نازك
20-04-2005, 01:49 PM
جماليات القصيدة
في الشعر الفلسطيني المعاصر
تأليف
يحيى زكريا الآغـــــــــا
الطبعة الأولى
1996
دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع
الدوحة -قطر
مع دار الحكمة للنشر والتوزيع والترجمة
قطاع غزة -خان يونس
جماليات القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر
الفهرس
تقديم: 7
منهج الدراسة: 11
الباب الأول: جماليات الموسيقى الشعرية:. 17
الفصل الأول: 1-: أهمية الموسيقى الشعرية 18
2-: الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة 27
الفصل الثاني: الموسيقى في الشعر الفلسطيني المعاصر 30
1-: موسيقى السطر الشعري 31
2-: موسيقى الجملة الشعرية 38
الفصل الثالث: الأسس الموسيقية في الشعر الفلسطيني المعاصر 42
1-: الوزن. 44
2-: القافية 47
الفصل الرابع: الجمع بين الموروث والحرِّ في موسيقى القصيدة المعاصرة 50
الباب الثاني : جماليات الأشكال الفنية في الشعر الفلسطيني: 60
تقديم: 61
الفصل الأول : البناء الروائي في القصيدة 63
الفصل الثاني: البناء الدرامي في القصيدة 72
الفصل الثالث: البناء المسرحي في القصيدة 80
الفصل الرابع:الرسائل الشعرية في القصيدة 96
.الباب الثالث: جماليات الصورة الشعرية في الشعر الفلسطيني المعاصر: 123
تقديم: 124
الفصل الأول :الصورة عند الشاعر محمود درويش 128
الفصل الثاني : الصورة عند الشاعر توفيق زيّاد 146
الفصل الثالث:الصورة عند الشاعر سميح القاسم 160
الفصل الرابع: الصورة عند الشاعرة فدوى طوقان 173
الفصل الخامس: الصورة عند الشاعر أحمد دحبور 179
الباب الرابع: جماليات الرمزية في الشعر الفلسطيني المعاصر: 188
تقديم: 189
الفصل الأول: رمزية الألفاظ 191
الفصل الثاني: رمزية الصور 206
الفصل الثالث: رمزية النص 219
الباب الخامس: قضايا جمالية معاصرة في الشعر الفلسطيني المعاصر: 233
الفصل الأول: الالتزام 234
الفصل الثاني: قضية الحرية 260
الفصل الثالث:استلهام التراث 269
الفصل الرابع: اللغة الشعرية 285
نتائج الدراسة: 293
وبعد: 296
المصادر والمراجع: 297
إهداء
إلى والديّ في دار البقاء، وفاء لعهد
إلى زوجتي وأبنائي، حباً وتقديرا
إلى إخوتي وأخواتي تواصلاً إليهم جميعاً رسالة حب عبر هذا الكتاب
يحيى زكَريَا إسعيِّد الآغَا
تقديــــــــــــــــ ـــم
القصيدة الشعرية مجموعة من الجماليات، وهي حصيلة معاناة صادقة، نابعة من إحساس عميق بالمسؤولية، ومن مواقف متعددة تختلف حسب طبيعة الزمان والمكان وطبيعة الحدث، وبالتالي فلكل قصيدة هدف نابع من موقف، وكل موقف نابع من تجربة، وكل تجربة تختلف من شاعر إلى أخر، وربما تكون التجارب متشابهة، والموضوع مختلف، وربما العكس، التجارب مختلفة، والموضوع متشابه، ولهذا نرى التنوع في الأساليب، فكل شاعر يتناول الموضوع من زاوية معينة، وبالتالي تختلف عن الآخرين، ومن هنا يكمن جزء من الجمال اللغوي في النص الشعري.
فالقصيدة إذن ليست مجموعة من الألفاظ والحروف تُنسج ويتم حشوها وإيصالها إلى ذهن القارئ، بل إن الحرف الذي يستخدمه الشاعر مرّ في ذهنه عشرات المرّات، وبالتالي يوظفه في المكان المناسب، وإذا كان الحرف بهذا الشكل، فما موقف الكلمة، ثمّ الجملة الشعرية، ثمّ الفكرة، وأخيراً القصيدة التي هي نتاج صراع داخلي وخارجي على السواء، وهكذا تنمو القصيدة بمراحلها المختلفة حتى تصل إلى القارئ في أجمل صورة، وأبدع ما يمكن أن يُقال، وهنا أيضاً جزء من جماليات النص الشعري.
والقصيدة الشعرية أيضاً قائمة على موسيقى، وبدونها لا يكون العمل الأدبي ذا قيمة فنية، ومن هنا فالموسيقى بنوعيها، الداخلية والخارجية، هي جوهر العمل الشعري، فالخارجية تتمثل في الوزن القائم على بحور الشعر المختلفة، سواء الوزن المحكوم بقواعد ثابتة، أم الوزن الذي تحكمه الدفقات الشعورية للشاعر، فالتنوع في الدفقات الشعورية يحكمه تنوع في الأوزان الشعرية، من حيث الطول والقصر، وأحياناً تنوع البحور داخل النص الشعري، وهنا يبرز جزء من جماليات النص الشعري.
وإذا ما انتقلنا إلى القافية، وهي الرديف الثاني للوزن، حيث يعتبرها النقاد الحرف الأخير من السطر الشعري، فإنني أرى رأياً مخالفاً، لأن القافية في جوهرها هي التوحد في الحرف الأخير كما يُقال"السجع في النثر كالقافية في الشعر"وليس التنوع، وإذا تجاوزنا هذا الاختلاف، فيمكننا القول، إن القافية المتصلة بالوزن، هي من أساسيات العمل الشعري، يمكنها أن تكون صورة من صور الجمال في النص الشعري.
أما الموسيقى الداخلية، فتتمثل في الألفاظ والحروف المكونة لها، وكذلك الجمل والأسطر الشعرية، وعلاقة الألفاظ بعضها البعض الأخر، والمحسنات البديعية بأنواعها، وكذلك أثر التجربة في النص والتي يشعر بها القارئ من خلال الإيحاءات، وهذا كلّه يصب في خانة جماليات النص الشعري للقصيدة، فالموسيقى الداخلية الخفية والظاهرة هي محور أساسي في النص، وبالتالي يمنح النص الشعري قيمة فنية توظّف لخدمة العمل الأدبي، وبالتالي تُضيف للقصيدة جمالياتها المتميزة.
إنَّ جماليات العمل الشعري لا تقتصر على الموسيقى الشعرية، بل نجد أنّ النص الشعري من خلال معطياته يفرض وجوده فرضاً بحيث لا نستطيع أن نُبعده عن جمالياته، ولذا نحكم عليه حكماً صائباً، فنجد كثيراً من القصائد الشعرية أخذت أشكالاً فنية ذات طبيعة نثرية أحياناً، أو أنها من أساسيات أسلوب النثر، وأحياناً تكون القصائد مستمدة من التراث أو ذات طبيعة مستمدة من المواويل مثلاً، ولهذا نجد الرواية بمنظور شعري، والمسرحية بأشكالها بمنظور شعري أيضاً، وهناك الرسائل الشعرية التي تُرسل إلى الأدباء أو القادة، أو الشخصيات الأسطورية التي لا يمكن أن تُنسى على مر السنين، وأخيراً نجد الأدب الشعبي ماثلاً في القصائد الشعرية، وهذا كله دون أن يحط من قيمة العمل الشعري، أو النثري على السواء، بل نجده مكملاً له، لأن الجمود عند معطيات معينة ثابتة، يكون بمثابة تقليل من قيمة العمل الفني، فالتطوير والإبداع من أهم مقومات العمل الفني، لذا فإن ما تقدم ذكره يُعتبر من جماليات النص الشعري، ومن علامات إبداع الشعراء.
وإذا كان لتلك الأشكال الفنية أثر في إبراز جماليات النص الشعري، فكذلك الصورة الشعرية وأثرها الكبير في النص، وما يمكن أن يتولّد من خلالها من معانٍ ودلالات موحية، وتعتبر الصورة الشعرية من علامات الإبداع الشعري، فالصورة الشعرية تمثل عنصراً مهماً من عناصر النص الشعري، وبدونها لا يمكن أن يُحكم على القصيدة بالكمال، لذا فهي أيضا من جماليات النص الشعري.
