المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (أطياف سراب)مسابقة القصة القصيرة-6


محمد إبراهيم
05-07-2008, 02:14 PM
بقلم: مشارك في مسابقة القصة



أطياف سراب

الإهداء: للزيتون الملطخ بالدم.. للصفصاف.. للثورة العارمة في قلبي...

لكم تغيرنا كثيراً يا صاحبي..لكم!
******
كنتَ أنتَ دائماً أملي الوحيد في أننا نستطيع الذوبان معاً دون تفكك. أقنعتني بأننا كالملح، يتلاشى مع تقليبه في أي ماء. لكنني يا صاحبي شعرتُ بالخيبة تأسرني بعد أن حاولتُ أن أقلب نفسي في بحر "ميت" مراراً و تكراراً دون أن أذوب! أشعرني ملحاً يطفو، فائضاً عن البحر. رغوة تترسب على الرمال دون فائدة. ملح يبحث عن ما يذوب فيه، فلا يجد سوى صخرة أو أخرى يترسب فوقها. أو ربما في تجاويفها بعد أن ينخر البحر فيها أفواجاً من الحفر. أترسب داخلها لأشعر بأنني سأذوب في يوم من الأيام،و لكن أكتشف أن تركيبتنا خُلقت لكي لا تذوب إلا في البحر مباشرة!
كنتُ طفلاً حين أعطيتني علبة الألوان الفاخرة، شمعية الملمس في حوافها. ألون بها ورقاً أبيضاً، أحاول أن أرسم فيها سماءنا دون طائرات...أرضنا دون جرافاتكم!
كان أبي على حق حين تخوف من لقاءاتنا "الدافئة". يمتد جدالي معه إلى مالا نهاية، و ينتهي الجدل في كل مرة بتجاهلي لوجهه المحمر، و أنفاسه المتسارعة. أخبرني ذات يوم أن ألوانك الشمعية تشبه أصابعك المترفة. أن ألوانها كلها مصبوغة بدمائنا. أخبرني الكثير آنذاك، لكنني كنتُ طفلاً ساذجاً، أحب ألواناً غريبة غير رمادية الجرافات!
أذكر حينما كنت أقرر كل يوم أن أودع الطائرات الخضراء و أخواتها المروحيات بعد أن تقنعني بنظرياتك، ولكن مرض أبي كان يغرس فيني حنيناً للتعلق بأشلائي... بألوان رمادية بعيدة عن ألوانك! وصلتُ الحدود بالسيارة أكثر من مرة، و عدتُ ..عدتُ قبل أن أصل لنقاط الحدود لأبي مرة بعد مرة. تَعذِرُ عودتي..تَهبُني الفرص.. فأعود كفرضية الزجاجة حين تنافس الريح لأن تنتصب فوق الأرض..!
يلعنني أبي دائماً حينما آتي بالحقنات من عند مستوطاناتكم، و يخبرني بأنه يفضل الموت على أن يشرب حتى منكم. و لكنني كنتُ أتجاهل غضبه ببرودي الآلي الحديدي كالعادة.
ومات..مات أبي، و لم تمتْ لعناته أبداً! تلاحقني على لسان أمي و أختي التي بدأت تكبر أكثر مني بسرعة! تنافس أعوامي المتكدسة أكثر منها، وتجمع كل ما في جوفها لكي لا تُبقِ لي سوى قشورها معلقة على سارية جبل عمري الأخرس!
كانت تستدر عطفي، تبكي، تصيح، تتشنج..ترمي ألوانك الشمعية و تفتها بتمرد بين كفيها..و لكنني أبقى كما أنا، قطكم الأليف متى احتجتم مني أن أنخش نفسي،أنخش. حتى لو حاولت أن أتنكر كالقطط لكم، و أنخش في وجه مَنْ يطعمني، كنت أشعر بحبل خفي يلتف حول عنقي و يُصمت كل محاولاتي!
أتذكر كيف أنني رميتُ بالزيتون في وجه أختي و أمي، و حسمتُ أمري لأن أذهب حيث مستقبلي "التاريخي" سيعيش غير مطموس من ثورات و خدوش. رميته لأنها نحتتْ عليه أنني "خائن"، و لم تكف لعناتها هي..أمي.. أبي عن مطاردتي حتى في أروقة عقلي!
أصبحتُ الطالب الذكي، أعرف كيف أتملق لكل البشر. أحاول أن أذوب في بحر يفيض عنه الملح كثيراً، و أذوب قليلاً، ثم تمتص مني المياه حرارة شمس الحقيقة. أتذكر حين رفعتُ الخريطة و شرعتُ أتحدث عن تاريخ المنطقة، لأجد دكتور الجامعة ينظر إليَّ باستنكار. أقدم له تحليلاً دقيقاً للمستقبل و الحياة، فيجيبني بزفرات و ابتسامات مشوبة بالسخرية السوداء!
