المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تلخيص استعراضي لكتاب: (جوانب من الأدب والنقد عند الغرب) لــ: د. حسام الخطيب..


خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 02:28 PM
إلى يومنا لا نستطيع الإجماع على تعريف لكلمة (أدب)، تلك الكلمة التي رافقت مسيرة البشريّة منذ الأزل، وكانت نافذة نطلّ منها على عصور غابرة، فنعيشها بكلّ تفاصيلها اللاتي أبدعها أدباؤها حسيًّا ومعنويًّا.. وها هي اليوم تواصل حضورها في واقعنا، تارة تعكس أحواله، وتارة تحاول أن تشقّ طريقًا إلى فهمه وإدراكه، وتارة تعرض عنه لتخلق عالمـًا مختلفًا ينفتح على كلّ الاحتمالات، ويشرع دنياه مدّ الحلم والخيالات..
(الأدب) ذلك الذي لم يعرف القرار، كما لم يعرفه الإنسان، ولم يقنع إلا بحقيقة واحدة هي أنّ الثبات وهمٌ في حياة لم يرتض لها خالقها إلا التقلّب والتبدّل طلبًا للأصلح والأجدر والأفضل.. بحث دائب يضجّ بنتائج متواترة ومتغيّرة..
متكاملة حينًا..
ومتداخلة حينًا آخرًا..
وقد تكون متناقضة حينًا ثالثًا.. وتستمرّ المحاولات بين عثرة ومضاء.. إلى ما لا وصول، لأنّ الوصول قطعًا يعني النهاية..
ولا نهاية إلا الموت..!
/
\
/
بهذه المقدّمة الصغيرة التي تحاول-أيضًا- أن تفهم (الأدب)، أحببت أن أمهّد لملخّصٍ، أو ليكن نقاطًا استعراضيّة لكتاب قيّم، قرأته وخضت معه تجربة وصفيّة وتحليليّة تكشف للقارئ عن جوانب من الأدب والنقد في الغرب، يتتبّع مسيرته من التاريخ اليوناني القديم حتّى القرن العشرين في قراءة موجزة تقارب منجزًا شاسع الأطراف، ثرّ الإنتاج، متباين الملامح والأشكال..

وإنّ من يدرك (الأدب) ويقدّره حقّ قدره يعرف تمًامًا أنّه ليس بمعزلٍ –خصوصًا في عصرنا الحالي- عن تلك العولمة وما أسهمت فيه من ثورة فكرية وثقافية إن سلبًا وإن إيجابًا، وما دمنا جزءًا منها فإنّ الوعي بها لازم، ولا يكون إلا بالوقوف عليها في سياقها، وإنزالها موقعها لا باقتلاعها وصبغتها بتأويلاتٍ وقراءات مفتعلة.. وجافية.

عنوان هذا الكتاب: (جوانب من الأدب والنقد في الغرب)، تأليف: د. حسام الخطيب، ط4، دار الكتاب/دمشق، 1990-1991م.

وفي يلي تلخيص استعراضي لتلك الجوانب، وسأبدأ بالقسم الأوّل من الكتاب: جوانب من الأدب.
.
.
.
خالدة..

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 02:37 PM
العصور الأدبيّة الأوربيّة:

1) الأدب اليوناني/الإغريقي.
- العصر الحماسي (هوميروس).
- العصر الغنائي (سافو).
- العصر الذهبي (500-350 ق.م).
- العصر الهلليني أو الاسكندري (350- 100ق.م).

2) الأدب الروماني/اللاتيني:
- العصر البدائي.
- العصر الذهبي (100ق.م -14م).
- العصر الفضّي (14-177م).
- عصر الانحطاط (177-400م).
- الفترة المسيحيّة (400-500م).

3) أدب العصور الوسطى:
- العصور المظلمة (500-1000م).
- العصر الوسيط (1000-1500).

4) الأدب الحديث:
- عصر النهضة (1500- 1700م).
- الكلاسيكيّة/السلفيّة الجديدة (القرن الثامن عشر).
- الرومانسية/الابتداعيّة (الربع الثاني من التاسع عشر).
- الواقعية واتجاهات أدبيّة أخرى (تقريبًا من منتصف القرن التاسع عشر).
- الأدب الحديث ثمّ المعاصر (1850م – حتّى اليوم).

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 02:40 PM
أولاً: الأدب اليوناني:
يتجسّد الأدب اليوناني في أنواعه الثلاثة المشهورة: الأساطير والملاحم والتمثيليات، وقد شغلت الأساطير اليونان في مرحلة مبكّرة، وأعقبها مرحلة الملاحم التي تغنّى فيها اليونان ببطولاتهم القوميّة ومغامراتهم مع سكّان الأرض والآلهة كما يتّضح في الإلياذة والأوديسة، وبعدها استأثر باليونانيين المسرح، فاتجهوا للتمثيل متخذينه وسيلة للكشف عن مصير الإنسان، ومعالجة قضاياهم الفكرية والاجتماعيّة.
ç الخصائص الفنيّة البارزة في أدب اليونان:
1/ أنّه أدب إنساني اهتمّ بمعالجة مشكلات الإنسان مع غيره من الناس ومع الآلهة.
2/ أنّه اتّجه في معالجته اتّجاهًا نفسيًّا يحاول الكشف عن أسرار النفس وخباياها.
3/ أنّه اعتمد على عنصر الخيال، وخصوصًا التشخيص.
4/ اهتمّ بتناسق الأجزاء والانسجام.

** الأساطير:
الأساطير ظاهرة مشتركة عند الأمم في مراحل نموّها الأولى، وتدور الأساطير اليونانيّة حول ثلاثة أمور: الإنسان والطبيعة والآلهة، وتحاول أنّ تصوّر العلاقة بينها وما ينجم عنها من مشكلات، وتلجأ في النهاية إلى الحلول الميتافيزيقيّة الخياليّة لحلّها، ومن أمثلها: أسطورة نارسيس/النرجس، وأسطورة برومثيوس.

** الملاحم:
الملحمة هي قصيدة طويلة تحكي قصّة ومغامرة مليئة بالأساطير والمبالغات، وأشهر ملحمتين في الأدب اليوناني هما ملحمتا: الإلياذة والأوديسة لهوميروس.

** المسرحيّة:
تعود أسس المسرح الأوربي كلّها إلى المسرح اليوناني الذي كانت بداياته في الأعياد والاحتفالات الدينيّة، وكان يعتمد حينذاك على الرقص والتهريج والأقنعة، وما إن أتى القرن الخامس ق.م حتى كانت المسرحيّة قد قطعت شوطًا لا بأس به من التطوّر، وانتظمت في اتجاهين رئيسين: المأساة والملهاة، ومن قواعدهما الأساسيّة وجود الجوقة وهي فرقة من المنشدين تلازم العرض المسرحي، وتتولى التعريف بالشخصيات والتعليق على الأحداث، وإطلاق الحكم أو الآراء الفلسفيّة.

أ‌. المأساة:
تعالج المأساة الجانب الجدّي من الحياة، وتقوم فكرتها على أنّ الإنسان مهما علا شأنه فلا بدّ صائر إلى الإخفاق أو الهلاك، إمّا نتيجة تدخّل قوى خارجيّة أو نتيجة عوامل داخليّة نفسيّة كالشعور بالذنب أو الإثم، وأشهر كتّابها: اسخيليوس كاتب المسرحيّات الثلاث (برومثيوس حامل النار/ المصفّد/ الطليق) وسوفوكليس كاتب مسرحيّة (أوديب) و(أنتيغونا).

ب‌. الملهاة:
الملهاة تمثيليّة بأسلوب هجائي لاذع، أو سخرية مرحة، وهي تعالج نفس موضوعات المأساة بأسلوب مختلف، أشهر كتّابها: أريستوفان الذي كتب ملهاة (الغيوم) وفيها يسخر من سقراط وفلسفته.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 02:42 PM
ثانيًا: الأدب الروماني/ اللاتيني:
نشأت روما حوالي القرن السابع قبل الميلاد، وما لبثت جيوشها أن اكتسحت شمال أوربا وجنوبها وشرقها وغربها، وانعكس ذلك على الأدب فكانت لغة القوة هي اللغة المسيطرة على الأدب الروماني خلال تاريخهم الطويل الذي انتهى في القرن الخامس الميلادي.

لم يبتدع الرومان فنونًا أدبيّة جديدة، بل قلّدوا الأدب اليوناني وساروا على خطاه، ويظهر ذلك جليًّا في المسرح فإنّهم لم يخرجوا أبدًا على قوانين المسرح اليوناني.

وقد سادت النزعة الماديّة الحسيّة في العهد الروماني، فأفاضوا في وصف مشاهد الفجور والملذات، كما نزعوا إلى جمال الشكل، وكانت البلاغة عند الرومان فضيلة أخلاقيّة.

أشهر أدباء الرومان ظهروا في العصر الذهبي، وهم: فرجيل صاحب (الانياده) ملحمة اللاتين الكبرى، وأوفيد الذي أبدع في الشعر الأليجي، وهو نمط من الشعر الذاتي يتّبع نظامًا خاصًّا في صياغة القصيدة وبنائها وأوزانها.

>>> يتبع..

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 02:50 PM
ثالثًا: العصور الوسطى:
مع القرن الخامس الميلادي كانت المسيحيّة قد دوّت في أنحاء أوربا، ونجم عن ذلك تحكّم رجال الكنيسة بالفكر والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الأولى كانت السيطرة كاملة لرجال الدين فسمّي العصر بعصر آباء الكنيسة، وقد شهد هذا العصر حملات اضطهاد وملاحقات المارقين (الهراطقة) وتعذبيهم، فلم يشهد بذلك أيّ تطوّر فكري أو حضاري.

ثمّ مع حلول القرن الحادي عشر بدأت سحب الاضطهاد تنقشع تدريجيًّا وأتيح للأوربيين الاتصال بالأدب اليوناني القديم، وبالحضارة العربيّة في الأندلس، فساهم ذلك في كسر الطوق المفروض عليهم، واصطلح على إطلاق اسم العصر المدرسي على هذه المرحلة التي تنتهي بنهاية القرن الرابع عشر.

اهتمّ العصر المدرسي بإحياء الفلسفة، وشغل الناس بها وبأسئلتها وجدلها عن الإبداع، إلى أن جاء الإنكليزي وليام أوكام ليعلن نهاية العصر المدرسي معلنًا إخفاق محاولات الجمع بين الدين والعقل، وأن تطبيق المنطق يكشف عن تناقضات كبيرة في المسيحيّة، فعلينا أن ندع العقل جانبًا لنؤمن بالوحي والكتاب المقدّس.
أما المرحلة الثانية فشهدت بدء ظهور الآداب الأوروبيّة، واتّخذت التطورات اتجاهين رئيسين:
أ‌. الملاحم المسيحيّة.
نشأت الملاحم المسيحيّة في ظلّ الصدام بين الشرق والغرب، وأشهرها ملحمة رولاند.

ب‌. الشعر الغنائي (التروبادور).
برز في نهاية القرن الحادي عشر وبداية الثاني عشر في جنوب فرنسا، وكان نمطًا جديدًا من الشعر افتتن بالقوافي والموسيقى ممّا جعل الدارسين يميلون إلى القول بتأثّره بالموشحات الأندلسيّة.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 02:55 PM
رابعًا: الأدب الحديث:
- عصر النهضة:
يشمل عصر النهضة القرنين الخامس عشر والسادس عشر وجزءا من القرن السابع عشر على اختلاف ذلك بين الأقطار الأوروبيّة ما بين سابق ومتأخّر، وترتبط بحدثين أساسيين:

· سقوط القسطنطينيّة بيد محمد الفاتح، ممّا أعقبه هجرة العلماء وانتقال المخطوطات إلى أوروبا، وقد أسهموا في انبعاث الأدب الكلاسيكي.
· اختراع الطباعة بواسطة الأحرف المتحرّكة، ممّا أتاح مرونة الطباعة والقدرة على إنتاج نسخ كثيرة.
ومن العوامل التي مهّدت لها:
· نشأة الجامعات وانتقال التعليم إليها، وكان ذلك إيذانًا بتحرر العلم والفلسفة.
· حركات الإصلاح الديني التي أعلت من النزعة الفردية وبدأ الناس يرفضون وساطة الكنيسة بين الله والإنسان.
· اتّصال أوربا بالفكر اليوناني وأدبه.
· انحسار الإقطاعيّة وظهور المدن ونهضة الصناعة، فنشأ مجتمع برجوازي أوسع أفقًا من المجتمع الإقطاعي المتشبّث بالتقاليد.

وأهمّ الأنواع الأدبيّة التي نشأت في تلك الحقبة:
· الشعر الرعوي المتعلق بالنموذج الكلاسيكي، وقد تولّدت فيما بعد عنه الرواية العاطفية الريفيّة.
· استمرّت الملحمة وجاءت مزيجًا من الملحمة الكلاسيكيّة والرواية الخياليّة، ومن أشهر مؤلفيها: سبنسر.
· انتشر الشعر الغنائي مع تطور النزعة الفردية، واحتذى النموذج الكلاسيكي.
· المسرح الكلاسيكي المتأثّر بالمسرح اليوناني واللاتيني، ويعدّ شكسبير قفزة في المسرح الإنجليزي، حتى لا يكاد المتتبع يرى ظاهرة سواها.
· الرواية الخيالية ذات المغزى الفكري، ومنها رواية (دونكيشوت) لسرفانتس.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 02:58 PM
- القرن السابع عشر والثامن عشر (الكلاسيكية الجديدة):

شهد هذا العصر تطوّرات فكريّة عديدة كان لها كبير تأثير على الحركة الأدبيّة، ومنها:

· انقسام المسيحيّة إلى طوائف مختلفة أهمّها البرونستانتيّة، وكانت هذه ذات مفهوم ديني مرن اعترف بحريّة العقل.

