المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من شعراء العصر الحديث ( إيليا أبو ماضي )


ناريمان الشريف
10-11-2010, 05:15 AM
" من اشتهى الخمر فليزرع دواليها "
( إيليا أبو ماضي )


خذ ما استطعت من الدنيا و أهليها
لكن تعلّم قلبلا كيف تعطيها
كم وردة طيبها حتّى لسارقها
لا دمنه خبثها حتّى لساقيها
أكان في الكون نور تستضيء به
لو السماء طوت عنّا دراريها ظ
أو كان في الأرض أزهار لها أرج
لو كانتا الأرض لا تبدي أقاحيها ؟
إن الطيور الدمى سيّان في نظري
و الورق إن حبست هذي أ؟غانيها
إن كانت النفس لا تبدو محاسنها
في اليسر صار غناها من مخازيها
***
يا عابد المال قل لي هل وجدت به
روحا تؤانسك أو روحا تؤاسيها
حتّى م ، يا صاح ، تخفيه و تطمره
كأنّما هو سوءات تواريها ؟
و تحرم النفس لذات لها خلقت
و لم تصاحبك ، يا هذا ، لتؤذيها
أنظر إلى الماء إنّ البذل شيمته
يأتي الحقول فيرويها و يحميها
فما تعكّر إلاّ و هوم منحبس
و النفس كالماء تحكيه و يحكيها
ألسجن للماء يؤذيه و يفسده
و السجن للنفس يؤذيها و يضنيها
و انظر إلى النار إنّ الفتك عادتها
لكنّ عادتها الشنعاء ترديها
تفني القرى و المغاني ضاحكة
لجهلها أنّ ما تفنيه يفنيها
أرسلت قولي تمثيلا و تشبيها
لعلّ في القول تذكيرا و تنبيها
لا شيء يدرك في الدنيا بلا تعب
من اشتهى الخمر فليزرع دواليهال

ناريمان الشريف
10-11-2010, 05:16 AM
( مسعود )
( إيليا أبو ماضي )


- - -
شربناها على سرّ القوافي
و سرّ الشاعر السمح الأبرّ
سقانا قهوتين " بغير من "
عصير شجيرة و عصير فكر
فنحن اثنان سكران لحين
على أمن ، و سكران لدهر
فمن أمسى يهيم ببنت قصر
فإنّا هائمون ببنت قفر
إذا حضرت فذلك يوم سعد
و إن غابت فذلك يوم قهر
لها من ذاتها ستر رقيق
كما صبغ الحياء جبين بكر
إذا دارت على الجلّاس هشّوا
كأنّ كؤوسها أخبار نصر
و نرشفها فنرشف ريق خود
و ننشقها فننشق ريح عطر
و لا نخشى من الحكام حدا
و عند الله لم نوصم بوزر
فما في شربها إثم و نكر
و شرب الخمر نكر أيّ نكر
و ليست تستخفّ أخا و قار
و بنت الدنّ بالأحلام تزري
و تحفظ سرّ صاحبها مصونا
و بنت الكرم تفضح كلّ سرّ
و للصهباء أوقات ، و هذي
شراب الناس في حرّ وقرّ
و تصلح أن يطاف بها مساء
و تحسن أن تكون شراب ظهر
فلو عرفت مزاياها الغواني
لعلّق حبّها في كلّ نحر
كأنّ حبوبها خضرا و صفرا
فصوص زمرد و شذور تبر
كأنّ الجنّ قد نفثت رؤاها
على أوراقها في ضوء فجر
ألست ترى إليها كيف تطغى
و كيف تثور إن مسّت بجمر
كأنّ نخيل مصر قد حساها
و إلاّ ما اهتزاز نخيل مصر ؟
جلوت بها من الأكدار ذهني
كما أنّي غسلت هموم صدري
و ما هي قهوة تطهى و تحسى
و لكن نفحة من روح حرّ
حوى في شعره عبث ابن هاني
وزاد عليه فلسفة المعرّي
فيا لك شاعرا لبقا لعوبا
كأنّ يراعه أنبوب سحر
يفيض سلاسة في كلّ لفظ
و يجري رقة في كلّ سطر
حوت دار " السمير " هديّتيه
و تحوي هذه الأوراق شكري

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:29 PM
((ميامي فلوريدا))
( إيليا أبو ماضي )


ألقاها في المأدبة التي أقامها النادي السوري اللبناني
الاميركي في ميامي فلوريدا تكريما له.
- - -
ما طائر كان في بيداء موحشة
فساقه قدر نحو البساتين
فبات تسعده فيها بلابلها
حينا ، ويسعدها بعض الأحايين
مني بأسعد حظا مذ نزلت بكم
يا معشر السادة الغرّ الميامين
فررت من برد كانون فقابلني
في أرضكم بالأقاحي شهر كانون
أنسام ((أيار)) تسري في أصائلها
وفي عشياتها أنفاس ((تشرين))
توزّع السحر شطرا في مغارسها
ولآخر في لحاظ الخرّد العين
كلّ الشتاء ربيع في شواطئها
وكلّ أيامها عيد الشعانين
لكن ميامي وإن جلّت مفاتنها
لولا وجودكم ليست لتغريني
إني لأشهد دنيا من عواطفكم
أحبّ عندي من دنيا الرياحين
وكلما سمعت نجواكم أذني
ظننت أني في دنيا تلاحين
شيء ، يوم الرّوع ، أجمل عنده
من أن يرى والقرن يصطرعان
يا ربذ معركة تراكم نقعها
حتى اختفى في ظلّها الجيشان
باتت صقال الهند في أفيائها
كالبرف يسطع من خلا دخان
والخيل طائرة على أرسانها
تهوى لو انعتقت من الأرسان
دوت المدافع كالرّعود قواصفا
نطق الحديد فعيّ كلّ لسان
ترمي بأشباه الرّجوم تخالها
حمراء قد صيغت من المرجان
ما إن تطيش وإن نأت إغراضها
ولكم تطيش قذائف البركان
صخّابة تذر الحصون بلاقعا
وتدكّها دكّا إلى الأركان
تنقضّ والفرسان في آثارها
تنقضذ مثل كواسر العقبان
هي وقعة ضجّت لها الدّنيا كما
ضجّت وضجّ النّاس في ((سيدان))
مشت المنايا حاسرات عندها
تتطلب الأرواح في الأبدان
فعلى أديم الجو ثوب أسود
وعلى أديم الأرض ثوب قان
وإذا نظرت إلى الجسوم على الثّرى
أبصرت كثبانا على كثبان
لّما رأوا(بورغاس) ضرّة مكدن
حملوا عليها حملة اليابان
وقد انجلت فإذا الهلال منكس
علم طوته راية الصّلبان
رجحت قواهم أيّما رجحان
فيها وشال التّرك في الميزان
نفروا لكالحمر التي روعتها
بابن الشّرى المتجهّم الغضبان
وقلوبهم قد أسرعت ضرباتها
وتظنّها وقفت عن الخفقان
متلفّتين إلى الوراء باعين
تتخيل الأعداء في الأجفان
يتلمّسون من المنيّة مهربا
هيهات إنّ الموت كلّ مكان
واللّه ما ينجون من أشراكه
ولو استعاروا أرجل الغزلان
أسلابهم للظّافرين غنيمة
وجسومهم للحاجل الغرثان
إن يأمنوا وقع الأسنّة والظّبى
فالذّعر طاعنهم بشّر سنان
ما أنس لا أنسى عصابة خرّد
في اللّه مسعاهنّ والإحسان
عفن الوثير إلى وسائد فضّة
ونزحن عن أهل وعن أوطان
ووقفن أنفسهنّ في الدنيا على
تأمين ملتاع ونصرة عان
يحملن ألوية السّلام إلى الألى
حملوا لواء الشّر والعدوان
كم من جريح بالنّجيع مخضّب
في الأرض لا يحنو عليه حان
ما راعة طيف المنيّة مثلما
راعت حشاه فرقة الخّلان
فله، إذا ذكر الدّيار واهله،
آه الغريب وأنّه الشّكلان
نفّسن من برجائه، وأسونه
وأعضنه من خوفه بأمان
ما حبّب الجنّات عندي أنّها
مثوى سلام، مستقرّ حسان
لولا حنان الغابيات وعطفها
ما كانت الدّنيا سوى أحزان
من مسمع الأيام عنّي نبأة
يرتاع منها كلّ ذي وجدان
إنّ الألى جبنوا أمام عدلتهم
شجعوا على الأطفال والنّسوان
وصوارما قد أغمدت يوم الوغى
شهرت على الأضياف والقطّان
أكذا يجازي الآمنون بدورهم
أو هكذا قد جاء في القرآن؟
أخنى على الأتراك دهر حول
أخنى على يونان والرّومان
وطوى محاسن ((يلدز))قدر طوى
ربّ السّدير وصاحب الإيوان
فاليوم لا أستانة
تزهو ولا السّلطان بالسّلطان
دارت دوائره عليها مثلما
دارت دوائره على ((طهران))
أمنبّهي الأضغان كيف هجمتم
لّما تنّبه نائم الأضغان
وحكومة الأشباح ويحك ما الّذي
خالفت فيه عصبة الفتيان
قالوا: لنا الملك العريض وجاهه
كذبوا فإنّ الملك للرّحمن
ما بال قومي كلّما استصرختهم
وضعوا أصابعهم على الآذان
أبناء سوريّا الفتاة تضافروا
وخذوا مثالتكم عن البلقان
ما التّرك أهل أن يسودوا فيكم
أو تحك الآساد بالظّلمان
هم ألبسوا الشّرقي ثوب غضاضة
وسقوه كأسي ذلّة وهوان
فإذا جرى ذكر الشّعوب بموضع
شمخت، وطأطأ رأسه العثماني! ..
لكن ميامي وإن جلّت مفاتنها
لولا وجودكم ليست لتغريني
إني لأشهد دنيا من عواطفكم
أحبّ عندي من دنيا الرياحين
وكلّما سمعت نجواكم أذني
ظننت أني في دنيا تلاحين
لأنتم النور لي والنور منطمس
وأنتم الماء إذ لا ماء يرويني
أحيبتكم حبّ إنسان لإخوته
إذ ليس بينكم فوقي ولا دوني
إن كان فيكم قوي لا يقاهرني
أو كان فيكم ضعيف لا يداجيني
قل لامرىء مثل قارون بثروته
إني امرؤ بصحابي فوق قارون
من يكتسب صاحبا تبق مودته
فهو الغنّي به لا ذو الملايين
فاختر صحابك وانظر في اختارهم
إلى الطبائع قبل اللون والدين
ليس الوداد الذي يبق إلى أبد
مثل الوداد الذي يبقى إلى حين
والمرء في هذه الدنيا عواطفه
إن تندرس فهو بيت غير مسكون
لوفاتني كلّ ما في الأرض من ذهب
ولم تفتني فإني غير مغبون
لو القوافي تؤاتيني شكرتكم
كما أريد ، ولكن لا تؤاتيني
لا يمدح الورد إنسان يقول له
يا ورد إنك ذو عطر وتلوين
فاستنطقوا القلب عني فهو يخبركم
فالحبّ والقلب مكنون بمكنون
لولا المحبة صار الكون أجمعه
طوبى الأفاعي وفردوس السراحين
إني سأحفظ في قلبي جميلكم
وسوف أذكره في العسر واللي

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:30 PM
1914
( إيليا أبو ماضي )


طوي العام كما يطوي الرقيم
و هوى في لجّة الماضي البعيد
*
لم يكن ... بل كان لكن ذهبا
وانقضى حتّى كأن لم يكن
لو درى حين أتى المنقلبا
لتمنّى أنّه لم يبن
أيّ نجم شارق ما غربا
أي قلب خافق لم يسكن
جاهل من حسب الآتي يدوم
أحمق من حسب الماضي يعود
*
ما لنا يأخذ منّا الطرب
كلّما عام تلاشى واضمحل
أفرحنا أنّنا نقترب
من غد ؟ إنّ غدا فيه الأجل
عجب هذا و منه أعجب
إنّنا نفنى و لا يفنى الأمل
فكأنّا ما سمعنا بالحتوم
أو كأنّا قد نعمنا بالوجود
*
يا رعاه الله من عام خلا
فلقد كان سلاما و أمان
صافح الجحفل فيه الجحفلا
واستراح السيف فيه و السنان
ما انجلى حتى رأى النقع انجلى
و خبت نار الوغى في " البلقان "
لست أنسى نهضة الشعب النؤوم
إنّ فيها عبرة للمستفيد
*
و التقى البحران فيه بعدما
مرّت الأجيال لا يلتقيان
أصبح السّدّ الذي بينهما
ترعة يزخر فيها الأزرقان
فلتندم " آميركا ) ما التطما
ما لهذا الفتح في التاريخ ثان
و لتعيش رايتها ذات النجوم
أجمل الرايات أولى بالخلود !
*
واعتلى الناس به متن الهواء
فهم حول الدراري يمرحون
يمخر المنضاد فيهم في الفضاء
مثلما يمخر في البحر السفين
معجزات ما أتاها الأنبياء
لا ولم يطمح إليها الأقدمون
سخّر العلم لهم حتّى الغيوم
فهم ، مثلهم ، فوق الصعيد
*
حلّق الغربيّ فوق السموات
و لبثنا نندب الرسم المحيل
فاذا ما قال أهل المكرمات
ما وجدنا ، و أبيكم ، ما نقول
لو فقهنا مثلهم معنى الحياة
ما أضعناها بكاء في الطلول
ألفت أنفسنا الضيم المقيم
مثلما يستعذب الظبي الهبيد ! .
*
أدركت غايتها كلّ الشعوب
نهض الصيني و ما زلنا نيام
عبثت فينا الرزايا و الخطوب
مثلما يعبث بالحرّ اللّئام
صودر الكاتب منّا و الخطيب
منعت ألسننا حتّى الكلام
نحن في الغفلة أصحاب الرقيم
نحن في الذّلّة إخوان اليهود
*
ليت أنّا حين مات الشّمم
لحقت أرواحنا بالغابرين
ما تمرّدنا على من ظلموا
لا ولم نفكك وثاقا عن سجين
ليس يمحو عارنا إلاّ الدّم
فالى كم نذرف الدمع السخين ؟
قام فينا ألف جبّار غشوم
غير أنّا لم يمت منّا شهيد
*
يا لقومي بلغ السيل الزبى
واستطال البغي و استشرى الفساد
فاجعلوا أقلامكم بيض الظبى
و استعيروا من دم الباغي المداد
كتب السيف ...اقرأوا ما كتبا
لا ينال المجد إلاّ بالجهاد
أي رجال الشرق أبناء القروم
لا تناموا .آفة الماء الركود!!!

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:32 PM
1916

( إيليا أبو ماضي )


كم ، قبل هذا الجيل، ولّى جيل
هيهات ، ليس إلى البقاء سبيل
ضحك الشّباب من الكهول فإغرقوا
واستيقظوا، فإذا الشّباب كهول
نأتي ونمضي والزّمان مخلّد
الصّبح صبح والأصيل أصيل
حرّ وقرّ يبلسان جسومنا
ليت الزّمان ، كما نحول، يحول
إنّ التّحول في الجماد تقلّص
في الحي موت؛ في النّبات ذبول
قف بالمقابر صامتا متأملا
كم غاب فيها صامت وسؤول
وسل الكواكب كم رأت من قبلنا
أمما، وكم شهد النّجوم قبيل
تتبدّل الدّنيا تبدّل أهلها
واللّه ليس لأمره تبديل
يا طالعا لفت العيون طلوعه
بعد الطّلوع ، وإن جهلت ، أفول
عطفا ورفقا بالقلوب فإنما
حقد القلوب على أخيك طويل
أنظر فوجه الأرض أغير شاحب
واسمع ! فأضوات الرّياح عويل
ومن الحديد صواعق ، ومن العجاج
غمائم، ومن الدّماء سهول
ما كنت أعلم قبلما حمس الوغى
أنّ الضّواري والأنام شكول
يا أرض أوربّا ويا أبناءها
في عنق من هذا الدّم المطلول؟
في كلّ يوم منكم أو عنكم
نبأ تجيء به الرّواة مهول
مزّقتم أقسامكم وعهودكم
ولقد تكون كأنّها التّنزيل
وبعثتم الأطماع فهي جحافل
من خلفهن جحافل وخيول
ونشرتم الأحقاد فهي مدافع
وقذائف وأسنّة ونصول
لو لم تكن أضغانكم أسيافكم
أمسى بها، مّما تسام، فلول
علّمتم((عزريل)) في هذي الوغى
ما كان يجهل علمه عزريل
إن كان هذا ما يسمى عندكم
علما، فأين الجهل والتّضليل
إن كان هذا ما يسمى عندكم
دنيا فأين الكفر والتّعطيل
عودا إلى عصر البداوة ، إنّه
عصر جميل أن يقال جميل
قابيل، يا جدّ الورى ، نم هانئا
كلّ امرىء في ثوبه قابيل
لا تفخروا بعقولكم ونتاجها
كانت لكم، قبل القتال ، عقول
لا أنتم أنتم ولا أرباضكم
تلك التي فيها الهناء يقيل
لا تطلبوا بالمرهفات ذحولكم
في نيلها بالمرهفات ذحول
إنّ الأنام على اختلاف لغاتهم
وصفاتهم ، لو تذكرون ، قبيل
يا عامنا! هل فيك ثّمة مطمع
بالسّلم هذا الشقاء يطول
مرّت عليها حجتّان ولم تزل
تتلو الفصول مشاهد وفصول
لم يعشق النّاس الفناء وإنّما
فوق البصائر والعقول سدول
أنا إن بسمت ، وقد رأيتك مقبلا
فكما يهشّ لعائديه عليل
وإذا سكنت إلى الهموم فمثلما
رضي القيود الموثق المكبول
لا يستوي الرّجلان ، هذا قلبه
خال وهذا قلبه ( لجهول)
لا يخدعنّ العارفون نفوسهم
إنّ المخادع نفسه لجهول
في الشّرق قوم لم يسلّوا صارما
والسّيف فوق رؤوسهم مسلول
جهلوا ولم تجهل نفوسهم الأسى
أشقى الأنام العارف المجهول
أكبادهم مقروحة كجفونهم
وزفيرهم بأنينهم موصول
أمّا الرّجاء، وطالما عاشوا به
فالدّمع يشهد أنّه مقتول
واليأس موت غير أن صريعه
يبقى، وأمّا نفسه فتزول
ربّاه، قد بلغ الشّقاء أشدّه
رحماك إنّ الرّاجعين قليل
في اللّه والوطن العزيز عصابة
نكبوا ، فذا عان وذاك قتيل
لو لم يمت شمم النّفوس بموتهم
ثار الشآم ، لموتهم ، والنّيل
يا نازحين عن الشآم تذكروا
من في الشّآم وما يليه نزول
همّ الممالك في الجهاد ، وهمّكم
قال تسير به الطّروس وقيل
هبّوا؛ اعملوا لبلادكم ولنسلكم
بئس الحياة سكينة وخمول
لا تقبطوا الأيدي فهذا يومكم
شرّ الورى جعد البنان بخيل
وعد الاله المحسنين ببرّه
وكما علمتم ، وعده تنويل

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:32 PM
1931


( إيليا أبو ماضي )


ليطرب من شاء أن يطربا
فلست بمستمطر خلّبا
عرفت الزمان قريب الأذى
فصرت إلى خوفه أقربا
و هذا الجديد أبوه القديم
و لا تلد الحيّة الأرنبا
أرى الكون يرمقه ضاحكا
كمن راء تيه كوكبا
و لو علم الخلق ما عنده
أهلّوا إلى الله كي يغربا
و لو علم العيد ما عندهم
أبى أن يمزّق عنه الخبا
ألا لا يغرّك تهليهم
و قولتهم لك يا مرحبا
فقد لبّسوك لكي يخلعوك
كما تخلع القدم الجوربا
و لوعون بالغدر من طبعهم
فمن لم يكن غادرا جرّبا
و كائن فتى هزّني قوله
أنا خدنك الصّادق المجتبى
أرافق من شكله ضيغما
يرافق من نفسه ثعلبا
هم القوم أصحبهم مكرها
كما يصحب القمر الغيهبا
أراني أوحد من ناسك
على أنّني في عداد الدبى
و أمرح في بلد عامر
و أحسبني قاطنا سبسبا
و قال خليلي : الهناء القصور
ىو كيف و قد ملئت أذؤبا
ألفت الهموم فلو أنّني
قدرت تمنّعت أن أطربا
كأنّ الجبال على كاهلي
كأنّ سروري أن أغضبا
و كيف ارتياح أخي غربة
يصاحب من همه عقربا
عتبت على الدهر لو أنّني
أمنت فؤادي أن يعتبا
******
و جدتك و الشّيب في مفرقي
وودّعني و أخوك الصّبي
فليس بكائي عاما خلا
و لكن شبابي الذي غيّبا
فيا فرحا بمجيء السنين
تجيء السنون لكي تذهبا
عجيب مشيبي قلب الأوان
و أعجب أن لا أرى أشيبا
فإنّ نوائب عاركتها
تردّ فتى العشر محدودبا
ويا بنت " كولمب " كم تضحكين
كأنّك أبصرت مستغربا
أليس البياض الذي تكرهين
يحبّبني ثغرك الأشنبا
فمن كان يكره إشراقه
فإنّي أكره أن يخضبا
أحبّك يا أيّها المستنير
و إن تك أشمتّ بي الرّبربا
و أهوى لأجلك لمع البروق
و أعشق فيك أقاح الرّبى
******
و يا عام هل جئتنا محرما
فنرجوك أم جئتنا محربا
تولّى أخوك وقد هاجها
أقلّ سلاح بنيها الظبى
يجندل فيها الخميس الخميس
و يصطرع المقنب المقنبا
إذا ارتفع الطرف في جوّها
رأى من عجاجتها هيدبا
وجيّاشه برقها رعدها
تدكّ من الشّاهق المنكبا
يسير بها الجند محموله
قضاء على عجل ركبا
يودّ الفتى أنّه هارب
و يمنعه الخوف أن يهربا
و كيف النجاة و مقذوفها
و يطول من الشرق من غرّبا ؟
و لو أنّه فلو أنّ تهتانها
حيا أنبت القاحل المجدبا
فما المنجنيق و أحجاره
و ما الماضيات الرقاق الشبا ؟
******
أإن شكت الأرض حرّ الصّدى
سقاها النجيع الورى صيّبا
فيا للحروب و أهوالها
أما حان يا قوم أن تشجبا
هو الموت آت على رغمكم
فألقوا المسدّس و الأشطبا
و للخالق الملك و المالكون
فلا تتبعوا فيكم أشعبا
******
و لم أنس مصرع " تيتانيك "
و مصرعنا يوم طار النبا
فمن شدّة الهول في صدقه
رغبنا إلى " البرق " أن يكذبا
ليالي لا نستطيب الكرى
و لا نجد الماء مستعذبا
و بات فؤادي ، به صدعها
و بتّ أحاذر أن يرأبا
و لي ناظر غرق مثلها
من الدّمع بالبحر مستوثبا
إذا ما تذكرتها هجت بي
أسى تتّقيه الحشا مخلبا
فأمسي على كبدي راحتي
أخاف مع الدّمع أن تسربا
خطوب يراها الورى مثلها
لذلك أشفق أن تكتبا
******
لقد نكب الشّرق نكباته
و حاول أن ينكب المغربا
و أشقى نفوس بني آدم
ليرضى السّراحين و الأعقبا
و لو جاز بين الضّحى و الدجى
لقاتل فيه الضّحى الغيهبا
لعلّلك تمحو جناياته
فننسى بك الذّنب و المذنبا
إذا كنت لا تستطيع الخلود
فعش بيننا أثرا طيّبا
فإنّك في إثره راحل
مشيت السّواك أو الهيدبى

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:33 PM
أبو غازي
( إيليا أبو ماضي )


أبو ازي السلام عليك منّا
و عفوا أيّها الملك الهمام
فما ضاق الكلام بنا ، و لكن
وجدنا الحزن أرخصه الكلام
و خطبك لا يفيه دمع باك
فموتك من بني العرب يبكي الغمام
و نحن أحقّ أن نبكي و نرثى
فموتك من بني العرب انتقام
خبا نبراسنا ، و اللّيل داج ،
و كنت حسامنا ، فنبا الحسام !
كأنّك قد وترت الموت قدما
وهابك في كنانتك السّهام
فدبّ إليك مثل اللّصّ ليلا
و كان الموت ليس له ذمام
طوى الدنيا نعيّك في ثوان
فريع البيت و البلد الحرام
و " دجلة " كالطّين له أنين
و في " بردى " التياع و اضطرام
ورحنا بين مصعوق وساه
كمن صرعت عقولهم المدام
كأنّ الأرض قد قد مادت و فضّت
عن الموتى الصفائح و الرّجام
فمن للبيض و الجرد المذاكي ؟
و " فيصل " بات يحويه الرّغام
و من للحقّ ينشره لواء
به للنّاس هدي و اعتصام
توارى المجد في كفن و لحد
و غابت في التراب منّى عظام
مضى وحديثه في الناس باق
كعمر الشّمس ليس له انصرام
فيا جدثا حواه لست قبرا
و لكن أنت في الدنيا وسام
***
حياتك " يا أبا غازي " حياة
كفصل الصّيف : زهر و ابتسام
وقد تحصى الكواكب و الأقا
حي و لا تحصى أياديك الجسام
مددت إلى منى العرب الغوافي
يدا ، فتفتّقت عنها الكمام
و أمسى بندهم و له خفوق
و أمسى عقدهم و له نظام
و كم أسقمت جسمك كي يصحّوا
و حالفت السّهاد و هم نيام
و كم جازيت عن شرّ بخير
و كم جازاك بالغدر الأنام
خذلت فما عتبت على صديق
و لم تحنق وقد كثر الملام
و كم قد فزت في حرب و سلم
فلم يلعب بعطفيك العرام
خلائق من له عرق كريم
و خطّة من له قلب عصام
خذوا الخلق الرفيع من الصحا
ري ، فإنّ النفس يفسدها الزحام
و كم فقدت جلالتها قصور
و لم تفقد مروءتها الخيام
***
و قالوا اندك عرشك في دمشق
كأنّ العرش أخشاب تقام
و كيف تهدّ سدّتك العوالي
و لم يسلبكها الموت الزؤام ؟
فما كان انتصارهم علاء
و لا كان انكسارك فيه ذام
إذا لم تنصر الأرواح ملكا
فأحسن ما حوى جثث وهام
و ما زالت لك الأرواح فيها
و ما زالت عشيرتك الشآم
تصفّق لاسمك الأمواه فيها
و يهتف في خمائلها الحمام
و بذكر أهلها تلك السجايا
فيشرق من تذكّرها الظلام
و ليس أحبّ من حرّ مؤاس
إلى شعب يساء و يستضام
***
فقل للساخطين على اللّيالي
و من سكنوا على يأس و ناموا
سينحسر الضباب عن الروابي
و يبدو الورد فيها فيها و الخزام
و يصفو جوّنا بعد انكدار
و يسقى أرضنا المطر الرّهام
و نرجع أمّة ترجى و تخشى
و إن كره الزعانف و الطّغا

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:34 PM
أبي
( إيليا أبو ماضي )