وإذا كان اللفظ من جماليات النص الشعري، فالرمز الذي يُعتبر أحد معطيات اللفظ يمثل تلك الصورة، فنجد رمزية اللفظ، ورمزية الصورة، ورمزية النص، ولهذا فإن من علامات الإبداع الشعري والشاعري، الرمزية غير المغرقة في الإبهام، والإغلاق كما نرى عند بعض الشعراء، فالحكم على جوهر النص ليس مستمداً من الرمز والرمزية فقط، بل أيضا من صدق التجربة، وروعة الأداء، وبالتالي تظهر لدينا صورة من صور الجمال في النص الشعري.
ومن القضايا الجمالية في الشعر المعاصر، والتي تعتبر من عوامل الإبداع الكامنة في النص الشعري، قضية الالتزام والحرية والتراث واللغة الشعرية، تلك القضايا التي يمكن اعتبارها علامات فارقة في العمل الشعري بكل أبعاده وأشكاله، وبالتالي يمكن اعتبار تلك القضايا وغيرها من قضايا العصر التي تمثل جزء من القضايا الجمالية في الشعر المعاصر.
منهـــــــج الدراســـــــة
موضوع الدراسة ليس جديداً في حد ذاته، ولكن الجديد فيه اقتصاره على الشعراء المعاصرين في فلسطين، وعلى عدد محدود منهم، فقد نوّعوا في إنتاجهم وعطائهم وفكرهم تبعاً لتنوع البيئة والزمان والمكان، ومن هنا برزت الكثير من المعطيات التي تحتاج إلى أكثر من دراسة.
والدراسة في حد ذاتها ليست نقدية بحتة، ولا تحليلية، ولكنها شمولية، تتعرض لجماليات القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر من خلال الوقوف على دواوين هؤلاء الشعراء، بعكس ما تناولته في دراستي التحليلية لنفس الشعراء من خلال كتابنا "دراسات تحليلية في الشعر الفلسطيني المعاصر"، وقبل تحديد أُطر الدراسة، فقد استلهمت أفكارها من خلال الدواوين الشعرية لشعراء من فلسطين معاصرين، سواء من كان منهم داخل الخط الأخضر، أو عاش خارج الوطن، أوعاش الألم والمرارة في ظل ظروف قاسية.
وعلى هذا الأساس فقد قسّمت الدراسة إلى خمسة أبواب، وعدد من الفصول، مع تمهيد يسبق كل باب أحياناً، لمحاولة الوقوف على معطيات الباب من جوانبه المختلفة، كلما تتطلب الأمر لذا التمهيد.
فالباب الأول: بعنوان جماليات الموسيقى الشعرية، وجاء على أربعة فصول، وكل فصل ينقسم إلى قسمين، ما عدا الفصل الرابع جاء مستقلا، فقد تناولت في الفصل الأول موضوعين: الأول: يتعلق بأهمية الموسيقى الشعرية ودورها، وما يمكن أن تؤديه الموسيقى في النص الشعري.
أما الموضوع الثاني: فقد تناولت الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة، وهل استطاعت القصيدة المعاصرة أن تواكب الزمن والعصر، وأن يكون لها صدى يتناسب مع الحياة، وأثر ذلك على الدفقات الشعورية لدى الشاعر.
أما الفصل الثاني: فقد تناولت فيه الموسيقى في الشعر الفلسطيني المعاصر على اعتبار أن الموضوع يقتصر على الشعر الفلسطيني ، فتناولت هذه النقطة من زاويتين، الأولى: موسيقى السطر الشعري من حيث طول وقصر السطر الشعري، وأثره وسببه، والثاني: موسيقى الجملة الشعرية، وهل أضافت جديداً إلى القصيدة أم لا ؟ وحتى تتضح معالم الصورة بشكل أعم، فقد تم تطبيق ذلك على دواوين الشعراء، باعتبارهم المرجعية الأساسية في هذه الدراسة.
أما الفصل الثالث : وهو بعنوان الأسس الموسيقية في الشعر الفلسطيني المعاصر، فقد قسّمته إلى محورين رئيسيين لا يختلف الشعراء بعامة عليهما وهما :الوزن والقافية، على اعتبار أن الوزن محور رئيسي في النص الشعري ، وبدونه يعتبر أسلوباً نثرياً، وبالتالي وقفنا على الوزن الخليلي، وكيف استطاع الشعراء أن يلوّنوا في هذا المحور من حيث الطول والقصر، حتى وصل الأمر إلى تسعة مفاعيل أحياناً، والمحور الأخر وهو القافية التي يعتبرها النقاد الحرف الأخير من الكلمة.
أما الفصل الرابع : فيرتكز حول الجمع بين الموروث والحر في القصيدة المعاصرة، وقد أجاد شعراء فلسطين في هذا اللون من الشعر بصورة تكاد تكون متميزة، واستخدموا الشعر الموزون المقفى بين ثنايا قصائدهم لخدمة الفكرة العامة، على اعتبار أن هذا اللون له ما يبرره في مكانه، فكان يتنقل أحياناً من هذا اللون إلى الشعر الحر دون خرق لنظام القصيدة من حيث الوزن.
والباب الثاني من الدراسة: يدور حول جماليات الأشكال الفنية في الشعر الفلسطيني المعاصر، وقد قسّمته بعد التقديم الواجب إلى خمسة فصول، الفصل الأول: حول البناء الروائي في القصيدة، متخذاً من الدواوين الشعرية مرجعاً أساسياً لتطبق وإثبات ما توصلنا إليه، ولقد وجدت الكثير من هذا اللون بين ثنايا الدواوين، واعتبرت هذا من جماليات وإبداع القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر.
أما الفصل الثاني: فيدور حول البناء الدرامي في القصيدة بوجهيه الخير والشر، وكيف استطاع الشاعر الفلسطيني أن يجمع هذا في إطار واحد، وقد استعنت بالقصائد لإثبات ذلك.
أما الفصل الثالث : فقد تحدثت فيه عن البناء المسرحي في القصيدة، حيث وجدت خلال دراستي للدواوين الشعرية، أن شكل المسرحية الشعرية يتكرر كثيراً في دواوين الشعراء، فما كان مني إلا أن اعتبرت ذلك لوحة فنية رائعة من لوحات العمل الفني الشعري لدى شعراء فلسطين، ولقد كان لهذا اللون الأثر الكبير في النفس، حيث ظهرت لغة جديدة لها رونقها، وإبداعها.
أما الفصل الرابع : والذي يحمل الرسائل الشعرية في الدواوين، فقد برز هذا اللون بصورة جلية في البناء الفني للقصيدة، وأجاد فيها شعراء فلسطين بلا استثناء، وأبدعوا فيها إبداعاً يتجاوز التصور، وسأقف على معظم تلك الرسائل التي وردت في الدواوين التي اخترناها كأساس عام للدراسة، ولقد احتل هذا الفصل الكثير من الصفحات، نظراً لكثرة عدد الرسائل التي كانت تدور بين الشعراء في مناسبات عارضة، أو مرتّب لها، أو الرسائل التي تُرسل إلى شخصيات لها أثرها في الحياة السياسية والفكرية على السواء، ومن هنا وجدنا الشعراء يتخذون من هذه الرسائل منطلقات ذات أبعاد فكرية وثقافية، تجمع الإبداع بالثقافة ، ولغة الحياة اليومية بالمعاناة والآمال والطموحات، وُتعرف في لغة النثر بالرسائل الإخوانية، ولقد كان ومازال لهذه القصائد الإخوانية أثر كبير في إبراز جماليات النص الشعري، على اعتبار أنّ هذا اللون وغيره واحة تتسع لكل معطيات الجمال والإبداع.
أما الباب الثالث : فيدور حول ركيزة هامة من ركائز العمل الشعري عامة، والقصيدة بوجه خاص، إنها الصورة الشعرية في الشعر الفلسطيني المعاصر، بأبعادها وأركانها وألوانها، وحتى لا تختلط معطيات الصورة فقد رأيت أن كل شاعر يجب أن يحظى بدراسة مستقلة، ولهذا فقد قسّمت الدراسة إلى خمسة فصول، تناولت في كل فصل شاعرا ، فالفصل الأول تناولت فيه الصورة عند محمود درويش، والفصل الثاني، الصورة عند توفيق زيّاد، والفصل الثالث، الصورة عند سميح القاسم، والفصل الرابع، الصورة عند فدوى طوقان، والفصل الخامس، الصورة عند أحمد دحبور، وأبرزت بعد التقديم، جماليات الصورة عند هؤلاء الشعراء الذين يمثلون أركان الشعر الفلسطيني من وجهة نظر خاصة.