· ارتفاع النزعة الإنسانيّة وانتشارها بين أوساط الفنانين والمثقفين، واتّخذت شعارًا: "أنا إنسان، وكلّ ما يتّصل بالإنسان ليس غريبًا عنّي"، وهذه النزعة بادرت إلى التحرر والانطلاق من أسر العرف والتقاليد، وبشّرت بحقّ الفرد في الاستقلال والاختيار، وإن كانت وقعت في تناقض مردّه أنّها التفّت حول التاريخ اليوناني والروماني وأضفت عليه هالة من المجد.

· استحواذ العقلانيّة على أفكار الطليعة المثقّفة نتيجة لتقدّم العلوم لا سيما الرياضيات والفيزياء، وقد رفضت العقلانيّة الإيمان بالخوارق والغيبيات، ووضعت الإنسان ضمن إطاره الطبيعي المحسوس، وأنّه هو المسؤول عن معايير الصواب والخطأ والخير والشر، فليست هذه المعايير منزّلة ولا ثابتة، وكانت تسير وفق مبدأ: الكون يكتشف بالتجربة لا بالتأمّل، ومن فلاسفة هذا العصر: ديكارت، صاحب المقولة المشهورة: أنا أفكّر.. إذن أنا موجود.

· ظهور اللبراليّة على يد جون لوك، التي أسهمت بآراء مهمّة في السياسة والتربية والفلسفة، وهي تقوم على أنّ أساس الدول: تعاقد اجتماعي بين الأفراد، وأنّ السلطة الأساسيّة من اختصاص ممثّلي الشعب.

· ظهور الفلسفة الوضعيّة وهي تطوّر للعقلانيّة، وهي تقوم على ما هو موضوع، ولا تتجاوزه إلى البحث عمّا يرافقه من حالات نفسيّة أو مشاعر، فأكدّت على التجربة الحسيّة في سبيل اكتشاف العالم وفهم ظواهره، ورائدها: دافيد هيوم.



وهذه التغيرات البارزة وغيرها ولّدت تغيرات وملامح أدبية عامة عرف بها هذا العصر، ومنها:
· سادت موجة من الكلاسيكية الجديدة خلال القرن السابع عشر، والجزء الأكبر من القرن الثامن عشر، وكانت الأقطار الأوربيّة كلها تسعى إلى بلوغ الروائع السلفيّة، ولم يكن هذا الانبعاث تقليدًا محضًا، وإنّما استوحى الطابع القديم وبثّ الروح التجديديّة فيه، ثمّ ما لبث أن انتهى به الأمر إلى التجمّد في تلك القوالب التي أصبحت غاية في ذاتها بعد أن كانت وسيلة.

· بدأ هذا العصر بالثورة الفرديّة، غيرها أنّها تدريجيًّا بدأت تحني هامتها للتوافق الفكري والاجتماعي العام، ففي المجال الأدبي مثلاً أخذت تلك الملاحظات الفكرية والنقديّة المتفرّقة تتحول إلى ما يشبه القواعد العامة للكتابة، ثمّ أصبحت هذه القواعد العامة إلزاميّة يراعيها الأدباء وإن تبرّم بعضهم منها.

· كانت اللغة في بداية هذا العصر متحرّرة من القواعد الصارمة، فكانت مرتعًا خصبًا للأدباء، ثمّ تقيّدت بنشوء المجامع اللغوية التي أخذت تحدد الصواب والخطأ في الاستعمال، وبدأت تظهر معها سلسلة الوصايا: قل.. ولا تقل!.

· من أهمّ التطورات الأدبيّة ظهور الرواية –لا سيما في بريطانيا- حيث ظهر روّاد الرواية الحديثة مثل: دانييل دوفو مؤلّف: (روبنسون كروزو)، ومع ظهور الرواية أخذ النثر يفرض نفسه على الساحة الأدبيّة.

· كانت فرنسا إبّان هذا العصر مركزًا للإشعاع الفكري والحضاري، وكان يطلق فيها على القسم الأوّل من هذا العصر اسم عصر (لويس الرابع عشر) ويعتبر من أعظم العصور التي شهدها التاريخ الفرنسي، وفي هذا العصر توفّر لفرنسا الحكم الملكي بعد القضاء على النظام الإقطاعي، فجرى توحيد الثقافة وتنظيمها تحت سيطرة القصر الملكي، وهكذا نشأت الكلاسيكية الجديدة في فرنسا في ظلّ الطبقة الحاكمة، وتوجّه إليها، وفرض الذوق الأرستقراطي نفسه على مختلف مجالات الأدب، وتمّ ذلك طبعًا على حساب الطبقات الكادحة.

· ظهر في هذا العصر طبقة من الأدباء الكبار الذين حاكوا النماذج السلفيّة بذكاء واصطفاء، مثل: راسين، وموليير، ولافونتين، وباسكال... وغيرهم

· كان الهدفان الرئيسان في فرنسا في عصر لويس الرابع الإيهام بالواقع، والصنعة الفنيّة، كما أصبحت الدعوة المباشرة للأخلاق سمة الإنتاج الفنّي المقبول اجتماعيًّا، فإن كان كتّاب القرن السابع عشر اكتفوا بالتوجيه غير المباشر، فإن كتّاب القرن الثامن عشر لبسوا ثياب الوعّاظ والمعلمين.

· شيئًا فشيئًا تطوّر مذهب الإيهام بالواقع، وارتفعت الدعوة تدريجيًّا إلى وجوب ملاءمة اللغة والأسلوب طابع العصر، فبدأت تنشأ جذور المذهب الواقعي.

· أخذت تدريجيًّا أيضًا تبرز مأساة الطبقة الوسطى، وبدأت تثور على افتراض أنّ الملوك والعظماء وحدهم أهل الأدب، وبرزت هذه التطورات في بريطانيا على وجه الخصوص.

· كذلك بدأ النقّاد في آخر هذا العصر ينتقدون الصرامة التي غلبت على الإنتاج الأدبي، ونادوا بأنّ الأدب الحقيقي ما يخرج من القلب لا العقل، فكان تمهيدًا لنشوء المذهب الرومانسي.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 03:02 PM
- القرن التاسع عشر-الربع الثاني (الحركة الرومانسيّة):
تشير الظواهر الأدبيّة في أواخر القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر إلى نشوء مذهبين متعارضين وهما الرومانسيّة والواقعيّة، وهذان المذهبان هما اللذان سيسيطران في الفترات اللاحقة على اختلاف فترة السيطرة وشكلها، وهما على اختلافهما يلتقيان في خروجهما على التزمّت الكلاسيكي، والتوجّه إلى مضمون الأدب وشكله معًا، تمرّدًا على التقليد الذي جمّد الأشكال بزعم محاكاة الروائع.

ويتميّز القرن التاسع عشر بتعدّد الاتجاهات الفكرية وتطورها، وفيه:
· ظهر الانقسام بين الاتجاهات الفكرية إلى يمين ويسار، تمثّل اليمين في الكنيسة والنزعات القوميّة المتطرّفة كالنازية والفاشيّة التي كانت تعتقد بالتفوق العرقي، والدكتاتوريّة، ومناهضة الاتجاه الإنساني؛ كما يمثّل اليمين عدد من المفكرين والفنانين الأرستقراطيين الذين فزعوا من الديموقراطية وتسلط الأكثريّة (الغوغائيّة). وتمثّل اليسار في الحركات الاشتراكيّة المختلفة التي تهدف إلى تمكين الديموقراطيّة، وأبرزها الشيوعيّة أشدّ الحركات اليساريّة قوّة وثوريّة.

· أخذت التيارات الفلسفية تتشعّب وتتعدّد ممّا يصعب معه إحصاؤها وتقنينها، ومن أسباب هذا التعدد: السرعة المتزايدة في وسائل الإنتاج الذي أدى إلى تغيير في التركيب الاجتماعي، انقسام الطبقة الوسطى إلى فئات متعددة وتضارب تلك الفئات، وزيادة الوعي بين العمّال والصناعيين، بروز القوميات التي أدّت إلى الانشقاق والتضارب، زوال هيمنة الفلسفة التقليدية المحصورة بالكنيسة أو الجامعات، فأصبحت الفلسفة مهمة فردية.

· انتشار اللبراليّة نتيجة للتشعب والتعدّد، وهي تقوم على مبدأ الحرية الفردية في التجارة والصناعة وبالقومية المعتدلة والديموقراطيّة والتردد على الكنسية، وقد أسهمت بهذا المفهوم الواسع إلى احتواء الاختلافات مما نتج عنه ازدهارًا كبيرًا في الانتاج الصناعي والزراعي، ونشاطًا قويًّا في الفكر والأدب.

· قيام الاتجاه الروحي معارضة للنزعة المادية التي سيطرت على جوانب الحياة المختلفة، وهو ينظر على أنّ الإنسان قوّة فعالة مؤثّرة لا مجرّد آلة لا حول لها ولا قوّة، وأنّ إدراك الحياة مطلب فوق مقدور العقل، والحدس هو الأداة الوحيدة الصالحة للنفاذ إلى باطن الوجود .

· استمرّت الفلسفة الوضعية في هذا العصر تصارع الفلسفات الأخرى، غير أنّها ما لبثت أن اتفقت معها على أن يكون الهدف الجامع هو البحث عن الحقيقة القائمة، دون الحاجة إلى فهم الجوهر المفترض.

· قيام الماركسيّة، وهي ذات أهميّة تفوق سائر الفلسفات المنتشرة هذا العصر، ذلك أنّها لم تكن مجرّد فلسفة فكريّة معزولة، بل كانت ثورة فكريّة واجتماعيّة هدمت كثيرًا من المعتقدات الراسخة، وغيرت مجرى حياة كثير من الناس، إضافة إلى أنّها انتشرت في العالم كله سواء الرأسمالي أو العالم الثالث، إضافة إلى كونها ذات رأي متماسك بخصوص مبادئها فيما يتعلق بالأدب والفنّ، فأسهمت في نشوء مذهب (الواقعيّة الاشتراكيّة).

· نشوء الفلسفة الوجوديّة التي -على اختلاف مدراسها- تصبّ اهتمامها على حقل الحياة الفرديّة ذاته، فالوجود الحقيقي هو العالم الباطني الخاص بكل إنسان.

وهذه الظروف المتداخلة والمتعاقبة سريعًا، لم يكن الأدب بمعزل عنها، وشهد بها في الربع الثاني من القرن التاسع عشر نشوء الحركة الرومانسيّة، وأبرز مقوّماتها:
· رفض القوانين والقواعد.
· الاهتمام بالشاذ وغير المألوف.
· مهاجمة الموضوعيّة لصالح الذاتيّة الانفعاليّة.
· العزوف عن اللغة المنمّقة لصالح لغة سهلة متحررة.
· الهزء من التهذيب الاجتماعي، والإقدام على معالجة موضوعات محرّمة، كالجنس مثلاً.

ومن أشهر شعرائها في هذا العصر: غوتة في ألمانيا، ولامرتين في فرنسا، ووردزورث في انكلترا، وإدغار ألان بو في أمريكا، وبوشكين في روسيا... وغيرهم.

وأبرز آثار الحركة الرومانسيّة:
· نهضة الشعر الغنائي بعدما خفّ صوته في عهد الكلاسيكيّة الجديدة، وكان ذلك وراء تفجير النزعة الذاتية الفردية.

· فهم الإنكليز الرومانسيّة على أنّها انعكاس لكلّ ما هو فطري وغير متكلّف في الإنسان والطبيعة، وتحرّر لا يحدّه حدّ في الخيال والتصوير، ومع ذلك فإنّ العامل الاجتماعي كان بارزًا فيها، فاستطاعت أن تلفت إلى معاناة الإنسان في ظلّ المجتمع الصناعي الجديد.

· امتازت الرومانسيّة الفرنسيّة بالسوداويّة والهروب والتعلّق الشديد بالطبيعة، بينما نزعت الرومانسيّة البريطانيّة إلى التفاؤل والمقاومة.

· لم تقتصر الحركة الرومانسيّة على الشعر بل نشطت معها الرواية العاطفية والتاريخيّة، منها روايات: جورج صاند، وولتر سكوت، وهيغو.

وهذا الاستعراض الموجز يكشف أنّ من أكبر الأخطاء التي يقع فيها دارسوا الأدب اعتبار الحركة الرومانسيّة مدرسة متكاملة يتعاون أدباؤها ضمن مفهوم محدّد للأدب، وإنّما هي اتّجاه ساد الأقطار الأوربيّة بتفاوت، ويجمعه موقف الرفض والاحتجاج أكثر ممّا يجمعه التمثّل بخصائص مشتركة.
>>> يتبع..

عبدالسلام حمزة
10-21-2010, 03:27 PM
رائع يا خالدة

سلمت الأيادي , على هذا الجهد النافع والمفيد

موضوع قمة في الروعة

شكرا ً على الاختيار المذوق

سلامي لك والتقدير .

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 06:25 PM
- منتصف القرن التاسع عشر (الواقعيّة):

يعتبر منتصف القرن التاسع عشر التاريخ التقريبي لنهاية الرومانسيّة في أوربا، على أنّ هذا التاريخ يختلف من قطر لقطر، ويختلف كذلك من فنّ لفنّ أدبي، فخلفتها الواقعيّة بأشكال مختلفة ومتباينة، وعمومًا فإنّ الاتجاه الرومانسي يعدّ آخر الاتجاهات الواسعة التي شملت أقطار أوربا، وبعده فإنّ كل قطر بدأ يفرض نفسه باتجاه خاصٍ به، أو على الأقلّ بطابعٍ معيّن يميّز ذلك الاتجاه فيه.