طوى بعض نفسي إذ طواك الثّرى عني
وذا بعضها الثاني يفيض به جفني
أبي! خانني فيك الرّدى فتقوضت
مقاصير أحلامي كبيت من التّين
وكانت رياضي حاليات ضواحكا
فأقوت وعفّى زهرها الجزع المضني
وكانت دناني بالسرور مليئة
فطاحت يد عمياء بالخمر والدّنّ
فليس سوى طعم المنّية في فمي،
وليس سوى صوت النوادب في أذني
ولا حسن في ناظري وقلّما
فتحتهما من قبل إلاّ على حسن
وما صور الأشياء ، بعدك غيرها
ولكنّما قد شوّهتها يد الحزن
على منكي تبر الضحى وعقيقه
وقلبي في نار ، وعيناي في دجن
أبحث الأسى دمعي وأنهيته دمي
وكنت أعدّ الحزن ضربا من الجبن
فمستنكر كيف استحالت بشاشتي
كمستنكر في عاصف رعشة الغضن
يقول المعزّي ليس يحدي البكا الفتى
وقول المعزّي لا يفيد ولا يغني
شخصت بروحي حائرا متطلعا
إلى ما وراء البحر أأدنو وأستدني
كذات جناح أدرك السيل عشّها
فطارت على روع تحوم على الوكن
فواها لو اني في القوم عندما
نظلرت إلى العوّاد تسألهم عنّي
ويا ليتما الأرض انطوى لي بساطها
فكنت مع الباكين في ساعة الدفن
لعلّي أفي تلك الأبوّة حقّها
وإن كان لا يوفى بكيل ولا وزن
فأعظم مجدي كان أنك لي أب
وأكبر فخري كان قولك: ذا إبني!
أقول : لي اني... كي أبرّد لو عتي
فيزداد شجوي كلّما قلت : لو أني!
أحتّى وداع الأهل يحرمه الفتى؟
أيا دهر هذا منتهى الحيف والغبن!
أبي! وإذا ما قلتها فكأنني
أنادي وأدعو يا بلادي ويا ركني
لمن يلجأ المكروب بعدك في الحمى
فيرجع ريّان المنى ضاحك السنّ؟
خلعت الصبا في حومة المجد ناصعا
ونزّه فيك الشيب عن لوثة الأفن
فذهن كنجم الصّيف في أول الدجى
ورأى كحدّ السّيف أو ذلك الذهن
وكنت ترى الدنيا بغير بشاشة
كأرض بلا مناء وصوت بلا لحن
فما بك من ضرّ لنفسك وحدها
وضحكك والإيناس للبحار والخدن
جريء على الباغي، عيوف عن الخنا،
سريع إلى الداعي ، كريم بلا منّ
وكنت إذا حدّثت حدّث شاعر
لبيب دقيق الفهم والذوق والفنّ
فما استشعر المصغي إليك ملالة
ولا قلت إلاّ قال من طرب : زدني‍
برغمك فارقت الربوع ىوإذا
على الرغم منّا سوف نلحق بالظعن
طريق مشى فيها الملايين قبلنا
من المليك السامي عبده إلى عبده الفنّ
نظنّ لنا الدنيا وما في رحابها
وليست لنا إلاّ كما البحر للسفن
تروح وتغدو حرّة في عبابه
كما يتهادى ساكن السجن في السجن
وزنت بسرّ الموت فلسفة الورى
فشالت وكانت جعجعات بلا طحن
فأصدق أهل الأرض معلرفة به
كأكثرهم جهلا يرجم بالظّنّ
فذا مثل هذا حائر اللبّ عنده
وذاك كهذا ليس منه على أمن
فيا لك سفرا لم يزل جدّ غامض
على كثرة التفصيل في الشّرح والمتن
أيا رمز لبنان جلالا وهيبة
وحصن الوفاء المحصن في ذلك الحصن
ضريحك مهما يستسرّ وبلذة
أقمت بها تبني المحامد ما تبني
أحبّ من الأبراج طالت قبابها
وأجمل في عينيّ من أجمل المدن
علىذلك القبر السلام فذكره
أريج بهنفسي عن العطر تستغني

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:35 PM
أخت البلجيك
( إيليا أبو ماضي )


يا لوعة حار النّطاسي فيك
كم يشتكي غيري وكم أخفيك
إن بحت بالشكوى فغاية مجهد
لم تبقى لي كبدا فأستبقيك
أجناية الطّرف الكحيل على الحشا
اللّه حسبي في الدّم المسفوك
ما في الشّرائع لا ولا في أهلها
من يستحلّ الأخذ من جانيك
يا هذه كم تشحدين غراره
أو ما خشيت حدّه يؤذيك
يا أخت ظبي القاع لو أعطيته
لحظيك صاد الصّاديه أخوك
روحي فدى عينيك مهما جارتا
في مهجتي وأبي فداء أبيك
رمتا فكلّ مصمّم ومقوّم
ناب وكلّ مسرّد وحبيك
اللّه في قتلى جفونك إنّهم
ظلموا نفوسهم وما ظلموك
إن تبصريني أتّقي فتكاتها
فلقد أصول على القنا المشبوك
كم تجحدين دمي وقد أبصرته
وردا على خدّيك غير مشوك
ردّي حياتي إنّها في نظرة
أو زورة أو رشفة من فيك
لو تنظرين إلى قتيلك في الدّجى
يرعى كواكبه ويسترعيك
واللّيل من همّ الصّباح وضوئه
حيران حيرة عاشق مهتوك
لعجبت من زور الوشاة وإفكهم
ومن الذي قاسيت في حبيك
حولي إذا أرخى الظّلام سجوفه
ليلان: ليل دجى وليل شكوك
تمتدّ فيه بي الكآبة والأسى
مثل امتداد الحرف بالتّحريك
مالي إذا شئت السّلوّ عن الهوى
وقدرت أن أسلوك لا أسلوك
فكّي إساري إنّ خلفي إمّة
مضنوكة في عالم مضنوك
وأحبّة سدّ القنوط عليهم
والخوف كلّ معبّد مسلوك
لا تسأليني كيف أصبح حالهم
إني أخاف حديثهم يشجيك
باتوا برغمهم كما شاء العدى
لا حزنهم واه ولا بركيك
لا يملكون سوى التّحسّر إنّه
جهد الضّعيف الواجد المفلوك
تترقرق العبرات فوق خدودهم
يا من رأى دررا بغير سلوك
أخذ العزيز الذّلّ من أطراقه
والجوع يأخذ مهجة الصّعلوك
قل للمبذّر في الملاهى ماله
ماذا تركت لذي الأسى المتروك
أيلبيت يشرب من معين دموعه
وتبيت تحسوها كعين الدّيك؟
ويروح في أطماره وتميس في
ثوب لأيام الهناء محوك
إن كنت تأبى تشاركه سوى
نعمى الحياة فأنت غير شريك
يا ضرة البلجيك في أحزانها
تبكيك حتّى أمّة البلجيك
حملت ما يعيي الشّواهق حمله
يا ليت ما حملت في شانيك
سلّ البغاة عليك حمر سيوفهم
لا أنت جانية ولا أهلوك
جنّ القضاء فغال حسنك قبحه
وأذلّ أبناء الطّغام بنيك
لا أشتكي الدّنيا ولا أحداثها
هذي مشيئة ذي المشيئة فيك
لو أملك الأقدار أو تصريفها
لأمرتها فجرت بما يرضيك
ولو انّها تدري وتعقل لانثنت
ترمي بأسهمها الّذي يرميك
إن يفتديك أخو الغنى بنضاره
فبدرهمي وبمهجتي أفديك
ومنازل البؤساء أولى بالنّدى
ولأنت أولاها بمال ذويك
يا أمّة في الغرب ينعم شطرها
رفقا بشطر بائس منهوك
جادت عليكم ، قلبما كنتم، بكم
جودا ببعض العسجد المسبوك!!!

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:36 PM
أخت ليلى
( إيليا أبو ماضي )


ولقد علقت من الحسان مليحة
تحكي الهلال بحاجب وجبين
كلفت بها ودون وصولها
وصل المنون وثمّ ليث عرين
حسناء أضحى كلّ حسن دونها
ولذاك عشّاق المحاسن دوني
قد روّعت حتى لتخشى بردها
من أن يبوح بسرّها المكنون
وتريبها أنفاسها ويخفيها
عند اللقاء تنهّد المحزون
هجرت فكلّ دقيقة من هجرها
عندي تعدّ بأشهر وسنين
يا هذه لا تجحدي حقي فقد
أصليت قلبي بالنّوى فصليني
أطلقت دمعا كان قلب مقيّدا
وسجنت قلبا كان غير سجين
أشبهت (ليلى العامرية) فاكتمي
خبر الذي قد صار (كالمجنون)

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:36 PM
أخو الورقاء
( إيليا أبو ماضي )


رسالة إلى الشاعر القروي ألقيت في الحفلة الوداعية التي أقيمت في ولاية تكساس وقد تعذر على الشاعر حضورها.
------------
للّه من عبث القضاء وسخره
بالناس والحالات والأشياء
كم درة في التاج ألف مثلها
في القاع لم تخرج من الظلماء
ولكم تعثّر سميذع
وانداحت الأطواد للجبناء
ولكم جنى علم أربابه
وجنى الهناء جماعة الجهلاء
أرأيت أعجب حالة من حالنا
أزف الرحيل ولم تفز بلقاء!
عاشت شهورا بالرجاء قلوبنا
وبلجظة أمست بغير رجاء
ماتت أمانينا الحسان أجنّة
لم تكتحل أجفانها بضياء
فكأنها برق تألّق وانطوى
في الليل لم تلمحه مقلة راء
وكأننا كنا نحلّق في الفضا
صعدا لنلمس منكب الجوزاء
حتى إذا حان الوصول ... رمت بنا
نكباء عانية إلى الغبراء!
وكأن ((تكس)) وهي في هذا الحمى
صفع ((كسانبول )) قصي ناء
طوبى لها إن كان يعلم أهلها
أنّ النزيل بها أخو الورقاء
كانت مسارح ((للرعاة)) فأصبحت
لما أتاها كعبة الشعراء
هو بلبل عبق النبوّة في أغانيه ،
وفيها نكهة الصهباء
وجلال لبنان ، وقد غمر المسا
هضباته، وانسال في الأوداء
غنّى ، ففي النسمات ، والأوراق،
والغدران، أعراس بلا ضوضاء
وبكى، فشاع الحزن في الأزهار،
والأظلال ، والألوان، والأضواء
هو نفحة قدسية هبطت إلى
هذا الثرى من عالم اللألاء
لو عاد للدنيا البراق وحزته
ما كان إلا نحوه إسرائي
أشكو البعاد وليس لي أن أشتكي
فسماؤه موصولة بسمائي
ما حال بين نفوسنا ، ما حال بين جسومنا من أجبل وفضاء
فلكم نظرت إلى الرّبى فلمحته
في الأقحوان الخيّر المعطاء
وسمعت ساقية تئنّ فخلتني
لبكائه أوطانه إصغائي
وإذا تلوح لي الجبال ذكرته
فالشاعر القرويّ طود إباء
من كان يحلم بالغدير فإنه
يبدو له في كلّ قطرة ماء
إن كنت لم أره فقد شاهدته
بعيون أصحابي، وذاك عزائي
...
أفتى القوافي كالشّواظ على
قلوب الصّحب كالأنداء
سارت إليك تحيتي ولو انّني
خيرت ، كنت تحيتي ودعائي

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:37 PM
أفاتحة أم ختام
( إيليا أبو ماضي )


قالها في رثاء الاسقف
عمانوئيل أبو حطب
ما وعظ الإنسان مثل الحمام
فليتّعظ بالصّمت أهل الكلام
أفصح من كلّ فصيح بنا
هذا الذي أعياه ردّ السلام
إنّي أراه وهو صمته
أروع من جيش كبير لهام
نامت جفون سهرت للعلى
من قبل أن ينجاب جنح الظلام
وسكن الوّثاب في صدره
من قبل أن يدرك كلّ المرام
يا لهفة القوم على كوكب
لاح قليلا واختفى في الغمام
ولهفة الدّين على سيّد
كان يرّجى في الخطوب الجسام
وصاحب قد كان في صحبه
كالروض فيه أرج وابتسام
ما غاب عنّا وكأنّي به
يفصله عن صحبه ألف عام
من الذي يطفىء من بعده
في المهج الحرّى ذكي الضرام؟
من الذي يمسح دمع الأسى
وماسح الأدمع تحت الرغام؟
يا نائما مستغرقا في الكرى
خطبك قد أقلق حتى النيام
خبّر، فإنّ القوم في حيرة
هل الرّدى فاتحه أم ختام
وهل صحيح أنّ كلّ المنى
يطحنها صرف الرّدى كالعظام ؟
وهل حقيق أنّ أهل العلى
والفضل بعد الموت مثل الطغام؟
أم بعد هذا يقظة حلوة
ينسى بها المرء الشقا والسّقام؟
ويصبح النابه في مأمن
من عنت المال وعيث الحسام؟
وتستوي الحالات في حالة
لا حيف فيها، لا أذى ، لا انتقام؟
خبّر، وحدّث، كلّنا حائر
ذو الجهل منّا والأريب الهمام
لأيّما أمر يعيش الورى ؟
لأيّما أمر يموت الأنام؟
وأين دار ليس فيها شقا
إن لمتكن هاتيك دار السلام؟
نم آمنا، فالمرء بعد الردى
كالفكر ، لا يزرى به ، لا يضام

ناريمان الشريف
10-11-2010, 04:37 PM
أقوى من الشيب و الهرم
( إيليا أبو ماضي )


ما زلت أحسب الحبّ زايلني
حتّى نظرت إليها و هي تبتسم
فاهتزّ قلبي كما تهتزّ نابته
في القفر مرّ عليها النّور و النذسم
يا حبّها لا تخف شيبا و لا هرما
فليس يقوى عليك الشيب و الهرم

أحمد فؤاد صوفي
10-11-2010, 06:47 PM
تحيتي وتقديري الدائمين . .
دمت بصحة وخير . .

** أحمد فؤاد صوفي **

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:37 AM
تحيتي وتقديري الدائمين . .
دمت بصحة وخير . .

** أحمد فؤاد صوفي **

أشكرك أخي أحمد
سرني تواجدك هنا

تحية ... ناريمان

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:39 AM
أم القرى
( إيليا أبو ماضي )


أبصرتها ، و الشمس عند شروقها
فرأيتها مغمورة بالنار
و رأيتها عند الغروب غريقه
في لجّة من سندس و نضار
و رأيتها تحت الدجى ، فرأيتها
في بردتين : سكينة ووقار
فتنبّهت في النفس أحلام الصبى
و غرقت في بحر من التّذكار
...
نفسي لها من جنّة خلّابة
نسجت غلائلها يد الأمطار
أنّى مشيت نشقت مسكا أزفرا
في أرضها و سمعت صوت هزار
...
ذات الجبال الشّامخات إلى العلا
يا ليت في أعلى جبالك داري
لأرى الغزالة قبل سكان الحمى
و أعانق النّسمات في الأسحار
لأرى رعاتك في المروج و في الربى
و الشّاء سارحة مع الأبقار
لأرى الطيور الواقعات على الثرى
و النحل حائمة على الأزهار
لأساجل الورقاء في تغريدها
و تهزّ روحي نفحة المزمار
لأسامر الأقمار في أفلاكها
تحت الظّلام إذا غفا سمّاري
لأراقب " الدلوار " في جريانه
و أرى خيال البدر في " الدلوار "
...
بئس المدينة إنّها سجن النّهى
و ذوي النّهى ، و جهنّم الأحرار
لا يملك الإنسان فيها نفسه
حتّى يروّعه ضجيج قطار
وجدت بها نفسي المفاسد و الأذى
في كلّ زاوية و كلّ جدار
لا يخدعنّ الناظرين برجها
تلك البروج مخابيء للعار
لو أنّ حاسد أهلها لاقى الذي
لاقيت لم يحسد سوى " بشّار "
غفرانك اللّهم ما أنا كافر
فلم تعذّب مهجتي بالنّار ؟
...
لله ما أشهى القرى و أحبّها
لفتى بعيد مطارح الأفكار
إن شئت تعرى من قيودك كلّها
فانظر إلى صدر السّماء العاري
و امش على ضوء الصّباح ، فإن خبا
فامش على ضوء الهلال السّاري
عش في الخلا تعش خليّا هانئا
كالطّير ... حرا ، كالغدير الجاري
عش في الخلاء كما تعيش طيوره
الحرّ يأبى العيش تحت ستار !
...
شلّال " ملفرد " لا يقرّ قراره
و أنا لشوقي لا يقرّ قراري
فيه من السيف الصقيل بريقه
و له ضجيج الجحفل الجرّار
أبدا يرش صخوره بدموعه
أتراه يغسلها من الأوزار ؟
فاذا تطاير ماؤه متناثرا
أبصرت حول السفح شبه غبار
كالبحر ذي التّيار يدفع بعضه
و يصول كالضرغام ذي الأظفار
من قمّة كالنهد ، أيّ فتى رأى
نهدا يفيض بعارض مدرار ؟
فكأنّما هي منبر و كأنّه
" ميراب " بين عصائب الثوّار
من لم يشاهد ساعة و ثباته
لم يدر كيف تغطرس الجبّار
ما زلت أحسب كلّ صمت حكمة
حتّى بصرت بذلك الثرثار
أعددت ، قبل أراه ، وقفة عابر
لاه فكانت وقفة استعبار ! ..
...
يا أخت دار الخلد ؛ يا أم القرى ،
يا ربّة الغابات و الأنهار
لله يوم فيك قد قضّيته
مع عصبة من خيرة الأنصار
نمشي على تلك الهضاب ودوننا
بحر من الأغراس و الأشجار
تنساب فيه العين بين جداول
و خمائل و مسالك و ديار
آنا على جبل مكين راسخ
راس ، و آنا فوق جرف هار
تهوي الحجارة تحتنا من حالق
و نكاد أن نهوي مع الأحجار
لو كنت شاهدنا نهرول من عل
لضحكت منّا ضحكة استهتار
الريح ساكنة و نحن نظنّنا
للخوف مندفعين مع إعصار
و الأرض ثابتة و نحن نخالها
تهتزّ مع دفع النسيم السّاري
مازال يسند بعضنا بعضا كما
يتماسك الروّاد في الأسفار
ويشدّ هذا ذاك من أزراره
فيشدّني ذيّاك من أزراري
حتى رجعنا سالمين و لم نعد
لو لم يمدّ الله في الأعمار
و لقد وقفت حيال نهرك بكرة
و الطير في الركنات و الأوكار
متهيّبا فكأنّني في هيكل
و كأنّه سفر من الأسفار
ما كنت من يهوى السكوت و إنّما
عقلت لساني رهبة الأدهار
مرّ النسيم به فمرّت مقلتي
منه بأسطار على أسطار
فالقلب مشتغل بتذكاراته
و الطرف مندفع مع التيّار
حتى تجلّت فوق هاتيك الربى
شمس الصباح تلوح كالدّينار
فعلى جوانبه وشاح زبرجد
و على غراربه و شاح بهار
لو أبصرت عيناك فيه خيالها
لرأيت مرآة بغير إطار
يمّمته سحرا و أسراري معي
و رجعت في أعماقه أسراري ! ..
...
إنّي حسدت على القرى أهل القرى
و غبطت حتّى نافخ المزمار
ليل و صبح بين إخوان الصّفا
ما كان أجمل ليلتي و نهاري !

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:39 AM
أما أنا ...
( إيليا أبو ماضي )


لا تنثني في الرّوض أغصان الشّجر
حتّى تدغدغها النّسائم في السّحر
و أنا كذلك لا يفارقني الضّجر
حتّى تداعب لمّتي بيديها
***
الشّمس تلقى في الصّباح حبالها
و تبيت تنظر في الغدير خيالها
أمّا أنا فإذا وقفت حيالها
أبصرت نور الشمس في خدّيها
***
الطّود يقرأ في السّماء الصّافيه
سفرا ، جميل متنه و الحاشيه
أمّا أنا فإذا فقدت كتابيه
أتلو كتاب الحبّ في عينيها
***
الطّير إن عطشت ولجّ بها الظّما
هبطت إلى الأنهار من علو السّما
أمّا أنا فإذا ظمئت فإنّما
ظمأي الشديد إلى لمى شفتيها
***
الندّ يطلبه الخلائق في الرّبى
بين الورود و في نسيمات الصّبا
أمّا أنا فألذّ من نشر الكبا
عندي ، الذي قد فاح من نهديها
***
الرّاح تصرف ذا العناء عن العنا
و تطير بالصّعلوك في جوّ المنى
قيرى الكوكب تحته ، أمّا أنا
فتظلّ أفكاري تحوم عليها
***
فيها و منها ذلّتي و سقامي
و بها غرامي ، القاتلي ؛ و هيامي
أشتاقها في يقظتي و منامي
و أطول شوق المستهام إليها

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:40 AM
أمة تقنى وأنتم تلعبون
( إيليا أبو ماضي )


أعلى عيني من الدّمع غشاء
أم على الشّمس حجاب من غمام
غامض نور الطّرف أم غارت ذكاء
لست أدري غير أني في ظلام
ما لنفسي لا تبالي الطّربا
أين ذاك الزّهو ، أين الكلف؟
عجبا ماذا دهاها عجبا
فهي لا تشكو ولا تستعطف
ليتها ما عرفت ذاك النّبا
فالسّعيد العيش من لا يعرف
لا ابتسام الغيد، لا رقص الطّلاء
يتصبّاها ولا شدو الحمام
بالكرى عني وبي عنه جفاء
أنا وحدي... أم كذا كلّ الأنام؟
لاأرى لي من همومي مهربا
فهي في هذا وذيّاك الطّريق
في الرّبى فوق الرّبى تحت الرّبى
في الفضاء الرّحب في الرّوض الأنيق
في اهتزاز الغصن في نفح الصّبا
في انسجام الغيث في لمح البروق
كلّما أومض برق أو أضاء
بتّ أشكو في الدّجى وقع السّهام
في ابتسام الفجر للمرضى شفاء
وابتسام الفجر فيه لي سقام
تعتريني هزّة كالكهربا
كلّما حنّ مشوق لمشوق
علّمت عيني السّهاد الكوكبا
وفؤادي علّم البرق الخفوق
ما دعوت الدّمع إلاّ انسكبا
يا دموعي أنت لي أوفى صديق
لم أر كاليأس يغري بالبكاء
لا ولا كالدمع يفشي المستهام
فاستعينوا بالبكا يا تعساء
كلّما اشتدت بكم تار الهيام
خلت قلبي بالأسى منفردا
وأنا وحدي صريع المحن
وتوهّمت الأسى لن يجدا
سكنا في غير قلبي المثخن
وظننت الدّهر مهما حقدا
سوف لا يفجعني في وطني
فإذا تلك المغاني في شقاء
وإذا كلّ فؤاد في ضرام
ذهبت كلّ ظنوني في الهواء
وتوّلت مثل أضغاث المنام
لا تأمني إن أنا لمت القضا
ولم الدّهر الّذي أخنى علّي
لم تدع فيّ اللّيالي غرضا
والضّنى لم يبق مني غير في
لا تسلني: أيّ خطب عرضا
في الحشا وجد وفي المقول عيّ
قلّ غربي سالب السّيف المضاء
والشّذى الزّهرة والعقد النّظام
وإذا ما غلب اليأس الرّجاء
هانت الشّكوى ولم يجد الكلام
بصرت لكن مثلما شاء الكمد
شاعرا من مقلتي أرتجل
صدّ ما كان بنفسي عنه صد
وتجافاني الكلام المرسل
عقد الحزن لساني فانعقد
أيّ سيف ما اعتراه الفلل؟
بي هموم كلّما لاح الضّياء
ضربت فوق عيوني بلثام
وشجون كلّما جنّ المساء
قطعت بين جفوني والمنام
لا أرى غير خيالات تسير
مهطعات عن يساري واليمين
فوق أرض من دماء وسعير
في فضاء من هموم وشجون
عجبا ... أين ابتسامات الثّغور
ما لقومي كلّهم باك حزين
كلّ ما أسمع نوح وبكاء
كلّ ما أبصر ((صرعى ورمام))
زلزلت زلزالها هذي السّماء
أم ترى فضّت عن الموتى الرّجام
وقع الأمر الّذي لا يدفع
وجنى الجاني على تلك الرّبوع
واحتواها نهم لا يشبع
فاحتوى سكّانها خوف وجوع
فهي إمّا دمنة أو بلقع
وهم إمّا قتيل أو صريع
إن شكت قالت على الدّنيا السّلام
عبث الإنسان فيها والقضاء
آه من جور اللّيالي والطّغام
ربّ طفل طاهر ما أثما
مات موت الآثم المجرم
كان مّمن يرتجي لو سلما
للعلى لكنّه لم يسلم
كوكب ما كاد يبدو في السّما
طالعا حتّى اختفى كالحلم
غاض مثال الماء في الأرض العراء
ما عهدت البدر مثواه الرّغام
هكذا أودت به ريح الشّتاء
زهرة لم تنفتح عنها الكمام
ربّ شيخ أقعدته الحادثات
ومشى ((الأبيض)) في لّمته
وثناه الضّعف عن حمل القناة
وعن السّابق في حلبته
كان من قبل حلول الكارثات
آمنا كالنّسر في وكنته
لاهيا يذكر أيّام الصّباء
ولياليه وفي الثّغر ابتسام
حكم العاني عليه بالفناء
وأبى المقدور إلاّ أن يضام
وفتى كالغصن ريّان نضير
تحلم الخود به إذ تحلم
وتراه للهوى بين البدور
فتراه فوقّهنّ الأنجم
ألمعيّ الذّهن والقلب الكبير
ملك في بردتيه ضيغم
بات لا يقوى على حمل الرداء
منكباه وهو في العشرين عام
ما به عجز ولا داء عياء
غير أنّ الجوع قد هدّ العظام
وصغار مثل أفراخ القطا
يتضاغون من الجوع الشّديد
وهنت أعصابهم لما سطا
والطّوى يوهن عزمات الأسود
أرأيت العقد إمّا انفرطا
هكذا دمعهم فوق الخدود
زهقت أرواحهم في شكل ماء
للأسى ، للّه ما أقسى الحمام
يا رعى اللّه نفوس الشّهداء
وسقى أحداثهم صوب الغمام
أيّها الجالون عن ذاك الحمى
إنّ في ذاك الحمى ما تعلمون
ضيم في أحراره واهتضما
ووقفتم من بعيد تنظرون
لا؛ ومن شاء لنا أن ننعما
ما كذا يجزي الأب البّر البنون
كلكم يا قوم في البلوى سواء
لا أرى في الرّزء لبنانا وشام
في ربى لبنان قومي الأصفياء
وبأرض الشّام أحبابي الكرام
اللّيالي غاديات رائحه
بالدّواهي وأراكم تضحكون
ما اتّعظتم بالسّنين البارحه
لا ولا أنتم غدا متّعظون
يا لهول الخطب!.. يا للفادحه
أمة تفنى وأنتم تلعبون
فادفنوا أضغانكم يا زعماء
يبعث اللّه من القبر الوئام
وابسطوا أيديكم يا أغنياء
أبغض السّحب إلى الصّادي الجهام

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:41 AM
أمنية المهاجر
( إيليا أبو ماضي )


جعت والخبز وثير في وطابي
والسّنا حولي وروحي في ضباب
وشربت الماء عذبا سائغا
وكأني لم أذق غير سراب
محنة ليس لها مثل سوى
محنة الزّورق في طاغي العباب
ليس بي داء ولكني امرؤ
لست في أرضي ولا بين صحابي
مرّت الأعوام تتلو بعضها
للورى ضحكي ولي وحدي اكتئابي
كلّما استولدت نفسي أملا
مدّت الدّنيا له كفّ اغتصاب
أفلتت مني حلاوات الرؤى
عندما أفلت من كفّي شبابي
بت لا الألهام باب مشرع
لي ولا الأحلام تمشي في ركابي
أشتهي الخمر وكأسي في يدي
وأحس الروح تعري في ثيابي
ربّ هبني لبلادي عودة
وليكن للغير في الأخرى ثوابي
أيّها الآتون في ذاك الحمى
يا دعاة الخير ، يا رمز الشّباب
كم هششتم وهششنا للمنى
وبكيتم وبكينا في مصاب
واشتركنا في جهاد أو عذاب
والتقينا في حديث أو كتاب
وعرفتم وعرفنا مثلكم
أنّما الحقّ لذي ظفر وناب
كلّ أرض نام عنها أهلها
فهي أرض لاغتصاب وانتهاب
زعموا الأنسان بالعلم ارتقى
وأراه لم يزل أنسان غاب
أنه الثعلب مكرا وهو كالسّر
طان غدرا وحكيم كالغراب
يا رفاقي حطّموا أقداحكم
ليس في الدّنيا رحيق لانسكاب
جفّ ضرع الشّعر عندي وانطوى
ولكم عاش لمرعى واحتلاب
........
أيّها السائل عني من أنا
أنا كالشّمس ألى الشّرق انتسابي
لغة الفولاذ هاضت لغتي
لا يعيش الشدو في بحر اصطخاب
لست أشكو إن شكا غيري النّوى
غربة الأجسام ليست باغتراب
أنا في نيويورك بالجسم و بالرّ
وح في الشرق على تلك الهضاب
في ابتسام الفجر في صمت الدّجى
في أسى " تشرين " في لوعة " آب "
أنا في الغوطة زهر و ندى
أنا في لبنان نجوى و تصابي
أنّني ألمح في أوجهكم
دفقة النّور على تلك الرّوابي
و أرى أشباح أيّام مضت
في كفاح و نضال و وئاب
و أرى أطياف عصر باهر
طالع كالشّمس من خلف الحجاب
ليته يسرع كي أبصره
قبل أن أغدو تربا في تراب

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:42 AM
أمينة إلاهة
( إيليا أبو ماضي )


