر عن مواقف كاتبها بحثا عن تدرج في نور الحقيقة ،أو هي شهادة على واقع مافتىء ينيخ بتداعياته الممضة على إنسان هذه الفترة.
موضــوعة السلطــة :
تتعاضد قصص المجموعة ، وتتكامل لبلورة رؤيا تتسم بالتعدد والتموج والانسجام في نفس الآن ، لذلك يحتار القارئ في اختيار التيمة موضوع الدراسة ، ولقد أثارت انتباهي ، وأنا أقرؤها، موضوعة السلطة.
تضم المجموعة عشرة نصوص تهجس جميعها بما تشكله السلطة في تعدد مدلولاتها،
والسلطة ليس المقصود منها السياسية فقط ، بل هناك سلط متعددة وكثيرة في المجتمع ليس بمفهومها الدستوري ، فالأسرة سلطة ، والمدرسة سلطة ، والعادة سلطة، والرأي العام سلطة ، إضافة إلى سلط رمزية أخرى . [. وما يفتك بإنسانية الإنسان في الواقع ، وبالرغم من أن قصص المجموعة تقدم هجاء قاسيا وساخرا لما يهشم قيم الحق والخير والجمال ، فإنها لا تقول ذلك على نحو واحد ، بل تعيد صوغه بما يوفر لها من خصائص فنية من جهة ، وبما يدخلها في تفاعلات تناصية مع أشكال أدبية كالمقامة والسيرة ، ودينية كالقرآن الكريم ، وتاريخية ، وأسطورية من جهة أخرى.
ومن بين القصص التي تشتغل على تيمة السلطة السياسية ، بامتياز، باعتبارها بنية مهيمنة : "الكلام بحضرة مولانا الإمام " ص 25 ،" مباشر " ص 35 ، "القائد الباسل" ص 55 ،" قصة معاوية " ص 36 .. ، فهذه القصص تكشف ".. عن ترهل الزمن المغربي وضمنه الزمن العربي العام في إحباطاته السياسية المميضة، حيث الصراع التراجيدي بين الحاكم والمحكوم " ، وهو ما تجسده بوضوح قصة " الكلام بحضرة مولانا الإمام " ، التي سميت المجموعة باسمها، حيث تحكي عن" خبر وباء خطير يهدد قبيلة " بني مغضوب " الصحراوية ، التي تشد الرحال الى عاصمة" الفاتك بالله" طلبا " لرد الضر على أعقابه". يقضون أياما في أبواب الحجابة يتعلمون شكليات البروتوكول . وتنتهي رحلتهم بسقوط الحاكم ميتا بصدمة انغلاق فهمهم وعقم بلاغتهم . فيوصي بإحراقهم ورمي رمادهم في البحر" )3( ، أما نص " مباشر" ، ونص" القائد الباسل" ، ونص" قصة معاوية" ، فتقدم لنا تلك الصورة الكاريزمية لشخص الحاكم العربي)**( ، الذي يقول عنه السارد في " مباشر" : " شعب يحب قائده إلى حد الإغماء والدوار ، قائد يعيد الحياة إلى فاقدها ، ويعلم الصبي في حجر أمه ، هذا شعبك يفنى فيك ، هذه هي الصوفية القحطانية، هذه هي الديمقراطية القحطانية ، تلامذة المدارس أضربوا اليوم عن الدراسة ، وجاؤوا ليتعلموا من القائد دروسا لن يتعلموها في الصفوف ،... الشعب يعبر عن حبه لقائده بحرية بدون قمع" ص37 . إنها تراجيديا العلاقة بين الحاكم العربي وشعبه التي تصل حد القداسة للطرف الأول ، وتجعل الطرف الثاني لا ينشغل ".. بزيادة في الأجور ولا بحرب ضد البطالة ولا بشيء من هذه الهموم التافهة " ص 38، إنها مفارقة الديمقراطية القحطانية التي تترجح بين " تأليه" و" تقديس" الحاكم ، وما يستلزمه ذلك من تقوية وتأمين الأمن الداخلي ، وبين إنتاجها القهر والكبت والإرهاب الممنهج على الشعب، ولننصت الى ما ورد على لسان السارد في " قصة معاوية" : " أيها الأعراب ، لو يقول بعضكم إن هذا فعل المجوس لأملأن جوفه صديدا وأطوفن به البلاد حتى يكون عبرة للجاهلين " ص63 ، لذلك تتأزم تلك العلاقة ، يقول السارد في قصة" مباشر" : " .. ترددت في البداية ، لأنني أكره آ ل السلطة ، أتجنبهم جهد المستطاع ، حتى لو تعلق الأمر بحق من الحقوق ، ليس لأنني أخاف منهم ولكن لأنني لا أحتمل نظرة الاحتقار التي ترافق سلوكهم ، أنا أتجنب المقدم المتلصص ، فكيف بي ألتقي بالقائد الممتاز؟" ص65 “ .