أما الباب الرابع: فقد أفردت للرمزية في الشعر الفلسطيني باباً يتكون من ثلاثة فصول ومقدمة، وربما قائل يسأل، لماذا لم يتم إضافة الرمزية إلى الفصل الخامس وهي القضايا المعاصرة ؟ فأقول: إن الرمزية في الشعر الفلسطيني، لا تحتاج إلى باب مستقل من ثلاثة فصول كما هو في الدراسة، بل تحتاج إلى ثلاثة كتب مستقلة، لاعتبارات كثيرة، من أهمها ما يرجع للشاعر، وللبيئة، وللزمن، وللحصار النفسي والفكري أحياناً الذي كان يُمَارس بصورة أو أخرى على القلم الفلسطيني، إضافة إلى أن الرمزية عندهم تختلف عن غيرهم من شعراء الوطن العربي. وأثناء الدراسة، وجدنا أنّ الرمزية تتمثل في اللفظ أحياناً، وهذا محور الفصل الأول، أما الفصل الثاني: فيتعلق برمزية الصورة، والفصل الثالث: يتعلق برمزية النص.
أما الباب الخامس والأخير: فقد تناولت فيه القضايا الجمالية المعاصرة في الشعر الفلسطيني المعاصر، وهذه القضايا تناولها الشعراء بصورة أو بأخرى، حتّمت علينا أن نفرد لها أبواباً وفصولاً مستقلة، ومن هذا المنطلق فقد تناولت أربع قضايا رأيناها من أهم القضايا التي برزت عند الشعراء بصورة واضحة.
القضية الأولى: تعتبر من القضايا الهامة في العمل الشعري، إنها قضية الالتزام حيث أفردت لها الفصل الأول من الباب الخامس، والالتزام هو أحد أبرز معالم العمل الشعري الفلسطيني، ولم نر شاعراً أو شاعرة، ابتعد عن هذه القضية، فهو محور أساسي، ومرتكز من مرتكزات القصيدة، وبه يمكن أن نصدر الكثير من الأحكام على العمل الشعري والشعراء.
أما القضية الثانية: التي أفردت لها الفصل الثاني، فهي الحرية، ولماذا الحرية؟ فالشعب ممكن أن يعيش حراً في ظل ديمقراطية الاحتلال!، إن ما دفعني إلى هذه القضية-الحرية- الكم الهائل من القصائد التي تغنى بها الشعراء، وأفردوا لها قصائد خاصة، وأحياناً تأتي بين ثنايا قصائدهم بصورة تنم عن وعي تام لهذا المطلب، وما يعنيه بالنسبة لهم. وهنا أطرح سؤالا أخر، لماذا وضع سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زيّاد السجن في فترة من فترات حياتهم، وصُودرت العديد من القصائد لهم، وللشاعرة فدوى طوقان، وغيرهم من شعراء فلسطين؟
ثمّ هناك ملاحظة هامة يمكن للقارئ أن يسأل عنها وهي: لماذا هناك العديد من القصائد مبتورة ؟ هل قريحة الشعراء وقفت عند هذا الحد؟ أم أن الدفقات الشعورية انتهت عند تلك الكلمات؟ أم هناك أسباب أخرى؟ هذا ما سنحاول أن نقف عليه عند تناولنا لهذه القضية، هذا ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أريد أن أسأل سؤالاً أخيراً في هذا المقام: هل الشعب الفلسطيني كان يمارس حقّه الطبيعي على أرضه كأي شعوب الأرض؟ هذا ما سنحاول أن نتعرف عليه خلال التحليل.
أما القضية الثالثة: والتي أفردت لها الفصل الثالث من الباب الخامس، فتدور حول استلهام التراث، والأسباب التي دعت الشعراء إلى استلهام شخصيات تراثية، أو مدن إسلامية أو غير إسلامية.
وأخيرا وقفت على نتائج الدراسة، حيث وضعتها في نقاط موجزة تتضمن ما جاء بالدراسة.
وبعد: أرجو أن أكون قد وفقت في تلمُّس جماليات من القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر، فالدراسة كما نرى احتاجت إلى جهد مضاعف، وعناء كثير حتى أمكننا أن نصل إلى نقطة واحدة، لأنه كان يتطلّب منا دراسة الدواوين الخمسة، إضافة إلى ما كُتب في هذا الموضوع لدى الكتاب والأدباء المعاصرين وغير المعاصرين، ورغم ذلك العناء، إلا أنني شعرت بعد الانتهاء من الدراسة بحلاوة النصر على الذات، فأبرزت هذا العمل المستقل بالصورة التي رغبت فيها، ولكنني دائماً وبعد الانتهاء من كل دراسة أدبية، أقول: لا أرى كمالاً في عطاء الإنسان، بالقياس مع عطاء وكمال الله، إلا أن شبه الكمال الذي أراه في هذه الدراسة يتمثل في تخصيص الموضوع في الشعر الفلسطيني المعاصر، راجياً من الله التوفيق والسداد، من خلال المنهج الذي بدأته بالوقوف على الشعر الفلسطيني، سواء من خلال كتابنا الصورة في شعر فدوى طوقان وأثر الوجدان الإسلامي فيها، أو دراسات في الشعر الفلسطيني المعاصر، أو الكتاب الذي نعتزم إصداره قريباً بعنوان التضمين في الشعر الفلسطيني المعاصر، إضافة لهذه الدراسة التي بين أيدينا.
وأخيراّ لا أدعي كمالاً كما قلت، فالكمال لله وحده، فكل دراسة تبقى قاصرة إلى أن تكملها دراسة أخرى، حتى تستمر مسيرة الأدب والنقد حيّة.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أتقدم بالشكر والتقدير والعرفان لدولة قطر ممثلة في دار الكتب القطرية التي ساهمت مساهمة فاعلة من خلال الدواوين الشعرية، والمصادر والمراجع، والدوريات، وكذلك المكتبات المدرسية، ممثلة في مكتبة وزارة التربية والتعليم القطرية، ومكتبة مدرسة جاسم بن حمد الثاني الثانوية التي أعمل بها مدرساً منذ سنوات.
وأخيراً فإن الشكر الموازي للعمل، أتقدم به للآنسة/ نشوة توفيق السقا التي قامت بعمل دائب في طباعة الكتاب، وإخراجه بالصورة التي بين أيدينا.
المؤلف
يحيى زكريا الآغــا
هذا وبالله التوفيق الدوحة - قطر
17/02/1996م
الباب الأول
جماليات الموسيقى الشعرية
الفصل الأول: الموسيقى الشعرية
1- أهمية الموسيقى الشعرية.
2- الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة.
الفصل الثاني: الموسيقى في الشعر الفلسطيني المعاصر.
1- موسيقى السطر الشعري.
2- موسيقى الجملة الشعرية.
الفصل الثالث: الأسس الموسيقية في الشعر الفلسطيني المعاصر
1- الوزن
2- القافية
الفصل الرابع: الجمع بين الموروث والحر في موسيقى القصيدة
المعاصرة
الفصل الأول: الموسيقى الشعرية
1- أهمية الموسيقى الشعرية.
2- الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة.
1- أهمية الموسيقى الشعرية :
الموسيقى من الفنون التي استخدمها الإنسان قديماً، وظل يستخدمها عبر مسيرة حياته ليعبر بها عن أمور كثيرة يرى أنها ضرورية لنفسه ولغيره، فاستعملها الناس في أفراحهم وأتراحهم، وحروبهم وانتصاراتهم، كل ذلك بأساليب وطرق مختلفة توظف حسب الموقف، وإذا كانت الموسيقى استعملت في الأمور البسيطة، فهي أولى أن تستعمل في لغتنا الجميلة، وخاصة الشعر، باعتبار أن النغمة لها تأثير على الكلمة، لأنها تمنحها دفقة شعورية غير طبيعية، ومن هنا وجد الشاعر أهمية هذه الموسيقى، فكان العروض الخليلي الذي سارت عليه القصيدة العربية فترة طويلة من الزمن، ومازال يستعمله، منوّعاً ومغيّراً في تتبع البحور الشعرية التي عرفها العرب قديماً دون أن يدخل أي تعديل أو زيادة في عددها الستة عشر بحراً.