أحبّ إله في صباه إلاهة
جرى السحر في أعطافها والترائب
تمنّت عليه آية يجىء بها
إله سواه في العصور الذواهب
ليمسي على الأرباب أجمع سيّدا ،
وتمسي تباهي كلّ ذات ذوائب
وكان إلها جامحا متضرّما
هوى، فأتى بالمعجزات الغرائب
كسا الأرض بالزهر البديع لأجلها
ورصّع آفاق السما بالكواكب
وما زال حتى علّم الطير ما الهوى
فحنّت وغنّت في الذّرى والمناكب
وأنشأ جنات وأجرى جدواولا
ومدّ المروج الخضر في كلّ جانب
وشاء، فشاع العطر في الماء والضّيا
وفي كلّ صوت أو صدى متجاوب
ومسّ الضّحى فارفضّ تبرا على الربى
وسال عقيقا في حواشي السباسب
وقال لأحلام البحار تجسّدي
مواكب ألوان وجيش عجائب
فكانت لآل في الشطوط ، وفي الفضا
غيوم، وموج ضاحك في الغوارب
ولما رأى الأشياء أحسن ما ترى
وتّمت له دنيا بغير معايب
دعاها إليه كي تبارك صنعة
ولم يدر أنّ الحبّ حمّ المطالب
فقالت له : أحسنت! أحسنت مبدعا
فيا لك ربّا عبقريّ المواهب
ولكنّ لي أمنية ما تحقّقت
إذا لم تنلنيها فما أنت صاحبي!
******
فدنياك هذي على حسنها
وسحر مشاهدها والصور
تشاركني سائر لالآهات
لذاذاتها ونساء البشر
أريد دنيا فيها شعاع
يبقي أذا غابت النجوم
أريد دنيا تحسّ نفسي
فيها نفوسا بلا جسوم
أريد خمرا بلا كؤوس
من غير ما تنبت الكروم
أريد عطرا بلا زهور
يسري وإن لم يكن نسيم
وزادت فقالت: أريد أنينا
يشوّش روحي ولا محتضر
وماء يموج ولا جدول،
ونارا بلا حطب تستعر
فأطرق ذاك الاله الفتيّ
وفي نفسه ألم مستتر
وقال امهليني ثلاث ليال
أذلّل فيها المراد العسر!
وراح يجوب رحاب الفضاء
يحدوه شوق ويدعوه سر
فسال مع الشمس فوق الربى
وغلغل في الحندس المعتكر
وأصغى إلى نسمات المروج
وأصغى إلى نفحات الزّهر
وبعد ثلاث ليال أتاها
فظنته جاء لكي يعتذر
فقال وجدت الذي تطلبين
لدي شاعر ساحر مبتكر
وأخرج خيطا قصير المدى
بلون التراب ولين الشّعر
فلما رأته عراها الأسى
وغوّر إيمانها واندثر
فصاحت بغيط: أتسخر مني؟
إذن فاحمل العار، او فانتحر!
أجاب رويدّك ، يا ربّتي
فما في التعجّل إلاّ الضرر!
وشدّ إلى آله خيطه
ودغدغة صامتا في حذر
ففاضت خمور ، وسالت دموع،
وشعّت بروق، ولاحت صور!
فصاحت به وهي مدهوشة: ألا إنّ ذا عالم محتضر!
فيا ليت شعري ماذا يسمّى؟
فقال لها: إن هذا الوتر

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:42 AM
أنا أمام الذين هاموا
( إيليا أبو ماضي )


لمني إذا حلّت عن عهودي
و لا تلمني على هيامي
ما كنت أخشى من المنايا
فكيف أخشى من الملام ؟
قد نزل الحبّ في فؤادي
ضيفا ، و لكن على الدوام
فبات قلبي له طعاما
وبتّ أنأى عن الطعام
أعدى غرامي النجوم حتّى
أسهرها في الدجى غرامي
لو تعرف الشمس ما للهوى لم
تبن لطرف من السّقام
أصاب سهم الفراق قلبي
و أخطأت قلبه سهامي
و كان خوفي من التنائي
خوف كفيف من ( التّرام )
إن فراق الحبيب عندي
أشدّ وقعا من الحمام
لو يبعد البعد عن حبيبي
ما عنّ يوما لمستهام
أنا إمام الذين هاموا
و أيّ قوم بلا إمام
فليس قبلي و ليس بعدي
و لا ورائي ولا أمامي

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:43 AM
أنا هو
( إيليا أبو ماضي )


كانت قبيل العصر مركبة
تجري بمن فيها من السّفر
ما بين منخفض و مرتفع
عال ، و بين السّهل و الوعر
و تخطّ بالعجلات سائرة
في الأرض إسطارا و لا تدري
كتبت بلا حبر و عزّ على
الأقلام حرف دون ما حبر
سيّارة في الأرض ما قتئت
كالطّير من وكر إلى وكر
تأبى و تأنف أن يلمّ بها
تعب ، و أن تشكو سوى الزّجر
حملت من الركاب كلّ فتى
حسن الرّواء و كلّ ذي قدر
يتحدّثون فذاك عن أمل
آن ، و ذا عن سالف العمر
يتحدّثون و تلك سائرة
بالقوم لا تلوي على أمر
فكأنّما ضربت لها أجلا
أن تلتقي و الشمس في خدر
حتى إذا صارت بداحية
ممدودة أطرافها صفر
سقطت من العجلات واحدة
فتحطّمت إربا على الصّخر
فتشاءم الركّاب و اضطربوا
مما ألمّ بهم من الضّر
و تفرّقوا بعد انتظامهم
بددا و كم نظم إلى نثر
و الشّمس قد سالت أشعّتها
تكسو أديم الأرض بالتّبر
و الأفق محمرّ كأنّ به
حنقا على الأيّام و الدّهر
قد كان بين الجمع ناهدة
الثديين ذات ملاحة تغري
تبكي بكاء القانطين و ما
أسخى دموع الغادة البكر
و قفت و شمس الأفق غاربة
تذري على كالورد ، كالقطر
شمسان لولا أنّ بينهما
صلة لما بكتا من الهجر
و تدير عينيها على جزع
كالظّبي ملتفتا من الذّعر
و إذا فتى كالفجر طلعته
بل ربما أربى على الفجر
وافى إليها قائلا عجبا
ممّ البكاء شقيقة البدر ؟
قالت أخاف اللّيل يدهمني
ما أوحش اظلماء في القفر !
و أشدّ ما أخشاه سفك دمي
بيد الأثيم اللّصّ ذي الغدر
" هنري " اللّعين و ما الفتى هنري
إلاّ لبن أمّ الموت لو تدري
رصد السبيل فما تمرّ به
قدم و لا النسمات إذ تسري
وا شقوتي إنّ الطريق إلى
سكني على مستحسن النكر
إنّي لأعلم إنّما قدمي
تسعى حثيثا بي " القبر
قال الفتى هيهات خوفك لن
يجديك شيئا ربّة الطهر
فتشجهي و عليّ فاتّكلي
فأنا الذي يحميك من هنري
قالت أخاف من الخؤون على
هذا الشباب الناعم النّضر
فأجابها لا تجزعي و ثقي
أنّي على ثقة من النّصر
عادت كأن لم يعرها خلل
تخد القفار سفينة البرّ
و اللّيل معتكر يجيش كما
جاشت هموم النّفس في الصدر
فكأنّه الآمال واسعة
و البحر في مدّ و في جزر
و كأنّ أنجمه و قد سقطت
دمع الدّلال و ناصع الدّر
و البدر أسفر رغم شامخة
قد حاولت تطويه كالسّر
ألقى أشعّته فكان لها
لون اللّجين و لؤلؤ الثّغر
فكأنّه الحسناء طالعة
من خدرها أو دمية القصر
و كأنّما جنح الظّلام جنى
ذنبا فجاء البدر كالغدر
و ضحت مسالك للمطيّة قد
كانت شبيه غوامض البحر
فغدت تحاكي السّهم منطلقا
في جريها و الطيف إذ يسري
و القوم في لهو و في طرب
يتناشدون أطايب الشّعر
حتى إذا صارت بمنعرج
و قفت كمنتبه من السّكر
فترجّلت " ليزا " و صاحبها
و مشت و أعقبها على الأثر
و استأنفت تلك المطيّة ما
قد كان من كرّ و من فر
مشت المليحة و هي مطرقة
ما ثمّ من تيه و لا كبر
أنّى تتيه و قد أناخ بها
همّ و بعض الهمّ كالوقر
لم تحتسي خمرا و تحسبها
ممّا بها نشوى من الخمر
في غابة تحكي ذوائبها
في لونها و اللّف و النّشر
ضاقت ذوائبها فما انفجرت
إلاّ لسير الذّئب و النمر
كاللّيلة الليلاء ساجية
و لربّ ليل ساطع غرّ
قد حاول القمر المنير بها
ما حاول الإيمان في الكفر
تحنو على ظبي و قسورة
أرأيتم سرين في صدر ؟
صقر وورقاء ، و من عجب
أن تحتمي الورقاء بالصّقر
هذا و أعجب أنّها سلمت
منه على ما فيه من غدر
ظلّت تسير و ظلّ يتبعها
ما نمّ من إثم و لا وزر
طال الطريق و طال سيرها
لكنّ عمر اللّيل في قصر
حتّى إذا سفر الصّباح و قد
رفع الظّلام و كان كالسّتر
و الغاب أوشك أن يبوح بها
و به ، بلا حذر ، إلى النّهر
نظرت إليه بمقلة طفحت
سحرا ووجه فاض بالبشر
قالت له لم يبق من خطر
جمّ نحاذره و لا نذر
أنظر فإنّ الصّبح أوشك أن
يمحو ضياء الأنجم الزّهر
و أراه دبّ إلى الظّلام فهل
هذا دبيب الشّيب في الشّعر
و أسمع ، فأصوات الطيور علت
بين النّقا و الضال و السّدر ؟
قال الفتى أو كنت في خطر ؟
قالت له عجبا ألم تدر ؟
فأجابها ما كان في خطر
من كان صاحبه الفتى هنري
فتقهقرت فزعا فقال لها
لا تهلعي واصغي إلى حرّ
ما كنت بالشّرير قطّ و لا
الرّجل الذي يرتاح للشّرّ
لكنّني دهر يجوز على
دهر يجوز على بني الدّهر
بل إنّني خطر على فئة
منها على خطر ذوي الضّر
قتلوا أبي ظلما فقتلهم
عدل و حسبي العدل أن يجري
لا سلم ما بيني و بينهم
لا سلم بين الهرّ و الفأر
سيرون في الموت منتقما
لا شافع في الأخذ بالثّأر
تالله ما أنساك يا أبتي
أبدا و لا أغضي على وتر
قالت لقد هيّجت لي شجنا
فإليك ما قد كان أمري
بعث المليك إلى أبي فمضى
و أخي معا توّا إلى القصر
فإذا أبي في القبر مرتهن
و إذا أخي في ربقة الأسر
يا ساعديّ بترتما ويد
الدهر الخؤون أحق بالبتر
نابي و ظفري بتّ بعدكما
وحدي بلا ناب و لا ظفر
و يلاه من جور الزّمان بنا
و الويل منه لكلّ مغترّ
و كأنّنا و الموت يرتع في
أرواحنا مرعى و مستمري
لما انتهت و إذا به دهش
حيران كالمأخوذ بالسّحر
شاء الكلام فناله خرس
كلّ البلاغة تحت ذا الحصر
و كذلك الغيداء أذهلها
ميل إلى هذا الفتى الغرّ
قالت أخي و الله
و اقتربت
و إذا به ألقى عباءته
برح الخفاء بها عن الجهر
صاحت أخي فيكتور وا طربي
روحي ، شقيقي ، مهجتي ، ذخري
و تعانقا ، فبكى فرحا
إنّ البخار نتيجة الحرّ
و تساقطت في الخدّ أدمعها
كالقطر فوق نواضر الزّهر
...
قل للألي يشكون دهرهم
لا بدّ من حلو و من مرّ
صبرا إذا جلل أصابكم
فالعسر آخره إلى اليسر

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:44 AM
أنا و أخت المهاة و القمر
( إيليا أبو ماضي )


آه من الحبّ كلّه عبر
عندي منه الدموع و السهر
وويح صرعى الغرام إنّهم
موتى ، و ما كفّنوا و لا قبروا
يمشون في الأرض ليس يأخذهم
زهو و لا في خدودهم صعر
لو ولج الناس في سرائرهم
هانت ، و ربّي ، عليهم سقر
ما خفروا دمّة ، و لا نكثوا
عهدا ، و لا مالا و لا غدروا
قد حملوا الهون غير ما سأم
لولا الهوى للهوان ما صبروا
لم يبق منّي الضّنى سوى شبح
يكاد ، لولا الرجاء ، يندثر
أمسي و سادي مشابها كبدي
كلاهما النار فيه تستعر
أكل صبّ ، يا ليل ، مضجعة
مثلي فيه القتاد و الإبر
لعلّ طيفا من هند يطرقني
فعند هند عن شقوتي خبر
ما بال هند عليّ غاضبة
ما شاب فودي و ليس بي كبر
ما زلت غضّ الشباب لا وهن
يا هند في عزمتي و لا خور
لا درّ درّ الوشاة قد حلفوا
أن يفسدوا بيننا و قد قدروا
واها لأيّامنا ... أراجعة ؟
فانّهن الحجول و الغرر
أيّام لا الدهر قابض يده
عنّي ، و لا هند قلبها حجر
***
لم أنس ليلا سهرته معها
تحنو علينا الأفنان و الشجر
غفرت ذنب النّوى بزورتها
ذنب النوى باللقاء يغتفر
بتنا عن الراصدين يكتمنا
الأسودان : الظلام و الشعر
ثلاثة للسرور ما رقدوا
أنا و أخت المهاة و القمر
فما لهذي النجوم ساهية
ترنو إلينا كأنّها نذر ؟ ...
إن كان صبح الجبين روّعها
فإنّ ليل الشعور معتكر
أو انتظام العقود أغضبها
فإنّ درّ الكلام منتثر
و ما لتلك الغصون مطرقة
كأنّها للسلام تختصر
تبكي كأنّ الزمان أرهقها
عسرا ، و لكن دموعها الثمر
طورا على الأرض تنثني مرحا
و تارة في الفضاء تشتجر
فأجلفت هند عند رؤيتها
و قد تروع الجآذر الصور
هيفاء لو لم تلن معاطفها
عند التثنّي خشيت تنكسر
من اللّواتي – و لا شبيه لها –
يزينهنّ ادلال و الخفر
في كل عضو و كل جارحة
معنى جديد للحسن مبتكر
تبيت زهر النجوم طامعة
لو أنّها فوق نحرها درر
رخيمة الصوت إن شدت لفتت
لها الدّراري و أنصت السحر
أبثّها الوجد و هي لاهية
أذهلها الحبّ فهي تفتكر
يا هند كم ذا الأنام تعذلنا
و ما أثمنا و لا بنا وزر
فابتدرت هند و هي ضاحكة :
ماذا علينا و إن هم كثروا
فدتك نفسي لو أنّهم عقلوا
و استشعروا الحبّ مثلما عذروا
ما جحد الحبّ غير جاهله
أيجحد الشمس من له بصر ؟
ذرهم و إن أجلبوا و إن صخبوا
و لا تلمهم فما هم بشر !
سرنا الهويناء ما بنا تعب
و قد سكتنا و ما بنا حصر
لكنّ فرط الهيام أسكرنا
و قبلنا العاشقون كم سكروا
فقل لمن يكثر الظنون بنا
ما كان إلاّ الحديث و النظر
حتّى رأيت النجوم آفلة
و كاد قلب الظلام ينفطر
ودّعتها و الفؤاد مضطرب
أكفكف الدمع و هو ينهمر
وودّعتني و من محاجرها
فوق العقيق الجمان ينحدر
قد أضحك الدهر ما بكيت له
كأنّما البين عنده وطر
كانت ليالي ما بها كدر
و الآن أمست و كلّها كدر
إن نفد الدمع من تذكّها
فجادها بعد أدمعي المطر
عسى اللّيالي تدري جنايتها
على قتيل الهوى فتعتذر

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:45 AM
أنا و النجم
( إيليا أبو ماضي )


مثلي هذا النجم في سهده
و مثله المحبوب في بعده
يختال في عرض السّما تائها
كأنّما يختال في برده
إن شئت فهو الملك في عرشه
أو شئت فهو الطفل في مهده
يرمقني شذرا كأنّي به
يحسبني أطمع في مجده
يسعى و لا يسعى إلى غاية
كمن يرى الغاية في جدّه
كأنّما يبحث عن ضائع
لا يستطيع الصبر من بعده
طال سراه و هو في حيرة
كأنّه المحزون في وجده
في جنح ليل حالك فاحم
كأنّ حظي قدّ من جلده
لا يحسد الأعمى به مبصرا
كلاهما قد ضلّ عن قصده
ساورني الهمّ و ساورته
ما أعجز الإنسان عن ردّه !
ما أعجب الدهر و أطواره
في عين من يمعن في نقده ؟
جرّبته دهرا فما راقني
من هزله شيء و لا جدّه
أكبر منه أنّني زاهد
ما زهد الزاهد في زهده
أكبر منّي ذا و أكبرت أن
يطمع ، أن أطمع في رفده
و عدّني أعجوبة في الورى
مذ رحت لا أعجب من حقده
يا ربّ خلّ كان دوني نهى
عجبت من نحسي و من سعده
و عائش يخطر فوق الثرى
أفضل منه الميت في لحده
أصبح يجبني الورد من شوكه
و بتّ أجني الشوك من ورده
أكذب إن صدّقته بعدما
عرفت منه الكذب في وعده
لا أشتكي الضرّ إذا مسّني
منه ، و لا أطرب من رغده
أعلم أن البؤس مستنفذ
و الرّغد ما لا بدّ من فقده
إذا الليالي قرّبت نازحا
و كنت مشتاقا إلى شهده
أملّك عنه النفس في قربه
خوفا من الوحشة في صدّه
و إن أر الحزن على فائت
أضرّ بي الحزن و لم يجده

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:45 AM
أنا وهي
( إيليا أبو ماضي )


جلست إليها والترام بنا يعدو
إلى حيث لا واش هناك ولا ضدّ
قد انتظت هذي القطارات في الثّرى
كأن الثّرى وتلك لها عقد
بلى، هي عقد بل عقود ، ألا ترى
على الأرض أسلاكا تدور فتمتدّ؟
يسير فيطوي الأرض طيا كلأنّما
دواليبة أيدي، كأنّ الثذرى يرد
فكالطو
إلاّ أنّ ذيّاك ثابت
توهّمته من سرعة السّير راكدا
وأنّ الدّنى فيمن على ظهرها تعدو
تحوم عليه المركبات كأنه
مليك وتلك المركبات له جند
تقصر عنه الرّيح إما تسابقا
فكيف تجاربه المطهّمة الجرد؟
على أنه في كفّ عبد زمامه
فيا من رأى ملكا يصرفه عبد
كأني به ، يا صاح، دار ضيافة
يغادر وفد ويقصده وفد
خلوت بمن أهوى به رغم عاذلي
ولم يك غير القرب لي ولها قصد
فسار بنا في الأرض وخدا كأنما
درى أنّ ما نبغه منه هو الوخد
فما راعني واللّه إلا وقوفه
فقد كنت أخشى أن يفاجئنا وغد
ولما انتهى من سيره وإذا بنا
على شاطىء البحر الذي ما له حد
هناك وقفنا والشّفاة صوامت
كأن بنا عيّا وليس بنا وجد
سكتنا ولكنّ العيون نواطق
أرق حديث ما العيون به تشدو
سكرنا ولا خمر ولكنّه الهوى
إذا اشتدّ في القلب امرىء ضعف الرشد
فقالت وفي أجفانها الدمع جائل
وقد عاد مصفرّا على خدّها الورد
ألا حبّذا ، يا صاحبي، الموت ههنا
إذا لم يكن من تذوّق الرّدى بدّ
فيالك من فكر مخيف وهائل
ويا لك من مرآى يرقّ له الصّلد
فقلت لها إني محب لكلّ ما
تحبين ، إن السمّ منك هو الشّهد
فقالت أمن أجلي تحنّ إلى الردى؟
دع الهزل إنّ المرء حليته الجد
فقلت لها لو كنت في الخلد راتعا
ولست معي واللّه ما سرّني الخلد
فإن لم يكن مهد إليك يضمّني
فيا حبّذا ، يا هند ، لو ضمّنا لحد
فقالت لعمر الحقّ إنك صادق
فدمت على ود ودام لك الودّ
فلو لم أكن من قبل أعشق حسنها
لهمت بها واللّه حسبي من بعد

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:46 AM
أنت
( إيليا أبو ماضي )


مهبط الوحي مطلع الأنبياء
كيف أمسيت مهبط الأرزاء؟
في عيون الأنلم عنك نبوّ
لم يكن في العيون لو لم تسائي
أنت كالحرّة التي انقلب الدّه
ر عليها فأصبحت في الإماء
أنت كالبردة الموشّاة أبلى الطّي
والنّشر ما بها من رواء
أنت مثل الخميلة الغنّاء
عرّيت من أوراقها الخضراء
أنت كاللّيث فلّم الدّهر ظفريه
وأحنى عليه طول الثّواء
أنت كالشّاعر الذي ألف الوحدة
... في محفل من الغوغاء
أنت مثل الجبّار يرسف في الأغلال
في مشهد من الأعداء
لو تشائين كنت أرفة حالا
أو لست قديرة أن تشائي
أنا ما زلت ذا رجاء كثير
ولئن كنت لا أرى ذا رجاء
قد بكى التار كوك منك قنوطا
فبكى الساكنوك خوف التّنائي
كثر النّائحون حولك حتّى
خلت أني في حاجة للعزاء
بذلوا دمعهم وصنت دموعي
إنّما اليائسون أهل البكاء
لو تفيد الدّموع شيئا لأحيت
كلّ عاف مدامع الشّعراء
أنت في حاجة إلى مثل (موسى)
لست في حاجة إلى (أرمياء)
...
مقلة الشّرق ! كم عزيز علينا
أن تكوني ربيّة الأقذاء
شرّدت أهلك النّوائب في الأرض
وكانوا كأنجم الجوزاء
وإذا المرء ضاق بالعيش ذرعا
ركب الموت في سبيل البقاء
لا يبالي مغرب في ذوبة
أن يراه ذووه في الغرباء
...
أرض آبائنا عليك سلام
وسقى اللّه أنفس الآباء
ما هجرناك إذ هجرناك طوعا
لا تظنّي العقوق في الأبناء
يسأم الخلد والحياة نعيم
أفترضى الخلود في البأساء؟
هذه أرضنا بلاقع، تمشي
فوقها كلّ عاصف هوجاء
هذه دورنا منازل للبو
وكانت منازل الورقاء
بدلتها السّنون شوكا من الزّهر
وبالوحش من بني حوّاء
ما طوت كارثا يد الصّبح إّلا
نشرته لنا يد الإمساء
نحن في الأرض تائهون كأنا
قوم موسى في اللّيلة اللّيلاء
تترامى بنا الرّكائب في البيداء
طورا؛ وتارة في الماء
ضعفاء محقّرون كأنا
من ظلام والنّاس من لألاء
واغتراب القوي عزّ وفخر
واغتراب الضّعيف بدء الفناء
عابنا البيض أنّنا غير عجم
والعبدّى بالسّحنة البيضاء
ويح قومي قد أطمع الدّهر فيهم
كلّ قوم حتى بني السّوداء
فإذا فاتنا عدو تجنّى
فأنارانا الأحباب في الأعداء
أطربتنا الأقلام لّما تغنّت
بالمساواة بيننا والإخاء
فسكرنا بها فلماّ صحونا
ما وجدنا منها سوى أسماء !!
...
نحن في دولة تلاشت قواها
كالنّضارة المدفون في الغبراء
أو كمثل الجنين ماتت به الحامل
حيا يجول في الأحشاء
عجبا كيف أصبح الأصل فرعا
والضّحى كيف حلّ في الظّلماء
ما كفتنا مظالم التّرك حتى
زحفوا كالجراد أو كالوباء
طردوا من ربوعهم فأرادوا
طردنا من ربوعنا الحسناء
ما لنا ، والخطوب تأخذ منّا
نتلهّى كأننا في رخاء
ضيم أحرارنا وريع حمانا
وسكتنا، والصّمت للجبناء
نهضة تكشف المذلّة عنّا
فلقد طال نومنا في الشّقاء
نهضة تلفت العيون إلينا
إنّ خوف البلاء شرّ بلاء
نهضة يحمل الأثير صداها
للبرايا في أوّل الأنباء
نهضة تبلغ النفوس مناها
فهي مشتاقة إلى الهيجاء
إنّ ذا هيكل نحن فيه القلب
والقلب سيّد الأعضاء
زعم الخائنون أنّا بما نبغيه
نبغي الوصول للعنفاء
سوف يدرون أنما العرب قوم
لا يبالون غير الأسنّة السّمراء
يوم تمشي على جبال من الألاء
تمشي في لأبحر من دماء
يوم يستشعر المواؤون منّا
إنّما الخاسرون أهل الرّياء

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:47 AM
أنت والكأس
( إيليا أبو ماضي )


أنت والكأس في يدي
فلمن أنت في غد؟
فاستشاطت لقولتي
غضبا في تمرّد
وأشاحت بوجهها
وادّعت أنّني ردي!
كاذب في صبابتي
ماذق في تودّدي
قلت: عفوا ، فإنّها
سورة من معربد
وجرى الصلح، والتقى
ثغرها ثغري الصدى
أذعن القلب طائعا
بعد ذاك التمرّد
فنعمنا هنيهة
بالولاء المجدّد
بين ماء مصفّق
وهزار مغرّد
ثمّ عادت وساوسي
فأنا في تردّد
راعها منّي السكوت
فذّمت تبلّدي
قالت: الحبّ سرمد
قلت: لا شيء سرمدي
أتحبّينني إذا
زال مجدي وسؤددي؟
فأجابت لفورها
أنت ، لا المجد،مقصدي
قلت: هل تحفظين عهدي
إذا ضاع عسجدي؟
فأجابت برقّة
أنت، ما عشت ، سيّدي
كنت كالشمس في الغنى
أم فقيرا كجدجد
حسنا... قلت ضاحكا:
يا ملاكي وفرقدي
إنّما هل يدوم لي
حبّك المشرق الندى
إن حتى الدهر قامتي
ومحا الشيب أسودي
وانطوى رونق الصّبا
مثل برق بفدفد؟
قالت : الشكّ آفة الحبّ
فانبذه تسعد
ليس حبّيك للصّبا
لست فيه بأوحد
بل لما فيك من صفات ،
ومن طيب محتد
قلت: والشكّ رائح
في صميري ومغتد:
وإذا غالني الحمام
وأصبحت في غد
جثّة لفّها الثرى
بالظلام المؤبّد
ليس فيها لصاحب
أرب أو لحسّد
وسرى الدود حولها
يتغذّى ويعتدي
ومررت الغداة بي
فمررت بجامد
ونظرت فلم تري
غير عظم مجرّد
بعثرته يد البلى
كنافايات موقد
هل تحبّينني إذن
لخلالي ومحتدي؟
ويك ! صاحت ودمعها
كجمان مبدّد
كم تظنّ الظنون بي
أيّها الزائغ اهتد
أشهد الصبح فائضا
في مروج الزبرجد
أشهد الليل لابا
طلبان التمرّد
أشهد الغيث معطيا،
أشهد الحقل يجتدي
وذوات الجناح من
باغم أو مغرّد
والأزاهير والشّذى
في وهاد وأنجد
أشهد الأرض والسما
أشهد اللّه موجدي
سوف أحيا كما ترى
الهوى والتوجّد
فأناجيك في الضحى
وهو أمراس عسجد
وأناجيك في المسا
والأصيل المورّد
في الربى تخلع الجمال
برودا وترتدي
والسواقي لها غناء
كألحان معبد
والعصافير أقبلت
نحوها للتبرّد
أسهر الليل وحشة
بفؤاد مشدّد
وإذا نمت نمت كي
يطرق الطيف مرقدي
فيظلّ الهيام بي
ينتهي حيث يبتدي
ويحزن تنهّت
فاستجاشت تنهّدي
فاعتنقنا سويعة
مثل جفني مسهّد!
أفلت الأمس هاربا
وغد؟ ليس من غد!
صرت وحدي وليس لي
أربّ في التّوحّد
يا نديمي إلى الكؤوس ،
ويا منشد انشد
زد لي الخمر كلّما
قلت: ((يا صاحبي زد))
لا تقل أيّ موسم
ذا، فذا يوم مولدي!
أنا، ما زلت في الحياة ،
لي شبابي وسؤددي
ولجيني وعسجدي،
وخلالي ومحتدي
إنّما ((تلك)) أخلفت
قبل ليلين موعدي
لم تمت... لا ، وإنّما
أصبحت في سوى يدي!
آفة الحبّ أنّه
في قلوب وأكبد
فهو كالنار لم تدم
في هشيم لوقد

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:47 AM
أنفس العشّاق
( إيليا أبو ماضي )


بالأمس بادرني صديق حائر يستفهم
أجهنّم نار ؟ كما زعم الهداة و علّموا ؟
أم زمهرير قارس قاس و كون مظلم ؟
فأحببته ، ما الزمهرير و ما اللّظى المتضرّم
بجهنّم ! .. لكنّما أن لا تحبّ جهنّم
يا صاحبي ، إنّ الخواء هو العذاب الأعظم
القلب إلاّ بالمحبّة منزل متردّم
هي للجراحة مرهم ، و هي للسعادة سلّم
هي في النجوم تألّق ، هي في الحياة ترنّم
هي أنفس العشّاق في غسق الدّجى تتبسّم

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:48 AM
أهلها عرب
( إيليا أبو ماضي )


أقاح ذاك أم شنب
وريق ذاك أم ضرب
ووجه ذاك أم قمر
وخد ذاك أم ذهب
جمال غير مكتسب
وبعض الحسن يكتسب
ثكلت الظرف، عاذلتي
أهذا الحسن يجتنب؟
عددت لها العيوب وليس
إلاّ الظّرف والأدب
فتاة بين مبسمها
وبين عقودها نسب
لواحظها نمتها الهند
لكن أهلها عرب
مرنّحة إذا خطرت
رأيت الغصن يضطرب
مشت وونت روادفها
فكاد الخصر ينقضب
يسر العاذلون إذا
نأت ويعودني الوصب
ويصطخبون إن قربت
وعندي يحسن الطّرب
فأبكى كلّما ضحكوا
وأضحك كلّما غضبوا!