هكذا تمارس الكتابة القصصية الوكيلية صرختها في وجه التاريخ القمعي لمجتمعنا، وتدمن على عشق الحرية ، ومن تم قدمت نصوصها قراءة حقيقية للوا قع ، معيدة بناءه من منظور المتخيل القصصي ، فكانت " أداة معرفة ونقد تساهم في زعزعة التمركز الإيديولوجي للطبقات السائدة التي حرصت على الإيهام بالوحدة العقائدية والطبقية والأيديولوجية ")4( ، وكشفت حقيقة السلطة نفسها التي لا تعدو أن تكون سوى مخلوق "التيتن"/" ميدوزا"/ الأسطورة،) تلك المرأة ذات الوجه البشع، والأنياب الخضراء، والشعر الذي كله أفاعي ، عندما تنظر إلى أي كان تحوله الى حجر، وفي ظهرها كنانة سهام تصيب بها من يحاول الفرار(، لذلك تقصد المجموعة التأكيد على أن السلطة هي السلطة في كل زمكان ، وليس على المرء إلا أن يحذر الوقوع في حبالها ، وأن عليه أن يتحلى بالمعرفة المقترنة بالحكمة ، التي هي وحدها القادرة على كشف الحقيقة من الوهم ، وكشف التعسف والظلم ، وهذا ما يتمظهر في الملفوظ التالي : " وحين أدخلوني عليه ، وجدت نفسي في ساحة فسيحة ، مثل ملعب مغطى ، مكتب دائري، أماكن للاستراحة، ديكورات خضراء ومكتبة مثقلة بالكتب والمجلدات ، قلت في نفسي ما عساه يقرأ؟ ثم تراجعت وقلت الحمد لله ،إنه يقرأ، هناك طريقة للتفاهم مع من يقرأ.." ص56 / قصة " القائد الباسل" (3).
وتدخل قصص المجموعة في قارة شاسعة من النصوص الغائبة، مقيمة معها تعلقا نصيا وتناصيا عبر المحاكاة الساخرة والتحويل الفني البارع ، وهكذا تحاور قصص" المقامة السطاتية"،"الكلام بحضرة مولانا الكلام" شكل المقامة والسيرة ، بينما تتفاعل " قصة معاوية " ، " قصة الوعد" مع القرآن الكريم ، في حين تتعالق قصة" الحاجة ميدوزا"،" ساعة القيامة" ،" مقتل الحسين " مع الأسطورة والتاريخ ، وتتناص قصة"مباشر " مع الخبر/التعليق الصحفي . وفي توازي أشكال هذه النصوص مع السلطة في علاقاتها الجدلية مع الواقع الخارجي ، تشكل وسيلة لتعرية عناصر الفساد والإفساد ، وفضح تآكل وتدني الواقع السياسي الطحلبى على كل المستويات ، حيث ينجح القاص في أن ينقل لنا قبح المحتوى إلى جمال الشكل ، ومما يزيد جمالية وشعرية القص رونقا حوار القصص الضمني بين القصصي الخيالي ، التسجيلي المحيل على الواقعي ، بين الواقعي والتاريخي ، بين التاريخي والأسطوري ، بين الأسطوري و الرمزي ، بين المشاهد والمتذكر، وبين الخيالي والمعيش ، ليتحول هذا التوليف المتعدد تحويلا سيميوطيقيا يحدث انزياحا دلاليا في دلالات الأشياء والأمكنة وعلاقة الزمن بالحدث أو اللقطة باللحظة، خاصة وأن هذا الكون القصصي مبني على التنوع اللغوي ، بما فيه من تباين وتناقض وصراع . وتبقى المسارات التأويلية لتيمة السلطة المتعددة التي كانت تجتذب شخوص المجموعة ، رهينة بتحديد جملة السلط الأخرى التي تنكتب في النسيج النصي ، مثل سلطة العادة في " الموعد المغشوش"، وسلطة الدين في " الحاجة ميدوزا".. وسلط أخرى .. لتظل السلطة تلك الجرثومة المتناسلة عبر كل الحقول .
السخريـــة والتنــاص :
1 - السخريــــة :
تشتغل المجموعة على حركية التشخيص والمزج ، باعتبارها صممت على أساس تنضيد خطابات متجاورة ، تعكس البعد الفكري الذي يؤثث فضاءاتها، ورغم طابع التعدد اللغوي ، وتعدد الأصوات المشتغلة في إطار تلك الخطابات ، يمكن الإنصات فيها الى الصوت الإيديولوجي العميق عن طريق وسيلتين متكاملتين : الأولى ، هي تقنية تعرية التناقض، والثانية تقنية السخرية : فمن خلال الأولى ، ندرك التباين العميق بين الوجه والقناع ، الوهم والواقع : قصص "الحاجة ميدوزا"،" ساعة القيامة"،"الكلام بحضرة مولانا الامام"،"مباشر" ، " الموعد المغشوش" ،" القائد الباسل"..، وهذا ما يحدد المسافة بين السارد والأحداث ، ويقدح ، بالتالي ، شرارة السخرية القائمة على الهدم والبناء : هدم القيم السائدة التي أدت الى فواجع تجاوزت حدود الإنساني ، ودخلت عالم الأسطورة : " الحاجة ميدوزا" و"مباشر"، لتصير نتيجة لذلك موضوعا للتقديس ، وفي ذلك إشارة ونقد لذهنية ألفت دفء الخضوع لسلطة المقدس السياسي والديني ..