ومن يتعمق في الموسيقى الشعرية ويتفاعل مع الشحنات المندفعة من خلال الألفاظ الشعرية يشعر بأن الموسيقى من أهم ركائز العمل الشعري، وبدونها لا يمكن أن نسميه شعراً، وبالتالي لا يمكن فصله عن النثر، لذا فللشعر تذوق خاص، ولغة خاصة، وشاعرية مميزة، ووجه يختلف عن سائر الفنون الأدبية المتعارف عليها، حتى أن للشاعر تميزاً خاصاً عن القاص أو الخطيب المفوّه، أو غيرهم من الأدباء، وإن كان الجميع يصب في خانة الأدب، ويساعد على نمّوه وتطوره.
فالموسيقى من أقوى وسائل التعبير الموحي لاعتبارات تتعلق بشكل القصيدة، وبإطارها العام وبمنهجها، فابن عبد ربّه يقول "زعمت الفلاسفة أن النغم فضل بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيح لا على التقطيع فلما ظهر عشقته النفس وحنت إليه الــروح"(1)علــى أن
(1) أحمد بن عبد ربة : العقد الفريد
الشكل الذي تعارفت عليه العرب قــديماً، حـــــاول كثير مـن الشعراء التغيير فيه، لأنهم شعروا أن جمـوداً يسيطر على الكلمة ورغم ما حدث من محاولات ووصولهم إلى نوع من التغيير في الشكل العام للقصيدة من خلال بعض القصائد التي نظمت بأسلوب الشعر المرسل، إلا أن هذه المحاولات ارتدت على ذي بدء ليبقى الحال سائداً على ما كان عليه.
ثم ظهرت محاولات أخرى للتغيير في المضمون من خلال الرمزية الغامضة، على أساس أن الموسيقى لها علاقة بالمضمون عن طريق الموسيقى الداخلية بنوعيها وكان لهذه المحاولات النجاح وإن لم ترق للمستوى المطلوب في تلك الفترة.
على أن الموسيقى بعنصريها الوزن والقافية تركت بصماتها حقباً متتالية على منهجية النقاد، ومضامين أساليبهم النقدية، فقد عرّفه قدامة بين جعفر بأنه"الكلام الموزون المقفى الذي يدل على معنى"(1) ويسلك قدامة في تتبع التعريف ويقسمه إلى عناصر أربعة هي اللفظ والمعنى والوزن والقافية (2). وتمثل الموسيقى عنصرين منـهما هما الوزن والقافية، وإذا كان ابن جعفر قد حدد إطارين من هذه الأطر الأربعة ترتكز على الموسيقى الشعرية منذ زمن بعيد، فهل من الممكن أن يبقى الإطار على ما هو عليه مع الشعر المعاصر ؟ نقول في هذا المقام :إن الإطار القديم سيبقى على ما هو عليه لأنه بدونهما لا يكون عملاً شعرياً، وبالتالي فأهميته في الزمن الماضي تبقى على حالها في هذا الزمن، وربما إلى أزمان متقدمة، بل ربما تكون أهميته في هذا الزمن أكثر مما مضى، لاعتبارات كثيرة، من أهمها التعرف على أدعياء الشعر وإيقافهم عند حدهم، لأن البعض يظن أن الشعر الجديد ما هو إلا كلمات من حروف في أسطر شعرية تطول وتقصر، والواقع غير هذا تماماً، لأن ما يمـيز به الشاعر عن غيره من خــلال الوزن الشعري الخليلي، والقافيــة الشعريــــة
(1) قدامة بن جعفر "نقد الشعر"
(2) السابق
الموائمة للمعنى.
وقبل أن نقف على الموسيقى الشعرية في الشعر المعاصر، حري بنا أن نميّز بين نوعين من موسيقى الشعر :
1. الموسيقى الخارجية: وهي تتألف من الأوزان الشعرية المعروفة القائمة على بحور الشعر المختلفة البسيطة والمركبة، وكذلك القافية، ويقصد بها الحرف الأخير من النص الشعري كما يقول النقاد.
2. الموسيقى الداخلية: وهي النغمات التي تجمع بين الألفاظ بعضها البعض، والصورة، أو بمعنى آخر، المزاوجة بين الشكل والمعنى، أو بين الحالة النفسية ووقع الكلام، وكل ذلك يندرج تحت التجربة وأثرها في القارئ .
مما سبق نرى أن الموسيقى الشعرية تقوم أساساً على اللغة، وبدونها لا يمكن أن تتحقق للقصيدة أهم مرتكزاتها الأساسية، ويبقى الحال على هذا الإيقاع الشعري للنص الموروث الذي ملّه الكثير من الشعراء، لكنهم لم يجدوا بديلاً عنه في تلك الفترة، إلى أن ظهرت في أواسط الأربعينيات نزعة جديدة، تعتمد على تغيير في الشكل العام للنص الشعري، لكنه مرتبط أساساً برباط حيوي بالوزن حتى لا يفقد الشعر مكانته من بين سائر الفنون الأخرى، وبدلاً من البيت الشعري أصبح السطر الشعري هو الأساس، وهو أيضاً خاضع لأوزان الخليل لكنه غير خاضع لنظام معين ثابت في عدد التفعيلات :
إلى أين أذهب؟
إنّ الجداول باقية في عروقي
وإنّ السنابل تنضج تحت ثيابي
وإنّ المنازل مهجورة في تجاعيد كفي
وإنّ السلاسل تلتف حول دمي
وليس الأمام إمامي
وليس الوراء ورائي
كأن يديك المكان الوحيد
كأن يديك بلد
آه من وطن في جسد! (1)
القصيدة من بحر المتقارب وتفاعيله (فعولن) مكررة ثمان مرات، في كل شطر أربع مرّات، فنرى اختلافاً في عدد التفعيلات، فالسطر الأول مكوّن من (فعولن) مكررة مرتين، أما السطر الثاني فمكون من أربع تفعيلات، وهذا راجع للدفقات الشعورية الصادرة من الشاعر، والتي يتطلبها الموقف الشعوري الممنوح من قِبَل التجربة الشعرية الكامنة في النفس الشعرية، كما نرى القافية بشكلها القديم قد ابتعد عنها الشاعر لكنه ألزم نفسه كما ينبغي أن يكون بقافية متحررة، وبذلك أصبح الحرف الأخير من كل سطر شعري هو القافية، فحرف الباء في السطر الأول، والقاف في الثاني وهكذا حتى نهاية النص، ومن هنا أصبحت القافية لدى الشعراء المحدثين لا تحتاج إلى معجم لغوي خاص يستخدمه في مثل هذا النوع من الشعر، كما هو الحال بالنسبة للقصيدة العمودية، عندما يقف الشاعر من أول القصيدة إلى نهايتها على حرف واحد، أو ينوِّع أحياناً بين القوافي، وبناءً على ذلك أصبح الشاعر الحديث حُرُّ الحركة في اختياره الكلمة المناسبة التي تقتضيها ظروف النص من حيث ارتباطها بالموسيقى العامة للسطر الشعري. وإذا كان التجديد الذي طرأ على شكل القصيدة واضح المعالم من خــلال النص، فإن التجديد أيضا برز بشكل غير واضح في المضمون، لكن من يقرأ النص يشعر
(1) محمود درويش، ص 521
أن تغييراً حدث في المضمون الشعري ، تبعا للحالة النفسية، النابعة من التجربة، فإذا كانت التجربة الشعرية تحتاج إلى سرعة في الأداء، فإن هناك بحورا بسيطة يمكن التعامل معها وإذا كانت التجربة بسيطة وساكنة فإنها تحتاج إلى بحور موازية للتجربة الشعرية، وهكذا يمكن أن نطلق عليه بلغة الموسيقى "الإيقاع الموازي للتجربة" وسنحاول أن نقف على هذا الموضوع عند دراسة الأسس الموسيقية في القصيدة المعاصرة.