ألون عيني بعينيه،أمزج الأعين معاً جيداً، و أبحث عن نقطة التشنج التي تجلبها له خريطتي. آه! أتذكر أنه لم يعطني درجة نجاح حتى مسحتُ كلمة (فلسطين) عن الخارطة تماماً! حينها شعرتُ في فم روحي لسعة مرارة غريبة، و لكنني بلعتها داخلي، ظاناً أنها ستذوب مع ريقي الطري!
نسيتُ اسمي، و حاولتُ أن أتذكره كثيراً. و لكن عبثاً، لم أتذكر منه سوى لغة منهكة، حتى هي لم تسلم من حروف تكسرت بين أنيابك أنت و غيرك. هوية الـ (ـلاهوية) أسميتُ نفسي دون أن أشعر! أو ربما كنتَ أنتَ هويتي و جواز سفري. كل شيء!
تذكر يوم تخرجي؟؟ جئتني لتقول لي بكل برود أن أختي توفيت، و أن أمي انقلبت لعناتها لي دعوات..! ضحكتُ كثيراً. ضحكتُ و ضحكتُ، ثم دخلتُ حالة صمت مزمنة، لم تنتهِ أبداً. لم تنتهِ حتى استرضيتني بوظيفة عمل.فأنا قطك الأليف مهما يكن! أصبحتُ أعلم غيري خريطة كالتي يحبها دكتوري. أعلمهم إياها، كيف كانت باهتة، و كم أصبحتْ جميلة.. "رائعة" بعد أن خُلقتْ الجرافات و الطائرات و المروحيات.
كيف أن لغتها كانت لا تسع تلك المصطلحات الحديثة التي شغلتم العالم بها، و كيف أنها أصبحت كدمِ مَنْ يستعمل دواءاً مميعاً لدمه!
نعم..نعم..أعرف كل شيء..
زيتونة أمي و أمثالها لن تبني ناطحات سحاب تسع لفواحشكم و شرائعكم السمحة.. ماكانت لتجلب لكم سوى دماً يلطخ جنبات حياتكم السوداء بحمرة مستفيضة في الخنق..في القتل!
اليوم لا.. اليوم يومي يا صديق.. اليوم كفرتُ بكل وصاياكم و شرائعكم..اليوم كتبتُ على لوحة القاعة ((بسم الله الرحمن الرحيم))، و كأنني أسمع لعنات أبي و أمي تحيط من كل مكان! شعرتُ بأنني طُفيلي، جرثومة فتاكة في أعينكم. أتذكر أنني انتهيت في منتصف اليوم هذا في مكتب المساءلات و "الاستفسارات". ساءلوني عن جملتي، صرخوا عليَّ، سبوني و شتموني. و كنتُ كما أنا دائماً، أضحك ثم أضحك! أضحك ضحكاً هستيرياً، أقهقه و أحاول أن أكف حتى لا تنفجر رئتي. يلطمونني أكثر لأنني"أستهزأ" بالقانون، فأضحك أكثر و أكثر. خرجتُ من هنالك، و أُوقفتُ عن العمل منذ اليوم.تعرف لمَ يا صديق؟ لأنني بعد أن أكملتُ المحاضرة مستخدماً خارطتي التي أحبها..بعد أن خربشت لوحة القاعة و نخشتُها.. كتبتُ (نكبة) بجانب لوحة في الشارع تحتفل بيوم "قيامكم".كتبتُها بفلوماستر أحمر، و خربشتُ على كلمة "قيام" حتى شبعتُ خربشة!
لم تنتهِ حالة جنوني و خرفي، سرتُ متسكعاً في الشوارع، أبحث عن سيارة تقلني لغزة. حاولتُ أن أجدها،و لكن الجميع شكوا بأن عقلي المتخم بالتاريخ و أحداثه قد فقد زمامه. لا لا..صدقني يا صديق، اليوم كنتُ أعقل من دائماً! اليوم استعدتُ عقلي، و عرفتُك أكثر. اللعنة علي، لم أعرفك إلا اليوم؟!
لم أجد أي سيارة بعد ذلك تقلني للقبة الذهبية. كنت متوضأ قبلها. حاولتُ الصلاة هناك، و لكن أكد الجميع لي كالعادة أنني مجنون اليوم. سمعتُ أصدقاءنا الأليفين ينعتون أمثال أبي و أختي بكلمة "إرهاب". قهقهت في وجههم حين أردتُ أن أوضح لهم أصول هذه الكلمة،و متى بدأ استخدامها في العصر المعاصر، فنسيتُ كل التاريخ تماماً! قهقهتُ من جديد، و عدتُ لمنزلي...العفو! منزلــ"ـكم" أمشي على قدميَّ، و أضحك كالمخبول!
جهزتُ أغراضي يا صديق. حسمتُ الأمر تماماً. صدقني يا صديق، أنا اليوم كنتُ في أفضل حال. خاصة أنني عدتُ للقبة متوضأ..لازلتُ أسمعهم يقولون لي إرهابي إرهابي.. تقيأتُ ملحكم، و شربتُ ملح دموع أمي. اللعنة على كل المواصلات إن لم تقلني للضفة أو غزة. ذبْ لوحدك إن شئت، فقد ترسبتُ في الصخور ووجدتُ بحراًً لا يتقيأني للشمس! نعم يا صديق، لكم تغيرنا..لكم!

تــ مــ ت