المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عندما اقتربتُ من الموت


المتئد
17-11-2005, 05:37 PM
هناك .. من بين البراري ، برزت الرياض ، بلدي ، وإن كانت جزءاً منها ، ولم تختلف عنها إلا في المباني ، وبخطوط السير المُعبَّدة .
أردتُ أن استشعرَ فرحتي بوطني ، وأنا أُحلِّقُ فوق أجوائه . وأنا الذي لم أره من ستةِ أيّامٍ تماماً ، غير أنَّ هذه الستة قد تجمَّلت بيوم عيد الفطر المبارك ، والذي توسّطها ، وهو لا يكونُ في أوجِ بهجته إلا في مسقطِ رأس من يعتاده ، وما كان أمرُ السفرِ والابتعاد في هذه المرة إلا خياراُ مِلْتُ إليه ورغبتُهُ ، وأحببتُ أن أخوضه . فلا بُدّ من التجربة . فلأجلِ أن تعرفَ مدى قيمةُ الشيء أيّاً كان ؛ لابد أن تتذوّق مرارةُ فقده . وهكذا فعلت !.

لم يَفْرُق بيني وبين صاحبي في الطائرة ؛ إلا ممرُّها الضيّق الذي لا يتجاوز النصف متراً .
كانت ملامحُ التعبِ والإرهاقِ وقلّة النومِ باديةٌ على وجوهنا ، بخلاف أجسادنا ، فقد تشرَّبت منهم ، وتسرّبوا منها .
حينما بدأت الطائرةُ تنزل تدريجيَّاً استعداداً للهبوط في المطار ، بدأت خيالاتنا ترسم الصورَ التي ترى بأنها ستحدث بعد أن تحطَّ أقدامنا على الأرض .
بدت المباني تداعبُ برؤوسها أخمصُ طائرتنا ، إلا أنّنا وبُعَيْد لحظاتٍ من ذلك ، بدأنا نفقد اتزاننا ، ولم نعد ندري شيئاً ، وكأنّنا في ملهىً لألعاب المراهقين ، غير أنَّ الحقَ في أنّنا بملهىً تلعبُ بأرواحنا .
فبعد أن كُنّا على شفا ملامسةِ المدرّج ، إذا بنا نصعدُ فُجائيّاً بشكلٍ يوحي بأنّنا سنموت جوّاً .
لا أحد سيتصور ما فعله الصعودُ بنا ، فكأنّ ريحاً بها نسمات خانقة تجري من أسفل منّا إلى حدِّ أعناقنا ، فنغُصُّ بها عند ابتلاع جزءٍ يسير من ريقنا .
وما زاد على ذلك أنَّ الطائرة فقدت اتزانها فعلاُ في الجوّ ، على أنّها ستأخذُ دورةً كاملة . وما أطولها وأشقّها وأمرّها من دورة .
فالجناحُ الأيسر الذي كنتُ أشاهدهُ ؛ كان يتمايل ميلاً يوحي بالذعر ؛ هذا عدى ميلان الطائرة بنا !
أُصِبْتُ بدوارٍ في رأسي ، فأحسستُ بأنّي قريبٌ من الإغماء الذي كان يصافحُ الموتَ في تلك الثوان . أصابَ الرُكَّابَ الذعرُ ، ثم إنّي أحسستُ بتصلُّبٍ استقرَّ في عضلات صدري ، وكأنّهُ يمهِّدُ للارتقاء ؛ هذا لأنّه طموح . وما زاد من طموحاته إحدى نزواتُ الطائرةُ بنا !
نعم ، كانت هي لحظات الموت . فصاحبي بدأت عيناهُ باتساعٍ لم أشهدهُ في حياتي معه ، وكأنّ حدقتيه ِقد ضاقت بهما ؛ هذا ما شاهدته . حتّى أنّي لم أجبه عندما سألني بفزعٍ ما الذي يجري ؟. غير أننا وبلا وعيٍ أمسكنا بأيدي بعض خشيةً مما قد اقترب حقّاً .
كان من الطبيعي أن يُترجمَ ذعرُ الناسِ بالصياح ، عدى أنّ طبيعة الصمتِ الذي يخفي ما وراءه ما عَظُمَ كان أقوى وأقرب !
أذكرُ أنّ خلفي مباشرة في المقعد ؛ عروسٌ أتت بثياب زفافها ، لتُزف إلى عريسها الذي سيستقبلها في المطار ، بيد أنّ الموتَ ما كان أقلُّ كرماُ ولا أشدُّ وفاءً ، ولا أظهرُ لتباشيرِ الفرحِ والاستقبال من زوجها ، فوضعت كفها على وجهها بانتظار الأقرب منهما ، فكلاهما مصيرٌ بالنسبةِ لها !
وللحقيقة كان هناك ما يدعوني للحنق والاستئناس ممتزجين ؛ وهو أنْ كان بجانبي مقعدين ارتمى بهما زوجين طاعنين في السن . لم يفلحا بتعليمٍ اكاديمي ، بل بخبرةٍ حياتيّة نُحِتَتْ في تجاعيد وجهيهما . أظنُّ أنّهما الوحيدان اللذان لا يعلمان بما يجري . فملامحهما تكاد تكون باردةً أقربُ إلى النعاسِ منها إلى الملل . وما دلَّني على ما توسَّمتُهُ فيهما قبلاً ؛ أنّهما سألاني أثناء الرحلة ، عمَّا إذا كانت الطائرة تطير أم لا ؟
فهما لأوَّلِ مرةٍ يركبان هذا الشيء ، وما زالا يعتقدان بوقوفه !