وكمثال على ما ذهبنا إليه، هذا محمود درويش يوصلنا إلى الإيقاع الموازي للتجربة :
ماذا تقول الريح ؟
نحن الريح
نحن الريح
نحن الريح
هذا الإيقاع المتكرر له أبعاد موسيقية نابعة من ضرورة العمل الشعري، وقد سار على هذا النهج معظم شعراء فلسطين، وهذه فدوى طوقان تقول:
معاً نستريح
معاً نستزيد
هوانا الجديد
هوانا الوليد
وشمس الشتاء
حنون الضياء تضم كلينا
وتحنو علينا (1)
وكذلك أحمد دحبور، حيث تبرز إيقاعاته بصورة استفهامات:
أمشيتَ إليك ؟
أدخلتَ مخيمك المحسوبَ عليك ؟
ضقت بالعجل السمينْ
صحت: يكفيني ابتزازاً (2)
وكما رأينا فإن هذا النظام المسمى بالإيقاع يطول ويقصر، مما يدل على اعتماده أساساً على النغمات المولّدة من الحروف المكوِّنة للكلمة ثمَّ الكلمات المتجاورة والمتناسقة، وأخيراً الجمل الشعرية، ويرى أحد الباحثين أنّ الموسيقى تعتمد فيما تعتمد على عاملين هما "الإيقاع، والميلودية، أي الظاهرة التي تقوم على التناسب بين النغمات"(3)، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، هل الوزن هو الإيقاع ؟ وإذا كان كل واحد منهما مختلف عن الآخر، فما علاقة كل منهما بالآخر ؟ نرى في هذا، أنّ الوزن له علاقة بالإيقاع من خلال التماس، وليس من خلال الترابط، بمعنى أن الإيقاع يظهر نتيجة لمقتضيات النص الشعري المتطلب لكثير من الصور أثناء التجوال داخله، فهناك الأساليب الإنشائية، والخبرية، وهناك الأفعال والأسماء، وهناك الوقفات، وهناك الإطالة، وغيرها من العوامل التي تمس الوجدان، أما الوزن، فهو موجود، ولا يحتاج من الشاعر إلى كثير عناء في الوصول إليه، فهو إحدى صور التفعيلة التي يتعامــل معها باستمرار،
(1) فدوى طوقان، ص 223
(2) أحمد دحبور، ص 545
(3) د. محمد النويهي - قضية الشعر الجديد، ص 235
وفي قصائد متنوعة، لذا يمكن أن نقول: إجابة على السؤال الأول بعد إجابتنا عن السؤال الثاني، أن الوزن يختلف عن الإيقاع.
ويرى الدكتور عيّاد أن "الشاعر الحر يقيم هذا البناء الإيقاعي غير ملزم إلا بشيء واحد: طريقة معينة في تتابع المقاطع، يمكن أن تتلاءم مع تردد الأنفاس عند الإنشاد وهذا جعل القصيدة لدى شعراء فلسطين نسقاً موسيقياً بالغ الحساسية قائم على اتزان وترتيب وتنسيق بين مكونات الكل في العمل الشعري، وللإيقاع أثر نفسي على الشاعر وعلى القارئ، ولننظر إلى الشاعرة فدوى طوقان في إحدى قصائدها تقول :
بسلاسل القدر العتيّ
بسلاسل الزمن الغبيّ (1)
جعلتنا نحس بألم شديد من وقع السلاسل من خلال تكرار الإيقاع الموسيقي في نفس المكان والزمان مرتين، ليُجمِّل المعنى أكثر من خلال الصورة الشعرية التي تلت النغمة الإيقاعية، حيث التجسيد الذي أضاف للمعنى قوة وجمالاً، ثمّ نلاحظ دفقات إيقاعية متكررة أكثر من ذي قبل :
من أجل هذا اليوم
من أجله ولدتك
من أجله أرضعتك
من أجله منحتك
دمي وكل النبض (2)
(1) فدوى طوقان.
(2) السابق.
فتكرار لفظة "من أجله” لإبراز التحدي، فبالإضافة إلى الإيقاع الموسيقي الخارجي هناك الإيقاع الموسيقي الداخلي، المتمثل في المعنى والغرض من التكرار.
وهذا محمود درويش يقف على نبرة إيقاعية مشابهة، فيقول :
هو الشعر
هو الزهر
هو الليل
هو الطير
هو الفجر (1)
فتكرار الشاعر الضمير"هو" لتأكيد الهدف الذي أراده في الأسطر التي سبقت هذه الدفقات الإيقاعية المتساوية.
وهذا "أحمد دحبور" يقف على إيقاعات مستمدة من القرآن الكريم، فيقول :
يا أيها البحر،
كنت تقصّ عليّ النوارسَ
تدخلني في مدارس حكمتها البكر" أنَّ مع
العسر يسرا"
ولِمَ لا؟ ألا يُسبك اللؤلؤ العربي الدمع؟
لِمَ لا ألا يخرج النور مقتل السمع؟
إنَّ مع العسر يسرا" (2)
(1) محمود درويش.
(2) أحمد دحبور.
هذا الإيقاع نراه مختلف عما سبق، وهذا يؤيد ما قلناه سابقاً بأنّ الإيقاع يظهر ويختلف تبعاً لمقتضيات النص الشعري من تلوين وتنويع وإطالة وأساليب، فكل قصيدة لهـــا إيقاعاتها التي تختلف عن الأخرى من خلال ما استُخدِم من كلمات وحروف داخل النص الشعري، فأصبحت القصيدة زاخرة بالإيقاعات المتناسقة والمتوالية والمترابطة.
معي أنتِ
معي أنتِ
معي في القلب، في العينين، في الصوت
معي من رعشة الميلاد - حتى رعشة الموت(1)
إنَّ الحديث عن الموسيقى الشعرية مرتبط كل الارتباط بما يتعلق بالنص الشعري، وترانا حاولنا أن نتطرق إلى الإيقاع باعتباره أحد مرتكزات القصيدة المعاصرة.
2- الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة :
الأوزان العروضية بمجزوءاتها ومشتقاتها وأشكالها تصل ما يقرب من الثمانين، علماً بأن السطر الشعري لا يخرج عن سبعة تفاعيل وهي: فعلن، فاعلن، فعولن، مفاعيل، فاعلاتن، مستفعلن، متفاعلن، هذا الشكل القديم والموروث، مازال الكثير من الشعراء يسير عليه حتى أن بعض الشعراء ممن نظموا على الشكل الجديد للقصيدة الجديدة، ارتدوا إلى الموروث لاعتبارات نابعة من المنهج أو الحنين إلى التراث الذي مضى عليه حقباً متوالية لأكثر من عشرة قرون.
(1) سميح القاسم، ص 590
الشاعر في الوطن العربي يحاول التمرد على هذا الشكل القديم، من خلال بعض المحاولات التي كُللت أخيراً بالنجاح من خلال الشكل الجديد للقصيدة المعاصرة، والذي يسمى بالشعر الحر، وقد سبق هذه المحاولة الناجحة محاولات كثيرة تتعلق بالشكل العام للنص، من ازدواجية القافية، أو كل أربعة أبيات بقافية
واحدة ، وهناك الشعر الأندلسي بمسمياته المعروفة ، وقد تجدد الشعر في العصور المختلفة، كما نعلم.
وحيث أنّ الشكل الجديد للقصيدة المعاصرة يعتمد على السطر الشعري باعتباره الأساس في النص، وهذا الشكل الجديد تأثر به شعراء فلسطين، ونظموا قصائدهم على منواله، وأبدعوا كغيرهم، من شعراء الوطن العربي، وكثيراً ما مزجوا بين الموروث والحر في قصيدة واحدة، ومن الأسباب التي دعت شعراء فلسطين إلى السير على هذا النهج الجديد لشكل القصيدة المعاصرة ومضمونها يرجع إلى الأتي :
- التحرر من القيود التي تُكَبل الشعراء.
- طبيعة المرحلة تتطلب من الشاعر الفلسطيني أن يتمرد على الواقع فكان الشكل من ضمن الأمور التي تمرّد عليها.
- حاجة الشاعر الفلسطيني أن يُبحر في أماكن لا تجذبه إلى الأرض نواصي القافية.
- رغبته في مسايرة العصر، وتوأمتهم مع شعراء الوطن العربي الكبير.