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:49 AM
أيا نيل
( إيليا أبو ماضي )


وقفت ضحى في شاطيء النيل وقفة
يضنّ بها إلاّ على النيل شاعره
تهلّل حتى يبدو ضميره
و عبّس حتى كاد يشكل ظاهره
فثمّ جلال يملأ النفس هيبة
و ثمّ جلال يملأ العين باهره
فطورا أجيل الطرف في صفحاته
و طورا أجيل الطرف فيما يجاوره
و ألحظ شمس الأفق و هي مطله
تساير فيها ظلّها إذ تسايره
فأحسبها فيه تساهمني
و تحسبني فيها الغرام أشاطره
إذا هي ألقت في حواشيه نورها
رأى التبر يجري في حواشيه ناظره
أطالت به لاتحديق حتى كأنّما
تحاول منه أن تبين سرائره
فيا لهما إلفين باتا بعزل
يخامرها من حبّه ما يخامره
يروح النسيم الرّطب في جنباته
يداعبه طورا و طورا يحاوره
و تقبض من مبسوطه نفحاته
كما قبض الثوب المطرّز ناشره
فيصدف عنه و هو مقطب
كأنّ عدوّا بالنسيم يحاذرة
كأنّي به تدانت سطوره
أوائله قد شكّلت و أواخره
إذا ما جلا للناظرين رموزه
تجلّى لهم ماضي الزمان و حاضره
أيا نيل نبئني أحاديث من مضوا
لعلّ شفاء النفس ما أنت ذاكره
حيالك صبّ بالخطوب مهدّد
جوانحه رهن الهموم و خاطره
أطاع شجونا لو أطاع فؤاده
عليها لفاضت بالنجيع محاجره
يحثّ إليّ الدهر كلّ رزيئة
على عجل حتى كأنّي واتره
و ما أنا بالعبد الذي يرهب العصا
و لكنّني حرّ تروع بوادره
أيا نيل فامنحني على الحقّ قوّة
فما سوّد الضرغام إلاّ أظافره
و هبني بأسا يسكن الدهر عنده
فقد طالما جاشت عليّ مناخره
إذا لم تكن عون الشجيّ على الأسى
فخاذله فيه سواء و ناصره
قني البأس وامنع شعبك الضّعف يتّقي
و ينصفه من حسّاده من يناكره
هو الدهر من ضدّين ذلّ و عزّة
فمن ذلّ شاكيه و من عزّ شاكره
و للقادر الماضي العزيمة حلوة
و للعاجز الواهي الشكيمة حازره
و ما للناس إلا القادرون على العلى
و ليست صنوف الطير إلاّ كواسر
ألم تره منذ استلينت قناته
تمشّت
فأرهق حتى ما يبين كلامه
و قيّد حتى ليس تسري خواطره
و لو ملكوا الأقدار استغفر الذي
له الملك يؤتيه الذي هو آثره
لما تركوا شمس النهار يزوره
سناها ، و لا زهر النجوم تسامره
يريدون أن يبقى و يذهب مجده
و كيف بقاء الشعب بادت مآثره ؟
فغورست في مصر يسدّد سهمه
إليه و قنّاص الوحوش يضافره
يلجّون في إعناته فإذا شكا
يصيحون أنّ الشعب قد ثار ثائره
لقد هزأوا لما تنّبه بعضه
فلم ذعروا لما تنبّه سائره ؟
يقولون جان لا يحلّ فكاكه
و لو أنصفوه حمل الإثم أسره
عجبت لقوم ينكرون شعوره
و هاتا مجاليه و تلك مظاهره
ألم يك في يوم القناة ثباته
دليلا على أن ليس توهى مرائره ؟
يعزّ على المصريّ أن يحمل الأذى
و حاضره يأبى الهوان و غابره
لئن تك للتاريخ و الله زينة
فما زينة التاريخ إلاّ مفاخره
رعى الله من أبنائه من يذود عن
حماه ، و من أضيافه من يظاهره
هم بعثوا فيّ الحياة جديده
فشدت أواخيه و عزّت أواصره
و هم أسمعوا الأيّام صوتا كأنّما
هو الرعد تدوي في السماء زماجره
و هم أطلقوا أقلامهم حين أصبحت
مكبلة أقلامه و محابره
كذلك إن يعدم أخو الظلم ناصرا
فلن يعدم المظلوم حرا يناصره

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:49 AM
أيلول الشاعر
( إيليا أبو ماضي )


ألحسن حولك في الوهاد و في الذرى
فانظر ، ألست ترى الجمال كما أرى ؟
" أيلول " يمشي في الحقول و في الربى
و الأرض في أيلول أحسن منظرا
شهر يوزّع في الطبيعة فنّه
شجرا يصفّق أو سنا متفجّرا
فالنور سحر دافق ، و الماء شعر
رائق ، و العطر أنفاس الثرى
لا تحسب الأنهار ماء راقصا
هذي أغانيه استحالت أنهرا
وانظر إلى الأشجار تخلع أخضرا
عنها ، و تلبس أحمرا أو أصفرا
تعرى و تكسى في أوان واحد
و الفنّ في ما ترتديه و في العرا
فكأنّما نار هناك خفيّة
تنحلّ حين تهمّ أن تستشعرا
و تذوب أصباغا كألوان الضحى
و تموج ألحانا و تسرى عنبرا
صور و أطياف تلوح خفيفة
و كأنّها صور نراها في الكرى
لله من " أيلول " شهر ساحر
سبق الشّهور و إن أتى متأخّرا
من ذا يدبّج أو يحوك كوشيه
أو من يصوّر مثلما قد صوّرا ؟
لمست أصابعه السّماء فوجهها
ضاح ، و مرّ على التراب فنوّرا
ردّ الجلال إلى الحياة وردّني
من أرض نيويورك إلى أمّ القرى

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:50 AM
أين عصر الصبا
( إيليا أبو ماضي )


مالي وما للرشا الأغيد
خلت من الحب ومنه يدي
نأى، فما في قربه مطمع
لا تصل الكفّ إلى الفرقد
قطّعت باليأس حيوط المنى
وقلت للسلوان _ لا تبعد
وصرت لا يطربني منشد
ولا أنا أصبو إلى منشد
أسير في الرّوضة عند الضحى
حيران كالمدلج في فدفد
أمامي الماء ولا أرتوي ،
وحولي النور ولا أهتدي
يا ليت شعري، أين عهد الصّبا
وأين أحلام الفتى الأمرد
ولّى وولّت كخيال الكرى
يلوح في الذّهن ولم يوجد
فيا قلوب الكاشحين اكني
ويا عيون الحاسدين ارقدي
ويا شياها تتقي صولتي
قلّمت أظفاري فاستأسدي
يا سائلي عن أمس كيف انقضى
دعه وسلني، يا أخي ، عن غد
أروح للنفس وأهنا لها
أن تحسب الماضي لم يولد

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:51 AM
أيّها القلم
( إيليا أبو ماضي )


ماذا جنيت عليهم ، أّها القلم
و الله ما فيك إلاّ النّصح و الحكم
إنّي ليحزنني أن يسجنوك وهم
لولاك في الأرض لم تثبت لهم قدم
خلقت حرّرا كموج البحر مندفعا
فما القيود و ما الأصفاد و اللّجم ؟
إن يحسبوا الطائر المحكّى في القفص
فليس يحبس منه الصوت و النّغم
الله في أمّة جار الزمان بها
يفنى الزمان و لا يفنى لها ألم
كأنّما خصّها بالذّلّ بارئها
أو أقسم الدهر لا يعلو لها علم
مهضومة الحقّ لا ذنب جنته سوى
أنّ الحقوق لديها ليس تنهضم
مرّت عليها سنون كلّها نقم
ما كان أسعدها لو أنّها نعم ؟
عدّوا شكايتها ظلما و ما ظلمت
و إنّما ظلموها بالذي زعموا
ما ضرّهم أنّها باتت تسائلهم
أين المواثيق ، أين العهد و القسم ؟
أما كفى أنّ في آذانهم صمما
حتّى أرادوا بأن ينتابها الصّمم ؟
كأنّما سئموا أن لا يزال بها
روح على الدّه لم يظفر بها السّأم
فقيّدوها لعلّ القيد يكتها
و عزّ أن يسكت المظلوم لو علموا
و أرهقوا الصّحف و الأقلام في زمن
يكاد يعبد فيه الطرس و القلم
أن يمنعوا الصحف فينا بثّ لوعتنا
فكلّنا صحف في مصر ترتسم
إنّا لقوم لنا مجد سنذكره
ما دام فينا لسان ناطق و فم
كيف السبيل إلى سلوان رفعتنا
و هي التي تتمنّى بعضها الأمم ؟
يأبى لنا العزّ أن نرضى المذلّة في
عصر رأينا به العبدان تحترم
للموت أجمل من عيش على مضض
إنّ الحياة بلا حريّة عدم

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:55 AM
إلى الفاتح ..
( إيليا أبو ماضي )


(ألا نبي)) ، لو طبعنا الشّمس يوما
وقلّدنا سيفا صفيحا
ورصّعناه بالشّهب الدّراري
لما زدناك فخرا أو مديحا
لأنّك أشجع الأبطال طرا
وأعظم قادة الدّنيا فتوحا
إذا ما مرّ ذكرك بين قوم
رأيت أشدهم عيّا فصيحا
فكم داويت سوريّا مريضا
وكم أسقيت تركيا صحيحا
وكم قد صنت في بيروت عرضا
وكم أمّنت في الشّهباء روحا
غضبت على ((الهلال)) فخرّ ذعرا
ولحت له فحاذر أن يلوحا
عصفت بهم فأمسى كلّ حصن
لخيل النّصر ميدانا فسيحا
مشت بك همّة فوق الثّريّا
فزلزلت المعاقل والصّروحا
من الوادي إلى صحراء سينا
إلى أن زرت ذيّاك الضّريحا
إلى بحر الجليل إلى دمشق
تطارد دونك التّركي القبيحا
فكان الجند كلّهم يشوعا
وكانت كلّ سوريّا ((أريحا))
فإن يكن المسيح فدى البرايا
فإنّك أنت أنقذت المسيحا!

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:56 AM
إلى الله راجعون
( إيليا أبو ماضي )


بيني و بين العيون سرّ
الله في السّرّ و العيون
إذا عصت فكرتي القوافي
أوحت لنفسي بها الجفون
***
هات اسقني الخمر جهرا
و لا تبال بما يكون
إن كان خير أو كان شرّ
إنّا إلى الله راجعون !!

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:56 AM
إلى صديق
( إيليا أبو ماضي )


يا من قربت من الفؤاد
و أنت عن عيني بعيد
شوقي إليك أشدّ من
شوق السليم إلى الهجود
أهوى لقاءك مثلما
يهوى أخو الظمإ الورود
و تصدّني عنك النوى
و أصدّ عن هذا الصدود
وردت نميقتك التي
جمعت من الدرّ النضيد
فكأنّ لفظك لؤلؤ
و كأنّما القرطاس جيد
أشكو إليك و لا يلام
إذا شكى العاني القيود
دهرا بليدا ما ينيل
وداده إلاّ بليد
و معاشرا ما فيهم
إن جئتهم غير الوعود
متفرّجين و ما التفرنج
عندهم غير الجحود
لا يعرفون من الشجاعة
غير ما عرف القرود
سيّان قالوا بالرضى
عنّي أو السخط الشديد
من ليس يصّدق في الوعود
فليس يصدّق في الوعيد
نفر إذا عدّ الرجال
عددتهم طيّ اللحود
تأبى السماح طباعهم
ما كلّ ذي مال يجود
أسخاهم بنضاره
أقسى من الحجر الصلود
جعد البنان بعرضه
يفدي اللجين من الوفود
و يخاف من أضيافه
خوف الصغير من اليهود
تعس امريء لا يستفيد
من الرجال و لا يفيد
و أرى عديم النفع ان
وجوده ضرر الوجود

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:58 AM
إليك عنّي
( إيليا أبو ماضي )


كم تستثير بي الصبابة و الهوى
عنّي إليك ، فإنّ قلبي من حجر
مالي و للحسناء أغري مهجتي
بوصلها ، و الشيب قد و خط الشعر ؟
كم " بالجزيرة " لو يتاح لي الهوى
من غادة تحكي بطلعتها القمر ؟
و لكم بها من جدول و حديقة
من صنعه الرحمن لا صنع البشر
فيها اللّواتي إن رمت ألحاظها
شلّت يد الرامي و قطّعت الوتر
قد كان لي في كلّ خوذ مطمع
و لكلّ رائعة المحاسن بي وتر
أيّام شعري كالدّجى محلولك ،
أيّام عيشي لا يخالطه كدر
***
ذرني و أشجاني و جسمي ، و الضّنى ،
و يدي ، و أقلامي ، و طرفي ، و السهر
أأبيت ألهو و الهموم تحيط بي
و أنام عن قومي ، و قومي في خطر
صوت المصفّق موعد ما بيننا
ماذا أقول لهم إذا الديك استحر ؟

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:58 AM
ابتسم
( إيليا أبو ماضي )


قال : " السماء كئيبة ! " و تجهّما
قلت : ابتسم يكفي التجهّم في السما !
قال : الصذبا ولّى ! فقلت له : ابتسم
قال : التي كانت سمائي في الهوى
صارت لنفسي في الغرام جهنّما
خانت عهودي بعدما ملّكتها
قلبي ، فكيف أطيق أن أتبسّما ؟
قلت : ابتسم واطرب فلو قارنتها
قضّيت عمرك كلّه متألّما !
قال : التّجارة في صراع هائل
مثل المسافر كاد يقتله الظما
أو غادة مسلولة محتاجه
لدم ، و تنفث ، كلّما لهثت ، دما !
قلت : ابتسم ما أنت جالب دائها
و شفائها ، فإذا ابتسمت فربّما ...
أيكون غيرك مجرما ، و تبيت في
وجل كأنّك أنت صرت المجرما ؟
***
قال : العدتى حولي علت صياحهم
أأسرّ و الأعداء حولي في الحمى ؟
قلت : ابتسم ، لم يطلبوك بذمّهم
لو لم تكن منهم أجلّ و أعظما !
***
قال : المواسم قد بدت أعلامها
و تعرّضت لي في الملابس و الدمى
و عليّ للأإحباب فرض لازم
لكنّ كفّي ليس تملك درهما
قلت : ابتسم ، يكفيك أنّك لم تزل
حيّا ، و لست من الأحبّة معدما !
***
قال : اللّيالي جرّعتني علقما
قلت : ابتسم و لئن جرعت العلقما
فلعلّ غيرك إن رآك مرنّما
طرح الكآبة جانبا و ترنّما
أتراك تغنّم بالتّبرّم درهما
أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما ؟
يا صاح ، لا خطر على شفتيك أن
تتثلّما ، و الوجه أن يتحطّما
فاضحك فإنّ الشهب تضحك و الدجى
متلاطم ، و لذا يحبّ الأنجما !
قال : البشاشة ليس تسعد كائنا
يأتي إلى الدنيا و يذهب مرغما
قلت : ابتسم ما دام بينك و الردى
شبر ، فإنّك بعد لن تتبسّما !

ناريمان الشريف
10-16-2010, 07:59 AM
ابسمي
( إيليا أبو ماضي )


إبسمي كالورد في الفجر الصباء
وابسمي كالنجم إن جنّ المساء
وإذا ما كفّن الثلج الثرى
وإذا ما ستر الغيم السماء
وتعرّى الروض من أزهاره
وتوارى النور في كهف الشتاء
فاحلمي بالصيّف ثم ابتسمي
تخلقي حولك زهرا وشذا
وإذا سرّ نفوسا أنّها
تحسن الأخذ فسرّي بالعطاء
وإذا أعياك أن تعطي الغني
فافرحي أنّك تعطين الرجاء

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:00 AM
ابن الليل
( إيليا أبو ماضي )


أشرف البدر على الغابة في إحدى اليالي
فرأى الثعلب يمشي خلة بين الدوالي
كلما لاح خيال ، خاف من ذاك الخيال
واقشعرّا
ورأى ليثا مسورا واقفا عند الغدير
كلما استشعر حسا ملاّ الوادي زئير
فإذا بالماء يجري خائفا عند الصخور
مكفهرّا
ورأى البدر ابن آوى يتهادى في الفضاء
كمليك حوله الشهب جنود وإما
قال: لو كنت رفيق البدر ، أو بدر السماء
أو خياله
عشت حرا جيرتي الشهب ولي الظلماء مركب
لآمنا، ألعب بالبرق وطورا بي يلعب
لا أبالي سطوة الراعي ولا الكلب المجرّب
وصياله
غير أن الليث لما أبصر البدر الضحوكا
قال: يا ابن اليل مهما أشتهى لا أشتهيكا
أنت وضّاح ولكن قاحل لا صيد فيكا
أو حيالك
لك هذا الأفق ، لكن هو أيضا للكواكب
إنما لو كنت ليثا ذا نيوب ومخالب
لم تعث في وجهك الوضّاح ألحاظ الثعالب
صن جمالك
عبد من أغاني الزنوج في أميركا
فوق الجميّزة سنجاب
والأرنب تمرح في الحقل
وأنا صيّاد وثّاب
لكن الصيد على مثلي
محظور إذ أنّي عبد
والديك الأبيض في القنّ
يختال كيوسف في الحسن
وأنا أتمنّى لو أنّي
أصطاد الديك ولكنّي
لا أقدر إذ أنّي عبد
وفتاتي في تلك الدار
سوداء الطلعة كالقار
سيجيء ويأخذها جاري
يا ويحي من هذا العار
أفلا يكفي أنّي عبد؟

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:00 AM
ابنة الفجر
( إيليا أبو ماضي )


أنا أن أغمض الحمام جفوني
ودودي صوت مصرعي في المدينة
و تمشي في الأرض دارا فدارا
فسمعت دويّه ورنينه
لا تصيحي واحسرتاه لئلّا
يدرك السّامعون ما تضمرينه
و إذا زرتني و أبصرت وجهي
قد محا الموت شكّه و يقينه
و رأيت الصّحاب جاثين حولي
يندبون الفتى الذي تعرفينه
و تعال العويل حولك ممّن
مارسوه و أصبحوا يحسنونه
لا تشقي على ثوبك حزنا
لا و لا تذرفي الدموع السخينه
غالبي اليأس و أجلسي عد نعشي
بسكون ، إنّي أحبّ السّكينه
إنّ للصمت في المآتم معنى
تتعزّى به النّفوس الحزينة
و لقول العذّال عنك (بخيل )
هو خير من قولهم ( مسكينة )
و إذا خفت أن يثور بك الوجد
فتبدو أسرارنا المكنونه
فارجعي و اسكبي دموعك سرّا
و امسحي باليدين ما تسكبينه
***
يا ابنة الفجر من أحبّك ميّت
و لأنت بمثل هذا مهينه
زايل النور مقلتيه و غابت
تحت أجفانه المعني المبينه
فأصيخي ! هل تسمعين خفوقا
كنت قبلا في صدره تسمعينه ؟
وانظري ثمّ فكّري كيف أمسى
ليس يدري عدوّه من و خدينه
ساكتا لا يقول شيئا و لا يس
مع شيئا و ليس يبصر دونه
لا يبالي أأدعوه الثريا
أم رموه في حمأة مسنونه
و إذا الحارسان ناما عياء
و رأيت أصحابه يتركونه
فتعالى و قبّلي شفتيه
و يديه و شعره و جبينه
قبل أن يسدل الحجاب عليه
و يوارى عنك فلا تبصرينه
واحذري أن نراك عين رقيب
و لئن كان رجل ما تحذرينه
فاذا ما أمنت لا تتركيه
قبلما يفتح الصّباح جفونه
***
و إذا السّاعة الرّهيبة حانت
و أريت حرّاسه يحملونه
و سمعت النّاقوس يقرع حزنا
فيردّ الوادي عليه أنينه
زوّدي الرّاحل الذي مات وجدا
بالذي زوّد الغريق السينة
نظرة تعلم السماوات منها
أنّه مات عن فتاة أمينه
***
طوت الأرض من طوى الأرض حيّا
و علاه من كان بالأمس دونه
و اختفى في التراب وجه صبيح
و فؤاد حرّ و نفس مصونه
و إذا ما وقفت عند السّواقي
و ذكرت وقوفه و سكونه
حيث أقسمت أن تدومي على العه
د و آلى بأنّه لن يخونه
حيث علّمته القريض فأمسى
يتغنّى كي تسمعي تلحينه
فاذكريه مع البروق السّواري
واندبيه مع الغيوث الهتونه
و إذا ما مشيت في الروض يوما
ووطأت سهوله و حزونه
و ذكرت مواقف الوجد فيه
عندما كنت بالهوى تغرينه
حيث علّمته الفتون فأضحى
يحسب الأرض كلّها مفتونه
حيث وسّدته يمينك حتّى
كاد ينسى شماله و يمينه
حيث كنت و كان يسقيك طورا
من هواه و تارة تسقينه
حتّى حاك الربيع للروض ثوبا
كان أحلى لديه لو ترتدينه
فالثمي كلّ زهرة فيه إنّي
كنت أهوى زهوره و غصونه
ثمّ قولي للطير : مات حبيبي !
فلماذا يا طير لا تبكينه !
***
و إذا ما جلست وحدك في اللّي
ل و هاجت بك الشّجون الدّفينه
و رأيت الغيوم تركض نحو الغر
ب ركضا كأنّها مجنونه
و لحظت من الكواكب صدا
و نفارا و في النسيم خشونه
فغضبت على اللّيالي البواقي
و حننت إلى اللّيالي الثّمينه
فاهجري المخدع الجميل وزوري
ذلك القبر ثمّ حيّي قطينه
وانثري الورد حوله و عليه
واغرسي عند قلبه ياسمينه

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:01 AM
اسألوها
( إيليا أبو ماضي )


اسألوها ، أو فاسألوا مضناها
أيّ شيء قالت له عيناها ؟
فهو في نشوة و ما ذاق خمرا
نشوة الحبّ هذه إيّاها
ذاهل الطرف شارد الفكر ،
لا يلمح حسنا في الأرض إلاّ رآها
ألسواقي لكي تحدّث عنها
و الأقاحي لكي تذيع شذاها
و حفيف النسيم في مسمع
الأوراق نجوى تبثّها شفتاها
يحسب الفجر قبسه من سناها
و نجوم السماء بعض حلاها
و كذلك الهوى إذا حلّ في الأرواح
سارت في موكب من رؤاها
كان ينهى عن الهوى نفسه الظمأى
فأمسى يلوم من ينهاها
لمس الحبّ قلبه فهو نار
تتلظّى و يستلذّ لظاها !
كلّ نفس لم يشرق الحبّ فيها
هي نفس لم تدر ما معناها

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:01 AM
الأسرار
( إيليا أبو ماضي )


يا ليتني لصّ لأسرق في الضحى
سرّ اللطافة في النسيم الساري
و أجسّ مؤتلق الجمال بإصبعي
في رزقه الأفق الجميل العاري
و يبين لي كنه المهابة في الرّبى
و السر في جذل الغدير الجاري
و السحر في الألوان و الأنغام وا
لأنداء و الأشذاء و الأزهار
و بشاشة المرج الخصيب ، ووحشة
الوادي الكئيب ، وصولة التّيار
و إذا الدجى أرخى عليّ سدوله
أدركت ما في الليل من أسرار
فلكم نظرت إلى الجمال فخلته
أدنى إلى بصري من الأشفار
فطلبته غإذا المغالق دونه
و ‘ذا هنالك ألف ألف ستار
باد و يعجز خاطري إدراكه
و فتنتي بالظاهر المتواري !