عوامل انتشار الواقعيّة:
· استقلال الأدباء خصوصًا في موارد معيشهم: مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها القرن التاسع عشر، أصبحت موارد الكتّاب ميسورة أكثر من ذي قبل، لا سيّما مع انتشار الصحافة والمسارح والجوائز التشجيعيّة، وكلّ ذلك يوفّر دخلاً جيّدًا للكاتب، وهذا الاستقلال المعيشي أدّى إلى استقلال فكري، فالتفت الكاتب إلى الجمهور والشعب يعبّر عن قضاياه ويحللها، فأصبح بذلك دور الكاتب أساسيًّا في المجتمعات الأوربيّة.

· اشتداد الصراع الطبقي نتيجة تطور الرأسماليّة التي تستغل الطبقة العاملة، وهذا الاستغلال بدأ –كماسبق- بالثورة الرومانسيّة، لكنّ الكتّاب ما لبثوا أن أدركوا أنّ الظلم الرأسمالي أعمق وأخطر من تواجهه ثورة انفعاليّة، ومن هنا ازداد الميول للاتجاه الواقعي.

· التقدّم العملي كان له دور فعّال في نشوء الواقعيّة، ذلك أنّ عدوى التجربة والتحليل والنظرة الموضوعيّة انتقلت إلى الأدب.

· انتشار الفلسفات الماديّة والوضعيّة، والانحسار النسبي للأفكار المثاليّة والروحانيّة، وكان للأفكار الشيوعيّة دور بارز في دفع الكتّاب ضدّ الظلم يتبنّي الاتجاه الواقعي، لاسيّما الواقعيّة الاشتراكيّة.

· وللوهلة الأولى قد يبدو غريبًا أن تتمخّض الرومانسيّة المتّصفة بالحلم والهرب والانفعال عن الاتجاه الواقعي، ولكن-كما ذكر- فإنّ كلا الاتجاهين نابعان من فكرة الرفض والنقد والاحتجاج؛ كما أنّ الموجة الرومانسيّة تمثّل طفولة الاحتجاج المتمثّل في العواطف والمشاعر، ثمّ ما لبث ذلك الاحتجاج أن تحول إلى وعي وموضوعيّة ومنطق.

ومفهوم الواقعيّة مفهوم غامض ومطّاط، فأحيانًا تعرض على أنّها موقف، أي: الاعتراف بالواقع الموضوعي، وتارة تعرض على أنّها منهج وأسلوب، وكثيرًا ما يتلاشى الفارق بين التعريفين.

وإذا اعتبرنا ميزة الواقعيّة في التعبير عن واقع، فإنّ الواقع ليس ذلك العالم الخارجي المنفصل عنّا، فذلك الشيء هو المادة، أما الواقع فهو مجموع العلاقات بين الذات والموضوع، فهو يعني الجدليّة القائمة بين الذاتيّة والموضوعيّة، وهذه الجدليّة هي التي تبرّر لنا اختلاف المذاهب الواقعيّة، ولولاها لكانت متقاربة أو متطابقة.

وأشهر الاتجاهات الواقعيّة هي:
· الواقعيّة الانتقاديّة: وهي التي يكون فيها الأديب انتقاديًّا من حيث الموقف، واقعيًّا من حيث الأسلوب، ويكون الموقف الانتقادي هذا اجتهاديًّا يعبّر عن وجهته الفرديّة تجاه المجتمع، وليس للواقعيّة شكلٌ محدّد، وإنّما هي خاضعة للتجريبيّة المستمرة، ومن أدبائها: فلوبير وديكنز وتولوستوي ودوستوفسكي، وغيرهم.

· الواقعيّة الطبيعيّة: وهي شكلٌ حاد من أشكال الواقعيّة تلتصق بالمادي والملموس التصاقًا مبالغًا فيه، وتحاول أن تطبّق المناهج العلميّة في التشريح والتحليل بمنتهى التفصيل والدقّة، ومن أشهر أدبائها: إميل زولا، الذي أطلق على هذا الاتجاه اسم الطبيعيّة ليميّزها عن ذلك الحشد من الحمقى ذو النوايا الطيّبة الذين يصفون كتاباتهم بالواقعيّة.

· الواقعيّة الاشتراكيّة: سمّاها بهذا الاسم مكسيم غوركي، وهذا المصطلح لاقى قبولاً واسعًا إلا أنّ دلالاته ظلّت مضطربة، وأطلقت على أعمال أدبيّة تتفاوت فيما بينها تفاوتًا شديدًا.

وأبرز آثار الواقعيّة:
· الرواية الواقعيّة: ظهرت الواقعيّة بأقوى صورها في الراوية التي حاولت أن تعكس الواقع بكل تفاصيله بموضوعيّة غير مشخّصة وبدقّة متناهية في التفاصيل، بخلاف الرواية الرومانسية الحالمة، وأهم كتّابها: بلزاك، وأشهر ما كتب (الكوميديا الإنسانيّة)، وفوبلير صاحب رواية (مدام بوفاري).

· القصّة القصيرة: درج الكتّاب فيها على إعطاء العناصر الأساسيّة للشخصيّة والموقف والحركة، والجمع بين المنطق والبساطة، وأشهرهم: دوموباسان، ومن قصصه: العقد، وصديق حميم، والخوف، وصديقان.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 06:28 PM
- اتجاهات أدبيّة أخرى في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر:

· ظهرت المدرسة البرناسيّة(الفن للفن) على يد لو كونت دوليل، كوبيه، وبرودون محاولة أن تتبنى المنهج العلمي في الشعر على نحو ما فعل الطبيعيون في الرواية، فأجمعوا على أنّ الشعر ينبغي له أن يهدف إلى كمال الشكل، وألا يبالي بالفائدة الاجتماعيّة أو الأخلاقيّة، وكره السهولة والمبالغة في الانفعال، وبالتالي أفسحت البرناسيّة لدخول الفلسفة إلى الشعر.

· كذلك ظهرت المدرسة الرمزيّة كرد فعل على التشبّث بالواقعيّة والموضوعيّة، وأكثر ما برزت في الشعر فدعت إلى استخدام الرموز للتعبير عن الأفكار والأحاسيس والانفعالات الغامضة الخفيّة التي يعتقد أنّها تستعصي على التعبير.

انطلقت الرمزيّة من مبدأ الفن للفن، وكان موقف الرمزيين هروبيًّا آثر الغموض والانزواء في مواجهة الصراعات المجتمعيّة، كما حرصوا على الموسيقى، وبذلوا جهدًا عاليًا لتوفير نغمٍ موسيقي عالٍ في قصائدهم؛ فالشعر الحقيقي عندهم الذي يتردد على المعنى والفكرة ولا يعبّر عنها بصراحة، وهو في ذلك يسحر الأذن بإيقاعه، وهذا ما دفع د. محمد مندور إلى القول بصعوبة ترجمة الشعر الرمزي لكونه يعتمد على موسيقى اللغة.

سحرت الرمزية أبناء هذا العصر في بدايتها، ثمّ تكشّفت في نهاية الامر عن ضآلة فكر وابتذال، ومن شعرائها: ادغار ألان بو الأمريكي، وريلكه الألماني، وبودلير الفرنسي، وغيرهم.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 06:31 PM
- الاتجاهات الأدبيّة في القرن العشرين:

اتّصفت السنوات الأولى من القرن العشرين بحدّة الاتجاهات القوميّة والوطنيّة وازدياد التنافس المحموم بين الدول الأوربيّة على التوسّع الاستعماري في آسيا وإفريقية، ممّا هيّأ لنشوب الحرب العالميّة الأولى (1914-1918م)، وقد نتجت عن هذه الحرب خسائر كبيرة ماديّة وبشريّة، كما أورثت أحقادًا وضغائن ما لبثت أن تأججت لتعلن عن الحرب العالميّة الثانية (1932م).

من أهمّ آثار الحرب العالميّة الاولى انتصار الشيوعيّة، وقيام الاتحاد السوفييتي تجسيدًا لها، وازدهار الولايات المتحدة الأمريكيّة وبروزها شريكًا منافسًا لأوربا، وجاءت الحرب العالميّة الثانية لتؤكّد النتائج العامة التي تمخضت عنها الحرب العالمية الأولى:

· تحوّل مركز القوة الرئيسيّة في العالم إلى خارج أوربا، فبرز الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية كقوتين جبارتين في العالم، وأصبحت دول أوربا في المرتبة الثانية.

· حدثت تغييرات في الخارطة الأوربيّة، أهمّها انقسام ألمانيا إلى شرقية وغربية.

· كان للحرب تأثيرها الكبير على حياة السكان، لأن الآلة الحربية طالت المناطق الزراعية والصناعيّة، وتسبب بخسائر في القوى البشرية.

· كانت الولايات المتحدّة الوحيدة التي سلمت من الغارات الجوية والتدمير الشامل، لذلك استطاعت بعد الحرب مباشرة أن تفرض سلطانها الاقتصادي والسياسي على أوربا، وأقطار كثيرة في العالم، وكان لذلك تأثيره السيء لأن أمريكا استندت على القوى المحافظة والرجعيّة، ودعمتها مقابل التنكيل بالحركات الإصلاحيّة والتحرريّة.

· وهذه الأحداث وغيرها من التقدّم السريع والابتكارات المتلاحقة في الناحية العلمية والفكرية جعلت هذا القرن عصر التنوّع والتعدّد الفكري والثقافي بشكل يصعب حصره وتحديده، إضافة إلى الأزمات التي تتعرض لها الرأسمالية، والمشاكل التي تتخبط فيها الشيوعيّة، وكلّ ذلك أضفى عليه التعقيد والتداخل.

ولعلّ ممّا استجدّ في العصر بروز نوع من الأدب عرف بالأدب المحلّي –خصوصًا في أمركيا-، وهذا الأدب يعتبر حلقة وصل بين الرومانسيّة والواقعيّة، والكاتب فيه يصف المناظر الطبيعية، والجغرافيا البشريّة، والعادات، والملابس، وطرائق السلوك، ...الخ، ودفع إليه تلاشي الفوارق المحليّة بسرعة مذهلة نتيجة المدنيّة والتحضّر، فدفعت الأديب المحلّي رغبة رومنسية إلى المحافظة على ذلك العصر الذهبي، حيث كان الناس يعيشون حياة هادئة بسيطة في أحضان الطبيعة، فهو يصوّر الحياة بأسلوب عاطفي يأسر الجمهور؛ والجدير بالذكر أنّ هؤلاء الكتّاب وإن كتبوا بروح محليّة إقليميّة، فإن الهدف الجامع لهم قومي عام.

كما شهد هذا العصر ازدهار الأدب الشعبي والفلكلور، والأدب الشفوي الذي تتناقله الألسن بكثير من المبالغات والتمنيق.

وقد تولّد عن ذلك الاتجاه الاجتماعي، وبرز بقوّة في الرواية –لاسيّما الأمريكيّة أيضًا-، فقد شهد هذا العصر نهضة الأدب الأمريكي، التي عاش فترة هدوء ورضى بعد الحرب العالمية الثانية، ثمّ تحوّل إلى تشكّك مردّه إلى القوة العسكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة للحكومة التي تمثّل المظهر الخارجي، بينما الأمريكيون أنفسهم يعيشون حالة من الضعف الداخلي والاضطراب والعجز، وتمثّل ذلك بوضوح رواية (التقط 22 Catch 22) لهيلر.

كذلك تطور الأدب الصحافي، وأصبحت الصحافة ذات شكل فنيّ واعٍ، وليس مجرّد أخبار تقريريّة، ممّا أضفى عليها الحيوية، خصوصًا عندما أصبح الصحفيون يخوضون التجربة ليكتبوا عنها، وتخلوا عن دور المراقب الخارجي.

وأسهم هذا العصر أيضًا عن قيام الحركة النسائيّة في الأدب، فبرزت عدّة أديبات قررن ألا يسمحن للرجال أن يحددوا لهنّ أدوارهنّ في الحياة، وقد نجم عن ذلك اتجاهان من الأدب النسائي: الأول أدب معقول حسّاس ذكي، يحمل نظرة جديدة إلى العلاقات الإنسانية، والثاني أدب مهووس بمعاداة الرجال.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 06:36 PM
- الأدب المعاصر والحداثة:

يتّسم الأدب المعاصر بالمذاهب الموقوتة، التي تختفي الواحدة بعد الأخرى في تجدّد سريع، وتعدّد هذه المذاهب يعدّ دليلاً على أنّ القلق أصبح الطابع العام والمنتشر، وعلى الرغم من استمرار الأدب التقليدي، إلا أنّ الأدب المعاصر في جلّه أخذ ينحو منحى التحرّر والتجديد، فنشأ ما عرف بعد ذلك بالحداثة، وأبرز خصائصها:

· النسبية والتحرر من القواعد، فليس من معيار قائم ولا حكم ثابت، وكلّ شيء نسبي ومتغيّر، فعلى الأديب أن يستعمل طريقته التعبيريّة ولغته الخاصة لينقل إلى الناس رؤية شخصية عن العالم، ولم يعد ذا شأن التفكير المصطنع في المبنى والمعنى، وإنّما في إيجاد وسيلة جديدة يعبّر من خلالها الأديب عن علاقة الإنسان المعاصر بالكون، ومن هنا نستطيع أن نفهم ظاهرة الشعر الحر التي تقوم على رفض النظام الخارجي التقليدي، واستطاعت أن تفرض نفسها على الشعر.