- الابتعاد عن الموروث الشكلي للنص القديم.
- إظهار قدرتهم الإبداعية على العطاء.
وهكذا استطاع شعراء فلسطين أن يواكبوا روح العصر، وأن يتحرروا من تلك الضوابط القديمة، والخروج عن المألوف، ليس كسراً لقاعدة عامة، وإنما نهجاً يساير روح العصر الذي يعيشه، بأشكاله وصوره، وهذه نماذج مصغرة لعدد من شعراء فلسطين يمثلون القصيدة المعاصرة شكلاً ومضموناً، وهم: فدوى طوقان، محمود درويش، سميح القاسم، أحمد دحبور، توفيق زيّاد، ولا يقف الأمر عند هؤلاء الشعراء فهناك الكثير من الشعراء الذين يمثلون هذا المنهج، وما اختياري لهؤلاء إلا لأنهم أرسوا قواعد هذا الشعر بكل أبعاده، وهناك من الشعراء لهم إسهامات واضحة في هذا المضمار مثل الدكتور عز الدين المناصرة، الذي يعتبر واحة من واحات الشعر النادرة في عالمنا العربي من خلال إسهاماته المتنوعة والمتجددة، وكذلك الشاعرة والكاتبة الكبيرة سلمى الجيوسي والكثير، الذين سيأتي ذكرهم في دراسة مستقلة .
الفصل الثاني : الموسيقى في الشعر الفلسطيني المعاصر
1- جماليات موسيقى السطر الشعري
2- جماليات موسيقى الجملة الشعرية
تناولنا في الموضوع الأول الموسيقى الشعرية، وقلنا إنها أساسية في النص الشعري، وبدونها لا يمكن أن يتذوق القارئ شعراً، وبالتالي فهي أساسية في تكوين الإطار العام للبيت أو السطر الشعري، ومن هنا سنحاول الوقوف على موسيقى السطر الشعري باعتباره أحد ركائز الموسيقى الشعرية :
1- جماليات موسيقى السطر الشعري :
كما قلنا سابقاً، فإن السطر الشعري بالمعنى الجديد استخدمه الشعراء عِوضاً عن البيت المكّون من شطرين، ونراه في القصيدة المعاصرة لا يسير على نمط واحد، وإنما يطول ويقصر لاعتبارات كثيرة أهمها النفس الشعري، وطبيعة الإبداع وأثر التجربة، وهذا بدوره يستوقفنا أمام ظاهرة أساسية في السطر الشعري وهي ظاهرة التفعيلة التي يتكّون منها السطر الشعري، وهنا يمكننا القول مع الدكتور عز الدين إسماعيل، بأنه يمكن أن تقوم بنية موسيقية واحدة من خلال التفعيلة، ومادام الحال كذلك، فمن الممكن أن تتكرر التفعيلة في السطر الشعري مرتين وربما تصل إلى أكثر من أربع مرّات، ومن الممكن أن يغيّر الشاعر التفعيلة، وهذه فدوى طوقان تنوع في التفعيلة :
يوم فشا الطاعون في مدينتي
خرجت للعراء
مفتوحة الصدر إلى السماء
أهتف من قرارة الأحزان بالرياح
هُبي وسوقي نحونا السحاب يا رياحْ
وانزلي الأمطار
تُطّهر الهواء في مدينتي
وتغسل البيوت والأشجار
هبي وسوقي نحونا السحاب يا رياح
ولتنزل الأمطار
ولتنزل الأمطار
ولتنزل الأمطار (1)
نلاحظ أنّ السطر الشعري لدى الشاعرة لم يجمد على نظام واحد، بل نوّعت الشاعرة في التفعيلة من خلال السطر الشعري، كما نرى بعض الاختلافات في الحركات والسكنات، فأثرت الإيقاع من خلال تنويع الجو الموسيقي، وذلك حسب الشحنات اللفظية المتطلبة للجو النفسي، فأحياناً تكون التفعيلة "مستفعلن" وأحياناً "متفعلن" وهذا النغم الداخلي من علامات الجمال والإبداع في السطر الشعري، وهو من المحاولات التجديدية التي تصاحبت مع الشعر الجديد، وبرزت بشكل واضح في الشعر الفلسطيني المعاصر، وإن كانت موجودة في الشعر المقفى، لكنها برزت في الشعر الحر بصورة أوضح..
يتبع
في الشعر الفلسطيني المعاصر
تأليف
يحيى زكريا الآغـــــــــا
الطبعة الأولى
1996
دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع
الدوحة -قطر
مع دار الحكمة للنشر والتوزيع والترجمة
قطاع غزة -خان يونس
جماليات القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر
الفهرس
تقديم: 7
منهج الدراسة: 11
الباب الأول: جماليات الموسيقى الشعرية:. 17
الفصل الأول: 1-: أهمية الموسيقى الشعرية 18
2-: الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة 27
الفصل الثاني: الموسيقى في الشعر الفلسطيني المعاصر 30
1-: موسيقى السطر الشعري 31
2-: موسيقى الجملة الشعرية 38
الفصل الثالث: الأسس الموسيقية في الشعر الفلسطيني المعاصر 42
1-: الوزن. 44
2-: القافية 47
الفصل الرابع: الجمع بين الموروث والحرِّ في موسيقى القصيدة المعاصرة 50
الباب الثاني : جماليات الأشكال الفنية في الشعر الفلسطيني: 60
تقديم: 61
الفصل الأول : البناء الروائي في القصيدة 63
الفصل الثاني: البناء الدرامي في القصيدة 72
الفصل الثالث: البناء المسرحي في القصيدة 80
الفصل الرابع:الرسائل الشعرية في القصيدة 96
.الباب الثالث: جماليات الصورة الشعرية في الشعر الفلسطيني المعاصر: 123
تقديم: 124
الفصل الأول :الصورة عند الشاعر محمود درويش 128
الفصل الثاني : الصورة عند الشاعر توفيق زيّاد 146
الفصل الثالث:الصورة عند الشاعر سميح القاسم 160
الفصل الرابع: الصورة عند الشاعرة فدوى طوقان 173
الفصل الخامس: الصورة عند الشاعر أحمد دحبور 179
الباب الرابع: جماليات الرمزية في الشعر الفلسطيني المعاصر: 188
تقديم: 189
الفصل الأول: رمزية الألفاظ 191
الفصل الثاني: رمزية الصور 206
الفصل الثالث: رمزية النص 219
الباب الخامس: قضايا جمالية معاصرة في الشعر الفلسطيني المعاصر: 233
الفصل الأول: الالتزام 234
الفصل الثاني: قضية الحرية 260
الفصل الثالث:استلهام التراث 269
الفصل الرابع: اللغة الشعرية 285
نتائج الدراسة: 293
وبعد: 296
المصادر والمراجع: 297
إهداء
إلى والديّ في دار البقاء، وفاء لعهد
إلى زوجتي وأبنائي، حباً وتقديرا
إلى إخوتي وأخواتي تواصلاً إليهم جميعاً رسالة حب عبر هذا الكتاب
يحيى زكَريَا إسعيِّد الآغَا
تقديــــــــــــــــ ـــم
القصيدة الشعرية مجموعة من الجماليات، وهي حصيلة معاناة صادقة، نابعة من إحساس عميق بالمسؤولية، ومن مواقف متعددة تختلف حسب طبيعة الزمان والمكان وطبيعة الحدث، وبالتالي فلكل قصيدة هدف نابع من موقف، وكل موقف نابع من تجربة، وكل تجربة تختلف من شاعر إلى أخر، وربما تكون التجارب متشابهة، والموضوع مختلف، وربما العكس، التجارب مختلفة، والموضوع متشابه، ولهذا نرى التنوع في الأساليب، فكل شاعر يتناول الموضوع من زاوية معينة، وبالتالي تختلف عن الآخرين، ومن هنا يكمن جزء من الجمال اللغوي في النص الشعري.