وخطاب السخرية في المجموعة يمتح من مميزات الكتابة الجاحظية ، باعتبارها توظف بويطيقا التناقض أو الازدواج -بتعبير عبد الفتاح كيليطو - لأنها تروم الإضحاك غير البريء ، وتنسيب القيم ، ولنلاحظ هذه العبارات كيف يتحدث الكاتب فيها عن الشيء ونقيضه : سعد بن مكذوب ، جلال الدين اللحاس، السلطان القاتل بالله ، ما أ قدس رجسك،القرد الفلاحي ، هذا التوليف بين الوحدات المعجمية الدالة على التعارض بين جملة من الثنائيات ينطلق فيها الكاتب من استراتيجية الكتابة القصصية المراهنة على أن تكون أفقا للتعدد ، وفضاء للجدل بين المألوف والغريب ، بين الجدي والهزلي ، يقول الجاحظ :" اللفظ الهجين الرديء ، والمستكره الغبي ، أعلق باللسان ، وآلف للسمع ، وأشد التحاما بالقلب من اللفظ النبيه الشريف ، والمعنى الرفيع )5(، ولعل هذا هو ما يؤسس لرؤية فكرية مفادها جعل السخرية أداة لمقاومة هموم الحياة اليومية بما هي سلط تجثم على رقابنا أينما حللنا وارتحلنا، إذ تقوم السخرية معجميا في نصوص المجموعة على مستويين : الأول يرتبط بألفاظ مقرونة بألقاب محيلة على قيم منحطة : سعد بن مكذوب ، الحاجة ميدوزا ، صريح بن مخزي ، القرد الفلاحي ، قرية "عنق الجمل"..، والثاني يتخذ من تسمية الحاكم موضوعا للتشخيص البار ودي ، حيث التوليف بين المقدس والمدنس ، الجدي والهزلي : السلطان القاتل بالله ، الحاجب جلال الدين اللحاس ، الديمقراطية القحطانية ،... ولعل السخرية تعبر عن ذلك الانقسام الذي يحسه أبطال القصص، وهم يواجهون تحديات الواقع ، فلا يجدون مندوحة من مقاومته غير السخرية التي تغدو ، في جل الاحوا ل ، سلاحا يحصنهم ضد عنف العالم وغرابته .
وتلعب السخرية داخل النصوص وظيفة سردية تخدم من خلالها السرد ، وتنميه بإحداث التوتر المؤثر في تنظيم الحبكة وتطويرها ، ولعل أبرز نموذج لذلك نص"الكلام بحضرة مولانا الامام" ، أضف الى ذلك الوظيفة التكرارية الفنية التي تتمظهر من خلال تصوير عالم غريب ، وواقع مرعب وتافه، لا وجود حقيقي له خارج اللغة، والشواهد كثيرة منها قصتي :"الحاجة ميدوزا " و"القائد الباسل" ، هذا ، علاوة على الوظيفة الواقعية ، التي تضفي على النصوص المسحة الواقعية بالرغم من توسل الكاتب بأدوات فنية تبدو غير واقعية كما في قصة"الموعد المغشوش".
وتتاخم بلاغة السخرية، في المجموعة ، بعض مظاهر الفونطاستيك ، حيث كثرة تداول مفردات وعبارات تفيد معنى الغرابة ، إما تصريحا أو تلميحا : القائد الباسل، القرد الفلاحي ..، ويتخذ البعد العجائبي وسائط التشخيص مثل إحياء الجماد واستنطاقه:" تجمد حول شفتيه حتى اللعاب الخارج من فمه" ص13- 14 ، وتقنية التشويه الذي قوامه عدم الملاءمة بين العمل ومحله :" ساكون قربك يا رائحة الثعالب والجيف .." ص29 ، وغالبا ما يتمفصل المسخ مع التحول والتشويه ، بفعل القهر: القرد الفلاحي .. ، فتفقد الأشياء والشخصيات طبيعتها الأولى : القرض الفلاحي ، لتصاب بمسخ يحولها إلى أشياء وكائنات غريبة أو تافهة . هكذا تمتطي الكتابة القصصية صهوة الإضحاك ، الذي" يمكن أن يكون عنصر توازن لا عنصر اختلال وحسب ، ومادة فرح لا مادة ألم وحسب" ، ومن هنا تبدو الفكاهة فوضى ، لكنها غير عدمية ولا تؤدي الى العدمية ، وهي لا تؤكد العبث ، بل السخرية ، ولا الهدم ، بل الطهارة . إنها تخبئ حنينا عميقا إلى الشفاء من مرض العالم ، وتخبئ حلما بنظام آخر للأ شياء والكائنات.
تابع