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:02 AM
الأسطورة الأزليّة
( إيليا أبو ماضي )


كان زمان ، لم يكن كائنا
و حالة ، ما برحت باقية
ملّ بنو الإنسان أطوارهم
و برموا بالسقم و العافية
فاستصرخوا خالقهم و اشتهوا
لو أنّه كوّنهم ثانية
و بلغت أصواتهم عرشه
في ليلة مقمرة صافية
فقال ، إنّي فاعل ما اشتهوا
لعلّ فيه حكمة خافية
و شاهدوه هابطا من عل
فاحتشدوا في السّهل و الرّابيه
من القرى القانعة الطاوية
و المدن الجامحة الغادية
تألّبوا من كلّ صوب كما
تجتمع الأمطار في الساقيه
يسابق الصّعلوك ربّ الغنى
و الأبله الباقعة الداهية
و يدفع الشّيخ التوى عوده
وصار مثل الرمّة البالية
فتى مضى الفجر و لمّا نزل
روعته في وجهه باقية
و تزحم الحسناء ممكورة
خلذابة كالروضة الحالية
دميمة تشبه في قبحها
مدينة مهجورة عافية
فقال ربّ العرش : ما خطبكم :
مابالكم صرخاتكم عالية ؟
هل أصبحت أرضكم عاقرا ،
أم غارت الأنجك في هاوية ؟
أم أقلع الماء فلا جدول ،
و ماتت الطير فلا شادية ؟
أم فقدت أعينكم نورها ،
أم غشيت أرواحكم غاشية ؟
أين الهوى ، إن لم يكن قد قضى
فكل جرح واجد آسية
الفتى :
قال الفتى : يا ربّ إنّ الصّبا
مصدر أحزاني و آلامي
ألبستنيه مونقا بعدما
أبلاه أخوالي و أعمامي
و صار في مذهبهم عصره
فترة زلاّت و آثام
فاختلفت حالي و حالاتهم
كأنّني في غير أقوامي
وصرت كالجدول في فدفد
أو شاعر ما بين أصنام
و الأخضر المورق في يابس
أو مثل صاح بين نوّام
دنياهم دنياي ، لكنّما
أعلامهم ليست كأعلامي
عندهم الروضة أشجارها
و الروض عندي الزهر النامي
و الطير لحم ودم عندهم
و ليس عندي غير أنغام
سكري بها أو بالندى و الشذى
و سكرهم بالخمر في الجام
يسخر قلبي بلياليهم
و يسخر الدهر بأيّامي
كأنّني جئت لتبكيتهم
كأنّما جاؤوا لإيلامي
عبء على نفسي هذا الصّبا
ألجائش المستوفز الطامي
يزرع حولي زهرات المنى
و شوكها في قلبي الدامي
فان ؛ له كلّ فان هوى
فان ، و لا ينجو من الذام
خذه ، و خذ قلبي و أحلامي
فإنّني أشقى بأحلامي
ومر يمرّ الدهر في لحظة
كالطيف أو كالبرق قدّمي
وازرع نجوم في لمّتي
فينجلي حندس أوهامي
الشبح :
وجاء شيخ حائر واجف
مشتعل اللّمّة بالي الإهاب
كأنّما زلزلة تحته
لما به رعشة واضطراب
فصاح : يا ربّاه خذ حكمتي
واردد على عبدك عصر الشباب
إنّ أماني الروح أزهارها
و إنّ روحي اليوم قفر يباب
تلك الأماني ، على كذبها ،
لم تكن اللّذّة فيها كذّاب
زالت و ما زالت ؛ و إنّ الشّقا
أن تطمس الآي و يبقى الكتاب
و تسلب السرحة أرواقها
و لم تزل أعراقها في التراب
كنت غنيّا في زمان الصّبا
و كنت صفر الكفّ ، صفر الوطاب
صحوت من جهلي فأبصرتني
كأنّني سفينة في العباب
قيل لها ، في البحر كلّ المنى
فلم تجد فب البحر إلاّ الضّباب
نأت عن الشّطّ و لم تقترب
شبرا من السرّ الذي في الحجاب
و لو ترجّى أو به لاشتفت
لكنّما عزّ عليها الإياب
مر تقف الأيّام عن سيرها
فإنّها تركض مثل السّحاب
وضع أمامي ، لا ورائي ، المنى
وطوّل الدرب ، وزد في الصّعاب
ما لذّتي بالماء أروى به
بل لذّتي بالعدو خلف السّراب
الحسناء :
و قالت الحسناء : يا خالقي
و هبتني الحسن فأشقيتني
وجهي سنّي مشرق ، و إنّما
مرعى عيون الخلق وجهي السني
حظّي منه حظّ ورد الربى
من عطره الفوّاح و السوسن
و مثل حظّ السرو من فيئه
و الطير من تغريدها المتقن
و مثل حظّ النجم من نوره
في الحندس المعتكر الأدجن
للقائل الفيء ، و السامع
التغريد ، و الزهرة للمجتني
و النور للمدلج و المجتلي ،
و الدرّ للغائص و المقتني
كم ريبة دبّت إلى مضجعي
مع الجمال الرائع الممكن
إن عشقت نفسي فويل لها
و الويل لي إن رجل حبّني
السمّ و الشوك و جمر الغضا
أهون من كاشحة الألسن
كم تقتفيني نظرات الخنا
ويلي من خائنة الأعين
لم يبق في روحي من موضع
يت ربّ لم يخدش و لم يطعن
إنّ الغنى في الوجه لي آفة
فليت أنّي دمية ليتني ...
الجارية :
و سكتت ؛ فصاحت الجارية
باكية من بؤسها شاكية :
ذنبي إلى هذا الورى خلقتي
فهل أنا المجرمة الجانية ؟
إن أخطأ الخزّاف في جبله ال
طين فأيّ ذنب للآنية ؟
أليس من يسخر بي يزذري
بالقوّة الموجدة البارية ؟
لو كنت حسناء بلغت العلى
فللجمال الرتبة العالية
فبات من أسجد قدّامه
صاغرة يسجد قدّمية
فإنّني في ملإ ظالم
أحكامه جائرة قاسية
ليس لذّات القبح من غافر
وفيه من يغفر للزّانية
نفسي جزء منك ، يا خالقي
و إنّها عاقلة راقية
أليس ظلما ، و هي بنت العلى ،
إن تك بالقبح إذن كاسية ؟
فليكن الحسن رداء لها
ترفل به ، أو فلتكن عارية
الفقير
و أقبل الصّعلوك مسترحما
في مقلتيه شبح اليأس
يصرخ يا ربّاه حتّى متى
تحكّم الموسر في نفسي ؟
و تضع التاج على رأسه
و تضع الشوك على رأسي ؟
و يشرب اللّذّات من كأسه
و أشرب الفصّات من كأسي
و تنجلي الأنجم في ليله
ضاحكة كالغيد في عرس
و يتوارى في نهري السنا
أو يتبدّى حانق الشّمس
يا ربّ لا تنقله عن أنسه
و إنّما إلى الأنس
فإن تشأ أن لا يذوق الهنا
قلبي فجرّدني من الحسّ
لو لم يكن غيري في غبطة
ما شعرت روحي بالبؤس
الغني :
و قال ذو الثّروة : ما أشتهي
لا أشتهي أنّي ذو ثروة
أنفقت أيّامي على جمعها
و خلتني أدركت أمنيتي
فاستعبدتني في زمان الصبا
و أوقرت بالهمّ شيخوختي
قد ملكتني قبلما حزتها
و ملكتني و هي في حوزتي
كنحلة أمسكها شهدها
من الجناحين فلم تفلت
حسبتها تكسبني قوّة
فافترست قوّتها قوّتي
جنت على نفسي و أحلامها
جناية الشوك على الوردة
ينمو فتذوي فهي علّيقه
يحذرها الطائف بالروضة
من قائل عنّي لمن خالني
أمرح من دنياي في جنّة :
لا تنظر الأضواء في حجرتي
وانظر إلى الظلماء في مهجتي
و لا يغرّنّك قصري فما
قصري سوى سجن لحرّيّتي
أنّي في الصرح الرفيع الذرى
كطائر ، في قفص ، ميّت
كم في عباب البحر من سابح
قد مات ظمآنا إلى قطرة
موت الطوى شرّ و لكنّما
أفظع منه الموت بالتّخمة
إن سهر العاشق من لوعة
أو سهر المحزون من كربه
فالشوق كالحزن له آخر
و ينقضي في آخر المدّة
أمّا أنا فقلقي دائم
ما دمت في مالي و في فضّتي
و الخوف من كارثة لم تقع
أمصّ من كارثة حلّت
كم من فقير مرّ بي ضاحكا
كأنّما يسخر من غصّتي
رأيته بالأمس من كوّتي
فخلتني أنظر من هوّة
و كنت كالحوت رأى موجة
ضاحكة ترقص كالطفله
أو حيّة تدبّ في منجم
ترنو إلى فراشة حرّه
قد اختفت ذاتي في بردتي
فما يرى الخلق سوى بردتي
فهم إذا ما سلّموا سلّموا
على خيوط البرد و الحلّة
ربّاه أطلق من عقال الغنى
روحي ، فإنّي منه في محنه
وانزع من الدينار من قبضتي
صلابة الدينار من سحنتي
و حوّل المال إلى راحة
و حوّل القصر إلى خيمة
للأبله
و صرخ الأبله مستفسرا
ما القصد من خلقي كذا و المراد ؟
ألم يكن يكمل هذا الورى
إلاّ أوجدتني في فساد
لي صورة النّاس و حاجاتهم
من مطعم أو مشرب أو رقاد
لكنّ لبّي غير ألبابهم
فإنّه مكتنف بالسواد
يعجزني إدراك ما أدركوا
كأنّ عقلي فحمة أو رماد
إن كنت إنسانا فلم يا ترى
لست بادراكي كباقي العباد ؟
أولم أكن منهم فمرني أكن
جرادة أو أرنبا أو جواد
فالندّ لا يعدم مع ندّه
ذريعة للسلم أو للجهاد
لا تسخر النّملة من نملة
و ليس يزري بالقراد القراد
أم أنت كالحقل على رغمه
ينمو مع الحنطة فيه القتاد
للأديب :
وجاء بعد المستريب
الألمعي العبقريّ اللّبيب
فقال : إنّي تائه حائر
أنا غريب في مكان غريب
أبحث عن نفسي فلا أهتدي
و ليس يهديني إليها أريب
أنا عليم حيث لا عالم
أنا لبيب عند غير اللّبيب
لو أنّني كنت بلا فطنه
سرت و لم تكثر أمامي الدروب
و كان عقلي كعقول الورى
و كان قلبي مثل باقي القلوب
و ثار عندي كالنجوم الورى
فلا عدوّ فيهم أو حبيب
ولم أر في ضحكهم و البكا
شيئا سوى الضّحك و غير النّحيب
و لم أسائل كوكبا طالعا
ما لك تبدو ، و لماذا تغيب
و لم أقف في الروض عند الضحى
يذهلني لون و شكل و طيب
و لم أقل ما كنت من قبلما
كنت ، و لا ما في سجلّ الغيوب
ما العقل ، يا ربّ ، سوى محنة
لولاه لم تكتب عليّ الذنوب
الخاتمة :
لمّا وعى الله شكايا الورى
قال لهم : كونوا كما تشتهون
فاستبشر الشيخ و سرّ الفتى
و الكاعب الحسناء و الحيزبون
...
لكنّهم لمّا اضمحلّ الدجى
لم يجدوا غير الذي كانا
...
هم حدّدوا القبح فكان الجمال
و عرّفوا الخير فكان الطلاح
و ليس من نقص و لا من كمال
فالشوك في التحقيق مثل الأقاح
...
و ذرّة الرمل ككلّ الجبال
و كالذي عزّ الذي هانا

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:03 AM
الانسان و الدّين
( إيليا أبو ماضي )


إنّي عرفت من الإنسان ما كانا
فلست أحمد بعد اليوم إنسانا
بلوته و هو مشتدّ القوى أسدا
صعب المراس و عند الضّعف ثعبانا
تعود الشّرّ حتّى لو نبت يده
عنه إلى الخير سهوا بات حسرانا
خفه قديرا و خفه لا اقتدار له
فالظّلم و الغدر إمّا عزّ أو هانا
ألقتيل ذنب شنيع غير مغتفر
و القتل يغفره الإنسان أحيانا
أحلّ قتل نفوس السائمات له
و الطيّر و القتل قتل حيثما كانا
أذاق ذئب الفلا من غدره طرفا
فلا يزال مدى الأيام يقظانا
و نفّر الطير حتّى ما تلمّ به
إلاّ كما اعتادت الأحلام و سنانا
سروره في بكاء الأكثرين له
و حزنه أن ترى عيناه جذلانا
كأنّما المجد ربّ ليس يعطفه
إلاّ إذا قدّم الأرواح قربانا
هو الذي سلب الدّنيا بشاشتها
وراح يملأها همّا و أحزانا
لا تصطفيه و إن أثقلته منّنا
يعدو عليك و إن أولاك شكرانا
قالوا ترّقى سليل الطّين قلت لهم
ألآن تمّ شقاء العالم الآنا
إنّ الحديد إذا ما لان صار مدى
فكن على حذر منه إذا لانا
و المرء وحش و لكن حسن صورته
أنسى بلاياه من سمّاه إنسانا
قد حارب الدّين خوفا من زواجره
كأنّ بين الورى و الدّين عدوانا
ورام يهدم ما الرحمن شيّده
و ليس ما شيّد الرّحمن بنيانا
إنّي ليأخذني من أمره عجب
أكلّما زاد علما زاد كفرانا ؟
و كلّما انقادت الدّنيا و صار له
زمامها انقاد للآثام طغيانا ؟
يرجو الكمال من الدّنيا و كيف له
نيل الكمال من الدّنيا و ما دانا ؟
إذا ارتدى المرء ما في الأرض من برد
و عاف للدّين بردا عاد عريانا
هو الحياة التي ما غادرت جسدا
إلاّ اغتدى الميت أحيامنه وجدانا
و هو الضّياء الذي يمحو الظّلام فمن
لا يهتدي بسناه ظلّ حيرانا
و المنهل الرائق العذب الورود فمن
لا يسقي منه دام الدّهر عطشانا
ليس المبذّر من يقلي دراهمه
إنّ المبذّر من للدّين ما صانا
ليس الكفيف الذي أمسى بلا بصر
إنّي أرى من ذوي الأبصار عميانا

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:04 AM
الإله الثرثار
( إيليا أبو ماضي )


زعم المرء أنّما ربّ
كم يلوك الكلام هذا الإله
يلفظ البحر و هو ملح أجاج
لؤلؤا يبهر العيون سناه
ما ادّعى الدّرّ أنّه صورة البح
ر و لا قال : إنّني إيّاه
لا ولا قال كلّ شيء إلى المح
و و ما خصّ بالخلود سواه
إن تكن للخلود ذاتك في الد
نيا ، فما ذا الأمر الذي تهواه
و إذا صرت غير شخصك في الأ
خرى فهذا الفنا الذي تخشاه
في التراب الذي تدوس عليه
ألف دنيا و عالم لا تراه
أنت جزء من الكيان و فيه
كثراه ، كنبته ، كحصاه
كالورود التي تحبّ شذاها
و البعوض الذي تخاف أذاه
ما لحيّ بالموت عنه انفصال
إنّ دنياه هذه أخراه

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:04 AM
الابريق
( إيليا أبو ماضي )


ألا أيها الابريق ما لك والصلّف
فما أنت بلّور ولا أنت من صدف
وما أت إلاّ كالأباريق كلّها
تراب مهين قد ترقّى إلى خزف
أرى لك أنفا شامخا غير أنه
تلفّع أثواب الغبار وما أنف
ومسّته لأيدي الأدنياء فما شكا
ومصّته أفواه الطّغام فما وجف
وفيك اعتزاز ليس للديك مثله
ولست بذي ريش تضاعف كالزغف
ولا لك صوت مثله يصدع الدجى
وتهتف فيه الذكريات إذا هتف
وأنصت أستوحيه شيئا يقوله
كما يسكت الزّوار في معرض التّحف
وبعد ثوان خلت أني سمعته
يثرثر مثل الشيخ أدركه الخرف
فقال:(( سقيت الناس)) ، قلت له: أجل
سقيتهم ماء السحاب الذي وكف
ودمع السواقي والعيون الذي جرى،
وماء الينابيع الذي قد صفا وشف
فقال: ليذكر فضلي الماء وليشد
بمدحي، ألم حمله؟ قلت: لك الشرف!
فقال: ألم أحفظه؟ قلت: ظلمته
فلولاه لم تنقل، ولولاك ما وقف!

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:08 AM
الاشباح الثلاثة
( إيليا أبو ماضي )


روأني النوم وما برحا
حتى طأطأت له رأسي
أطبقت جفوني فانفتحا
باب الرؤيا والوسواس
أبصرت كأني في موضع
ما فيه غير الأرواح
فوقفت بعيدا أتطلّلع
فلمحت ثلاثة أشباح
ولد يتهادى في العشر
وفتّى في برد العشرينا
والثالث شيخ في طمر
ذو جسم يحكي العرجونا
وإذا بالأول يقترب
مني كالطائر في الوثب
فشعرت كأني أضطرب
وكأن خطاه على قلبي
يا نفسي ما هذا الفرق؟
لا رمح معه ولا نبل
ولماذا الخشية والقلق
والخلق أحبهم الطفل
وإذا بالطفل يخاطبني
بكلام لا يتكلّفه
ويمازحني، ويداعبني،
فكأني شخص يعرفه
((ما بالك منكمشا كمدا؟
قم نلعب في فيّ الشجر
ونهزّ الأغصن والعمدا
ونذود الطير عن الثمر
أو نصنع خيلا من قصب
أو طيّارات من ورق
ومدّى وسوفا من خشب
ونجول ونركض في الطرق
أو نأتي بالفحم القاتم
ونصوّر فوق الأبواب
تنّينا في بحر عائم
أو ليثا يخطر في غاب
أو كلبا يعدو ، أو حملا
يرعى ، أو نهرا، أو هضبه
أو ديكا ينقد، أو رجلا
يمشي ، أو مهرا، أو عربه
أو نجبل ماء وترابا
ونشيد بيوتا وقبابا
أو نجعل منه أنصابا
أو نصنع حلوى وكبابا))
مثّلت الطفل ودنياه
فأحبّت نفسي دنياه
ووددت لو أني إيّاه
بل خلت كأني إيّاه
فضحكت ولجّ بي الضحك
حتى استلقيت على ظهري
فاستيقظ في الولد الشك
فتوقف يعجب من أمري
ويقول: أيا هذا قدكا
فوحقك ذا الطيش الأكبر
ما تضحك مني بل منكا
إيّاك أنا لو تتذكر!
وتوارى عني واحتجبا
كالموجة في عرض النهر
فتضايق قلبي واضطربا
وارتجّت روحي في صدري
2
وإذا الشبح الثاني أقبل
يترّنح مثل المخمور
ألليل على الدنيا مسدل
وعليه وشاح من نور
معصوب المقلة والدرب
وعر وكثير الآفات
كسفين ليس لها ربّ
تجري في بحر الظلمات
ماذا في الأفق ؟فقد وقفا
يتأمل فيه ويبتسم
هل لاح له وجه عرفا
أم هزّ جوارحه نغم؟
أم أبصر آلهة الحب
تدعوه إليها إيماء
لا شيء في الأقف الرحب
وكأن هناك أشياء
ألطير تغني للزهر
ويظنّ الطير تساجله
والزهر ترحّب بالفجر
ويظنّ الزهر تغازله
ونظرت إليه في البّر
يتمنّى لو خاض البحرا
ونظرت إليه في البحر
يتمنى لو بلغ البرّا
يتأفّف من بطء الدهر
والدهر يسير به وثبا
وينام ليحلم بالفجر
والفجر يضيء له الدربا
ويسائل عن كأس الخمر
ويائله عنها الناس
في الليل ، وفي وضح الفجر
والخمرة فيه والكأس
فصيرت ولازمت الصمتا
حتى دانى الظلّ الظلّ
فأشرت إليه: من أنتا ؟
فأجاب: أنا ذاك الطفل
ومضى كالظلّ إذا انتقلا
وأنا أرجو لو لم يمض
فأعدت لنفسي ما ارتجلا
متعجّب بعضي من بعضي
3
ألشمس تزلّ عن الأفق
كالروح المحتضر الساجي
غمرتها أمواج الغسق
فتوارت خلف الأمواج
والغيم الأسود يحتشد
طبقا في الجوّ على طبق
والليل يطول ويطّرد
والأرض كسار في نفق
وإذا شيخ في صحراء
كالزورق في عرض البحر
إعياه الصلح مع الماء
وأضاع الدرب إلى البّر
يمشي في الأرض على مهل
وعلى حذر، لكن يمشي
كالشاة تساق إلى القتل
بعصا جبّار ذي بطش
يا شيخ... لماذا لا تقف؟
دميت رجلاك من الركض
فأجاب بصوت يرتجف
ألأرض تسير على الأرض!
يا شيخ... رويدا فالبد
سيضيء الدرب فتستهدي
فأجاب: ويتلوه الفجر
لكن سيضيء لمن بعدي
أيلذّ لغصن منكسر
عرّته الريح من الورق
أن يبصر في ضوء القمر
ما كان عليه على الطرق؟
ما لذّة ميت في الرمس
بالزّهر الفوّاح العطر
نور لا يشرق في النفس
كغباء في إذن الحجر
ما استخفت عني الأفلاك
والشهب، بل استخفى حبّي
لم تملأ دربي الأشواك
إنّ الأشواك لفي قلبي
يا شيخ: شجاني ما قلتا
وزرعت بنفسي آلامك
من أنت؟ أجاب: أنا أنتا
أنا ذاتك تمشي قدّامك
كم أبحث بين الأجرام
عني وأنقّب في الأرض
أحلامي تطمر أحلامي
بعضي مدفون في بعضي
لم أبصر ذاتي بالأمس
في لوح زجاج أو ماء
بل لاحت نفسي في نفسي
فهي الورئيّة والرائي

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:15 AM
البدر الآفل
( إيليا أبو ماضي )


أبعدك يعرف الصّبر الحزين
وقد طاحت بهجته المنون ؟
رمتك يد الزمان بشرّ سهم
فلمّا أن قضيت بكى الخؤون
رماك و أنت حبّه كلّ قلب
شريف ، فالقلوب له رنين
و لم يك للزمان عليك ثار
و لم يك في خلالك ما يشين
و لكن كنت ذا خلق رضيّ
على خلق لغيرك لا يكون
و كنت تحيط علما بالخفايا
و تمنع أن تحيط بك الظنون
كأنّك قد قتلت الدّهر بحثا
فعندك سرّه الخافي مبين
حكيت البدر في عمر و لكن
ذكاؤك لا تكوّنه قرون
عجيب أن تعيش بنا الأماني
و أنّا للأماني نستكين
و ما أرواحنا إلاّ أسارى
و ما أجسادنا إلاّ سجون
و ما الكون مثل الكون فان
كما تفنى الدّيار كذا القطين
لقد علقتك أسباب المنايا
وفيّا لا يخان و لا يخون
أيدري النعش أيّ فتى يواري
و هذا القبر أيّ فتى يصون ؟
فتى جمعت ضروب الحسن فيه
و كانت فيه للحسنى فنون
فبعض صفاته ليث و بدر
و بعض خلاله شمم و لين
أمارات الشّباب عليه تبدو
و في أثوابه كهل رزين
ألا لا يشمت الأعداء منّا
فكلّ فتى بمصرعه رهين
...
أيا نور العيون بعدت عنّا
و لمّا تمتليء منك العيون
و عاجلك الحمام فلم تودّع
و بنت و لم يودّعك القرين
و ما عفت الوداع قلى و لكن
أردت و لم يرد دهر ضنين
فيا لهفي لأمّك حين يدوّي
نعيّك بعد ما طال السّكون
و لهف شقيقك النّائي بعيدا
إذا ما جاءه الخبر اليقين
ستبكيك الكواكب في الدّياجي
كما تبكيك في الرّوض الغصون
و يبكي أخوة قد غبت عنهم
و أمّ ثاكل و أب حزين
فما تندى لنا أبدا ضلوع
عليك ، و ما تجفّ لنا شؤون
قد ازدانت بك الفتيان طفلا
كما يزدان بالتّاج الجبين
ذهبت بزينه الدّنيا جميعا
فما في الدهر بعدك ما يزين
و كنت لنا الرجاء فلا رجاء
و كنت لنا المعين فلا معين
أبعدك ، يا أخي ، أبغي عزاء
إذا شلّت يساري و اليمين ؟
يهون الرزء إلاّ عند مثلي
بمثلك فهو رزء لا يهون
عليك تقطّع الحسرات نفسي
و فيك أطاعني الدّمع الحرون
فملء جوانحي حزن مذيب
و ملء محاجري دمع سخين
و ما أبقى المصاب على فؤادي
فأزعم أنّه دام طغين
يذود الدمع عين عيني كراها
و تأبى أن تفارقه الجفون
لقد طال السّهاد و طال ليلي
فلا أدري الرّقاد متى يكون
كأنّ الصبح قد لبس الدّياجي
عليك أسى لذلك ما يبين
جزاك الله عنّا كلّ خير
و جاد ضريحك الغيث الهتون

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:16 AM
البغضاء
( إيليا أبو ماضي )


لا تبغض ((الرّوس)) لكن لا تحبّهم
فحربنا حرب أقران لأقران
ولا ((الفرنسيس)) ما هم بالعداة لنا
لكنّهم غير أصحاب وإخوان
إنّا نبادلهم والنّع منسدل
لكنّهم بطعن ونيرانا بنيران
وذي بيارقنا في ((الفوج)) خافقة
وجيشنا ظافر في كلّ ميدان
قلوبنا ليس فيها غير موجدة
ذو الشّيب فيها وفحم الشّعز سيّان
نهوى ونحن جموع لا عداد لها
كواحد وكذا نقلى كإنسان
عدوّنا واحد؛ الكلّ يعرفه
ذاك الحسود الخبيث الماكر الشّاني
تردّنا عنه أمواج يلوذ بها
سميكة كالنّجيع اليابس القاني
أرى به، وهو في الطّوفان مختبىء
طوفان غيظ توارى خلف طوفان
قد أصبح الماء يحميه ويمنعه
الويل للماء منّا إنّه جان
قفوا أمام القضاء العدل كلكم
وليحلفنّ يمينا كل ألماني
غليظة كالحديد الصّلب ، صارمة
كالموت ، تبقّى لأزهار وأزان
أن نبغض البغض لا تبلى مرائره
ولا يقاس ولا يحصى بميزان
وان نردّده في كلّ ناحية
وأن نكرّره تكرير ألحان
وأن نعلّم منّا كلّ ذي كبد
أن يبغض القوم في سرّ وإعلان
بغضا إلى نسلينا بالإرث منتقلا
إلى بنيهم ومن جيل إلى ثاني
عدوّنا واحد، الكلّ يعرفه
ذاك الحسود الخبيث الماكر الشّاني
إنكلترا!!
ألا اسمعوا أيّها الألمان واعتبروا
فأنتم أهللا ألباب وأذهان
... في حقل جلس الوّاد كلّم
كمحكم العقد أو مرصوص بنيان
وقام واحدهم والكأس في يده
كأنّها قبس أو عين غضبان
فقال: يا قوم ((هذا سرّ يومكم))
ألا اشربوا ؛ إنّ اليوم سرّان
مقالة فعلت في الجمع فعلتها
فأصبحوا وكأنّ الواحد اثنان
ما ضربة السّيف من ذي مرّة بطل
ومستطير اللّظى من قلب صوّان
ولا السّفينة في التّيار جارية
ولا الشهاب هوى في إثر شيطان
أمضى وأنفذ منها وهي خارجة
من فيه كالسّهم من أحشاء مرتان
فضاء من كان في الكأس التي ارتفعت
ومن يريد ويعني القائل العاني؟
إنكلترا!!
بني بريطانيا نادوا جموعكم
واستصرخوا الخلق من إنس ومن جان
وابنوا المعاقل والأسوار من ذهب
واستأجروا الجند من بيض وعبادن
مروا أساطيلكم في البحر ترصدنا
وترصد البحر من موج وحيتان
تاللّه لا ذي ولا هذي تردّ يدا
إذا رمت دكت البنيان والباني
لا نبغض الرّوس لكن لا نحبّهم
فحربنا حرب أقران لأقران
ولا الفرنسيس ، ما هم بالعداة لنا
لكنّهم غير أصحاب وإخوان
إنّا نبادلهم والنّقع منسدل
طعنا بطعن ونيرانا بنيران
نأتي ويأتون والهيجاء قائمة
بكل ماض وفتّاك وطعّان
لكنّما في غد يرخي السّلام على
هذي الوغى وعليهم سترنسيان
ويمّحي كلّ بغض غير بغضكم
فإنّه آمن من كلّ نقصان
حقد القلوب عليكم لا يزول وإن
زلتم وزلنا وزال العالم الفاني
في الأرض بغضكم والماء مثلهما
والبغض في الحرّ مثل البغض في العاني
الكوخ يبغضكم والقصر يبغضكم
وكلّ ذي مهجة منّا ووجدان
نهوى ونحن جموع لا عداد لها
كواحد وكذا نقلى كأنسان
عدوّنا واحد؛ الكلّ يعرفه
ذاك الحسود الخبيث الماكر الشّاني
إنكلترا!!

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:17 AM
البلبل السجين
( إيليا أبو ماضي )


يا ربّ بلا سناء
كأنّما بدره يتيم
مشى به اليأس في الرّخاء
كأنّه النار و الهشيم
*
ليت الدّجى رقّ للمحبّ
أو ليت لي مهجة حجر
أقضّ هذا الفراش جنبي
كأنّ في مضجعي الإبر
هل بك يا نجم مثل كربي ؟
أم أنت من طبعك السّهر ؟
سهرت شوقا إلى ذكاء ؟
أم عندك المقعد المقيم ؟
أبكي و تصغي إلى البكاء
يا ربّ ! هل تعشق النجوم ؟
*
قد نال فرط السّهاد منّي
و اشتاق طرفي إلى الهجوع
و قرّح الجفن ماء جفني
في الحبّ ما فاض من دموعي
و شاب رأسي من التّجنّي
ياليت ذا الشّيب في الولوع
لعلّ في سلوتي شفائي
هيهات . داء الهوى قديم
ما يحسب الناس في ردائي ؟
في بردتي هيكل رميم !
*
قد طال يا ليل فيك صبري
و أشبهت ساعك القرونا
فقل لهذي النجوم تسري
أو إسأل الصّبح أن يبينا
و إن تشأ أن تكون قبري
فكن كما شئت أن تكونا
في سكون إلى البلاء
قد يألف العلّة السّقيم
من كان في قبضة الهواء
هان على نفسه النّسيم !
*
قرّب بين الضّنى و جسمي
ما أبعد النّوم عن جفوني
يا ليل فيك الرّقاد خصمي
يا ليل ما فيك من معين
سوى شج همّه كهمّي
ينشد و اللّيل في سكون !
أيمرح البوم في الخلاء
و تمسك البلبل الهموم ؟
هذا ضلال من القضاء
فلا تلمني إذا ألوم
*
سا سيّد المنشدين طرّا
و صاحب المنطق المبين
لو كنت بوما أو كنت نسرا
ما بتّ في أسرك المهين
خلقت لما خلقت ، حرّا
فزجّك الحسن في السّجون
و أطلق البوم في الفضاء
زعم الورى أنّه دميم
و أنّه غير ذي رواء
و لا له صوت الرّخيم !
*
تيّمك الروض فيه حتّى
تخذت باحاته مقاما
رأيت فيه النعيم بحتا
و لم تر عنده الأناما
مدّوا الأحابيل فيه شتّى
أقلّها يجلب الحماما
لو كنت كالبوم في الجفاء
ما صادك المنظر الوسيم
أصبحت تبكي من الشّقاء
ليضحك الآسر المضيم !
*
و المرء وحش فإن ترقّى
أصبح شرا من الوحوش
فخفه حرّا و خفه رقّا
و خفه ملكا على العروش
فالشرّ في الناس كان خلقا
و أيّ طير بغير ريش ؟
ما قام فيهم أخو وفاء
يحفظ عهدا و لا رحيم
فكلّ مستضعف مرائي
و كلّ ذي قوّة غشوم !
*
إن كان للوحش من نيوب
فالناس أنيابهم حديد
ما كان ، و الله ، للحروب
لولا بنو آدم وجود
لو امّحى عالم الخطوب
لقام منهم لها معيد
قد نسبوا الظلم للسماء
و كلّهم جائر ظلوم
لم يخل منه أخو الثّراء
و لا الفتى البائس العديم
*
أعجب ما في بني التراب
قتالهم فوقه عليه
قد صيّر و الأرض كالكتاب
و انحشروا بين دفّتيه
و استعجلوا الموت بالعذاب
و كلّهم صائر إليه
ما خاب داع إلى العداء
و لم يفز ناصح حكيم
ما رغب الناس في الفناء
لكنّما ضاعت الحلوم !!
*
لو لم يك الظلم في الطّبائع
ما استنصر العاجز العداله
لو عدلت فيهم الشرائع
ما استحدثوا للقتال آله
عجبت للقاتل المدافع
جزاؤه الموت لا محاله
لكنّما سافكو الدماء
يوم الوغى قادة قروم
و هكذا المجرم الدائي
في عرفهم فاتح عظيم !
*
أقبح من هذه الضّلاله
أن يحكم الواحد الألوفا
و يدّعي الفضل و النّباله
من يسلب العامل الرّغيفا
يا قوم ما هذه الجهالة
قد حان أن تنصفوا الضّعيفا
فراقبوا ذمّة الإخاء
و لتنس أحقادها الخصوم !
لا تتبعوا سنّة البقاء
فإنّها سنّة ظلوم !