· الرفض والصدق: اتّسم الأدب المعاصر بالرفض المطلق لكلّ ما هو قائم اجتماعيًّا وسياسيًّا، وأصبح من علامات الجدّة الاستخفاف بالدساتير الأخلاقيّة، والمواضعات الاجتماعيّة والفنيّة أيضًا، وأصبح ينظر إلى مراعاة القواعد والقانون على أنّها رياء تنافي الصدق والأمانة الداخليّة، وهما الصفتان اللتان يعتزّ بهما الأديب المعاصر أيّما اعتزاز.

· الاهتمام باللاشعور وبالإنسان الداخلي، وهذا الاهتمام ليس جديدًا بل ظهر عند فرويد وأتباعه الذين أثّروا بتضافر مع العوامل الأدبيّة والفكريّة ليصبح الاهتمام باللاشعور سمة من سمات الأدب المعاصر، وتعدّ السرياليّة تجسديًا فنّيًا لذلك.

· الإشكاليّة والتركيز على المصير الإنساني: يتّصف الأدب المعاصر بالبلبلة والتوتّر والغموض، ونفتقد فيه ما عهدنا في آداب العصور السابقة من اطمئنان وأناقة ودقّة ووضوح، ويرجع السبب في ذلك أنّ الأدب المعاصر أدب إشكالي يريد أن يوقظ القارئ على المشكلات، ولا يزعم أنّه قادر على حلّها، فيما كانت المشكلات في العصور السابقة واضحة المعالم ويمكن مداولتها بحلول منطقيّة، ومن هنا تبرز الإشكالية وما يتبعها من غموض.

ولعلّ المدرسة الوجوديّة كانت أكبر معبّر عن إشكاليّة الأدب الحديث وإنسانيّته، إذ اهتمت بالإنسان ومسألة وجوده في هذا الكون، إلا أنّ الأدب الوجودي المعاصر لم يعالج هذه الإشكاليّة بالتأملات الغيبية، وإنّما تطرق لها ضمن واقع الإنسان الحي.

· الاغتراب الروحي: يشعر قارئ الأدب الحديث باستمرار أن هناك علاقة جوهريّة مفقودة بين الأديب والعالم، والمسألة تتجاوز الرفض إلى شيء أعمق يتمثّل في الاغتراب الروحي، الشعور بأنّ حياة الفنان لا تستقيم مع طبيعة الحياة القائمة في عصره، والأدباء المعاصرون إذ يدركون هذه الحقيقة، ويكتبون عنها يعممون تجربتهم ويعمّقونها فتكتسب نوعًا من الشموليّة، بحيث تأخذ طابع (نقد الحياة).
/
\
/
وبهذا انتهى استعراض القسم الأوّل من الكتاب، وسأستأنف قريبًا بإذن الله القسم الثاني الذي يستعرض جوانب من النقد.
تحيتي..
.
.
.
خالدة..

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-21-2010, 06:39 PM
رائع يا خالدة

سلمت الأيادي , على هذا الجهد النافع والمفيد

موضوع قمة في الروعة

شكرا ً على الاختيار المذوق

سلامي لك والتقدير .

حياك ربّي يا عبد السلام..
سعدتُ بحضورك..
كن بخير..
.
.
.
خالدة..

ايوب صابر
10-21-2010, 07:48 PM
هو لا شك جهد مشكور ومفيد جدا

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-23-2010, 03:35 PM
هو لا شك جهد مشكور ومفيد جدا
أهلاً بك أ. أيوب..
شكرًا لحضورك..
.
.
.
خالدة..

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-23-2010, 03:37 PM
القسم الثاني من الكتاب: النقد الأدبي في الغرب:

توقّف مؤلّف الكتاب في هذا القسم إزاء ستّة فصول/موضوعات كبرى، وتنهض بدءًا على محاولة تقديم المبادئ الأساسيّة التي توفّر لدارسي الأدب أرضيّة صلبة تعينهم على الانطلاق، فعرض لــــــ:
- الفصل الأوّل: في نظريّة الأدب وحدود النقد الأدبي، ويناقش فيه قضيّة التنظير للأدب والصراعات التي خاضتها بين الاتجاهات المختلفة، وارتباط النقد بالفنون والعلوم الأخرى.

- الفصل الثاني: الالتزام الأدبي واتجاهاته، وناقش فيها أشهر التزامين: الاشتراكي والوجودي.

- الفصل الثالث: الأصول السلفيّة للنقد الغربي-عند اليونان-.

ثمّ جاءت الفصول الثلاثة الأخيرة في ثلاث قضايا مهمّة لدارس النقد الحديث، لحضورها الراسخ في ميدانه، وهي:
- الفصل الرابع: المنهج النفسي في النقد (فرويد والأدب).

- الفصل الخامس: مفهوم المعادل الموضوعي في النقد.

- الفصل السادس: البنيوية والنقد الأدبي.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-23-2010, 03:41 PM
أولاً: في نظريّة الأدب:
يتعرّض الفلاسفة وعلماء الجمال والمنظرون الأدبيون منذ القديم حتى اليوم لنظريّة الأدب، ويحاول كلٌّ منهم أن يضع فهمًا معيّنًا للأدب انطلاقًا من الأيدولوجيّة والأفكار التي يدين بها.

وقد ظلّ البحث في نظريّة الأدب يرتكز دائمًا على سؤالين أساسيين، هما:
- ما طبيعة الأدب؟
- وما وظيفته؟
وهما سؤلان قديمان ضاربا الجذور في التاريخ، وما زالا حتّى الآن يستقطبان لالخلاف الدائر بين التيّارات الأدبيّة المعاصرة، والتركيز على المسألة الأولى (طبيعة الأدب) يقود إلى النظريّة الشكلية، فيما التركيز على الثانية (وظيفة الأدب) يقود إلى النظريّة الأخلاقيّة.

ولا يعني التركيز على أحدهما إمكانيّة الفصل بين وظيفة الأدب وطبيعته، وإن كان هذا النوع من الفصل غير الطبيعي موجودًا في الحالات المتطرّفة؛ وعمومًا فإنّ هذه المناقشات المنصبّة حول العلاقة بين الأدب ووظيفته لا تصل إلى أيّ نتيجة، ومن هنا يقوم البحث الحالي على تجاوز هذه المناقشات، وتناول الموضوع من خلال نظرة تاريخيّة واقعيّة.


فمثلاً يلاحظ المرء أن تركيز اليونان على وظيفة الأدب أقوى من تركيزهم على طبيعته، ممّا يشير إلى اتجاههم الأخلاقي في فهمه، وفي العصور الوسطى سيطرت المسيحيّة على كلّ مجالات الفكر فكان الأدب في خدمة الأخلاقيّة المسيحيّة.


بينما نجد الموقف الإسلامي موقف إدانة واضحة للشعراء، لكن هذه الإدانة تضمّنت استثناء شعراء المؤمنين، ومع ذلك فقد مال أكثر نقّاد العرب إلى إعفاء الأدب من الالتزامات الأخلاقيّة، ومال تركيزهم على الناحية الشكلية –البلاغية خصوصًا-.


ç أسس النظريّة الأخلاقيّة:
كانت النظريّة الأخلاقيّة سابقةً للنظريّة الشكليّة، وما زالت تتمتع بقوّة وسلطان:
· فأفلاطون أراد الأدب وسيلة تثقيفيّة ونشرًا للحكمة.

· وأرسطو أراد به التطهير واكتساب المناعة الأخلاقيّة.

· ثمّ التعاليم الدينيّة التي جعلت الأدب دعوة للعمل الصالح.

· ثمّ (شلي) –شاعر رومانسي- الذي حمّل الأدب عبئًا ضخمًا في إعادة خلق الإنسانيّة.

· والواقعيّة الاشتراكيّة التي اعتبرت الأدب سلاحًا يسهم في تطوير الحياة وتحقيق المجتمع الاشتراكي.

· والوجوديّة التي تطرح الأدب على أنّه موقفٌ ومسؤوليّة.

وهكذا فإنّ الموقف الأخلاقي التي تقوم عليه النظريّة الأخلاقيّة قد يكون فرديًّا، وقد يكون اجتماعيًّا، وقد يكون دينيًّا، وقد يكون فلسفيًّا.

والمفهوم الأساسي التي تقوم عليه هذه النظريّة أنّ قانون الكمال في الأدب خاضع للمبادئ نفسها التي تحكم سائر الخبرات الإنسانيّة، فنحكم عليه بقدر ما يسهم في كمال النشاط الإنساني، ولكن كيف يسهم؟، هنا تختلف الأجوبة باختلاف المذاهب الأخلاقيّة، فنجد لكلّ مذهب طريقته الخاصة في التصوير.


ç أسس النظريّة الشكليّة:
تأخّرت النظريّة الشكليّة في الظهور، فلم تكن متبلورة في الآداب القديمة، وترجع بداياتها إلى القرن الثامن عشر، وهي غير مقبولة بين عامة الناس، والنظريّة الأخلاقيّة أعرق منها وأكثر رواجًا.

إنّ الأدب عند الشكليين نوع من التأمّل المحايد الخالص، وقيمته الجماليّة متميّزة تمامًا عن القانون الأخلاقي والاجتماعي لأنّها نابعة من ذاته؛ ويعتبر الفيلسوف الألماني كنت الرائد الأوّل لهذه النظريّة، فهو أوّل من وضع قواعد محدّدة لفلسفة جماليّة، وألحّ على أنّ شكل العمل الفنّي بقوانينه الداخليّة الخالصة هو العامل الوحيد في الحكم عليه بالجمال أو القبح.

والنظريّة الشكليّة-بخلاف ما هو شائع عنها- ليست بطبيعتها ضدّ الأخلاق، وإن كانت تفصل بين الجمال والأخلاق، ولكنّ الشكليين الأوائل –لاسيّما فرلين ورامبو- قدّموا لمجتمعاتهم أسوأ مثالٍ للخروج على العرف الأخلاقي، وبذلك تمّ نوع من الاقتران غير الدقيق بين الشكليّة واللاأخلاقيّة، وزاد من حدّته الهجوم الذي يشنّه النقد الاجتماعي والأيدولوجي على الشكليين باعتبار الشكليّة هربًا من مواجهة الواقع، وانسحابًا من المسؤوليّة الطبقيّة أو الإنسانيّة.

وما سبق هو الفكرة والمبدأ للنظريّة الشكليّة، فإذا طلبنا القانون العام الذي يسير به الشكليون فإنّ الآراء تتضارب تضاربًا عجيبًا، على أنّه يمكن إرجاعها إلى ثلاث خصائص مشتركة، هي:

· الوحدة: هناك اتّفاق ضارب الجذور في تاريخ النقد الأدبي على أنّ العمل الأدبي يجب أن يكون كلاًّ متكاملاً، ويتراوح هذا المفهوم بين:

‌أ. مفهوم أرسطو المنطقي للتكامل: بداية ووسط وخاتمة.

‌ب. مفهوم كولردج للوحدة العضويّة التي يرى بها القصيدة كالنبتة الحيّة.

‌ج. مفهوم الوحدة الشعوريّة المتمثّلة في الأعمال الرومانسيّة.

‌د. وهناك نوع من الوحدة يصعب تفسيره، إذ يميل العمل الأدبي إلى الخوض في التفصيلات
والإطالة في الجزئيّات، ومع ذلك يشعر القارئ بأنّها مرتبطة لا متفكّكة، مثل أعمال شكسبير
الذي تقدّم أعماله نوعًا من الانسجام يوحي بالتكامل أو الوحدة.

‌ه. وهناك شكل متزمّت من أشكال الوحدة، يمثّله إدغار ألان بو الذي أصرّ على أنّ القصيدة الطويلة
لا وجود لها، وأنّها تتألف من قصائد قصار، وحدّد العمل الأدبي بلحظة انطباع واحدة... إلى غير ذلك من الوحدات.


· التماسك: يعني التماسك ترابط أجزاء العمل وتناسبها وفق متطلبات الموضوع، ومنطقه الذاتي، كما يقول كولردج: "أن يتضمّن في ذاته السبب الذي جعله على هذا النحو، دون أيّ نحو آخر".

والتماسك ضروريّ لأنّ العمل قد يكون كلاًّ واحدًا إلا أنّه يفتقر إلى التماسك والتوازن، مثل مسرحيّة (تاجر البندقيّة) التي تطغى فيها عواطف شيلوك وانفعالاته بحيث تطمس وجود الآخرين.

· التألّق: ويعني ذلك الإشعاع الجمالي الذي ينبع من الاستعمال الأدبي الخاص للغة، والذي يفرق العمل عن الاستعمالات العمليّة لها، وهو نابع من اختيار اللفظ، لذلك قد يفتقد عند الترجمة.

وممّا يجدر بالذكر أنّ هذه الخصائص الثلاثة وضعت للتسهيل، ولا تستطيع أن تستوعب جميع الاتجاهات الشكليّة المتباينة، لذلك على القارئ أن يتناولها بحذرٍ شديد، وأن يعتبرها مجرّد مؤشراتٍ، ومهما يكن فإن ممّا ينبغي أن يحتاط له الناقد هو عدم تطبيق هذه العناصر على الأدب الحديث، لأنّ الأدب الحديث له قوانينه الخاصّة التي تختلف عمّا عرفته الآداب الإنسانيّة في العصور السالفة، فتسيطر عليه عناصر أخرى مثل التوتّر والتعرض والصراع والنشاز، وهي عناصر مقصودة لذاتها.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-23-2010, 03:47 PM
** في حدود النقد الأدبي:
يتوجّه النقد الحديث دائبًا إلى التحوّل من فاعليّة تابعة للأدب، إلى فاعليّة ذات استقلال ومنطق خاص غير منسلخ عن المنطق الخاص بالأدب، ولكنّه غير تابع له بالضرورة، ويتّضح هذا التوجّه في تيّار (النقد الجديد New Criticism) الذي بدأ يفرض نفسه منذ عشرينات هذا القرن باختلاف دعاته ومذاهبهم، ولكنّ هذا التوجّه ينطوي على معضلة كبيرة هي أنّه كلّما ازدادت الدعوة للاستقلاليّة في النقد، ازدادت تبعًا علاقة النقد بفروع المعرفة الأخرى، كعلم النفس وعلم الجمال والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، ممّا يوحي بالتعارض مع فكرة الاستقلاليّة ليتحوّل النقد إلى فاعليّة ممزّقة بين الأدب ومعطيات تلك المعارف والعلوم.