فالقصيدة إذن ليست مجموعة من الألفاظ والحروف تُنسج ويتم حشوها وإيصالها إلى ذهن القارئ، بل إن الحرف الذي يستخدمه الشاعر مرّ في ذهنه عشرات المرّات، وبالتالي يوظفه في المكان المناسب، وإذا كان الحرف بهذا الشكل، فما موقف الكلمة، ثمّ الجملة الشعرية، ثمّ الفكرة، وأخيراً القصيدة التي هي نتاج صراع داخلي وخارجي على السواء، وهكذا تنمو القصيدة بمراحلها المختلفة حتى تصل إلى القارئ في أجمل صورة، وأبدع ما يمكن أن يُقال، وهنا أيضاً جزء من جماليات النص الشعري.
والقصيدة الشعرية أيضاً قائمة على موسيقى، وبدونها لا يكون العمل الأدبي ذا قيمة فنية، ومن هنا فالموسيقى بنوعيها، الداخلية والخارجية، هي جوهر العمل الشعري، فالخارجية تتمثل في الوزن القائم على بحور الشعر المختلفة، سواء الوزن المحكوم بقواعد ثابتة، أم الوزن الذي تحكمه الدفقات الشعورية للشاعر، فالتنوع في الدفقات الشعورية يحكمه تنوع في الأوزان الشعرية، من حيث الطول والقصر، وأحياناً تنوع البحور داخل النص الشعري، وهنا يبرز جزء من جماليات النص الشعري.
وإذا ما انتقلنا إلى القافية، وهي الرديف الثاني للوزن، حيث يعتبرها النقاد الحرف الأخير من السطر الشعري، فإنني أرى رأياً مخالفاً، لأن القافية في جوهرها هي التوحد في الحرف الأخير كما يُقال"السجع في النثر كالقافية في الشعر"وليس التنوع، وإذا تجاوزنا هذا الاختلاف، فيمكننا القول، إن القافية المتصلة بالوزن، هي من أساسيات العمل الشعري، يمكنها أن تكون صورة من صور الجمال في النص الشعري.
أما الموسيقى الداخلية، فتتمثل في الألفاظ والحروف المكونة لها، وكذلك الجمل والأسطر الشعرية، وعلاقة الألفاظ بعضها البعض الأخر، والمحسنات البديعية بأنواعها، وكذلك أثر التجربة في النص والتي يشعر بها القارئ من خلال الإيحاءات، وهذا كلّه يصب في خانة جماليات النص الشعري للقصيدة، فالموسيقى الداخلية الخفية والظاهرة هي محور أساسي في النص، وبالتالي يمنح النص الشعري قيمة فنية توظّف لخدمة العمل الأدبي، وبالتالي تُضيف للقصيدة جمالياتها المتميزة.
إنَّ جماليات العمل الشعري لا تقتصر على الموسيقى الشعرية، بل نجد أنّ النص الشعري من خلال معطياته يفرض وجوده فرضاً بحيث لا نستطيع أن نُبعده عن جمالياته، ولذا نحكم عليه حكماً صائباً، فنجد كثيراً من القصائد الشعرية أخذت أشكالاً فنية ذات طبيعة نثرية أحياناً، أو أنها من أساسيات أسلوب النثر، وأحياناً تكون القصائد مستمدة من التراث أو ذات طبيعة مستمدة من المواويل مثلاً، ولهذا نجد الرواية بمنظور شعري، والمسرحية بأشكالها بمنظور شعري أيضاً، وهناك الرسائل الشعرية التي تُرسل إلى الأدباء أو القادة، أو الشخصيات الأسطورية التي لا يمكن أن تُنسى على مر السنين، وأخيراً نجد الأدب الشعبي ماثلاً في القصائد الشعرية، وهذا كله دون أن يحط من قيمة العمل الشعري، أو النثري على السواء، بل نجده مكملاً له، لأن الجمود عند معطيات معينة ثابتة، يكون بمثابة تقليل من قيمة العمل الفني، فالتطوير والإبداع من أهم مقومات العمل الفني، لذا فإن ما تقدم ذكره يُعتبر من جماليات النص الشعري، ومن علامات إبداع الشعراء.
وإذا كان لتلك الأشكال الفنية أثر في إبراز جماليات النص الشعري، فكذلك الصورة الشعرية وأثرها الكبير في النص، وما يمكن أن يتولّد من خلالها من معانٍ ودلالات موحية، وتعتبر الصورة الشعرية من علامات الإبداع الشعري، فالصورة الشعرية تمثل عنصراً مهماً من عناصر النص الشعري، وبدونها لا يمكن أن يُحكم على القصيدة بالكمال، لذا فهي أيضا من جماليات النص الشعري.
وإذا كان اللفظ من جماليات النص الشعري، فالرمز الذي يُعتبر أحد معطيات اللفظ يمثل تلك الصورة، فنجد رمزية اللفظ، ورمزية الصورة، ورمزية النص، ولهذا فإن من علامات الإبداع الشعري والشاعري، الرمزية غير المغرقة في الإبهام، والإغلاق كما نرى عند بعض الشعراء، فالحكم على جوهر النص ليس مستمداً من الرمز والرمزية فقط، بل أيضا من صدق التجربة، وروعة الأداء، وبالتالي تظهر لدينا صورة من صور الجمال في النص الشعري.
ومن القضايا الجمالية في الشعر المعاصر، والتي تعتبر من عوامل الإبداع الكامنة في النص الشعري، قضية الالتزام والحرية والتراث واللغة الشعرية، تلك القضايا التي يمكن اعتبارها علامات فارقة في العمل الشعري بكل أبعاده وأشكاله، وبالتالي يمكن اعتبار تلك القضايا وغيرها من قضايا العصر التي تمثل جزء من القضايا الجمالية في الشعر المعاصر.
منهـــــــج الدراســـــــة
موضوع الدراسة ليس جديداً في حد ذاته، ولكن الجديد فيه اقتصاره على الشعراء المعاصرين في فلسطين، وعلى عدد محدود منهم، فقد نوّعوا في إنتاجهم وعطائهم وفكرهم تبعاً لتنوع البيئة والزمان والمكان، ومن هنا برزت الكثير من المعطيات التي تحتاج إلى أكثر من دراسة.
والدراسة في حد ذاتها ليست نقدية بحتة، ولا تحليلية، ولكنها شمولية، تتعرض لجماليات القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر من خلال الوقوف على دواوين هؤلاء الشعراء، بعكس ما تناولته في دراستي التحليلية لنفس الشعراء من خلال كتابنا "دراسات تحليلية في الشعر الفلسطيني المعاصر"، وقبل تحديد أُطر الدراسة، فقد استلهمت أفكارها من خلال الدواوين الشعرية لشعراء من فلسطين معاصرين، سواء من كان منهم داخل الخط الأخضر، أو عاش خارج الوطن، أوعاش الألم والمرارة في ظل ظروف قاسية.
وعلى هذا الأساس فقد قسّمت الدراسة إلى خمسة أبواب، وعدد من الفصول، مع تمهيد يسبق كل باب أحياناً، لمحاولة الوقوف على معطيات الباب من جوانبه المختلفة، كلما تتطلب الأمر لذا التمهيد.
فالباب الأول: بعنوان جماليات الموسيقى الشعرية، وجاء على أربعة فصول، وكل فصل ينقسم إلى قسمين، ما عدا الفصل الرابع جاء مستقلا، فقد تناولت في الفصل الأول موضوعين: الأول: يتعلق بأهمية الموسيقى الشعرية ودورها، وما يمكن أن تؤديه الموسيقى في النص الشعري.
أما الموضوع الثاني: فقد تناولت الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة، وهل استطاعت القصيدة المعاصرة أن تواكب الزمن والعصر، وأن يكون لها صدى يتناسب مع الحياة، وأثر ذلك على الدفقات الشعورية لدى الشاعر.
أما الفصل الثاني: فقد تناولت فيه الموسيقى في الشعر الفلسطيني المعاصر على اعتبار أن الموضوع يقتصر على الشعر الفلسطيني ، فتناولت هذه النقطة من زاويتين، الأولى: موسيقى السطر الشعري من حيث طول وقصر السطر الشعري، وأثره وسببه، والثاني: موسيقى الجملة الشعرية، وهل أضافت جديداً إلى القصيدة أم لا ؟ وحتى تتضح معالم الصورة بشكل أعم، فقد تم تطبيق ذلك على دواوين الشعراء، باعتبارهم المرجعية الأساسية في هذه الدراسة.