ناريمان الشريف
10-16-2010, 08:18 AM
التمثال
( إيليا أبو ماضي )


من المرمر المسنون صاغوا مثاله
و طافوا به من كلّ ناحية زمر
و قالوا – صنعناه لتخليد رسمه ،
فقلت – ألا يفنى كما فنى الأثر ؟
و قالوا – نصبناه اعترافا بفضله ،
فقلت إذن من يعرف الفضل للحجر ؟
و قالوا – غنيّ كان يسخو بماله
فقلت لهم هل كان أسخى من المطر ؟
و قالوا – قويّ عاش يحمي ذمارنا
فقلت لهم كان أقوى من القدر ؟
أكان غنيّا أو قويّا فإنّه
بمالكم استغنى و قوتكم ظفر
فلم يتعشّقكم و لا همتم به
كما خلتم لكنه النّفع و الضرر
و لم ترفعوا التّمثال للبأس و النّدى
و لكن لضعف في نفوسكم استتر
فلستم تحبّون الغنيّ إذا افتقر
و لستم تحبّون القويّ إذا اندحر
رأيتكم لا تعرجون بروضة
إذا لم يكن في الروض فيء و لا ثمر
و لا تعقلون الشاة إلاّ لتسمنوا ،
و لا تقتنون الخيل إلاّ على السفر
إذا كان حبّ الفضل للفضل شأنكم
و لم تخطئوا في الحسن و السّمع و البصر
فما بالكم تكرموا اللّيل و الضّحى
و لم تنصبوا التّمثال للشمس و لاقمر ؟

ناريمان الشريف
10-18-2010, 05:13 AM
التينة الحمقاء
( إيليا أبو ماضي )


و تينة غضة الأفنان باسقة
قالت لأترابها و الصيف يحتضر
" بئس القضاء الذي في الأرض أوجدني
عندي الجمال و غيري عنده النظر "
" لأحبسنّ على نفسي عوارفها
فلا يبين لها في غيرها أثر "
" كم ذا أكلّف نفسي فوق طاقتها
و ليس لي بل لغيري الفيء و الثمر "
" لذي الجناح و ذي الأظفار بي وطر
و ليس في العيش لي فيما أرى وطر "
" إنّي مفصلة ظلّي على جسدي
فلا يكون به طول و لا قصر "
و لست مثمرة إلا على ثقة
إن ليس يطرقني طير و لا بشر "
....
عاد الربيع إلى الدنيا بموكبه
فازّينت واكتست بالسندس الشجر
و ظلّت اتينة الحمقاء عارية
كأنّها وتد في الأرض أو حجر
و لم يطق صاحب البستان رؤيتها ،
فاجتثّها ، فهوت في النار تستعر
من ليس يسخو بما تسخو الحياة به
فإنّه أحمق بالحرص ينتحر

ناريمان الشريف
10-18-2010, 05:13 AM
الحاجة إلى الخرس
( إيليا أبو ماضي )


ما كان أحوجني يوما إلى أذن
صمّاء إلاّ عن المحبوب ذي الأنس
كي لا يصدّع رأسي صوت نائحة
و لا تقطّع قلبي أنّه التّعس
و لا يمرّر نفسي الأدعياء و لا
ذمّ الأفاضل من ذي خسّة شرس
أقول هذا عسى حرّ يقول معي
ما كان أحوج بعض النّاس للخرس

ناريمان الشريف
10-18-2010, 05:14 AM
الحجر الصغير
( إيليا أبو ماضي )


سمع الليل ذو النجوم أنينا
وهو يغشى المدينة البيضاء
فانحنى فوقها كمسترق الهمس
يطيل السكوت والإصغاء
فراى أهلها نياما كأهل الكهف
لا جلبة ولا ضوضاء
ورأى السدّ خلفها محكم البنيان
والماء يشبه الصحراء
كان ذاك الأنين من حجر في السد
ّ يشكو المقادر العمياء
أيّ شأن يقول في الكون شأني
لست شيئا فيه ولست هباء
لا رخام أنا فأنحت تمثا
لا، ولا صخرة تكون بناء
لست أرضا فأرشف الماء ،
أو ماء فأروي الحدائق الغنّاء
لست درا تنافس الغادة الحسناء
فيه المليحة الحسناء
لا أنا دمعة ولا أنا عين،
لست خالا أو وجنة حمراء
حجر أغير أنا وحقير
لا جمالا ، لا حكمة ، لا مضاء
فللأغادر هذا الوجود وأمضي
بسلام ، إني كرهت البقاء
وهوى من مكانة ، وهو يشكو
الأرض والشهب والدجى والسماء
فتح الفجر جفنه... فإذا
الطوفان يغشى ((المدينة البيضاء))

ناريمان الشريف
10-18-2010, 05:15 AM
الحرب العظمى
( إيليا أبو ماضي )


لو استطيع كتبت بالنّيران
فلقد عييت بكم وعيّ بياني
ولكدت استحي القريض وأتّقي
أن يستريب يراعتي وجناني
أمسى يعاصيني لما جشّمته
فيكم وكنت وكان طوع بناني
يشكو إلّي وأشتكي إعراضكم
اللّه في عان يلوذ بعان
عاهدته أن لا أثير شجونه
أو يستير كوامن الأشجان
يا طالما استبكيته فبكى لكم
لولا الرّجاء بكيته وبكاني
كم ليلة أحيتها متململا
طرفي وطرف النّجم ملتقيان
تحنو على قلمي يميني والدّجى
حان على فتيات والفتيان
أجلو عرائسه لكم وأزفها
ما بين بكر كاعب وعوان
متألما فيكم وفي أبنائكم
وهم وأنتم نائمو الأحزان
ما غال نومي حبّ معسول اللّمى
ممنوعه، لكن هوى الأوطان
أنفقت أيّام الشّباب عليكم
في ذّمة المضي الشّباب الفاني
كم تسألوني أن أعيد زمانه
يا قوم ، مرّ زمانه وزماني
هان اليراع على البواتر والقنا
ما تصنع الأقلام بالمرّان
ليس الكلام بنافع أو تغتدي
حمر المضارب خلف كلّ لسان
والشّعب ليس بمدرك آماله
حتّى يسير على النّجيع القاني!..
***صلّ الحديد وشّمرت عن ساقها
وتنكّر الإخوان للإخوان
فالخيل غاضبة على أرسانها
والبيض غاضبة على الأجفان
والموت من قدّامهم وورائهم
والهول كلّ ثنيّة ومكان
بسطت جناحيها ومدّت ظلّها
فإذا جناحا السّلم مقصوصان
تغشى مواكبها ثلاث غياهب
من قسطل ودجنّة ودخان
ويردّ عنها كلّ خائض لّجة
سيلان: من ماء ومن نيران
أنّى التفتّ رأيت رأسا طائرا
أو مهجة مطعونة بسنان
يمشي الرّدى في إثر كلّ قذيفة
فكأنّما تقتاده بعنان
فالجوّ مّما من أرواحهم
لا تستبين نجومه عينان
والنّهر مّما سال من مهجاتهم
يجري على أرض من المرجان
والأرض حمراء الأديم كأنّها
خدّ الييّة أو خضيب بنان
كم من مبيح للضّيوف طعامه
أمسى طعام الأجدال الغرثان
ومقاتل ناش الكتيبة، ناشه
ظفر العقاب ومخلب السّرحان
ومخلّق بين المجرّة والسّها
صعد الحمام إليه في الطيران
ومشيّد وقف الزّمان حياله
متحيّرا بجماله الفتّان
أخنى على ذكر ((الخورنق)) ذكره
وسما على ((الحمراء)) و((الإيوان))
وقضى العصور النّاس في تشييده
أودت به مقذفة وثوان
ومدينة زهراء آمنة الحمى
هدمت منازلها على السّكان
خرست بلابلها الشّوادي في الضّحى
وعلا صياح البوم والغربان
وتعطلّت جنّانها وقصورها
ولقد تكون بغبطة وأمان
حرب أذلّ بها التّمدّن أهله
وجنى الشّيوخ بها على الشّبان
سحق القويّ بها الضّعيف وداسه
ومشى على أرض من الأبدان
بئس الوغى يجني الجنود حتوفهم
في ساحها والفجر للتيجان
ماأقبح الإنسان يقتل جاره
ويقول هذي سنّة العمران
بلي الزّمان وأنت مثلك قبله
يا شرعة قد سنّها الجدّان
فالقاتل الآلاف غاز فاتح
والقاتل الجاني أثيم جان
لا حقّ إلاّ تؤيّده الظّبى
ما دام حبّ الظّلم في الإنسان
لو خيّر الضّعفاء لاختاروا الرّدى
لكنّ عيش الأكثرين أماني
ما بال قومي نائمين عن العلى
ولقد تنبّه للعلى الثّقلان
تبّاع أحمد والمسيح ، هوادة
ما للعهد أن يتنكّر الأخوان
اللّه ربّ الشّرعتين وربّكم
فإلى متى الدّين تختصمان
مهما يكن من فارق فكلاكما
ينمى إلى قحطان أو غسّان
فخذوا بأسباب الوفاق وطهّروا
أكبادكم من لوثة الأضغان
في ما يحيق بارضكم ونفوسكم
شغل لمشتغل عن الأديان
نمتم وقد سهر الأعادي حولكم
وسكنتم والأرض في جيشان
لا رأي يجمعكم إذا اختلف القنا
وتلاقت الفرسان بالفرسان
لا رأية لكم يدافع دونها
مردالعوارض، والحتوف دواني
لا ذنب للأقدرا في إذلالكم
هذا جزاء الغافل المتواني
لو لم يعزّ الجهل بين ربوعكم
ما هان جمعكم على الحدثان
المرء ، قيمته المعارف والنّهى
ما نفع باصرة بلا إنسان
ما بالكم لا تغضبون لمجدكم
غضبات ملطوم الجبين مهان
أو لستم كالنّاس أهل حفائظ
أم أنتم لستم من الحيوان؟
أبناؤكم ، لهفي على أبنائكم
يلهو بهم أبناء جنكيز خان
النّازعون الملك من أيديكم
العابثون بكم وبالقرآن
أو كلّما طلعت عليهم أزمة
هاجوا ضغائنكم على الصّلبان
لا تخدعنّكم لسّياسة إنّها
شتّى الوجوه كثيرة الألوان
لو تعقلون عملتم لخلاصكم
من دولة القينات والخصيان
عارعلى نسل الملوك بني العلى
أن _ يستذلّهم بنو الرّعيان
ثوروا عليهم واطلبوا استقلالكم
ونشبّهوا بالصّرب واليونان
مذا يروع نفوسكم ، ما فيكم
وكلّ ولا التّرك غير جبان
وهبوهم الرّومان في غلوائهم
أفما غلبتم أمّة الرّومان
ما الموت ما أعيا النّطاسي ردّه
موت الذّليل وعيشه سيّان

ناريمان الشريف
10-18-2010, 05:15 AM
الحرّيّة
( إيليا أبو ماضي )


فتنته محاسن الحرّيّة
لا سليمى و لا جمال سميّه
هي أمنية الجميع و لكن
أرهقته الطبيعة البشريّة
و عجيب أن يخلق المرء حرّا
ثمّ يأبى لنفسه الحرّيّة
غادة ما عرفت قلبا خليّا
من هواها حتّى القلوب الخليّة
غرست في فؤاده الحبّ طفلا
فنما الحبّ و الفؤاد سويّه
ثمّ لمّا فشى الغرام و ذاعت
عنهما في الورى أمور خفيّة
حجبوها يسلو و لكن
كان قيسا و كانت العامريّة
بات يشكو النّوى الشّقيّ و تشكو
مانعيها من أن تراه الشّقيّة
مستهام قضى زمانا طويلا
في عناء من القيود القويّة
و عليه من الزمان رقيب
عاشق للسيادة الوهميّة
و لكلّ مطامع و أماني
يبذل النفس دونها للمنيّة
و يراها لديه أشرف شيء
و هي أدنى من الأكور الدنيّة
زعموا أنّه المليك المفدّى
بالرعايا من شرّ كلّ بليّة
إنّما تفتدي الرعيّة ملكا
باذلا نفسه فدى للرعيّة
ظلم القوم من توهّمه القوم
نصيرا للأمّة الروسيّة
و إذا أحرج الضّعاف قويّ
نسيت ضعفها النفوس الأبيّة

ناريمان الشريف
10-18-2010, 05:18 AM
الحسن لا يشرى ولا يستجلب
( إيليا أبو ماضي )


سفرت فقلت لها أهذا كوكب
قالت أجل وأين مني الكوكب؟
وتبسّمت فرأيت رئما ضاحكا
عن لؤلؤ لكنّه لا يوهب
وتمايلت فالسمهري مصمم
ورنت فأبصرت السّهام تصوّب
أنشبت ألحاظي بورد خدودها
لّما رأيت لحاظها بي ننشب
قد كلمت قلبي ولم ترفق به
واللّظ لو درت المليحة مخلب
بيضاء ناصعة كأن جبينها
صبح وطرتّها عليه غيهب
يا طالما اكتسب الحرير ملاحة
منها ويكسب غيرها ما يكسب
ولطاما بعض النساء حسدتها
ولطالما حسد السليم الأجرب
بين الطلاء وبينهنّ قرابة
مشهورة عنها الجميلة تنكب
إنّ الملاحة عندها عربية
وجمال هاتيك الدّمى مستعرب
قل للغواني إنّها خلقت كذا
الحسن لا يشرى ولا يستجلب
فإذا بلغتنّ الجمال تطريا
فاعلمن أنّ بقاءه مستعصب
هيهات ما يغني الملاح الحسن إن
كانت خلائقهنّ لا تستعذب
إني بلوت الغانيات فلم أجد
فيهن قطّ مليحة لا تكذب
وصحبتهنّ فما استفدت سوى الأسى
ما يستفاد من الغواني يتعب
وخيرتهنّ فما لبكر حرمة
ترعى وأعذر من رأيت الثّيب
لا يخدعتك ضعفهنّ فإنّما
بالضعف أهلكت الهزير الأرنب

ناريمان الشريف
10-18-2010, 05:19 AM
الخطب الفادح
( إيليا أبو ماضي )


( رثى بها المغفور له الامام الحكيم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية )
- - -
هيهات بعدك ما يفيد تصبّر
و لئن أفاد فأيّ قلب يصبر ؟
إنّ البكاء من الرجال مذمّم
إلاّ عليك فتركه لا يشكر
لو كان لي قلب لقلت له ارعوي
إنّي بلا قلب فإنّي أزجر
لا زمت قبرك و البكاء ملازمي
و اللّيل داج و الكواكب سهّر
أبكي عليك بأدمع هطّالة
و لقد يقل لك النجيع الأحمر
ووددت من شجوي عليك و حسرتي
لو أن لحدك في فؤادي يحفر
إنّي لأعجب كيف يعلوك و حسرتي
لو ان لحدك في فؤادي يحفر
أمسيت مستترا به لكنّما
آثار جودك فوقه لا تستر
مرض الندى لمّا مرضت و كاد أن
يقضي من اليأس الملمّ المعسر
يرجوط أنّك جابر كسره
فإذا فقدت فكسره لا يجبر
و علت على تلك الوجوه سحابة
كدراء لا تصفو و لا تستمطر
كم حاولوا كتم الأسى لكنّه
قد كان يخترق الجسوم فيظهر
حامت حواليك الجموع كأنّما
تبغي وقاء الشرق مما يحذر
و الكلّ يسأل كيف حال إمامنا
ماذا رأى حكمائنا ، ما أخبروا ؟
و الداء يقوى ثم يضعف تارة
فكأنّه يبلو القلوب و يسبر
أوردته عذبا فأوردك الردى
تبّت يداه فذنبه لا يغفر
هيهات ما يثني المنيّة جحفل
عمّن تؤم و لا يفيد العسكر
رصد الردى أرواحنا حتى لقد
كدنا نعزّي المرء قبل يصور
نهوى الحياة كأنّما هي نعمة
و سوى الفواجع حبّها لا يثمر
و نظنّ ضحك الدهر فاتحة الرضى
و الدهر يهزأ بالأنام و يسخر
أفقيد أرض النيل أقسم لو درى
بالخطب أوشك ماؤه يتهسّر
و ضعوك في بطن التراب و ما عهد
ت البحر قلبك في الصفائح يذخر
ورأوا جلالك في الضريح فكلّهم
يهوى و يرجو لو مكانك يقبر
لم تخل من أسف عليك حشاشة
أبدا فيخلو من دموع محجر
آبو و ما آب العزاء إليهم
و الحزن ينظم و المدامع ينشر
و الكلّ كيف يكون حال بلادهم
من بعد ما مات الإمام يفكّر
لم يبلنا هذا الزمان بفقده
لو كان ممّن بالرزية يشعر

ناريمان الشريف
10-18-2010, 05:19 AM
الخلود
( إيليا أبو ماضي )


غلط القائل إنّا خالدون
كلّنا بعد الرّدى هيّ بن بيّ
*
لو عرفنا ما الذي قبل الوجود
لعرفنا نا الذي بعد الفناء
نحن لو كنّا " كما قالوا " نعود
لم تخف أنفسنا ريب القضاء
إنّما القول بأنّا للخلود
فكرة أوجدها حبّ البقاء
نعشق البقيا لأنّا زائلون
و الأماني حيّة في كلّ حيّ
*
زعموا الأرواح تبقى سرمدا
خدعونا ... نحن و الشّمع سواء
يلبث النور بها متّقدا
فإذا ما احترقت باد الضياء
أين كان النور ؟ أنّي وجدا ؟
كيف ولّى عندما زال البناء ؟
شمعتي فيها لطلّاب اليقين
آيه تدفع عنهم كلّ غيّ
*
ليست الروح سوى هذا الجسد
معه جاءت ومعه ترجع
لم تكن موجودة قبل وجد
و لهذا حين يمضي تتبع
فمن الزور الموشّى و الفند
قولنا : الأرواح ليست تصرع
تلبث الأفياء ما دام الغصون
فإذا ما ذهبت لم يبق في
*
لو تكون الروح ما لا يضمحل
ما جزعنا كلّما جسم همد
لو تكون الروح جسما مستقل
لرآها من يرى هذا الجسد
كلّ ما في الأرض من عين و ظل
سوف ينحلّ كما انحلّ الزبد
و لئن صحّ بأنّا منشرون
جاز أن يعقب ذاك النّشر طيّ
*
ليت من قالوا بأنّا كالزهور
خبّرونا أين تمضي الرائحه ؟
أترى تبقى كألحان الدهور ؟
أم تلاشى مثل صوت النائحه ؟
ليت شعري أيّ خلد للبذور
بعد أن تلقى بنار لافحة ؟
قل لمن يخبط في ليل الظنون
ليس بعد الموت للظّاميء ري
*
مثلما يذهب لون الورقه
عندما تيبس في الأرض الأصول
مثلما يفقد نور الحدقه
حين أقضي .. هكذا نفسي تزول
كتلاشي الشمعة المحترقة
تتلاشى بين ضحك و عويل
أنا بعد الموت شيئا لا أكون
حيث أنّي لم أكن من قبل شيء !
*
إيه أبناء الثّرى نسل القرود
علّلوا أنفسكم بالترّهات
ألبسوا في صحوكم ثوب الجمود
واحلموا في نومكم بالمعجزات
فسيأتي زمن غير بعيد
تتهادى بينكم فيه أيّاه !!
و يحلّ الله في ماء وطين
فيراه الشّيخ و الشاب الأحيّ !

ناريمان الشريف
10-18-2010, 05:20 AM
الخمر والدنيا
( إيليا أبو ماضي )


يشرب بنت الكرم بعض الناس
لكربة في النفس أو وسواس
وبعضهم لأنه قد ظفرا
وبعضهم لأنه قد خسرا
وبعضهم لأنهفي فرح
وبعضهم لأنه في ترح
وبعضهم كي يتردّ الأمسا
وبعضهم يجرعها كي ينسى
وبعضهم ليستفيد قوّة
وبعضهم لسورة الفتوّة
وبعضهم كيما يحلّ مشكله
وبعضهم لأنه لا شغل له
وبعضهم عن رغبة وعن هوى
وبعضهم لعلّه يرضي السّوى
وبعضهم من حبّه للبائع
وبعضهم نكاية للمانع
وبعضهم يشربها أحيانا
وبعضهم في أيّ وقت كانا
وبعضهم مع صحبة في الدار
وبعضهم في حانة الخمّار
وبعضهم مع زمرة الندمان
وبعضهم في وحدة الرهبان
وبعضهم في الصيف ذي الرمضاء
وبعضهم في زنم الشتاء
وبعضهم عند انجياب الظلمه
وبعضهم عند طلوع النجمه
وبعضهم يذمّها استهجانا
وبعضهم يمدّحها استحسانا
لكنّهم كلّهم يحسوها
ألمادحوها والمقبّحوها
فما وجدت في زماني رجلا
وقلت: هل تحبّها ؟ فقال: لا
وسرّ هذا أنها كالدنيا
تؤذي ولكت مع أذاها تهوى

ناريمان الشريف
10-19-2010, 04:55 AM
الدمعة الخرساء
( إيليا أبو ماضي )


سمعت عول النائحات عشية
في الحيّ يبتعث الأسى و يثير
يبكين في جنح الظلام صبيّة
إنّ البكاء على الشباب مرير
فتجهّمت و تلفّتت مرتاعة
كالظبي أيقن أنّه مأسور
و تحيّرت في مقلتيها دمعة
خرساء لا تهمي و ليس تغور
فكأنّها بطل تكنّفه العدى
بسيوفهم و حسامه مكسور
و جمت ، فأمسى كلّ شيء واجما
ألنور ، و الأظلال ، و الديجور
ألكون أجمع ذاهل لذهولها
حتى كأنّ الأرض ليس تدور
لا شيء ممّا حولنا و أمامنا
حسن لديها و الجمال كثير
سكت الغدير كأنّما التحف الثرى
وسها النسيم كأنّه مذعور
و كأنّما الفلك المنوّر بلقع
و الأنجم الزهراء فيه قبور
كانت تمازحني و تضحك فانتهى
دور المزاح فضحكها تفكير
...
قالت وقد سلخ ابتسامتها الأسى :
صدق الذي قال
أكذا نومت و تنقضي أحلامنا
في لحظة ، و إلى التراب نصيره ؟
و تموج ديدان الثرى في أكبد
كانت تموج بها المنى و تمور
خير إذن منّا الألى لم يولدوا
و من الأنام جلامد و صخور
و من العيون مكاحل و مراود
و من الشفاه مساحيق و ذرور
و من القلوب الخافقات صبابة
قصب لوقع الريح فيه صفير !
...
و توقّفت فشعرت بعد حديثها
أن الوجود مشوّش مبتور
ألصيف ينفث حرّه من حولنا
و أنا أحسّ كأنّني مقرور
ساقت إلى قلبي الشكوك فنغّصت
ليلي ، و ليس مع الشكوك سرور
و خشيت أن يغدو مع الرّيب الهوى
كالرسم لا عطر و فيه زهور
و كدميه المثّال حسن رائع
ملء العيون و ليس ثمّ شعور
فأحببتها : لتكن لديدان الثرى
أجسامنا إنّ اجسوم قشور
لا تجزعي فالموت ليس يضيرنا
فلنا إياب بعده و نشور
إنّا سنبقى بعد أن يمضي الورى
و يزول هذا العالم المنظور
فالحبذ نور خالد متجدد
لا ينطوي إلاّ ليسطع نور
و بنو الهوى أحلامحهم ورؤاهم
لا أعين و مراشف و نحور
فإذا طوتنا الأرض عن أزهارها
و خلا الدجى منّا و فيه بدور
فسترجعين خميلة معطارة
أنا في ذراها بلبل مسحور
يشدو لها و يطير في جنباتها
فتهشّ إذ يشدو و حين يطير
أو جدولا مترقرقا مترنّما
أنا فيه موج ضاحك و خرير
أو ترجعين فراشة خطّارة
أنا في جناحيها الضحى الموشور
أو نسمة أنا همسها و حفيفها
أبدا تطوّف في البرى و تدور
تغشى الخمائل في الصباح بلبلة
و تؤوب حين تؤوب و هي عبير
أو تلتقي الكئيب ، على رضى
و قناعة ، صفصافة و غدير
تمتدّ فيه و في ثراه عروقها
و يسيل تحت فروعها و يسير
و يغوص فيه خيالها فيلفه
و يشفّ فهو المنطوي المنشور
يأوي إذا اشتدّ الهجير إليها
ألناسكان : الظبي و العصفور
لهما سكينتها ووارف ظلّها
و الماء إن عطشا لديه و فير
أعجوبتان – زبرجد متهدل
نام تدفّق تحته البلّور
لا الصبح بينهما يحول و لا الدجى
فكلاهما بكليهما مغمور
تتعاقب الأيّام و هي نضيره
مخضرّة الأوراق ، و هو نمير
فالدهر أجمعه لديهما غبطة
و الدهر أجمعه لديه حبور
...
فتبسّمت و بدا الرضى في وجهها
إذ راقها التمثيل و الصوير
عالجتها بالوهم فهي قريرة
و لكم أفاد الموجع التخدير
ثمّ افترقنا ضاحكين إلى غد
و الشهب تهمس فوقنا و تشير
هي كالمسافر آب بعد مشقّة
و أنا كأنّي قائد منصور
لكنّني لمّا أويت لمضجعي
خشن الفراش عليّ و هو وثير
و إذا سراجي قد وهت و تلجلجت
أنفاسه فكأنّه المصدور
و أجلت طرفي في الكتاب فلاح لي
كالرسم مطموسا و فيه سطور
و شربت بنت الكرم أحسب راحتي
فيها : فطاش الظنّ و التقدير
فكأنّني فلك وهت أمراسها
و البحر يطغى حولها و يثور
سلب الفؤاد رواه و الجفن الكرى
همّ عرا ، فكلاهما موتور
حامت على روحي الشكوك كأنّها
و كأنّهن فريسة و صقور
و لقد لجأت إلى الرجاء فعقّني
أما الخيال فخائب مدحور
يا ليل أين النور ؟ إنّي تائه
مر ينبثق ، أم ليس عندك نور ؟
...
" أكذا نموت و تنقضي أحلامنا
في لحظة و إلى التراب نصير ؟ "
" خير إذن منّا الألى لم يولدوا
و من الأنام جنادل و صخور "

ناريمان الشريف
10-19-2010, 04:55 AM
الذئاب الخاطفة
( إيليا أبو ماضي )