ومع هذه التوجّهات المختلفة للنقد يصبح من الصعب التوصّل لتعريف جامع مانع، لأن لكلّ اتجاه نقدي نواح تتناسب معه وتختلف مع غيره، ولعلّ التعريف التوفيقي المقارب هو: "النقد الأدبي هو فعاليّة فكريّة ذوقيّة نستطيع بواسطتها فهم المسائل الأدبيّة وتفسير الأعمال الأدبيّة وتحليلها وإصدار أحكام مناسبة بشأنها".

ولكلّ منهج نقدي إسهاماته على تفاوتها، وعلى الرغم من أنّ بعضها يميل إلى أحاديّة النظرة فإنّها بمجموعها استطاعت أن تسلّط أضواء نافذة وعميقة أغنت التراث الأدبي الإنساني، كما ساعدت اكتشافات مستمرة لهذا التراث، فأصبح بفضلها هذا التراث حيًّ متجدّدًا، فمثلاً:

· المنهج الأخلاقي أعطى الكثير في مجال ربط التجربة الأدبيّة بالمصير الميتافيزيقي للإنسان، أو بكفاحه ضمن الظروف الاجتماعيّة، ولكنّه أسرف إسرافًا شديدًا في التركيز على المضمون دون الشكل.

· المنهج النفسي أتاح لنا فرضة التعمّق في فهم عمليّة الخلق الفنّي وأسلوب الشعراء في التعبير عن الانفعالات والتجارب الداخليّة، لكنّه مال إلى إهمال الطبيعة الفنيّة للنصوص، وقدّم النتاج الأدبي على أنّه وليد أعراض عصبيّة وانحرافات نفسيّة.

· المنهج الاجتماعي أضاف بعدًا جديدًا حين ربط النتاج الأدبي بالظروف الاجتماعيّة، لكنّه أغفل الموهبة والإبداع التي تلعب دورًا غير قليل في الانتاج الأدبي.

· والمنهج الأسطوري استطاع أن يبرز الأنماط الأسطوريّة المتكررة دائمًا في الإنتاج الأدبي دون أن ينظر في الشكل الذي تتخذه الأسطورة في كلّ زمانٍ ومكان، فأغفلت كثيرًا من الحقائق العلميّة المتعلّقة بالنفس البشريّة، قوانين التطوّر الاجتماعي.

وهكذا تتعدّد زوايا الرؤية المسلّطة على أيّ نصٍّ أدبي، ومن الصعب تصوّر طريقة ملموسة للتوفيق بينها، والناقد المتّزن هو الذي يستفيد من معطيات تلك المناهج النقديّة كلّها ويتمثّلها لإغناء العمليات النقديّة الأساس: الشرح والتعليل والتقويم، حسبما تقتضي طبيعة النصّ المدروس.

وأخيرًا فإنّ هذا البحث ينتهي إلى التأكيد على أنّ فعاليّة النقد فعاليّة مركّبة تحتاج إلى معرفة أدبيّة وفنيّة وفلسفيّة ومعارف إنسانيّة شاملة، وبسبب هذه الحاجة تداخلت حدود النقد الأدبي مع حدود فعاليات أدبيّة وعلميّة أخرى، وكثيرًا ما أدّى هذا التداخل عند الإفراط إلى نوع من الهوس يشغل النقد عن المشكلة الأدبيّة الأساسيّة.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-23-2010, 03:55 PM
ثانيًا: في الالتزام الأدبي واتجاهاته:


رأينا كيف أنّ الوظيفة الأخلاقية في الأدب قديمة قدم الأدب نفسه، وأنّ الميل الإنساني الغالب كان باتجاهها لصالح الفرد والمجتمع والوطن والإنسانيّة والمعتقد.

ولكن هناك فرق بين الإيمان النظري بوظيفة الأدب الأخلاقيّة، وبين مفهوم (الالتزام) الحديث الذي ينبثق منها، ولكنّه يتجاوزها إلى تنظيمها وتعميق الوعي بها، وتحديد مسؤوليّة الأديب، وأحيانًا (إلزامه) بها، فالالتزام هو الشكل الواعي المنظّم للنظريّة الأخلاقيّة، وهي ممارسة حديثة العهد، وإن وجدت في التراث بشكل غير مستمر كالالتزام الديني في العصور الوسطى.

وأشهر الالتزام هو الالتزام النابع عن المذهبين الاشتراكي والوجودي.

- الالتزام الاشتراكي:
الواقعيّة الاشتراكيّة هي حصيلة النظرة الماركسيّة للأدب والفن، كما هي حصيلة التجربة الأدبيّة المعاصرة لكتّاب الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكيّة الأخرى، وأقطار مختلفة من العالم.

وينبني هذا الالتزام على أنّ الأديب ابن عصره وطبقته، والأديب تعبير عن التطورات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في العصر، وفي خضمّ صراع الطبقات لا يستطيع الأديب أن يقف متفرّجًا، أو ينقطع للتأمّل في ذاته وبرجه العاجي، إنّما هو مطالبٌ بالتجاوب مع الكفاح ونضال التقدّم والتحرّر والثورة، فالالتزام عند الواقعيّة الاشتراكيّة هو الالتزام بأهداف الطبقة العاملة، والسعي لتحقيق الاشتراكيّة.

وأبرز ما يلاحظ في مفهوم الالتزام عند الواقعيّة الاشتراكيّة التأكيد على النزعة الإنسانيّة، فلا أدب خارج الانسانيّة، ولا إنسانيّة خارج التقدّم الاجتماعي، ويعتبر الأديب: مكسيم غوركي الممثّل الأعظم للأدب الواقعي الاشتراكي.

- الالتزام الوجودي:
برز المذهب الوجودي في العصر الحديث، ونادى بالالتزام وروّج له، ولكنّ التزامه يختلف كلّية عن الواقعيّة الاشتراكيّة لأنه لا ينحو منحى أيدلوجيًّا، بل يجعل الالتزام نابعًا من وجدان الكاتب وقناعاته بلا معيار وتحديد واضح.

ولكل وجوديّ تجربته الخاصّة في الالتزام، وأشهرهم جان بول سارتر الذي دافع عن الالتزام، والأدب عنده خاصتان أساسيّتان مرتبطتان الواحدة بالأخرى: الالتزام واتّخاذ موقف، وهو يعفي الشاعر من الالتزام لأنّ الكلمة عنده لا تفيد معناها الدقيق، وبالتالي لا تتضمن موقفًا، ومع التدريج أخذت أعمال سارتر تكشف عن جوانب التزامه، وهي:

· التشديد على الأعمال الإنسانيّة.

· والنظرة الإيجابيّة للحريّة والتحرير.

· واستنكار العنف والاضطهاد.

· تحديد علاقة صحيحة بين الغايات والوسائل.
والجدير بالذكر أنّ موجة الالتزام الوجودي طغت على الأدب العربي في فترة الخمسينات وأوائل الستينات، وكان للأدب العربي في سوريّة محاولة الاستفادة من التجربة الوجوديّة بالمزاوجة بينها وبين القوميّة، في محاولة للتأكيد بأنّ الهدف القومي لا بدّ أن يكون نابعًا من صميم الكاتب وقناعته الخاصة.

- مناقشة في الالتزام:
يعدّ موضوع الالتزام موضوعًا حيًّا ومؤثّرًا في حياة الناس، ومن الممكن إيضاح مفهوم الالتزام من خلال الخطوط التالية:

· ليس الالتزام بالقضايا القومية والسياسية والاجتماعيّة والانسانيّة موقفًا مسقطًا على الأدب من خارجه، وإنّما هو شيء قائم في طبيعة الأدب نفسه.

· إنّ ما تفعله نظريّات الالتزام هو مجرّد تنظيم لفعاليّة الالتزام القائمة أصلاً في طبيعة الأدب، بحيث أصبح بإمكاننا اليوم الحديث عن التزام منظّم، وطوعي، وتلقائي.

· في جميع حالات الالتزام فإنّ الإبداع لا يتحقق إلا بالابتعاد عن الخطابيّة والإسراف من جهة، وبمراعاة الأفق الإنساني والمنظور المستقبلي من جهة أخرى، وهما ينقذان الأدب من الارتباط المباشر بالمناسبة، وتسمح لقطاعات كبرى بالمشاركة في تذوّق النصّ والتفاعل معه.

إنّ مقتل الأدب السياسي بارتباطه بالمناسبة، أو الانغلاق القومي أو الوطني أو الحزبي أو المذهبي، ومقتل الأدب الاجتماعي بالإسراف في العاطفة وتصوير البؤس وكأنّه قدر مفروض.

>>> يتبع..

احمد ماضي
10-23-2010, 05:48 PM
استاذتي

انحني

ولي اكثر من عودة

كم انت ِ رائعة

تستحقين خمسة الاف كلمة شكر

واكثر

على هذا الجهد الادبي الثمين

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-24-2010, 03:31 PM
استاذتي

انحني

ولي اكثر من عودة

كم انت ِ رائعة

تستحقين خمسة الاف كلمة شكر

واكثر

على هذا الجهد الادبي الثمين

ألف أهلاً وسهلاً..
يسعدني ذلك..
تقديري..
.
.
.
خالدة..

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-24-2010, 03:40 PM
ثالثًا: الأصول السلفيّة للنقد الغربي (عند اليونان):
يعتبر الفكر الأوربّي اليونان والرومان أساتذته الأوائل، فقامت نهضته في القرن الخامس عشر على فكرة العودة إلى التراث السلفي(الكلاسيكي)، فتمّت إحياء تلك المؤلفات وترجمتها، وظلّت أوربا طوال القرون الثلاثة التي تلت عصر النهضة تردد آراء أرسطو وهوارس وتناقشها، ودأب طلاب الآداب على حفظ أقوالهما عن ظهر قلب؛ ومع ذلك فإنّه من الضروري الإشارة إلى أنّ الأدب الأوربي لم يتجمّد في أطر القواعد النقدية السلفيّة، وظلّت محاولات الأدباء في الخروج عليه بما يكفل لهم حريّة التعبير والإحساس.

ç النقد الأدبي قبل أرسطو:
1/ النقد عند أريستوفان:
يعتبر منهج أرسطو أوّل منهج نقديّ متماسك عرفته الآراء الأوربيّة، وما عرفه اليونان قبل أرسطو-باستثناء أريستوفان- لم يكن إلا شتاتًا من التعليقات النقديّة، واستثني أريستوفان من ذلك لأنّ أعماله تشكّل خطوة متقدّمة نسبيًّا في النقد.
ليس من الممكن الحديث عن اتّجاه نقدي عند أريستوفان، ولكنّنا نستطيع أن نقول بأنّه تبنّى خطّين نقدين مستمرّين: الأول كرهه لجميع أشكال البلاغة والتصنّع، والثاني اهتمامه بالناحية الأخلاقيّة، واعتبارها ذات قيمة أساسيّة في الأحكام الأدبيّة، وهو في ذلك متأثّر بالنظرة التعليمية التي شاعت عند اليونان حتّى عهد أرسطو.
إنّ مسرحيّته (الضفادع) من أقدم النصوص الممتعة في النقد الأدبي، وقد ظهرت على المسرح سنة 405 ق.م، وتضمّنت الموازنة بين أسخيلوس ويوربيديس من حيثُ الشاعريّة والمكانة المسرحيّة؛ وتروي قصّة ذهاب الإله ديونيسوس إلى العالم السفلي ليختار أحد الشعراء المسرحيين، ويعيده للحياة ليكل إليه مهمة إصلاح أهل أثينا، وإرشادهم وإزالة نواحي الفساد التي تطغى عليهم، وبعد أن يخوض ديونيسوس مغامرات عديدة ليصل إلى العالم السفلي، يستدعي أسخيلوس ويوربيديس ويتيح لهما أن يتناظرا تحت إشرافه، وبمرأى من الجمهور، وبعد تردّد يحكم ديونيسوس لصالح أسخيلوس ويقرر اصطحابه للحياة، ويسدل الستار على النشيد الأخير للجوقة.

2/ النقد عند أفلاطون:
خلال النصف الأوّل من القرن الرابع قبل الميلاد عُرف أفلاطون بمحاوراته الفلسفيّة، التي تعرّض في ثلاث منها إلى طبيعة الشعر ووظيفته، وبثّ فيها كثيرًا من آرائه النقديّة، وهذه المحاورات هي: الجمهوريّة، والأيون، والقوانين.

وينسب إلى أفلاطون أنّه هاجم الشعر والشعراء، ونادى بإبعاد الشعراء عن جمهوريّته الفاضلة؛ إلا أنّ هذا الهجوم ينبغي ألا يؤخذ بعموميّته، فقد قيّده أفلاطون بزاوية معيّنة هي زاوية المصلحة العامة للجمهوريّة الفاضلة، فنادى بإبعاد الشعراء على أساس سياسي أخلاقي إذ لم يجد لهم وظيفة سياسيّة معيّنة، بل كان يخشى منهم على فضائل مدينته ليس لأنّهم لا أخلاقيون، بل لأنّ الفن عنده بوجه عام لا يعتبر سعيًا جادًا وراء الحقيقة، بل تقليدًا للمثل من الدرجة الثالثة، والفنّان عند أفلاطون مقلّد غير مسؤول، فلم يسمح إلا لصنف من الشعراء بدخول الجمهوريّة وهم الشعراء الذين يتغنون بالآلهة والفضائل.