حينما كانت الطائرةُ تهبط هذه المرّة ، لم يكن هبوطها تدريجيّاً ، بل هو سقوطٌ على الأصح . بدأ الركّابُ في الإمساكِ بالمقاعد من هولِ ما يجري بنا ، والله لم أَعُدْ أدري ما أنا فاعل ، أخذتُ ألهجُ بالاستغفار . وهل لي أحدٌ غيره في هذه الأثناء ، والله ما تذكّرتُ إلا ربي حينها ، مُنجِّيني ومُنجِّ الناس أجمعين ، ثم إنّ ما دعاني للاستغفار أيةٌ كنتُ أذكرها ، وهي قوله سبحانه (( وما كنت معذبهم وأنت فيهم وما كنت معذبهم وهم يستغفرون ((.
أحسستُ بدعاءٍ مهموسٍ ممن حولي ، حتّى صاحبي ، تنبّأتُ أنّه يستغفرُ كما أفعل من السينات التي تتقاذف من بين شفتيه . مُسِحَتْ الأدعية من ذاكرتي ، والآيات ، فما ذكرتً إلا ما قلتُ ، وما التمع مجددّاً إلا دعاءٌ مأخوذٌ من أيةٍ قرآنيّة وهي قوله تعالى : (( أمّن يجيبُ المضطر إذا دعاه )) . أخذتُ أُردِّده باستمرار وباضطرابٍ يوازي اضطراب نبضات قلبي أوانها ، علمتُ أنّ الحياة التي نفرتُ منها أحايين ورغبتُ عنها بدافعٍ من كآبةٍ وكرب ، كانت أجمل من أن تُترك ، وألين عوداً مما نُحمِّلُها همَّاً ، وأذل من أن تبقى على حالٍ أبدا . فتشبّثتٌ بها ، وما خطر لي هو أنّها الآن بمنأىً عنّي ، وهي التي دائما ما كانت قريبةٌ مني حد الالتصاق ، فيالَهُ من حدثٍ أذلني لها ، وما استكثرته أنّني سأموتُ موتةً بشعة مشوهة ، وسأقذفُ من حالق ، فتمنيتُ موتةً أخرى أخفُّ وطأةً من هذه . وبينا أنا في خواطري هذه إذا بالطيّار يريد الهبوطَ أيّاً كان هذا الهبوط ، ولو كان على حساب أرواحنا ، فنزل بنا نزلةً اعتقدتُ أني أنظرُ إلى روحي وهي تُسلّم علّي فوق رأسي ، مودعةً إيّاي ، وبدأت ترتفع مرةً بعد أخرى إلى أن انتفضتُ في مكاني وقد ارتجّ علي بعد أن روّعني سقوطها المروعُ في جسدي . فعلمتُ أنّا وصلنا بحمد لله ، وما أصابنا إلا خيراً لم نعلمه بعد .

غيارى الراوي
17-11-2005, 06:34 PM
مساءاتك الورد المتئد ،،

إلى أيّ حدّ تمازجت لديك الأحاسيس في لحظة واحدة ابتعدت فيها
عن الوطن لـ يقترب منك شبح الموت !! ( و سلامتك )
هذا ما حدّثت نفسي به من خلال قراءتي لـ مقالك ،،،
إلىّ أيّ حدّ باتت صور الغرباء - من حولك - أليفة حين الخطر
جماعيّ يؤلف بين قلوب لم تكن لـ تتآلف لولاه !!
إلى أيّ حدّ ندرك حينها هشاشة الحياة !!
أشكرك كثيرا" المتئد ،،،






مودّتي و الورد .

محمد عبد الحفيظ القصاب
17-11-2005, 11:13 PM
الحمد لله على السلامة
أخي المتئد

بارك الله فيك

أمتعتنا من حيث الصدق في الألم

باللجوء إلى كاشف الغم


سلم يراعك وقلبك

تحياتي والمحبة

جليلة ماجد
19-11-2005, 02:32 PM
تمر لحظات الحياة قبل الموت كإضاءات سريعة بألف لون ..

و يخفق القلب حتى كاد أن يتوقف..

نعم أحسست ما كتبت،،،

ربما كوني اقتربت من الموت حد المعاناة ..
.
.
.


المتئد أيها الجميل ..

أشكرك على هذا البذخ ..

أسلوب رائع ووصف دقيق..

بوركت !!