ما بالهم نقضوا العهود جهارا
و تعمّدوا الإيذاء و الإضرارا ؟
و استأسدوا لمّا رأوا ليث الشّرى
عاف الزئير و قلّم الأظفارا
داروا به و الشّر في أحداقهم
ذا يدّعي حقّا و ذلك ثارا
لؤم لعمر أبيك لم ير مثله
التاريخ منذ استقرأ الأخبارا
و خيانة ما جاءها القوم الألى
تخذوا مع الوحش القفار ديارا
أمسى يحرّض عاهل الألمان عن
أمسى يحرّض في الخفا البلغارا
أمعاشر الإفرنج ليس شهامة
ما تفعلون إذا أمنتم عارا
أمن المروءة أن يساء جوارنا
في حين أنّا لا نسيء جوارا ؟
أمن المروءة أن يطأطيء تاجه
ملك ليملك في الثرى أشبارا ؟
ألبغي مرتعه وخيم فاعلموا
و الظلم يعقب للظلوم دمارا
إن تحرجوا الرئبال في عرينه
يذر السّكوت و يركب الأخطارا
و كما علّمتم ذلك الجيش الذي
يأبى و يأنف أن يرى خوّارا
فالويل للدنيا إذا نفض الكرى
و الويل للأيّام إمّا ثارا
إنّي أرى ليلا يخيّم فوقنا
لا ينجلي حتّى يشبّ النارا
فحذار ثمّ حذار من يوم به
يجري النجيع على الثرى أنهارا
يوم تباع به النفوس رخيصة
يوم يقصّر هوله الأعمارا
يوم يكون به الجميع عساكرا
و الكلّ يدخل في الوغى مختارا

ناريمان الشريف
10-19-2010, 04:56 AM
الرأي الصواب
( إيليا أبو ماضي )


يا نفس هذا منزل الأحباب
فانسي عذابك في النّوى و عذابي
و تهلّلي كالفجر في هذا الحمى
و تألّقي كالخمر في الأكواب
و لتسمح البشرى دموعك مثلما
يمحو الصباح ندى عن الأعشاب
و استرجعي عهد البشاشة و الرّضى
فالدهر عاد تضاحكا و تصابي
أنا بين أصحابي الذين أحبّهم
ما أجمل الدنيا مع الأصحاب
قد كنت مثل الطائر المحبوس في
قفص ، و مثل النجم خلف ضباب
يمتدّ في جنح الظلام تأوّهي
و يطول في أذن الزمان عتابي
و أهزّ أقلامي فترشح حدّة
و أسى ، و يندى بالدموع كتابي
حتى لقيتكم فبت كأنّني
لمسرّتي استرجعت عصر شبابي
ليس التعبّد أن تبيت على الطّوى
و تروح في خرق من الأثواب
لكنه إنقاذ نفس معذّب
من ربقة الآلام و الأوصاب
لكنه ضبط الهوى في عالم
فيه الغوايه جمّة الأسباب
و حبائل الشيطان في جنباته
و المال فيه أعظم الأرباب
هذا هو الرأي الصواب و غيره
مهما حلا للناس غير صواب

ناريمان الشريف
10-19-2010, 04:58 AM
الرجل و المرأة
( إيليا أبو ماضي )


يا ربّ قائلة و القول أجمله
ما كان من غادة حتى و لو كذبا
إلى م تحتقر الغادات بينكم
و هنّ في الكون أرقى منكم رتبا
كن لكم سببا في كلّ مكرمة
و كنتم في شقاء المرأة السّببا
زعمتم أنّهنّ خاملات نهى
و لو أردن لصيّرن الثّرى ذهبا
فقلت لو لم يكن ذا رأي غانية
لهاج عند الرّجال السخط و الصّخبا
لم تنصفينا و قد كنّا نؤمّل أن
لا تنصفينا لهذا لا نرى عجبا
هيهات تعدل حسناء إذا حكمت
فا الظلم طبع على الغادات قد غلبا
******
يحاربالرّجل الدنيا فيخضعها
و يفزع الدّهر مذعورا إذا غضبا
يرنو فتضطرب الآساد خائفة
فإن رنت حسن ظلّ مضطربا
فإن تشأ أودعت أحشاءه بردا
و إن تشأ أودعت أحشاءه لهبا
يفنى الليالي في همّ و في تعب
حذار أن تشكي من دهرها تعبا
و لو درى أنّ هذي الشهب تزعجها
أمسى يروع في أفلاكها الشّهبا
يشقى لتصبح ذات الحلى ناعمة
و يحمل الهمّ عنها راضيا طربا
فما الذي نفحته الغانيات به
سوى العذاب الذي في عينه عذبا ؟
هذا هو المرء يا ذات العفاف فمن
ينصفه لا شكّ فيه ينصف الأدبا
عنّفته و هو لا ذنب جناه سوى
أن ليس يرضى بأن يغدو لها ذنبا

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:01 AM
الرزء الأليم
( إيليا أبو ماضي )


( رثى بها فقيد اللغة و الأدب المرحوم الشيخ ابراهيم اليازجي )
- - - -
عدمت قلبي لم يعدم الجلدا
و نال نفسي الردى إن لم تذب كمدا
آها و لو نفعت آه أخا شجن
لم يبتع غيرها عند الأسى عضدا
آها و لو لم يكن خطب ألمّ بنا
ما سطّرتها يدي في كاغد أبدا
ألمرء مجتهد و الموت مجتهد
أن ليس يترك فوق الأرض مجتهدا
ساوى الرضيع به شاب مفرقه
و العبد سيّده و الثعلب الأسدا
قد غادر الفضل بالأحزان منفردا
من كان بالفضل دون الناس منفردا
مات ( البيان ) بموت ( اليازجّي ) فمن
لم يبك هذا بكى هذا الذي فقدا
و الله ما ولدت حواء أطهر من
هذا الفقيد فؤادا لا ولن تلدا
أين ( الضياء ) الذي زان البلاد كما
يزين البدر في جنح الدّجى الجلدا ؟
أين اليراع الذي قد كان يطربنا
صريره في أديم الطرس منتقدا ؟
و أين أين سجاياه التي حسدت
يبكي الشقيق أخا والوالد الولدا
أقسمت ما اهتز فوق الطرس لي قلم
إلاّ جعلت له دمعي البتيت مددا
و لا تخذت أخا في الدهر يؤنسني
بعد الجليل سوى الحزن الذي وجدا

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:03 AM
الزمان
( إيليا أبو ماضي )


يمشي الزمان بمن ترقب حاجة
متثاقلا كالخائف المتردّد
حتى ليحسبه أسيرا موثقا
ويراه أبطأ من يح مقعد
ويخال حاجته التي يصبو لها
في دارة الجوزاء أو في الفرقد
ويكون ما يرجوه زورة صاحب
ويكون أبعد ما يرجّى في غد
فإذا تولّى النفس خوف في الضحى
من واقب تحت الدجى أو معتد
طارت بها خيل الزمان ونوقه
نحو الزمان المدلهمّ الأسود
فكأنها محمولة في بارق،
أو عارض، أو عاصف في فدفد
ويكون أقصر ما يكون إذا الفتى
مدّت له الدنيا يد المتودّد
فتوسط اللذّات غير منفّر
وتوسد الأحلام غير منكّد
فإذا لذيذ العيش نغبة طائر
وإذا طويل الدهر خطرة مرود
وإذا الفتى لبس الأسى ومشى به
فكأنما قد قال للزمن اقعد
فإذا الثواني أشهر، وإذا الدقائق
أعصر ، والحزن شيء سرمدي
وإذا صباح أخي الأسى أو ليله
متجدد مع همه المتجدّد
فهو الورى وأذلّهم أنّ الورى
متعلل، أو طامع ، أو مجتد
جعلوا رغائبهم قياس زمانهم
والدهر أكبر أن يقاس بمقصد
وقلت في نفسي الرغائب والمنى
فقهرته بتجرّدي وترّهدي
يشكو الذي يشكو السهاد جفونه
أو لم يكن ذا ناظر لم يسهد
إن كان شيء للنفاد أعده
فيما انقضى ومضى وإن لم ينفد
ما أن رأيت الكحل في حدق المهى
إلاّ لمحت الدود خلف الأثمد
من ليس يضحك والصباح مورّد
لم يكتئب والصبح غير مورّد
سيّان أحلام أراها في الكرى
عندي ، وأشياء اشتملت يدي
أنا في الزمان كموجة في زاخر
أنا فيه إن يزيد وإن لم يزيد
مهما تلاطم فهو ليس بمغرقي،
أو مخرجي منه، ولا بمبدّدي
هيهات ما أرجو ولا أخشى غدا
هل أرتجي وأخاف ما لم يوجد
والأمس فيّ فكيف أحسبه انتهى
أفما رأيت الأصل في الفرع الندي؟
قبل كبعد حالة وهميّة
أمسي أنا، يومي أنا، وأنا غدي

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:06 AM
السجينة
( إيليا أبو ماضي )


رآها يحلُّ الفجرُ عقد جفونها
ويُلقي عليها تبرهُ فيذوبُ
وينفض عن أعطافها النورَ لؤلؤاً
من الطلِّ ما ضُمت عليه جيوبُ
فعالجها حتى استوت في يمينه
وعاد إلى مغناه وهو طروبُ
وشاء فأمست في الإناء سجينةً
لتشبع منها أعينٌ وقلوبُ
فليست تحيي الشمس عند شروقها
وليست تحيي الشمس حين تغيبُ
ومن عُصبت عيناه فالوقت كله
لديه وإن لاح الصباحُ غروبُ
لها الحجرة الحسناءُ في القصر إنما
أحب إليها روضةٌ وكثيبُ
وأجمل من نور المصابيح عندها
حُباحبُ تمضي في الدجى وتؤوبُ
وأحلى من السقف المزخرف بالدمى
فضاءٌ تشع الشهبُ فيه رحيبُ
تحنُ إلى مرأى الغدير وصوته
وتُحرم منه ، والغدير قريبُ
وكانت قليل الطل ينعش روحها
وكانت بميسور الشعاع تطيبُ
تمشى الضنى فيها وأيار في الحمى
وجفت وسربال الربيع قشيبُ
إسارك يا أخت الرياحين مفجعٌ
وموتك يا بنت الربيع رهيبُ

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:08 AM
السر في الأرواح
( إيليا أبو ماضي )


قال الغراب وقد رأى كلف الورى
وهيامهم بالبلبل الصّدّاح
لم لا تهيم بي المسامع مثله
ما الفرق بين جناحه وجناحي؟
إني أشدّ قوى وأمضي مخلبا
فعلى م نام النّاس عن تمداحي؟
أمفرق الأحباب عن أحبابهم
ومكدّر اللّذّات واالأفراح
كم في السّوائل من شبيه للطّلا
فعلى م ليس لها مقام الرّاح؟
ليس الخطوط من الجسوم وشكلها
السرّ كلّ السرّ في الأرواح
والصّوت من نعم السّما ولم تكن
ترضى السّما إلاّ عن الصّلاح
حكم القضاء فإن نقمت على القضا
فاضرب بعنقك مدية الذبّاح!!!

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:09 AM
السماء
( إيليا أبو ماضي )


لا تسألني عن السماءفما عندي
إلا النعوت والأسماء
هي شيء وبعض شيء وحينا
كل شيء وعند قوم هباء
فسماء الراعي كما يتمناها
مروج. فسيحة خضراء
تلبس التير مئزرا ووشاحا
كلما أشرقت وغابت ذكاء
أبدا في نضارة،لا يجف العشب
فيها ؛ولا بعض الماء
وهي عند الأم التي اخترم
الموت بنيها، وضلّعنها العزاء
موضع يولد الرّجاء من اليأس
إذا مات في القلوب الرجاء
وهي عند الفقير أرض وراء
الأفق، فيها ما يشتهي الفقراء
لا يخاف المثري، ولا كلبه الضاري
، ولا لامرىء به استهزاء
وهي عندالمظلوم أرض كهذي
الأرض لكن قد شاع فيها الإخاء
يجمع العدل أهلها في نظام
مثلما يجمع الخيوط الرداء
لا ضعيف مستعبد، لا قويّ
مستبد؛بل كلهم أكفاء
كلّ شيء للكل ملك حلال،
كلّ شيء فيها كما الكلّ شاموا
وهي عند الخليع أرض تميس
الحور فيها، وتدفق الصهباء
كلّ ما النفس تشتهيه مباح
لا صدود، لا جفوة، لا إباء
أكبر الإثم قولة المرء هذا
الأمر إثم، وهذه فحشاء
ليس بين الصّلاح والشر حد
كالذي شاء وضعه الإنبياء
وإذا لم يكن عفاف وفسق
لم تكن حشمة ولا استحياء
...
صور في نفوسنا كائنات
ترتديها الأفعال والأشياء
ربّ شيء كالجوهر الفرد فذّ
عدّدته الأغراض والإهواء
كلّ ما تقصر المدارك عنه
كائن مثلما الظنون تشاء
كلّ ما تقصر المدارك عنه
كائن مثلما الظنون تشاء

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:10 AM
السيّد المجتبى
( إيليا أبو ماضي )


سلام على السيّد المجتبى
كقطر الغمام و نشر الكبا
و يا مرحبا بأمير السلام
و قلّ له قولنا مرحبا
قدومك بدّد عنّا الأسى
كما يكشف القمر الغيهبا
و أحيا المنى في فؤاد الفتى
وردّ إلى الشيخ عهد الصّبى
كأنّي " بأيّار " خير الشهور
أتاه البشير بذاك النّبا
فوشّى الرّياض ، و حلّى الحقول ،
وزان الوهاد ، وزان الرّبى
و قال لأغصانه صفّقي
و للطير في الأرض أن تخطبا
و للنسمات تجوب البلاد
و تملأها أرجا طيّبا
ورنت بأذني أغاريدها
فقلت لكفّي أن تكتبا
فهذا القريض حفيف الغصون
و شدو الطيور ، و نفح الصبا
******
طلعات فطال خفوق الفؤاد
كأنّ به هزّة الكهربا
و ليس به هزّة الكهرباء
و لكن رأى التّائه الكوكبا
و ألقت إليك مقاليدها
نفوس تخيّرت الأنسبا
فيا صاحب الشّيم الباهرات
و يا من تحلّ لديه الحبّا
تقوّل عنك صغار النفوس
لأمر فما أدركوا مأربا
و من يسلب الشمس أنوارها
و من ذا الذي يمسك الصيبا ؟
فأحسن إليهم و إن أخطأوا
و كن كالحيا يمطر السّبسبا
إذا لم تسامح و أنت الكريم
فمن ذا الذي يرحم المذبا ؟
******
لقد طرب التاج و الصولجان
و حقّ لهذين أن يطربا
فإن هنّأوك بما نلته
فإنّي أهنّي بك المنصبا

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:10 AM
الشاعر في السماء
( إيليا أبو ماضي )


رآني اللّه ذات يوم
في الأرض أبكي من الشقاء
فرقّ، واللّه ذو حنان
على ذوي الضرّ والعناء
وقال: ليس التراب دارا
للشعر، فارجع إلى السماء!
وشاد فوق السّماك بيتي
ومدّ ملكي على الفضاء
فالتفّت حول عرشي
وسار في طاعتي الضياء
وصرت لا ينطوي صباح
إلا بأمري ولا مساء
ولا تسوق الغيوم ريح
إلاّ ولي فوقها لواء
فالأمر بين النجوم أمري
لي الحكم فبيها ولي القضاء
...
لكنّني لم أزل حزينا
مكتئب الروح في العلاء
فاستغرب اللّه كيف أشقى
في عالم الوحي والسّناء
وقال: ما زال آدميّا
يصبو إلى الغيد والطّلاء
ومسّ روحي واستلّ منها
شوقي إلى الخمر والنساء
وظنّ أنّي انتعى بلائي
فلم يزدني سوى بلاء
واشتدّ نوحي وصار جهرا
وكان من قبل في الخفاء
وصار دمعي سيول نار
وكان قبلا سيول ماء
...
يا أيّها الشاعر المعنّى
حيّرني داوّك العياء
هل تشتهي أن تكون طيرا؟
فقلت: كلاّ، ولا غناء!
هل تشتهي أن تكون نجما؟
أجبت : كلاّ ولا بهاء!
هل تبتغي المال؟ قلت: كلاّ
ما كان من مطلي الثراء
ولا قصورا ، ولا رياضا
ولا جنودا ولا إماء
وليس ما بي ، يا ربّ، داء
ولا احتياجي إلى دواء
ولا حنيني إلى القناني
ولا اشتياقي إلى الظباء
ولا أريد الذي لغيري
ذا حكمة كان أم مضاء
لكن أمنية بنفسي
يسترها الخوف والحياء!
فقال: يا شاعرا عجيبا
قل لي إذن ما الذي تشاء؟
فقلت: يا ربّ، فصل صيف
في أرض لبنان أو شتاء
فإّنني هنها غريب
وليس في غربة هناء!
فاسضحك اللّه من كلامي
وقال: هذا هو الغباء
لبنان أرض ككلّ أرض
وناسه والورى سواء
وفيه شيء تشتاق فيه؟
فقلت: ما سرّني وساء
تحنّ نفسي إلى السواقي ،
إلى الأقاحي، إلى الشّذاء
الى الروابي تعرى وتكسي،
إلى العصافير والغناء
الى العناقيد ، والدوالي،
والماء، والنور، والهواء!
فأشرف اللّه من علاه
يشهد ((لبنان)) في الماء
فقال: ما أنت ذو جنون
وإنّما أنت ذو وفاء
فإنّ لبنان ليس طودا،
ولا بلادا،لكن سماء!

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:11 AM
الشاعر و الأمة
( إيليا أبو ماضي )


خير ما يكتبه ذو مرقم
قصة فيها لقوم تذكره
...
كان في ماضي اللّيالي أمّة
خلع العزّ عليها حبره
يجد النّازل في أكفانها
أوجها ضاحكة مستبشرة
و يسير الطرف من أرباضها
في مغان حاليات نضره
لم يقس شعب إلى أمجادها
مجده الباذج إلاّ استصغره
همّها في العلم تعلي شأنه
بينها ، و الجهل تمحو أثره
ما تغيب الشمس إلاّ أطلعت
للورى محمده أو مأثره
فتمنّى الصّبح تغدو شمسه
و تمنّى اللّيل تغدو قمره
و مشى الدّهر إليها طائعا
فمشت تائهة مفتخره
...
كان فيها ملك ذو فطنة
حازم يصفح عند المقدره
بعشق الأمر الذي تعشقه
فاذا ما استنكرته استنكره
بلغت في عهده مرتبة
لم تنلها أمّة أو جمهرة
فاذا أعطت ضعيفا موثقا
أشفقت أعداؤه أن تخفره
و إذا حاربها طاغية
كانت الظاّفرة المنتصره
مات عنها ، فأقامت ملكا
طائش الرأي كثير الثّرثره
حوله عصبة سوء ، كلّما
جاء إدّا أقبلت معتذره
حسّنت في عينيه آثامه
و إليه نفسه المستكبره
و تمادى القوم في غفلتهم
فتمادى في الملاهي المنكره
زحزح الأمّة عن مركزها
و طوى رايتها المنتشره
و رأت فيها اللّيالي مقتلا
فرمتها فأصابت مدبره
فهوت عن عرشها منعفره
مثلما ترمي بسهم قبّره
...
كان فيها شاعر مشتهر
ذو قواف بينها مشتهره
كلّما هزّت يداه وترا
هزّ من كلّ فؤاد وتره
تعس الحظّ ، و هل من
شاعر في أمّة محتضره ؟
يقرأ النّاظر في مقلته
ثورة طاهرة مستتره
ما يراه النّاس إلاّ واقفا
في مغاني قومه المندثر
حائرا كالريّح في أطلالها
باكيا و السّحب المنهمره
و هي في أهوائها لاهية
و كذلك الأمة المستهتره
ما رأت مهجته المنفطره
لا ولا أدمعه المنحدرة
فشكاه الشّعر مما سامه
و شكاه اللّيل ممّا سهره
ثمّ لمّا عبث اليأس
مزّق الطّرس وشجّ المحبره
...
مرّ يوما فرأى أشباحا
جلسوا يبكون عند المقبرة
قال ما لكم ؟ ... ما خطبكم
أيّ كنز في الثرى أو جوهره ؟
و من الثاوي الذي تبكونه
قيصر أم تبّه ، أم عنترة ؟
قال شيخ منهم محدوب
و دموع اليأس تغشى بصره
إنّ من نبكيه لو أبصره
قيصر أبصر فيه قيصره
كيف يا جاهل لا تعرفه
وحداة العيس تروي خبره ؟
هو ملك كان فينا و مضى
فمضت أيّامنا المزدهرة
و لبثنا بعده في ظلم
داجيات فوقنا معتكره
و الذي كان بنا " معرفة "
لصروف الدّهر أمسى " نكره "
فانتهى التّاج إلى معتسف
لم يزل بالتّاج حتى نثّره
كلّ ما تصبو إليه نفسه
معصر أو خمرة معتصره
مستهين باللّيالي و بنا
مستعين بالطّغام الفجره
كلّما جاء إليه خائن
واشيا قرّبه و استوزره
فإذا جاء إليه ناصح
شكّ في نيّته فانتهره
مستبد باذل في لحظة
ما ادّخرناه له و ادّخره
يهب المرء و ما يملكه
و على الموهوب أن بستغفره
هزأ الشّاعر منهم قائلا :
بلّغ السّوس أصول الشّجره
رحمة الله على أسلافكم
إنّهم كانوا تقاة بررة
رحمة الله عليهم إنّهم
لم يكونوا أمّة منشطره
إنّ من تبكون يا سادتي
كالذي تشكون فيكم بطره
إنّما بأس الألى قد سلفوا
قتل النّهمة فيه و الشّرة
فاحبسوا الأدمع في آماقكم
و اتركوا هذي العظام النّخره
لو فعلتم فعل أجدادكم
ما قضى الظالم منكم وطره
ما لكم تشكون من محتكم
رضتم ألسنكم أن تشكره ؟
و جعلتم منكم عسكره
و حلفتم أن تطيعوا عسكره ؟
كيف لا يبغى و يطغى آمر
يتّقي أشجعكم أن ينظره ؟
ما استحال الهرّ ليثا إنّما
أسد الآجام صارت هرره
و إذا اللّيث وهت أظفاره
أنشب السّنور فيه ظفره !!

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:12 AM
الشاعر و الملك الجائر
( إيليا أبو ماضي )


1
أمر السلطان بالشاعر يوما فأتاه
في كساء حائل الصّبغة واه جانباه
و حذاء أوشكت تفلت منه قدماه
قال : صف جاهي ، ففي وصفك لي للشعر جاه
إنّ لي القصر الذي لا تبلغ الطير ذراه
و لي الروض الذي يعبق بالمسك ثراه
و لي الجبش الذي ترشح بالموت ظباه
و لي الغابات و الشمذ الرواسي و المياه
و لي الناس ... و بؤس الناس منّي و الرفاه
إنّ هذا الكون ملكي ، أنا في الكون إله !
2
ضحك الشاعر ممّا سمعته أذناه
و تمنّى إنّ يداجي فعصته شفتاه
قال: إنّي لا أرى كما أنت تراه
إنّ ملكي قد طوى ملكك عنّي و محاه
***
ألقصر ينبيء عن مهارة شاعر
لبق ، و يخبر بعده عنّكا
هو الألى يدرون كنه جماله
فإذا مضوا فكأنّه دكّا
ستزول أنت و لا يزول جلاله
كالفلك تبقى ، إن خلت ، فلكا
***
و الرّوض ؟ إنّ الروض صنعه شاعر
سمح ، طروب ، رائق ، جزل
وشّى حواشيه وزيّن أرضه
بروائع الألوان و الظلّ
لفراشة تحيا له ، و لنحلة
تحيا به ، و لشاعر مثلي !
و لديمة تذري عليه دموعها
كيما تقيه غوائل المحل
و لبلبل غرد يساجل بلبلا
غردا ، و للنسمات و الطلّ
فإذا مضى زمن الربيع أضعته
و أقام في قلبي و في عقلي !
***
و الجيش معقود لواؤك فوقه
ما دمت تكسوه و تطعمه
للخبز طاعته و حسن ولائه
هو " لاته " الكبرى و " برهمه "
فإذا يجوع بظلّ عرشك ليلة
فهو الذي بيديه يحطّمه
لك منه أسيفه ، و لكن في غد
لسواك أسيفه و أسهمه
أتراه سار إلى الوغى متعلّلا
لولا الذي الشعراء تنظمه ؟
و إذا ترنّم هل بغير قصيدة
من شاعر مثلي ترنّمه ؟
***
و البحر ، قد ظفرت يداك بدرّه
و حصاه ، لكن هل ملكت هديره ؟
هو للدجى يلقي عليه خشوعه
و الصّبح يسكب ، و هو يضحك ، نوره
أمرجت أنت مياهه ؟ أصبغت أن
ت رماله ؟ أجبلت أنت صخوره
هو للرياح تهزّه و تثيره
و الشهب تسمع في الظلام زئيره
للطير هائمة به مفتونة
لا للذين يروّعون طيوره
للشاعر المفتون يخلق لاهيا
من موجة حورا و يعشق حوره
و لمن فيه رمز كيانه
و لمن يجيد لغيره تصويره
يا من يصيد الدرّ من أعماقه
أخذت يداك من الجليل حقيره
لا تدّعيه ... فليس يملك ، إنّه
كالرّوض جهدك أن تشمّ عبيره
***
و مررت بالجبل الأشمّ فما زوى
عنّي محاسنه و لست أميرا
و مررت أنت فما رأيت صخوره
ضحكت و لا رقصت لديك حبورا
و لقد نقلت لنملة ما تدّعي
فتعجّبت ، ممّا حكيت ، كثيرا
قالت : صديقك ما يكون ؟ أقشعما
أو أرقما ؟ أم ضيغما هيصورا ؟
أيحوك مثل العنكبوت بيوته
حوكا ؟ و يبني كالنسور و كورا ؟
هل يملأ الأعوار تبرا كالضّحى
و يردّ كالغيث الموات نضيرا ؟
أيلفّ كاللّيل الأباطح و الرّبى
و المنزل المعمور و المهجورا ؟
فأجبتها : كلّا ! فقالت : سمّه
في غير خوف " كائنا مغرورا ! "
3
فاحتدم السّلطان أيّ احتدام
و لاح حبّ البطش في مقلتيه
وصاح بالجلّاد : هات الحسام !
فأسرع الجلّاد يسعى إليه
فقال: دحرج رأس هذا الغلام
فرأسه عبء على منكبيه
***
قد طبع السّيف لحزّ الرّقاب
و هذه رقبة ثرثار
أقتله ...و اطرح جسمه للكلاب
و لتذهب الروح إلى النّار
***
سمعا و طوعا ، سيّدي !.. و انتضى
عضبا يموج الموت في شفرتيه
و لم يكن إلاّ كبرق أضا
حتّى أطار الرأس عن منكبيه
فسقط الشاعر معرورضا
يخدّش الأرض بكلتا يديه
كأنّما يبحث عن رأسه
فاستضحك السلطان من سجدته
ثمّ استوى يهمس في نفسه
" ذو جنّة " أمسى بلا جنّته
***
أجل ، هكذا هلك الشاعر
كما يهلك الآثم المذنب
فما غضّ في روضة طائر
و لم ينطفيء في السّما كوكب
و لا جزع الشّجر الناضر
و لا اكتأب المطرب
و كوفيء عن قتله القاتل
بمال جزيل وخدّ أسيل
فقال له خلقه السّافل :
ألا ليت لي كلّ يوم قتيل !
4
في ليلة طامسة الأنجم
تسلّل الموت إلى القصر
بين حراب الجند و الأسهم
و الأسيف الهنديّة الحمر
إلى سرير الملك الأعظم
إلى أمير البرّ و البحر !!
ففارق الدنيا و لمّا تزل
فيها خمور و أغاريد
فلم يمد حزنا عليه الجبل
و لا ذوى في الرّوض أملود
5
في حومة الموت و ظلّ البلى
قد التقى السّلطان و الشاعر
هذا بلا مجد ، و هذا بلا
ذلّ ، فلا باغ و لا ثائر
عانقت الأسمال تلك الحلى
واصطحب المقهور و القاهر
*
لا يجزع الشاعر أن يقتلا
ليس وراء القبر سيف و رمح
و لا يبالي ذاك أن يعذلا
سيّان عند الميّت ذمّ و مدح
6
و توالت الأجيال تطّرد
جيل يغيب و آخر يفد
أخنت على القصر المنيف فلا
الجدران قائمة و لا العمد
و مشت على الجيش الكثيف فلا
خيل مسوّمة و لا زرد
ذهبت بمن صلحوا و من فسدوا
و مضت بمن تعسوا و من سعدوا
و بمن أذاب الحبّ مهجته
و بمن تأكّل قلبه الحسد
و طوت ملوكا ما لهم عدد
فكأنّهم في الأرض ما وجدوا
و الشاعر المقتول باقية
أقواله فكأنّها الأبد
ألشيخ يلمس في جوانبها
صور الهوى و الحكمة الوله