ç النقد الأدبي عند أرسطو:
بثّ ارسطو آراءه النقديّة في مؤلفيه (الشعر) و (البلاغة)، وقد أرسى كتابه الشعر دعائم النقد الأدبي في أوربا مدّة طويلة، ونال تقديرًا عظيمًا منذ تأليفه حتّى اليوم، وعندما بعث هذا الكتاب من جديد في عصر النهضة بالغ السلفيّون في التقيّد به، وثار الابتداعيّون فيما بعد على هذا التزمّت وإن احتفطوا بتقدير كبير له.
وأهمّ ما تضمّنه هذا الكتاب:

· في طبيعة الشعر:
1/ الأنواع المختلفة للشعر هي وسائل محاكاة.

2/ موضوع المحاكاة هو الإنسان وانفعالاته، والمقلّدون إمّا يكونون أعلى من المستوى العادي، وعندها يتّجه التقليد اتجاهًا مثاليًّا، أو يكونوا في المستوى المتوسّط ويتّجه التقليد اتّجاهًا واقعيًّا، أو دون المتوسّط ويتّجه التقليد اتّجاه السخرية.

3/ الشعراء لا يقلدون ما حدث، بل هو ما هو محتمل الحدوث، ومن هنا ينشأ فرق جوهري بين الشاعر والمؤرّخ.
الشعراء يقلّدون الحقيقة المثلى، وكل ما هو شامل ونموذجي، وفي هذا رد على أفلاطون الذي اعتبر الشعر تقليد من الدرجة الثالثة.


· في وظيفة الشعر (التطهير):
لم يقبل أرسطو رفض أفلاطون للمأساة على أنّها تثير الشفقة والخوف وتضعف الناس انفعاليًّا، بل على العكس اعتقد أرسطو أنّ الماساة تطهّر الناس من هذه الانفعالات وتجعلهم أقوى، وهو ينطلق هنا من مفهوم التلقيح الطبّي.
وتعبر نظرية المحاكاة والتطهير أهمّ ما أتى به أرسطو في هذا المجال.

· في فنّ المأساة:
المأساة تبعًا لتعريف أرسطو محاكاة عمل تام متكامل ذي جسامة معيّنة، وهي تعتمد على العمل المباشر لا السرد، وتتألف من بداية ووسط وخاتمة، بحيث تترابط هذه الأجزاء ترابطًا منطقيًّا يهدف إلى إثارة الشفقة والخوف، فإحداث التطهير، وقد رتّب أرسطو عناصر المأساة على الوجه التالي:

1/ العقدة: وهي ضرورية لإنتاج العمل المسرحي، وما يرافقه من عواطف الرأفة والخوف، وقد اهتمّ بالعقد لأنّ المأساة عنده عمل متكامل مترابط، وتصوير دينامي للحياة لا مجرّد عرض للشخصيات.

2/ الشخصيّات: وتأتي في المرتبة الثانية، ولا بدّ أن يتوافر فيها: استهداف الخير، اللياقة فالشجاعة من صفات الرجولة، فإذا تحلّت بها امرأة كان ذلك غير لائق بها، والواقعيّة، والتماسك والثبات، أي: استمرار الشخصيّة على نسق ثابت.

3/ الفكر: القدرة على قول شي محدد ومناسب ضمن ظروف معيّنة.

4/ اللغة: وهي التعبير عن المعنى بالكلمات، ويجب أن تزدان بالزخرف دون إفراط.

5/ الغناء.

6/ المشهد: وله عاطفة خاصة به، إلا أنّه أضعف الأجزاء كونه يرتبط بالمخرج لا الشاعر.

· في المقارنة بين الملحمة والمأساة:
تشترك الملحمة والمأساة في كونها تقوم على محاكاة أعمال رجالٍ عظام، وتختلف في:

1/ الأسلوب: فالملحمة تجمع بين السرد المباشر وغير المباشر، بينما المأساة تقوم على العمل المباشر.

2/ وسيلة المحاكاة: الملحمة خالية من الموسيقى ومن المشاهد.

3/ في الشكل الشعري: تعتمد الملحمة على وزن عروضي واحد، بينما تتنوع الاوزان في المأساة.

4/ في الطول: طول الملحمة غير محدود، بينما يفضّل أن تتمّ المأساة في دورة شمسيّة واحد قدر الإمكان.

وبذلك يتّضح أن المأساة عد أرسطو أكثر تعقيدًا من الملحمة، وأرفع شأنًا.

** ويجب التمييز بدقّة بين ما هو (وصفي) وبين ما هو (تشريعي) في كتاب أرسطو، إذ يبدو أن الأمرين مختلطان، والأغلب أنّ أرسطو كان يتحدث عن المسرحية اليونانية كما شاهدها، وبذلك تكون الناحية الوصفية في كتابه أقوى من الناحية التشريعية بخلاف ما درج عليه الكلاسيكيون.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-24-2010, 03:52 PM
رابعًا: المنهج النفسي في النقد (فرويد والأدب):
ولد سيغموند فرويد سنة 1856م في النمسا، وعاش في فيّنا ودرس الطبّ فيها واهتمّ بالأمراض العصبيّة، وانتهى إلى أنّ وراء الأعراض الجسديّة أعراضًا نفسيّة، وبذلك تخطّى مجال الطبّ إلى علم النفس.

وقد انتشرت آراء فرويد في أوربا انتشار النار في الهشيم، واعتبر من أبرز المفكّرين المعاصرين الذي تركوا بصماتٍ واضحة في فكر هذا العصر وآدابه، ومن المهم أن يتنبه المرء في معرض الكلام عن فرويد أنّ آراءاه تعرّضت لتعديل كبير، وفهمت بأشكال مختلفة لدى تلاميذه المتعددين، ونقضتها مناهج كثيرة، وسفّهها مفكرون كبار، ورفضها الماركسيون وأدانوها، ومع ذلك أصبحت جزءًا لا يتجزّأ من فهمنا للإنسان والأدب والنقد في عصرنا.

ç سيكولوجيا فرويد:
يرتبط اسم فرويد بمفهوم التحليل النفسي، ويعتبر زعيم هذا الاتجاه بالرغم من أنّه لم يكن أوّل من نادى به، وسيكولوجيّة فرويد معقّدة ومتداخلة، ومن الصعب أن تفهم دون العودة إلى ملابسات تطوّرها، وأبرز نقاطها:

· يرتكز التحليل النفسي على فكرتي الكبت والطفولة الجنسيّة، وعند فرويد أنّ الكبت هو الأساس الذي تختفي وراءه الأمراض العصبيّة.

· كلّ سلوك إنسانيّ له دوافع، والتصرفات التي تبو أمامنا عرضيّة وغير إراديّة تختفي وراءها دوافع ورغبات غير منظورة.

· والرغبات المكبوتة قد ترتدّ إلى عرض جسدي فتسبب الشلل مثلاً دون أن يدري المريض، ومن هنا برزت أهميّة التحليل النفسي في الكشف عن الأمراض الجسديّة.

· وللأحلام كذلك معناها، وهي تعبير عن الرغبات المكبوتة، ومن خلالها يمكن الكشف عن أصول تلك الرغبات وتحليلها.

· وهكذا تكون أصول المرض العصبي كامنة في الماضي، وليس من الشروري أن تكون بنت ساعتها.

· هناك قطبان في الحياة العقليّة للانسان، الشعور واللاشعور، والأخير هو مجموعة المشاعر المكبوتة، وليس هناك استمرار بين الطرفين بل استقطاب، وقطبا الشعور واللاشعور متجاوبان مع مبدأ اللذة ومبدأ الحقيقة، فالإنسان يتبع مبدأ اللذة بالفطرة، ولكنّ البيئة الاجتماعيّة والطبيعية تدفعه إلى تأجيل تلك الرغبات (الكبت).

· الدافع الجنسي له الشأن الأوّل في الحياة النفسيّة، وصخب الحياة ينشأ من في معظمه من الشهوة والصراع ضدّ الشهوة.

· في الحياة النفسيّة ثلاثة مستويات متداخلة:
الأنا (ego)، والهوَ (id)، والأنا الأعلى (super-ego).
و(الأنا) تتوسّط بين (الهوَ) و(الأنا الأعلى) فهي جزء شعوري، وجزء غير شعوري، وهي تحاول أن تتكيّف مع رغبات العالم (الهو) ومبدأ الحقيقة (الأنا العليا).


ç فرويد والفنّ:
تعرّض فرويد بأشكال مختلفة لمسألة الإبداع الفنّي وحاول أن يفسّرها في ضوء نظرية التحليل النفسي، والمبادئ الأساسيّة التي تقوم عليها النظريّة الفرويديّة للفنّ:

· من خلال الفنّ وحده يستطيع الإنسان أن يحقق رغباته الشعوريّة، وينتج ما يبدو إشباعًا لهذه الرغبات، لأنّ الحياة العمليّة الحديثة مملوءة بالمعوقات والضغط.

· مظاهر أحلام اليقظة متوافرة في العمل الأدبي، ولكن الأحلام لا تستهوي الآخرين بينما الفنّ يفعل ذلك لـــ:

أ‌. في العمل الفنّي يقلّ تضخيم الأنا، بخلاف الحلم الذي يعبّر عن الأنا تعبيرًا واضحًا.

ب‌. الأحلام مسألة بين الفنّان ونفسه، أما العمل الفنّي فإنّه يقدّم نوعًا من الإغراء المزدوج للآخرين: الصورة الفنيّة التي تمنحنا اللذة الأولى من جهة، والاندفاع بها إلى لذة أعمق نشارك بها الفنّان في حلمه.

· ويترتّب على ماسبق أنّه ما دام الفنّ نوعًا من التعبير عن الرغبات المكبوتة، فإنّ الفنّان يقترب كثيرًا من المعصوب، وكما تفيدنا معرفة ماضي المعصوب وطفولته المكبوتة في تشخيص الأسباب النفسيّة لمرضه، فإنّ معرفة ماضي الفنّان ورغباته المكبوتة تفيد في تفسير فنّه.


ç إسهام فرويد في الأدب والنقد:
كان لفرويد وأتباعه إسهام ضخم في الأدب والنقد، سواء عن طريق الآراء نفسها التي نادى بها فرويد، أو الشكل المغلوط الذي اتّخذته خلال تداولها السريع الواسع، ونجمل تلك الإسهامات في:

· نشأت مدارس أدبيّة على أساس من قبول سيكولوجيا فرويد، فالسرياليّة مثلاً نشأت على أساس التملّص من الضغط العقلي والاجتماعي، وأفسحت المجال أمام اللاشعور.

· حاول النقّاد والمحدثين أن يحلّلوا المؤلفين والأدباء وأن يوضّحوا إنتاجهم في ضوء نظريات التحليل النفسي، وإن نجم عن ذلك مزالق أخطرها نسيان القيمة الأدبيّة والسعي وراء تشخيص المؤلف بدلا من تحليل العمل ذاته.

· بعد فرويد أخذ الكتّاب-لاسيما الروائيين والمسرحيين- يفهمون شخصيّاتهم ويبنونها على أساس معطيات مفهوم التحليل النفسي، كذلك أخذ النقّاد يحاولون فهم الشخصيات القصصية من خلال التحليل النفسي.

· أمدّ التحليل النفسي النقّاد بدقّة في معالجة عمليّة للخلق الفنّي، وتأثير الأعمال في القراء (سيكولوجيّة الجمهور).

إنّ التحليل النفسي سلاح من أسلحة النقد الحديث، ولكنّ ينبغي أن يستخدم بمنتهى الحذر حتى لا يعامل الإنسان باعتباره مخلوقًا قائمًا في الفراغ، لا مخلوقًا اجتماعيًّا تتمثّل فيه مواضعات المجتمع وتطلّعاته.

وأخيرًا لا بدّ من الإشارة إلى النقد النفسي لقي قبولاً واسعًا عند الأدباء والنقاد والعرب، وفي مقدّمتهم عباس محمود العقّاد، ود. عز الدين إسماعيل، ود. محمد النويهي... وغيرهم.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-24-2010, 04:02 PM
خامسًا: مفهوم المعادل الموضوعي في النقد:
يعتبر المعادل الموضوعي Objective Correlative أساسًا لنظرية ت.س. إليوت النقدية التي استطاعت أن تؤثّر –ربّما أكثر من أيّ نظريّة أخرى- في النقد الأدبي الحديث، ويرجع ذلك أنّها أتت محصّلة لسلسة من الآراء النقديّة التي بشّر بها شعراء إنجليز وأمريكان منذ منتصف القرن التاسع عشر، مثل: إزرا باوند والشعراء التصويريين.

ç المعادل الموضوعي عند إليوت:
كتب إليوت عام 1919م: " الطريقة الوحيدة للتعبير عن الانفعال في شكل فنّ تنحصر في إيجاد معادل موضوعي، وبكلمات أخرى: مجموعة من الموضوعات وسلسلة من الحوادث تكون معادلة لذلك الانفعال الخاص، حتّى إذا ما أعطيت الوقائع الخارجيّة التي ينبغي أن تنتهي بتجربة حسيّة، استعيد ذلك الانفعال حالاً... وإنّ الحتميّة الفنيّة تكمن في المقدرة التامّة للعنصر الخارجي على التعبير عن الانفعال، وهذا بالضبط ما تفتقر إليه (هملت)، وهملت أسير انفعال مستعصٍ على التعبير لأنّ أقوى بكثير مما تبدو عليه الوقائع".