أبو الطيب
19-11-2005, 03:15 PM
أخـي الـمـتـئـد،، أولاً الـحـمـد لله عـلـى سـلامـتـك، ونـجـاتـك مـن مـوت مـحـقـق،،

ثـانـيـاً، لـقـد أحـسـنـت فـي سـرد الـقـصـة، حـتـى أنـنـا عـشـنـا مـعـك مـن الـبـدايـة

إلـى الـنـهـايـة،،، ومـا نـجـاتـك إلا بـإذن الله تـعـالـى، لأن الأعـمـاربـيـده،، ولـم تـَحِـنْ

سـاعـة فـراق الـروح فـي ذلـك الـوقـت،، فـكـم مـن شـخـص أو طـفـل سـقـط مـن

الـطـابـق الـرابـع أو أكـثـر،، ولـم يـمـتْ،، لأن سـاعـة الـصـفـرلـم تـأت بـعـد،، وكـم

مـن شـخـص يـتـعـثـرويـسـقـط فـيـمـوت،، لأن سـاعـة الـصـفـرحـلـت.......

فـأعـود وأقـود حـمـدا لله عـلـى سـلامـتـك،، وشـكـراً عـلـى الـقـصـة الـقـيـمـة...

============== أبـوالـطـيـب ==============

المتئد
19-11-2005, 04:40 PM
مساءاتك الورد المتئد ،،

إلى أيّ حدّ تمازجت لديك الأحاسيس في لحظة واحدة ابتعدت فيها
عن الوطن لـ يقترب منك شبح الموت !! ( و سلامتك )
هذا ما حدّثت نفسي به من خلال قراءتي لـ مقالك ،،،
إلىّ أيّ حدّ باتت صور الغرباء - من حولك - أليفة حين الخطر
جماعيّ يؤلف بين قلوب لم تكن لـ تتآلف لولاه !!
إلى أيّ حدّ ندرك حينها هشاشة الحياة !!
أشكرك كثيرا" المتئد ،،،






مودّتي و الورد .


سالومي ..
هو كذلك الموت منصف حتى مع الأعداء
شكراً لحضورك .

المتئد
21-11-2005, 06:49 PM
الحمد لله على السلامة
أخي المتئد

بارك الله فيك

أمتعتنا من حيث الصدق في الألم

باللجوء إلى كاشف الغم


سلم يراعك وقلبك

تحياتي والمحبة


محمد عبدالحفيظ
وبكِ بارك الله
أشكرك لزيارتك .

فارس بلا جواد
22-11-2005, 09:00 AM
سيدي ........



........ الموت صعب لقاؤه ........ وأصعب منه مقدماته ........ المهولة

ننظر إلى السماء علنا نجد ......... قبس حياة يبقينا ..... أطول مدة

............ حكايتك سيدي ......... تلامسنا



تحيتي لك ........



فارس بلا جواد

المتئد
23-11-2005, 04:54 PM
تمر لحظات الحياة قبل الموت كإضاءات سريعة بألف لون ..

و يخفق القلب حتى كاد أن يتوقف..

نعم أحسست ما كتبت،،،

ربما كوني اقتربت من الموت حد المعاناة ..
.
.
.


المتئد أيها الجميل ..

أشكرك على هذا البذخ ..

أسلوب رائع ووصف دقيق..

بوركت !!



جليلة ماجد ..
أتمنى أن نتعظ ونعتبر فكلنا مخطىء ومذنب ، اسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا .
أشكركِ أخيتي على هذه الزيارة الطيبة .

المتئد
23-11-2005, 05:09 PM
أخـي الـمـتـئـد،، أولاً الـحـمـد لله عـلـى سـلامـتـك، ونـجـاتـك مـن مـوت مـحـقـق،،

ثـانـيـاً، لـقـد أحـسـنـت فـي سـرد الـقـصـة، حـتـى أنـنـا عـشـنـا مـعـك مـن الـبـدايـة

إلـى الـنـهـايـة،،، ومـا نـجـاتـك إلا بـإذن الله تـعـالـى، لأن الأعـمـاربـيـده،، ولـم تـَحِـنْ

سـاعـة فـراق الـروح فـي ذلـك الـوقـت،، فـكـم مـن شـخـص أو طـفـل سـقـط مـن

الـطـابـق الـرابـع أو أكـثـر،، ولـم يـمـتْ،، لأن سـاعـة الـصـفـرلـم تـأت بـعـد،، وكـم

مـن شـخـص يـتـعـثـرويـسـقـط فـيـمـوت،، لأن سـاعـة الـصـفـرحـلـت.......


فـأعـود وأقـود حـمـدا لله عـلـى سـلامـتـك،، وشـكـراً عـلـى الـقـصـة الـقـيـمـة...

============== أبـوالـطـيـب ==============


سلمك الله أبا الطيب
وما قلته هو عين الحق يا صاحبي
فجزاك الله خيراً .

المتئد
26-11-2005, 05:18 AM
سيدي ........



........ الموت صعب لقاؤه ........ وأصعب منه مقدماته ........ المهولة

ننظر إلى السماء علنا نجد ......... قبس حياة يبقينا ..... أطول مدة

............ حكايتك سيدي ......... تلامسنا



تحيتي لك ........



فارس بلا جواد




وشكري إليك أيها الفارس