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:12 AM
الشاعر والكأس
( إيليا أبو ماضي )


بات والكأس في الظلام
في حديث ولا كلام
هي في صمتها تضيء
وهو في صمته يضام
شاعر أنفق الصّبا
من غرام إلى غرام
ذاهل النفس بالرؤى
عن حطام وذي حطام
وعن الفقر والغنى ،
وعن الحرب والسلام
بالشفاه التي طفا
بين أهدابها الأوام
بالغواني تطيعه
والغواني لها احتكام
بالشّذى وهو فائح،
والشذى وهو بالكمام
بالسحاب الذي يسحّ
وبالخادع الجهام
بالأغاريد ، والبلابل،
والنور، والخزام
حوله الكون في وغى
وهو والكون في وئام
ما له الآن وحده
ساكن العرق كالنيام
ساهر غير أنه
خادر الروح والعظام
صامت مثل كتبه
وكدنيا بلا أنام
أترى عضّه الطوى؟
لا، ففي بيته طعام
لم تزل كأسه لديه
وفي كأسه مدام
وله تضحك البروق
ويبكي الحبا السجام
وله ترتعي الكواكب
في مسرح الظّلام
وله تلبس الرّبى
برد النور والغمام
وله يعبق الشّذى ،
وله تعصر المدام
وله يلمع النّدى ،
وله يسجع الحمام
وله الغادة المليحة
والفارس الهمام
كلّها ، كلّها له
وعلى غيره حرام
وهو ساه كأنما
بسواها له مرام
وجهه غير وجهه‍
أم على وجهه لشام
كالتماثيل حوله
من نحاس ومن رخام
لا اكتئاب ولا رضّى
لا بكاء ولا ابتسام
ليله ما أمرّها
ليلة اليأس ألف عام
بقي الحسن إنما
مات في الشاعر الهيام
فإذا الكون عنده
جدث كلّه رمام

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:13 AM
الشباب أبو المعجزات
( إيليا أبو ماضي )


سلام عليكم رجال الوفء
وألف سلام على الوافيات
ويا فرح القلب بالناشئين
ففي هؤلاء جمال الحياة
هم الزهر في الأرض إذ لا زهور
وشهب إذ الشهب مستخفيات
إذا أنا أكبرت شأن الشباب
فإنّ الشباب أبو المعجزات
حصون البلاد وأسوارها
إذا نام حرّاسها والحماة
غد لهم وغد فيهم
فيا أمس فاخر بما هو آت
ويا حبّذا الأمهات اللواتي
يلدن النوابغ والنابغات
فكم خلدت أمة بيراع
وكم نشأت أمة في دواة
أنا شاعر أبدا تائق
إلى الحسن في الناس والكائنات
أحبّ الزهور ، وأهوى الطيور، وأعشق ثرثرة الساقيات
ورقص الأشعة فوق الروابي،
وضحك الجداول والقهقهات
تطالع عيناي في ذا المكان
روائع فاتنه ساحرات
كأن الفضاء وفيه الطيور
بحور بها سفن سابحات
كأن الزهور ترقرق فيها
سقسط الندى أعين باكيات
ومن بلبل ساجع لمغنّ،
ومن زهرة غضة لفتاة
فما أجمل الصيف في الخلوات
وأروع آياته البينات
نضا الستر عن حسنات الوجود
وكانت كأسراره المضمرات
وأحيا رغائبنا الذابلات
فعاشت وكانت كأرض موات
ففي الأرض سحر، وفي الجوّ عطر،
فيا للكريم ، ويا للهبات
أمامكم العيش حرّ رغيد
ألا فاغنموا العيش قبل الفوات

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:14 AM
الشباب والحب
( إيليا أبو ماضي )


الشباب والحب
بكيت الصّبا من قبل أن يذهب
فيا ليت شعري ما تقول اذا ولّى؟
وهّمته يبقى اذا أنت صنته
عن الشفة الحمراء والمقلة الكحلا
وخلت الهوى جهلا فلم يكن الهدى
أخيرا سوى ا؟لأمر الذي خلته جهلا
خشيت عليه أن يطوحه الهوى
فألقاك هذا الخوف في الهوّة السفلى
أتلجم ماء النهر عن جريانه
مخاقة أن يفنى؟ اذن ، فاشرب الوحلا
سبيلى الصّبا مهما حرصت على الصبا
فدعه يذوق الحبّ من قبل أن يبلى
فما ديمة صبّت على الصخر ماءها
فما أنبتت زهرا ولا أطلعت بقلا
بأضيع من برد الشباب على امرىء
اذا استطعمته النفس أطعمها العذلا
فلا تك مثل الأقحوانة راعها
من الحقل أنّ تجنى فلم تكن الحقلا
وأعجبها الوادي فلاذت بقاعه
فجاء عليها السيل في الليل واستتلى
فما عانقت نور الكواكب في الدّجى
ولا لثمت فجرا ولا رشفت طلاّ
وزالت فلم يستشعر النور والندى
على فقدها غما كأن لم تكن قبلا
ولا تك كالصدّاح اذ خال أنه
اذا اذدخر الألحان أكسبها نبلا
فضنّ بها والشمس تنثر تبرها
وفضّتها والأرض ضاحكة جذلى
فلّما مضى نور الربيع عن الربى
ودبّ الى أزهارها الموت منسلاّ
تحفّز كي يشدو فلم يلق حوله
سوى الورق الهاوي كأحلامه القتلى

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:14 AM
الشجاع
( إيليا أبو ماضي )


لا أحبّ الإنسان يرضخ للوهم،
ويرضى بتاففهات الأماني
إنّ حيّا يهاب أن يلمس النور
كميت في ظلمة الأكفان
وحياة أمدّ فيها التوقّي
لا توازي في المجد بضع ثوان
ألشجاع الشجاع عندي من أمسى
يغنّي والدمع في الأجفان

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:15 AM
الشعر والشعراء
( إيليا أبو ماضي )


بعيشك هل جزيت عن القوافي
بغير ( أجدت) أو (لافضّ فوك)؟
جزاوّك من كريم أو بخيل
رقيقا كان شعرك أو ركيكا
كلام ليس يغني عنك شيئا
إذا لم يقتل الآمان فيكا
وربتما يمنّ عليك قوم
كأنك قد غدوت بهم مليكا
إذا أرسلت قافية شرودا
فقد أيقظت في الناس الشكوكا
وقد تبلى بأحمق يدعيها
فإن تغضب لذلك يدعيكا

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:16 AM
الصيف
( إيليا أبو ماضي )


عاد للأرض مع الصيف صباها
فهي كالخود التي تمّت حلاها
صور من خضرة في نضره
ما رآها أحد إلاّ اشتهاها
ذهب الشمس على آفاقها
و سواد اللّيل مسك في ثراها
و نسيم في أشجارها
و شوشات يطرب النهر صداها
و السّواقي فتن راقصة
ضحكها شدو و تهليل بكاها
و الأقاحي صور خلّابة
و أغاني الطير شعر لا يضاهى
إنّها الجنة لامريء
هو فيها و قليلا ما يراها
أيّها المعرض عن أزهارها
لك لو تعلم ، يا هذا ، شذاها
أيّها النائم عن أنجمها
خلق الله لعينيك سناها
أيّها الكابح عن لذّاتها
نفسه ، هيهات لن تعطى سواها
لا تؤجّل لغد ، ليس غد
غير يوم كالّذي ضاع و تاها
و إذا لم تبصر النفس المنى
في الضحى كيف تراها في مساها
هذه الجنّة فاسرح في رباها
و اشهد السّحر زهورا و مياها
و استمع للشّعر من بلبلها
فهو الشعر الذي ليس يضاهى
...
ما أحيلى الصيف ما أكرمه
ملأ الدنيا رخاء ورفاها
عندما ردّ إلى الأرض الصّبا
ردّ أحلامي التي الدهر طواها
كنت أشكو مثلما تشكو الضّنى
فشفى آلام نفسي وشفاها

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:18 AM
الضفادع والنجوم
( إيليا أبو ماضي )


صاحت الضفدع لما شاهدت
حولها في الماء أظلال النجوم
يا رفاقي ‍ يا جنودي‍ احتشدوا
عبر الأعداء في الليل التخوم
فاطردهم ، واطردوا الليل معا
إنه مثلهم باغ أثيم
زعقة سار صداها في الدجى
فإذا الشطّ شخوص وحسوم
في أديم الماء من أصواتها
رعدة الحمى ، وفي الليل وجوم
مزّق الفجر جلابيب الدّجى
ومح من صفحة الأرض الرسوم
فمشت في سربها مختالة
كمليك ظافر بين قروم
ثم قالت: لكم البشرى ولي
قد نجونا الآن من كيد عظيم
نحن لو لم نقهر الشّهب التي
هاجتنا لأذاقتنا الحتوم
وأقامت بعدنا من أرضنا
في نعيم لم يجده في الغيوم‍
أيها التاريخ سجّل أننا
أمة قد غلبت حتى النجوم‍

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:18 AM
الطلاسم
( إيليا أبو ماضي )


جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنّني أدري ولكن...
لست أدري!
وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور
أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير
أم كلاّنا واتف والدّهر يجري؟
لست أدري!
ليت شعري وأنا عالم الغيب الأمين
أتراني كنت أدري أنّني فيه دفين
وبأنّي سوف أبدو وبأنّي سأكون
أم تراني كنت لا أدرك شيئا؟
لست أدري!
أتراني قبلما أصبحت إنسانا سويّا
أتراني كنت محوا أم تراني كنت شيّا
ألهذا اللّغو حلّ أم سيبقى أبديّا
لست أدري... ولماذا لست أدري؟
لست أدري!
البحر:
قد سألت البحر يوما هل أنا يا بحر منكا؟
هل صحيح ما رواه بعضهم عني وعنكا؟
أم ترى ما زعموا زوار وبهتانا وإفكا؟
ضحكت أمواجه مني وقالت:
لست أدري!
أيّها البحر، أتدري كم مضت ألف عليكا
وهل الشّاطىء يدري أنّه جاث لديكا
وهل الأنهار تدري أنّها منك إليكا
ما الذّي الأمواج قالت حين ثارت؟
لست أدري!
أنت يا بحر أسير آه ما أعظم أسرك
أنت مثلي أيّها الجبار لا تملك أمرك
أشبهت حالك حالي وحكى عذري عذرك
فمتى أنجو من الأسر وتنجو؟ ..
لست أدري!
ترسل السّحب فتسقي أرضنا والشّجرا
قد أكلناك وقلنا قد أكلنا الثّمرا
وشربناك وقلنا قد شربنا المطرا
أصواب ما زعمنا أم ضلال؟
لست أدري!
قد سألت السّحب في الآفاق هل تذكر رملك
وسألت الشّجر المورق هل يعرف فضلك
وسألت الدّر في الأعناق هل تذكر أصلك
وكأنّي خلتها قالت جميعا:
لست أدري!
برفض الموج وفي قاعك حرب لن تزولا
تخلق الأسماك لكن تخلق الحوت الأكولا
قد جمعت الموت في صدرك والعيش الجميلا
ليت شعري أنت مهد أم ضريح؟..
لست أدري!
كم فتاة مثل ليلى وفتى كأبن الملوح
أنفقا السّاعات في الشّاطىء ، تشكو وهو يشرح
كلّما حدّث أصغت وإذا قالت ترنّح
أخفيف الموج سرّ ضيّعاه؟..
لست أدري!
كم ملوك ضربوا حولك في اللّيل القبابا
طلع الصّبح ولكن لم نجد إلاّ الضّبابا
ألهم يا بحر يوما رجعة أم لا مآبا
أم هم في الرّمل ؟ قال الرّمل إني...
لست أدري!
فيك مثلي أيّها الجبّار أصداف ورمل
إنّما أنت بلا ظلّ ولي في الأرض ظلّ
إنّما أنت بلا عقل ولي ،يا بحر ، عقل
فلماذا ، يا ترى، أمضي وتبقى ؟..
لست أدري1
يا كتاب الدّهر قل لي أله قبل وبعد
أنا كالزّورق فيه وهو بحر لا يجدّ
ليس لي قصد قبل للدهر في سيري قصد
حبّذا العلم، ولكن كيف أدري؟..
لست أدري!
إنّ في صدري، يا بحر ، لأسرار عجابا
نزل السّتر عليها وأنا كنت الحجابا
ولذا أزداد بعدا كلّما أزددت اقترابا
وأراني كلّما أوشكت أدري...
لست أدري!
إنّني ،يا بحر، بحر شاطئاه شاطئاكا
الغد المجهول والأمس اللّذان اكتنفاكا
وكلانا قطرة ، يا بحر، في هذا وذاك
لا تسلني ما غد، ما أمس؟.. إني...
لست أدري!
الدير:
قيل لي فيالدّير قوم أدركوا سرّ الحياة
غير أنّي لم أجد غير عقول آسنات
وقلوب بليت فيها المنى فهي رفات
ما أنا أعمى فهل غيري أعمى؟..
لست أدري!
قيل أدري النّاس بالأسرار سكّان الصوامع
قلت إن صحّ الذي قالوا السرّ شائع
عجبا كيف ترى الشّمس عيون في البراقع
والتي لم تتبرقع لا تراها؟..
لست أدري!
إن تك العزلة نسكا وتقى فالذّئب راهب
وعرين اللّيث دير حبّه فرض وواجب
ليت شعري أيميت النّسك أم يحيي المواهب
كيف يمحو النّسك إثما وهو إثم؟..
لست أدري!
أنني أبصرت فيّ الدّير ورودا في سياج
قنعت بعد النّدى الطّاهر بالماء الأجاج
حولها النّور الذي يحي ، وترضى بالديّاجي
أمن الحكمة قتل القلب صبرا؟..
لست أدري!
قد دخلت الدّير عند الفجر كالفجر الطّروب
وتركت الدّير عند اللّيل كاللّيل الغضوب
كان في نفسي كرب، صار في نفسي كروب
أمن الدّير أم اللّيل اكتئابي؟
لست أدري!
قد دخلت الدّير استنطق فيه الناسكينا
فإذا القوم من الحيرة مثلي باهتونا
غلب اليأس عليهم ، فهم مستسلمونا
وإذا بالباب مكتوب عليه...
لست أدري!
عجبا للنّاسك القانت وهو اللّوذعي
هجر النّاس وفيهم كلّ حسن المبدع
وغدا يبحث عنه المكان البلقع
أرأى في القفر ماء أم سرابا؟..
لست أدري!
كم تمارى ، أيّها النّاسك، في الحق الصّريح
لو أراد اللّه أن لا تشق الشّيء المليح
كان إذ سوّاك بلا عقل وروح
فالّذي تفعل إثم ... قال إني ...
لست أدري!
أيّها الهارب إنّ العار في هذا الفرار
لا صلاح في الّذي تفعل حتّى للقفار
أنت جان أيّ جان ، قاتل في غير ثار
أفيرضى اللّه عن هذا ويعفو ؟..
لست أدري!
بين المقابر:
ولقد قلت لنفسي، وأنا بين المقابر
هل رأيت الأمن والرّاحة إلاّ في الحفائر؟
فأشارت : فإذا للدّود عيث في المحاجر
ثم قالت :أيّها السّائل إني...
لست أدري!
أنظري كيف تساوى الكلّ في هذا المكان
وتلاشى في بقايا العبد ربّ الصّولجان
والتقى العشق والقالي فما يفترقان
أفبذا منتهى العدل؟ فقالت ...
لست أدري!
إنّ يك الموت قصاصا، أيّ ذنب للطّهاره
وإذا كان ثوابا، أيّ فضل للدعاره
وإذا كان يوما وما فيه جزاء أو جساره
فلم الأسماء إثم أو صلاح؟.. لست أدري!
أيّها القبر تكلّم، واخبرني يا رمام
هل طوى أحلامك الموت وهل مات الغرام
من هو المائت من عام ومن مليون عام
أبصير الوقت في الأرماس محوا؟..
لست أدري!
إن يك الموت رقادا بعده صحو طويل
فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل؟
ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرّحيل؟
ومتى ينكشف السّرّ فيدري؟..
لست أدري!
إن يك الموت هجوعا يملأ النّفس سلاما
وانعتاقا لا اعتقالا وابتدا لا ختاما
فلماذا أعشق النّوم ولا أهوى الحماما
ولماذا تجزع الأرواح منه؟..
لست أدري!
أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور
فحياة فخلود أم فتاء ودثور
أكلام النّاس صدق أم كلام الناس زور
أصحيح أنّ بعض الناس يدري؟..
لست أدري!
إن أكن أبعث بعد الموت جثمانا وعقلا
أترى أبعث بعضا أم ترى أبعث كلاّ
أترى أبعث طفلا أم ترى أبعث كهلا
ثمّ هل أعرف بعد الموت ذاتي؟..
لست أدري!
يا صديقي، لا تعللّني بتمزيق السّتور
بعدما أقضي فعقلي لا يبالي بالقشور
إن أكن في حالة الإدراك لا أدري مصيري
كيف أدري بعدما أفقد رشدي...
لست أدري!
القصر والكوخ:
ولقد أبصرت قصرا شاهقا عالي القباب
قلت ما شادك من شادك إلاّ للخراب
أنت جزء منه لكن لست تدري كيف غاب
وهو لا يعلم ما تحوي؛ أيدري؟..
لست أدري!
يا مثالا كان وهما قبلما شاء البناة
أنت فكر من دماغ غيّبته الظلمات
أنت أمنية قلب أكلته الحشرات
أنت بانيك الّذي شادك لا ... لا...
لست أدري!
كم قصور خالها الباني ستبقى وتدوم
ثابتات كالرّواسي خالدات كالنّجوم
سحب الدّهر عليها ذيله فهي رسوم
مالنا نبني وما نبني لهدم؟..
لست أدري!
لم أجد في القصر شيئا ليس في الكوخ المهين
أنا في هذا وهذا عبد شك ويقين
وسجين الخالدين اللّيل والصّبح المبين
هل أنا في القصر أم في الكوخ أرقى؟
لست أدري!
ليس في الكوخ ولا في القصر من نفسي مهرب
أنّني أرجو وأخشى، إنّني أرضى وأغضب
كان ثوبي من حرير مذهب أو كان قنّب
فلماذا يتمنّى الثوب عاري؟..
لست أدري!
سائل الفجر: أعند الفجر طين ورخام؟
واسأل القصر ألا يخفيه، كالكوخ، الظّلام
واسأل الأنجم والرّيح وسل صوب الغمام
أترى الشّيء كما نحن نراه؟..
لست أدري!
الفكر:
ربّ فكر لاح في لوحة نفسي وتجلّى
خلته منّي ولكن لم يقم حتّى تولّى
مثل طيف لاح في بئر قليلا واضمحّلا
كيف وافى ولماذا فرّ منّي؟
لست أدري!
أتراه سابحا في الأرض من نفس لأخرى
رابه مني أمر فأبى أن يستقرّا
أم تراه سرّ في نفسي كما أعبر جسرا
هل رأته قبل نفسي غير نفسي؟
أم تراه بارقا حينا وتوارى
أم تراه كان مثل الطير في سجن فطارا
أم تراه انحلّ كالموجة في نفسي وغارا
فأنا أبحث عنه وهو فيها،
لست أدري!
صراع وعراك:
إنّني أشهد في نفسي صراعا وعراكا
وأرى ذاتي شيطانا وأحيانا ملاكا
هل أنا شخصان يأبى هذا مع ذاك اشتراكا
أم تراني واهما فيما أراه؟
لست أدري!
بينما قلبي يحكي في الضّحى إحدى الخمائل
فيه أزهار وأطيار تغني وجداول
أقبل العصر فأسى موحشا كالقفر قاحل
كيف صار القلب روضا ثمّ قفرا؟
لست أدري1
أين ضحكي وبكائي وأنا طفل صغير
أين جهلي ومراحي وأنا غضّ غرير
أين أحلامي وكانت كيفما سرت تسير
كلّها ضاعت ولكن كيف ضاعت؟
لست أدري!
لي إيمان ولكن لا كأيماني ونسكي
إنّني أبكي ولكن لا كما قد كنت أبكي
وأنا أضحك أحيانا ولكن أيّ ضحك
ليت شعري ما الذي بدّل أمري؟
لست أدري!
كلّ يوم لي شأن ، كلّ حين لي شعور
هل أنا اليوم أنا منذ ليال وشهور
أم أنا عند غروب الشمس غيري في البكور
كلّما ساءلت نفسي جاوبتني:
لست أدري!
ربّ أمر كنت لّما كان عندي أتّقيه
بتّ لّما غاب عنّي وتوارى أشتهيه
ما الّذي حبّبه عندي وما بغّضنيه
أأنا الشّخص الّذي أعرض عنه؟
لست أدري!
ربّ شخص عشت معه زمناألهو وأمرح
أو مكان مرّ دهر لي مسرى ومسرح
لاح لي في البعد أجلى منه في القرب وأوضح
كيف يبقى رسم شيء قد توارى؟
لست أدري!
ربّ بستان قضيت العمر أحمي شجره
ومنعت النّاس أن تقطف منه زهره
جاءت الأطيار في الفجر فناشت ثمره
ألأطيار السّما البستان أم لي؟
لست أدري!
رب قبح عند زيد هو حسن عند بكر
فهما ضدّان فيه وهو وهم عند عمرو
فمن الصّادق فيما يدّعيه ، ليت شعري
ولماذا ليس للحسن قياس؟
لست أدري!
قد رأيت الحسن ينسى مثلما تنسى العيوب
وطلوع الشّمس يرجى مثلما يرجى الغروب
ورأيت الشّر مثل الخير يمضي ويؤوب
فلماذا أحسب الشرّ دخيلا؟
لست أدري!
إنّ هذا الغيث يهمي حين يهمي مكرها
وزهور الأرض تفشي مجبرات عطرها
لا تطيق الأرض تخفي شوكها أو زهرها
لا تسل : أيّهما أشهى وأبهى؟
لست أدري!
قد يصير الشوك إكليلا لملك أو نبّي
ويصير الورد في عروة لص أو بغيّ
أيغار الشّوك في الحقل من الزّهر الجنّي
أم ترى يحسبه أحقر منه؟
لست أدري!
قد يقيني الخطر الشّوك الذي يجرح كفّي
ويكون السّمّ في العطر الّذي يملأ أنفي
إنّما الورد هو الأفضل في شرعي وعرفي
وهو شرع كلّه ظلم ولكن ...
لست أدري!
قد رأيت الشّهب لا تدري لماذا تشرق
ورأيت السّحب لا تدري لماذا تغدق
ورأيت الغاب لا تدري لماذا تورق
فلماذا كلّها في الجهل مثلي ؟
لست أدري!
كلّما أيقنت أني قد أمطت السّتر عني
وبلغت السّر سرّي ضحكت نفسي مني
قد وجدت اليأس والحيرة لكن لم أجدني
فهل الجهل نعيم أم جحيم؟
لست أدري!
لذة عندي أن أسمع تغريد البلابل
وحفيف الورق الأخضر أو همس الجداول
وأرى الأنجم في الظلّماء تبدو كالمشاعل
أترى منها أم اللّذة منّي...
لست أدري!
أتراني كنت يوما نغما في وتر
أم تراني كنت قبلا موجة في نهر
أم تراني كنت في إحدى النّجوم الزّهر
أم أريجا ، أم حفيفا ، أم نسما؟
لست أدري!
فيّ مثل البحر أصداف ورمل ولآل
في كالأرض مروج وسفوح وجبال
فيّ كالجو نجوم وغيوم وظلال
هل أنا بحر وأرض وسماء؟
لست أدري!
من شرابي الشّهد والخمرة والماء الزّلال
من طعامي البقل والأثمارواللّحم الحلال
كم كيان قد تلاشى في كياني واستحال
كم كيان فيه شيء من كياني؟
لست أدري!
أأنا أفصح من عصفورة الوادي وأعذب؟
ومن الزّهرة أشهى ؟ وشذى الزّهرة أطيب؟
ومن الحيّة أدهى ؟ ومن النّملة أغرب؟
أم أنا أوضع من هذي وأدنى؟
لست أدري!
كلّها مثلي تحيا، كلّها مثلي تموت
ولها مثلي شراب ، ولها مثلي قوت
وانتباه ورقاد، وحديث وسكوت
فيما أمتاز عنها ليت شعري؟
لست أدري!
قد رأيت النّمل يسعى مثلما أسعى لرزقي
وله في العيش أوطار وحق مثل حقي
قد تساوى صمته في نظر الدّهر ونطقي
فكلانا صائر يوما إلى ما ...
لست أدري!
أنا كالصّهباء ، لكن أنا صهباي ودّني
أصلها خاف كأصلي ، سجنها طين كسجني
ويزاح الختم عنها مثلما ينشّق عني
وهي لا تفقه معناها، وإني...
لست أدري!
غلط القائل إنّ الخمر بنت الخابيه
فهي قبل الزق كانت في عروق الدّاليه
وحواها قبل رحن الكرم رحم الغاديه
إنّما من قبل هذا أين كانت؟
لست أدري!
هي في رأي فكر ، وهي في عينّي نور
وهي في صدري آمال ، فوفي قلبي شعور
وهي في جسمي دم يسري فيه ويمور
إنّما من قبل هذا كيف كانت؟
لست أدري1
أنا لا أذكر شيئا من حياتي الماضية
أنا لا أعرف شيئا من ياتي الآتيه
لي ذات غير أني لست لأدري ما هيه
فمتى تعرف ذاتي كنه ذاتي؟
لست أدري!
إنّني جئت وأمضي وأنا لا أعلم
أنا لغز ... وذهابي كمجيتي طلسم
والّذي أوجد هذا اللّغز لغز منهم
لا تجادل ذا الحجا من قال إنّي ...
لست أدري!

ناريمان الشريف
10-19-2010, 05:19 AM
الطيران
( إيليا أبو ماضي )


او رأى "آدم "فتاه لزال الحقد
من قلبه على حوّاء
صيّر الأرض جنّة دونها الجنّة
في الحسن والبه والروّاء
ما أظنّ النعيم فيه الذي في الأرض من بهجة ومن لألاء
كلّ ما في الوجود للمرء عبد
وهو عبد الشهوات والأهواء
كائن كلّ كائن حار فيه
فهو حلو مرّ ودان ناء
وهو طورا يكون نصف أله
وهو طورا أدنى من العجماء
عجبا كيف طاعه الطّين والماء
وما كان غير طين وماء
ساد في الكون مثلما ساد فيه
خالق الكون مبدع الأشياء
فهو في الماء سابح وعلى الغبراء
ماش وطائر في الفضاء
اتخذ الجوّ ملعبا ثم أمسى
راكضا في الهواء ركض الهواء
فهو فوق السّحاب يحكيه في
مسواه لكنّه أخو خيلاء
وهو بين الطّيور تحسبه العنقاء
لولا استحاله العنقاء
أبصرته فاكبرت أن ترى في الجوّ
صيّادها على الغبراء
فاستوى في قلوبها الذعر حتى
كاد يحكي البلاء خوف البلاء
وتناجت تبغي النجاة فرارا
أين أين المفر من ذا القضاء
ويح هذي الطّيور تجنى على الموتى
وترجو سلما من الأحياء
أهبطي أو فحلّقي أو فسيري
أنما المنتهى ألى الأرزاء!
...
وهو بين النجوم يسترق السّمع
ولا يتّقي رجوم السّماء
مشهد روّع الدّراري فباتت
حائرات في القبّة الزّرقاء
نافرات كأنها ظبيات
رأت القانصين في البيداء
سائلات أذا رسول سلام
من بني الأرض أم نذير فناء؟
هالها أن ترى من الأنس قوما
يتهادون مثلها في الفضاء
فرأيت الجوزاء تشكو الثّريّا
والثّريّاتشكو ألى الجوزاء
لا تراعي يا شهب منّا فأنّا
ما حملنا أليك غير الولاء
قد كرهنا المقام في الأرض لما
قيل أن السّما مقرّ الهناء
أنما شوقنا أليك الذي أسرى
بنا لا الهيام في الأسرلء
فصلينا نزدد غراما ووجدا
غير مستحسن كثير الأباء
نحن يا شهب في حماء ضيوف
وجميل رعاية الغرباء
أكرمي ذلك المحلّق فوق السّحب
يثني عليك خير ثناء
وأنيري طريقه أن دجا اللّيل
ودبّت عقلرب الظّلماء
صاغك اللّه شعلة من ضياء
وبرا المرء شعلة من ذكاء
اتخذيه أخا يكن لك عونا
كلّ نفس محتاجة للأخاء
لا تفاخر بالواخدات ولا بالخيل
من أدهم ومن شهباء
هان عصر النّياق والرّاكبيها
عند عصر البخار والكهرباء