هذا الحديث جاء بمناسبة دراسة له عن مسرحية (هملت) لشكسبير، ومنذ ذلك الحين أصبح الحديث عن المعادل الموضوعي في نظر المهتمين بالأدب جزءًا من نظريّة إليوت النقديّة، وحاول كثيرون أن يربطوا بين هذه النظرة، وبين تعريف إزرا باوند للشعر 1910م، إذ قال أنّ الشعر" نوع من الرياضيات الملهمة، لا يعطينا معادلات للأرقام المجرّدة والمثلثات والمحيطات وما أشبهها، بل يعطينا معادلات للانفعالات الإنسانيّة".

وهذا ما قاد كثير من النقاد للكشف عن الأقوال التي سبقت نظريّة إليوت وبشّرت بفكرة المعادل الموضوعي، ومنها: "الطريقة الوحيدة المجدية لإثارة أيّ شعور معيّن أبعد من مجرّد الشعور الجسدي، هي استدعاء الصور المرتبطة طبيعيًّا بهذا الشعور".

وينبغي التنبّه أنّ المعادل الموضوعي ليست فكرة نقديّة في حدّ ذاتها، بل هي مصطلح يعبّر عن مفهوم إليوت للشعر، فالشعر عنده ليس نقلاً وإنّما خلق شيء موضوع، فهو تحويل انفعال الشاعر إلى شيء، أي: تحويل الانفعال إلى موضوع مادي، وذلك في أوجه ثلاثة:

· القصيدة كشيء قائم بذاته: أيّ العمل الفنّي كمعادل موضوعي أو انفعال لا يعرض أو يعبّر عنه، بل يجسّم، وهذا يعني أنّ الشعر عنده ليس فيضًا عفويًّا للانفعال كما قال الرومانسيون.

· القصيدة في علاقتها مع الشاعر وعمليّة الخلق: فالشعر ليس تعبيرًا عن الشخصيّة، إنّه تحويل مشاعرٍ مختلفة إلى موضوع مركّب جديد في ذهن الشاعر، وهذا يتمّ بانفصال الفنّان عن الرجل/ذاته الذي يعاني، والعقل الذي يخلق، فيكون محايدًا.

· القصيدة في علاقتها بالقارئ: الأثر الشعري لا يكون مضمونًا إلا حين يترجم الانفعال إلى شيء موضوع، فإذا لم يحوّل الانفعال إلى ما يعادله يكون انفعال حياة لا انفعال فنّ.

ç النقّاد والمعادل الموضوعي:
فالمعادل الموضوعي يعني أنّ الانفعال بواسطة المادي الذي يعادله يجعل القصيدة رموزًا مثقلة بالمعاني التي لا يتنظر من أيّ معجمٍ يعطيها، وقد كتب بروكس: إنّ مبدأ اللامباشرة الفنيّة تنطبق على الكلمة المفردة، تأمّل:

ثمّ حين يخدم الزمن ونحن في طريق التلاشي
تعالي يا كورينا.. تعالي ننصرف إلى رغائبنا

وهذا يعني مع التصرّف: حين يخدم الزمن= حين يكون هناك وقتٌ كافٍ، ولكن في السياق الكامل للقصيدة يعني أيضًا: يحن يخدمنا الزمن، حين يكون الزمن حتى تلك اللحظة خادمًا لا سيّدًا، أي قبل أن يتحكّم فينا الزمن، والرجوع للمعجم لا يعطينا هذا المعنى القوي الثاني.

إنّ التعبير المباشر للانفعال عنّ ف.ر. ليفيز يرتبط بالعجز عن القبض على شيء، أو عن تحليل انطباع، أو تقديم تجربة، وهذه تدلّ على عجز الشاعر عن الخلق، وهو بهذه النظرة يرفض شلي-شاعر رومانسي- لأنّه لا يقدّم شي مادي جدير بالتأمّل.

إنّ أحد وجوه العلاقة المركّبة بين القصيدة والشاعر والقارئ كما تعرف في نظريّة المعادل الموضوعي هو أنّ القصيدة لها حياتها الخاصّة، إنّها عالم معزول منغلق على ذاته، بقوانينه ومبادئه التي تنتظمه. ولأنّ المشكلة مشكلة الانفعال الذي يريد الشاعر أن يعبّر عنه تقدّم القصيدة موقفًا فريدًا أو سياقًا، والانفعال الذي يمكن الحصول عليه يكمن في القصيدة لا في مكان آخر، فليس ما يجعل القصيدة شعرية هو حضور الانفعال، بل هو الاستيعاب الخيالي لذلك الانفعال.

>>> يتبع..

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-25-2010, 04:50 PM
سادسًا: البنيويّة والنقد الأدبي:
ابتداء من السبعينات كثر الحديث في البلاد العربيّة عن البنيوية، وتشعّب القول فيها وتشعّث، حتّى خيّل للقارئ أنّ البنيويّة لا وجود لها على شكل مذهب متماسك، وأنّ هناك بنيويات بقدر ما هناك بنيويون، وقد يكون هذا الحكم فيه شيء من المبالغة، وإن كان لا يبعد عن الحقيقة، ممّا يجعل تلخيص البنيوية وتقديمها للقارئ مشكلة عويصة.


ç تعريف مبدئي للبنيوية[1] (http://www.mnaabr.com/vb/newreply.php?do=postreply&t=1979#_ftn1):
البنائيّة أو البنيوية ليست مجرّد مصطلح، بل هي منهج تحاول الدراسات المختلفة في العلوم الطبيعية والأنثربولولجيّة واللغوية والأدبيّة والفنيّة أن تطبّقه بإصرار، إلى درجة أنّ القارئ يجد نفسه غارقًا في متاهاتها، فيسأل: هل البنيوية فلسفة أم مذهب، أم هي إلى العلم أقرب فتعتمد الفروض والنظريات، أم هي منهجٌ يدّعي أصحابه أنّها المنهج الأفضل للكشف عن الحقيقة؟!.

لنبدأ في تعريف البنيوية من منطلق المصلح العام للبنية الإنشائيّة، بدلاً من أن ننطلق من مفهوم فلسفي، فالبنية لغويًّا أو معجميًّا هي الطريقة التي يتكون منها إنشاء من الإنشاءات، أو جهاز عضوي، أو أيّ شكلٍ كلّي؛ فإذا تحدّثنا عن بناء من الأبنية المنشأة، فإنّا لا نضع بالاعتبار الأول المواد التي صنع منها هذا البناء، كما أننا لا نفرّق بين الأجزاء الرئيسيّة أو الفرعيّة في هذا البناء، إنّما المهم أن أحدّد الطريقة التي تجتمع بها المواد والأجزاء من أجل إنشاء مبنى يؤدي وظيفة محدّدة.

ويتشابه هذا التعريف إذا نقلناه لواقع اللغة، فالوظيفة الأساسية للغة هي التوصيل، والبحث عن العلاقة المتكونة بين أجزاء البناء الإنشائي، يساويه البحث عن علاقة العناصر اللغويّة ببعضها البعض لإثبات ما إذا كانت اللغة قدّ أدّت وظيفتها في التوصيل، والفرق بين البناء اللغوي والبناء المادي هو الفرق بين المجرّد والحسي.

وانطلاقًا من هذا الفهم المبسّط فإنّ المفهومات الأساسيّةَ للبنيوية على النحو التالي:

· تعنى البنيوية بالكشف عن العلاقات المتشابكة بين عناصر العمل، فهي تحليل علاقات.

· إنّ البنيوية لا تبحث عن المحتوى أو الشكل، أو عن المحتوى في إطار الشكل، بل تبحث عن الحقيقة التي تختفي وراء الظاهر من خلال العمل نفسه.

· إنّها تعنى بتوجيه العناصر نحو كلّية العمل أو نظامه، وليس نظام العمل سوى حقيقته.


ç البنية المركزيّة:
يؤكد جولدمان أنّ البنى الذهنيّة تتغيّر مع تغيّر المواقف والأحداث لكي تتكيّف مع الموقف الجديد، بمعنى أنّ لا دوام للبنى، وإنّما تتحدّد بضرورة تحقيق وظيفة في مناسبة بعينها، وتتجمّع البنى الصغيرة لتكوّن بنية أكبر.

هذه الفكرة فكرة عدم وجود بنية مركزيّة للذهن الإنساني يوضّحها دريدا، فهو يقارن بين البنية الإنشائيّة وبنية الفكر الإنساني، فيرى أنّ البنية الإنشائيّة لا بدّ لها من مركز أو محور ثابت جامد يمسك بكلّ ما حوله، وإلا تخلخت البنية وانهارت، ولكنّ البنية في العلوم الإنسانيّة لا تمثّل مركزًا ثابتًا ومحدّدًا، ولو كان لما كانت هناك رغبة في التعبير الإنساني، ولما كانت هذه الكثرة الكاثرة من أنماط السلوك البشري، ولمـّا كان المركز البنائي غائبًا، فقد اتّخذت اللعبة التي تمثّل الفكر الإنساني أشكالاً متنوّعة لا حصر لها، بحيث يمكننا القول بأنّه في غياب المركز كثر التعبير.

وهذا الغياب هو سبب اجتهاد الفلاسفة في تحديده، ومن ثمّ اختلاف نظراتهم الفلسفيّة إزاءه.


-----------------------------------------------------------------------------------------

[1] (http://www.mnaabr.com/vb/newreply.php?do=postreply&t=1979#_ftnref1) أورد د. حسام الخطيب هنا مقالة لــ: د. نبيلة إبراهيم، نشر في مجلّة فصول ، المجلّد الأول، العدد الثاني، القاهرة، يناير 1981م، وهذا الاستعراض يتضمّن تلخيص لتلك المقالة.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-25-2010, 04:53 PM
ç تفسير بنيوي للعقل البشري:
إذا كان العقل البشري يحلّ مشاكله من خلال بنية ما، وإذا كانت هذه البنية هي صفة العقل البشري منذ الأزل، فهل هناك تشابه بين طرق تفكير العقل البشري في استيعابه لمشكلاته، وفي الوصول إلى طريقة لحلّها؟

هنا يتحتّم علينا أن نعود إلى الانثروبولوجيّة البنيوية، وإذا ذكرت الانثروبولوجيّة البنيوية ذكر (ليفي شتراوس)، الذي لا يعدّ رائد الانثروبولوجيّة البنيوية فحسب، بل رائد البنيويين بصفة عامّة.

وبناء على ذلك فإنّنا عندما نقوم بدراسة العناصر البنيوية للظواهر الحضاريّة، فإنّنا نقوم في الوقت نفسه بالكشف عن طبيعة العقل البشري، وهذا الكشف يصدق على الإنسان المعاصر، مثلما يصدق على عقل الإنسان البدائي، فنتاج الحضارات مختلف كلّ الاختلاف على السطح، ولكن بما أنّ كلّ الحضارات في من نتاج العقل البشري، فلا بدّ أن تكون هناك في مكان ما تحت السطح ملامح يشترك فيها الناس جميعًا، وفي هذا يقول ليفي شتراوس: "والانثروبولجيا البنيوية تقدّم لي نوعًا من الرضا الذهني، فهي تربط بين تاريخ الكون من الطرف البعيد، وتاريخي أنا من الطرف القريب، وهي تكشف القناع عن المحركات المشتركة في الوقت نفسه".

وعند البنيويين أنّ هناك مظهران لنماذج الفكر والسلوك الإنساني الشعور واللاشعور، وكلٌّ منهما يخضع لبنية محدّدة، ومن الخطأ أن نكتفي بدراسة المظهر الشعوري في دراسة بناء الفكر الإنساني، كما أنّه ليس كافيًا أن نردّ بعض الظواهر للاشعور، فهي كلّها ليست إلا أشكالاً متنوّعة من التعبير أساسها بناء كلّي واحد، ومن هنا نفهم أن التحليل البنيوي هو إجراء لتصنيف الظواهر الاجتماعيّة، وربط بعضها ببعض في مفهومات كلّية واحدة، وعندئذ ندرك العلاقات بين هذه الظواهر في مستوياتها المختلفة من ناحية، كما أنّنا ندرك العلاقات بين الشعور واللاشعور من ناحية أخرى.

فالبنيويون يؤكدون على وجود ميكانيزم (مكانيكيّة) في الإنسان، يتحرّك بوصفة قوّة بنيوية، ومظهر التحليل الذي يعتمد على التفكيك والربط، هو اكتشاف العلاقات بين مظره وآخر من مظاهر الحياة الإنسانيّة، أي اكتشاف بنيتها.

ç البنيوية والتحليل النفسي:

إنّ اهتمام البنيويين بالنشاط اللاشعوري للفكر البشري أدّى إلى التقائهم بالتحليل النفسي، ووجه التشابه بينهما أنّ علماء التحليل النفسي يحاولون سبر منطقة اللاشعور بقصد الكشف عن الحقيقة الرابضة فيه، التي تطفو أحيانًا إلى السطح في شكل ظواهر سلوكيّة على نحو ما، شأنه شأن البنيوية التي تبدأ من الظاهر لتدخل إلى الباطن، فيحاولون الوصول إلى النسق الذي يجمع هذه الظواهر المتفرّقة.

بيد أنّ وجه الاختلاف يتمثّل في في أنّ ما تبحث عنه البنيوية من نسق أو بنية يقع في عمق التاريخ البشري، وفي عمق التكوين الكوني، في حين أنّ النسق الذي يبحث عنه علم النفس التحليلي يقع في اللاشعور الذي تشكّل محتواه في النهاية حياة الإنسان الفرديّة.

ولهذا فإنّ البنيوية لا تميّز بين حالتي الشعور واللاشعور فحسب كما يفعل علماء النفس، ولكنّها تضيف إلى ذلك مصطلح Non-conscious وهو مصطلح تصعب ترجمته إلى العربيّة، إلا إذا تجاوزنا وترجمناه بحالة (خارج الشعور)، ويضرب البنيويون لذلك مثالاً على سبيل التقريب بعمليّة المشي، فالمشي ليس فعلا لا شعوريًّا، كما أنّه ليس فعلاً شعوريًّا كاملاً، بمعنى عندما أمشي لا أكون بوعي بحركة المشي وكيف أقوم به، ولكنّنا في نفس الوقت يستحيل علينا عدّ المشي حركة لا شعوريّة.

وأهميّة تحديد هذا المستوى من الشعور بالنسبة للبنيويين هو أنّ كثيرًا من أفعال الفرد في الحياة الاجتماعيّة تتمّ على هذا المستوى، فقد يمارس الفرد سلوكًا تمارسه الجماعة، ولكنّه لا يتساءل عن مصدر هذه الممارسة ودوافعها، ونجد كثيرًا من التصرفات لا تتمّ إلا على مستوى الشعور الجمعي لا الفردي، وهنا نصل إلى مصطلح آخر تحدّث عنه البنيويون وهو (الذاتية المتداخلة Intrasubjective)، فنحن هنا إزاء الذات، ولكنّها الذات المتداخلة مع الجماعة، وهذا المصطلح مهم للبنيويين لأنّه يمهّد لفكرة البناء.

على أنّه لا يفترض دائمًا أن سلوك الفرد لا يتمّ إلا على هذا المستوى الجمعي، ففي أحيان كثيرة يعلو صوت الفرد بحيث لا يشعر أنّه يسلك من خلال الجماعة، بل يقف على بعدٍ منها، ومع ذلك فإن هذا السلوك الفردي لا يعني أنّه انفصل عن الجماعة، بل إنه اتّخذها موضوعًا يتأمّله، وهنا نأتي على المصطلح الثالث وهو (الذات المشاركة Inter subjective) الذي يعني أنّ الفرد يعيش بين الجماعة لا من خلالها، وهذا يعني أنّ هناك نمطين من الذات، الذات التي تتكون من عدة ذوات، والذات التي يكون الغير موضوعًا لها.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-25-2010, 04:56 PM
ç البنيوية والنقد الأدبي:
لا شكّ أنّ الاتجاه البنيوي بصفة عامة، سواء في الدراسات الأنثروبولوجيّة أم اللغوية أم النفسيّة قد غيّر مسار النقد الأدبي، وغيّر الرؤية لطبيعة التعبير الادبي ووظيفته، كما أسهم في تطلّع النقاد إلى البحث عن أسلوب جديد لتحليل العمل الإبداعي.

لم يكن الالتفات إلى أنّ العمل الأدبي وحدة متكاملة وقفًا على البنيويين، فهناك دراسات سابقة تعاملت مع الأدب وفق هذا المنظور، منها: كتاب (أشكال بسيطة) لأندريه يولس، و(مورفولوجيّة الحكاية الخرافيّة) لفلامدير بوب، فالنظرة البنيوية لهذين الكتابين واضحة، وإن كانا لا ينتميان إلى الاتجاه البنيوي، فالأول محللا للأدب الشعبي، والثاني من المدرسة الشكليّة التي عارضها البنيويون.

والآن ما موقف النقد البنيوي من العمل الأدبي على المستوى الفردي؟، ربّما لم تصطدم البنيوية بمجال من مجالات التعبير الإنساني كما اصطدمت بالتعبير الأدبي الفردي، ذاك أنّ المباحث السالفة التي ناقشتها البنيوية لا يماري أحدٌ أن تنتمي إلى العقل الجمعي، أو اللاشعور الجمعي، أيّ أنّنا نكون بإزاء أعمال شملتها المسيرة التاريخيّة التي مرّـ بمراحل عديدة من التطوّر البشري، لذلك ظلّت مشكلة الفرد المبدع محلّ نقاشٍ كبير ولم تحسم.

يطالب البنيويون بأنّ التحليل الأدبي أصبح يتطلب معرفة شاملة عريضة، تشمل معرفة التراث، وتعبير الإنسان البدائي والشعبي، ونظم اللغة، والنظم الرياضيّة والطبيعيّة، لكي يتوصّلوا إلى طريقة صياغة المبدع لرموزه، وطريقة صياغة لبناء فكره، ولكن كلّ هذا لا يغلي أبدًا ذاتيّة الفرد المبدع.

وبالتالي حدث تحوّل في النظريّة البنيوية بالربط بين الأدب وحركة التطور الاجتماعيّة، والأديب يتعامل مع لغة إشاريّة ولا بدّ أن يجمع بين عناصر هذه اللغة صوتًا وتركيبًا ودلالة في انسجام كلّي، وأنّ هذه العناصر تتحرّك في حركة رمزيّة باتجاه تكوين النسق، فالنسق لا ينبع من الخارج، بل من الداخل، ومهمة الناقد في الكشف عن الحركة الداخليّة التي تحكم هذا النسق، فإذا توصّلأ إليه أدرك المغزى، لا المعنى، ولا يعدّ المغزى تعبيرًا عن مشاعر خاصّة، بل إنّه تفاعل حيّ بين الفرد وأحوال عصره.

ويمثّل جولدمان هذا التحوّل في النظرية البنيوية للعمل الأدبي، فالبنية تكون مجرّد افتراض إذا اختصّت بعمل واحد، وكلنها تكون حقيقة إذا درس هذا العمل بين أعمال أخرى مرتّبة زمنيًّا، بحيث تكون هذه الأعمال مجالاً لدراسة النظم السياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة والاجتماعيّة التي تمثّل عناصر في بناء كلّ عمل.

ولم يكن رولان بارت في درجة وضوح دولدمان وصراحته من حيث علاقة العمل الأدبي بتفاعلات عصره، فهو مرة يقول بأنّ العمل لأدبي يمكن أن يكون محلّ دراسة نقديّة ورؤيّة جديدة، بصرف النظر عن المجال الاجتماعي، لأنّه يعدّ عملاً رمزيًّا، والرمز يحتوي على معنى غزير يحتمل التأويلات والتفسيرات.

ومرة أخرى يقول إنّ الموضوع الكلّي المتكامل الذي يجمع بين نشاط الفنّ والحياة، هو الذي يكون مادة للتحليل الأدبي، وأنّ العمل الفنّي ينقطع حبله السرّي بمجرّد أن يفرغ الكاتب منه، أمّا العمل الذي يرتبط بصاحبه فهو العمل الفاشل، ويمكن تناوله على مستوى التاريخ الأدبي لا النقد الأدبي.

وبارت يهتمّ بالنص من حيث هو تكون لغوي، يعكس موقفًا اجتماعيًّا عامًا، فهو يقول: " إنّ الأدب واللغة يخوضان اليوم عمليّة بحث أحدهما عن الآخر، وهذا الالتحام الجديد بين الأدب واللغة، يمكن أن أسميه مؤقّتًا النقد السيمولوجي، إذ أنني لا أجد اصطلاحًا آخر أوثق منه، وليس النقد السيمولوجي مرادفًا للأسلوبيّة، حتّى الأسلوبيّة في ثوبها الجديد، ذلك أنّ النقد السيمولوجي لا يهتمّ بالصيغ التي قد تأتي عفوا، بل يهتم بالعلاقة الوثيقة بين الكاتب واللغة،...".

ويشير بارت إلى مجموعة من حقائق الأنثروبولوجيا اللغوية التي تتزحزح لتصبح حقائق أدبية، عندما تنقل اللغة إلى الأدب، وهي:

· إنّ أهمّ ما يعنى به علم اللغة الحديث هو التنبيه على أنّه ليس هناك لغة ليس لها نظام، قديمة أم حديثة، بدائيّة أم متطورة.

· إن اللغة ليست أداة بسيطة للتعبير عن الفكر، إنّ الإنسان لم يوجد قبل اللغة، وليست هناك حالة واحدة تشير إلى أنّ الإنسان عاش منفصلاً عن اللغة، فاللغة هي التي ميّزت الإنسان وليس العكس.

· إنّ علم اللغة علّمنا منهجيًّا أنّ هناك شكلاً جديدًا من الموضوعيّة التي قبلناها قديمًا للعلوم الإنسانيّة، فكنّا نتعامل مع العلوم الإنسانيّة على أن نقبلها قبولاً كلّيًا ،أما اليوم فعلم اللغة يقترح أن تميّز بين مستويات التحليل، وأن نصنف العناصر المميزة لكل مستوى من هذه المستويات، فعلم اللغة يقدّم لنا المنهج الذي يمهّد لجلاء الحقيقة، لا المنهج الذي يشير إليها في حدّ ذاتها.

خالدة بنت أحمد باجنيد
10-25-2010, 05:03 PM
ç تنوّع التحليل البنيوي

تتنوع أبحاث البنيويين في مجال التحليل الأدبي بين التركيز على الوظيفة الاجتماعيّة، والتركيز على الأنظمة اللغوية ومدلولاتها الأدبيّة، ونتيجة لذلك تنوّعت نماذجهم البنيوية التي يفككون بها العمل الأدبي، ويربطونه بها.

فإذا بدأنا بليفي شتراوس الذي وصف بأنّه ذو عقليّة رياضيّة، فنجد أنّه وضع النموذج الرياضي التالي الذي استخدمه كثير من البنيويين، وهو:
Fx (a) : Fy (b) = Fx (b) : Fa-l (y)

الحرف (b) هو عنصر الوساطة الذي يكون قادرًا على احتواء المتعارضين، (F,Fx,Fy) اختصار Function ، (×) ترمز للشر، أو لنقل العنصر السلبي، وذلك عكس (y) التي تشير إلى الخير/ العنصر الإيجابي.

وتفسير هذه المعادلة يتمثّل في أنّ (a) الذي يمثّل الحالة الاجتماعيّة الراهنة (x) التي يطلب تغييرها، تقف في وجهة القوة الواسطيّة (b) التي تغيّرها إلى وظيفة إيجابيّة، وبهذا يمثّل طرفا المعادلة الأولى الصراع بين الشرّ والخير، أو السلب والإيجاب، أمّا الجزء الثالث من المعادلة فهو يمثّل مرحلة التحوّل من التي يحتوي فيها عنصر الواسطة (b) عنصر السلب (x)، لكي يغيّر فيصبح (F×(b)) وأمّا الجزء الأخير، فهو يمثّل نهاية مرحلة الواسطة، على أنّ (y) لا تساوي الوظيفة الأولى لها في بداية المعادلة، لأنّ الاولى مرحلة استعداد، والثانية حلّ، أيّ الوصول إلى إلغاء القوّة السلبيّة، وهذا لا يتأتّي إلا إذا سلبت القوة الشريرة بعض قوّتها، فتصبح Fa-l، وبهذا تصبح (b) واسطة بين موقفين.

وقد استغلّت هذه الصيغة لدلالتها الاجتماعيّة، وقابليّتها للتحليل في أعمال كثيرة.

ويعد غريماس أفضل من استطاع أن يستغل صيغة ليفي شتراوس التي تقوم على أساس عرض المتناقضات وبينها الوسيط، وتعدّ صيغته أقوى، لأنّه استطاع أن يربطها بعنصر القصّ، ولم يجعلها فرزًا للعناصر المتعارضة ، وحمل بعضها على بعض.

فالعمل القصصي بالنسبة لغريماس أحداث يتّضح من خلالها دور الشخوص بوصفها فاعلة أو مفعولاً بها، أيّ أنّه:

· يمثّل موقف فرد (بطل) من موقف أو مواقف جمعيّة، وفي هذا الإطار يتحرك البطل على مستوى الرغبة والإرادة والفعل.

· كما أنّ موقفه من المجتمع يدور حول حركتين أساسيتين هما: الاتصال والانفصال.

وتتحدد أفعال البطل وصفاته من خلال مجموعة من الاختبارات التي يفشل في بعضها وينحج في بعضها الآخر، ومن هنا يمكننا أن نقول أنّ الوحدات الأساسيّة للنموذج تتمثّل في:

· عقد البطل بينه وبين نفسه، أو بينه وبين مجتمعه.

· مجموعة الاختبارات التي يمرّ بها البطل، والتي تحدد ردود فعله أو صفاته، إن سلبًا أو إيجابًا.

· انفصاله عن المجتمع واتصاله به.

فإذا استطعنا أن نجمع هذه الوحدات الثلاث في حركتها المتصاعدة مع القص، مستخدمين في الوقت نفسه التقسيمات الثنائية المتعارضة التي يقف البطل وسيطًا بينها، فإنّنا نصل في النهاية إلى جوهر العمل القصصي.

وهناك نماذج عديدة استخدمها البنيويون في تحليلهم للعمل الأدبي.

وختامًا فإنّ ميكانيكيّة التطور الأدبي تتضح دائمًا وأبدًا عبر العصور الأدبيّة، والمنهج البنيوي وحده الذي يستطيع أن يكشف عن حركة هذا التطوّر، فالعنصر الذي تكون له وظيفة في عصر، يفقد وظيفته في عصر آخر، وهكذا يتحول تاريخ الأدب إلى تاريخ الأنساق الأدبية.
/
\
/
وبعدُ..
انتهى التلخيص الاستعراضي لمحتويات هذا الكتاب والأفكار الثرّة التي وقف عليها وناقشها، وإذ أفدتُ منه كثيرًا، فإنّي أشيد به وأنصح بقراءته لكلّ دارس أدب، أو مهتمّ به على الصعيد العلمي والأكاديمي، فما ورد هنا ما هو إلا غيض من فيض، و إنّ وعينا بالتغيرات والتطورات في الميدان الأدبي هي بعض من وعينا بالمسيرة البشرية وحضارتها.
تحيتي..