أما الفصل الثالث : وهو بعنوان الأسس الموسيقية في الشعر الفلسطيني المعاصر، فقد قسّمته إلى محورين رئيسيين لا يختلف الشعراء بعامة عليهما وهما :الوزن والقافية، على اعتبار أن الوزن محور رئيسي في النص الشعري ، وبدونه يعتبر أسلوباً نثرياً، وبالتالي وقفنا على الوزن الخليلي، وكيف استطاع الشعراء أن يلوّنوا في هذا المحور من حيث الطول والقصر، حتى وصل الأمر إلى تسعة مفاعيل أحياناً، والمحور الأخر وهو القافية التي يعتبرها النقاد الحرف الأخير من الكلمة.
أما الفصل الرابع : فيرتكز حول الجمع بين الموروث والحر في القصيدة المعاصرة، وقد أجاد شعراء فلسطين في هذا اللون من الشعر بصورة تكاد تكون متميزة، واستخدموا الشعر الموزون المقفى بين ثنايا قصائدهم لخدمة الفكرة العامة، على اعتبار أن هذا اللون له ما يبرره في مكانه، فكان يتنقل أحياناً من هذا اللون إلى الشعر الحر دون خرق لنظام القصيدة من حيث الوزن.
والباب الثاني من الدراسة: يدور حول جماليات الأشكال الفنية في الشعر الفلسطيني المعاصر، وقد قسّمته بعد التقديم الواجب إلى خمسة فصول، الفصل الأول: حول البناء الروائي في القصيدة، متخذاً من الدواوين الشعرية مرجعاً أساسياً لتطبق وإثبات ما توصلنا إليه، ولقد وجدت الكثير من هذا اللون بين ثنايا الدواوين، واعتبرت هذا من جماليات وإبداع القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر.
أما الفصل الثاني: فيدور حول البناء الدرامي في القصيدة بوجهيه الخير والشر، وكيف استطاع الشاعر الفلسطيني أن يجمع هذا في إطار واحد، وقد استعنت بالقصائد لإثبات ذلك.
أما الفصل الثالث : فقد تحدثت فيه عن البناء المسرحي في القصيدة، حيث وجدت خلال دراستي للدواوين الشعرية، أن شكل المسرحية الشعرية يتكرر كثيراً في دواوين الشعراء، فما كان مني إلا أن اعتبرت ذلك لوحة فنية رائعة من لوحات العمل الفني الشعري لدى شعراء فلسطين، ولقد كان لهذا اللون الأثر الكبير في النفس، حيث ظهرت لغة جديدة لها رونقها، وإبداعها.
أما الفصل الرابع : والذي يحمل الرسائل الشعرية في الدواوين، فقد برز هذا اللون بصورة جلية في البناء الفني للقصيدة، وأجاد فيها شعراء فلسطين بلا استثناء، وأبدعوا فيها إبداعاً يتجاوز التصور، وسأقف على معظم تلك الرسائل التي وردت في الدواوين التي اخترناها كأساس عام للدراسة، ولقد احتل هذا الفصل الكثير من الصفحات، نظراً لكثرة عدد الرسائل التي كانت تدور بين الشعراء في مناسبات عارضة، أو مرتّب لها، أو الرسائل التي تُرسل إلى شخصيات لها أثرها في الحياة السياسية والفكرية على السواء، ومن هنا وجدنا الشعراء يتخذون من هذه الرسائل منطلقات ذات أبعاد فكرية وثقافية، تجمع الإبداع بالثقافة ، ولغة الحياة اليومية بالمعاناة والآمال والطموحات، وُتعرف في لغة النثر بالرسائل الإخوانية، ولقد كان ومازال لهذه القصائد الإخوانية أثر كبير في إبراز جماليات النص الشعري، على اعتبار أنّ هذا اللون وغيره واحة تتسع لكل معطيات الجمال والإبداع.
أما الباب الثالث : فيدور حول ركيزة هامة من ركائز العمل الشعري عامة، والقصيدة بوجه خاص، إنها الصورة الشعرية في الشعر الفلسطيني المعاصر، بأبعادها وأركانها وألوانها، وحتى لا تختلط معطيات الصورة فقد رأيت أن كل شاعر يجب أن يحظى بدراسة مستقلة، ولهذا فقد قسّمت الدراسة إلى خمسة فصول، تناولت في كل فصل شاعرا ، فالفصل الأول تناولت فيه الصورة عند محمود درويش، والفصل الثاني، الصورة عند توفيق زيّاد، والفصل الثالث، الصورة عند سميح القاسم، والفصل الرابع، الصورة عند فدوى طوقان، والفصل الخامس، الصورة عند أحمد دحبور، وأبرزت بعد التقديم، جماليات الصورة عند هؤلاء الشعراء الذين يمثلون أركان الشعر الفلسطيني من وجهة نظر خاصة.
أما الباب الرابع: فقد أفردت للرمزية في الشعر الفلسطيني باباً يتكون من ثلاثة فصول ومقدمة، وربما قائل يسأل، لماذا لم يتم إضافة الرمزية إلى الفصل الخامس وهي القضايا المعاصرة ؟ فأقول: إن الرمزية في الشعر الفلسطيني، لا تحتاج إلى باب مستقل من ثلاثة فصول كما هو في الدراسة، بل تحتاج إلى ثلاثة كتب مستقلة، لاعتبارات كثيرة، من أهمها ما يرجع للشاعر، وللبيئة، وللزمن، وللحصار النفسي والفكري أحياناً الذي كان يُمَارس بصورة أو أخرى على القلم الفلسطيني، إضافة إلى أن الرمزية عندهم تختلف عن غيرهم من شعراء الوطن العربي. وأثناء الدراسة، وجدنا أنّ الرمزية تتمثل في اللفظ أحياناً، وهذا محور الفصل الأول، أما الفصل الثاني: فيتعلق برمزية الصورة، والفصل الثالث: يتعلق برمزية النص.
أما الباب الخامس والأخير: فقد تناولت فيه القضايا الجمالية المعاصرة في الشعر الفلسطيني المعاصر، وهذه القضايا تناولها الشعراء بصورة أو بأخرى، حتّمت علينا أن نفرد لها أبواباً وفصولاً مستقلة، ومن هذا المنطلق فقد تناولت أربع قضايا رأيناها من أهم القضايا التي برزت عند الشعراء بصورة واضحة.
القضية الأولى: تعتبر من القضايا الهامة في العمل الشعري، إنها قضية الالتزام حيث أفردت لها الفصل الأول من الباب الخامس، والالتزام هو أحد أبرز معالم العمل الشعري الفلسطيني، ولم نر شاعراً أو شاعرة، ابتعد عن هذه القضية، فهو محور أساسي، ومرتكز من مرتكزات القصيدة، وبه يمكن أن نصدر الكثير من الأحكام على العمل الشعري والشعراء.
أما القضية الثانية: التي أفردت لها الفصل الثاني، فهي الحرية، ولماذا الحرية؟ فالشعب ممكن أن يعيش حراً في ظل ديمقراطية الاحتلال!، إن ما دفعني إلى هذه القضية-الحرية- الكم الهائل من القصائد التي تغنى بها الشعراء، وأفردوا لها قصائد خاصة، وأحياناً تأتي بين ثنايا قصائدهم بصورة تنم عن وعي تام لهذا المطلب، وما يعنيه بالنسبة لهم. وهنا أطرح سؤالا أخر، لماذا وضع سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زيّاد السجن في فترة من فترات حياتهم، وصُودرت العديد من القصائد لهم، وللشاعرة فدوى طوقان، وغيرهم من شعراء فلسطين؟
ثمّ هناك ملاحظة هامة يمكن للقارئ أن يسأل عنها وهي: لماذا هناك العديد من القصائد مبتورة ؟ هل قريحة الشعراء وقفت عند هذا الحد؟ أم أن الدفقات الشعورية انتهت عند تلك الكلمات؟ أم هناك أسباب أخرى؟ هذا ما سنحاول أن نقف عليه عند تناولنا لهذه القضية، هذا ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أريد أن أسأل سؤالاً أخيراً في هذا المقام: هل الشعب الفلسطيني كان يمارس حقّه الطبيعي على أرضه كأي شعوب الأرض؟ هذا ما سنحاول أن نتعرف عليه خلال التحليل.
أما القضية الثالثة: والتي أفردت لها الفصل الثالث من الباب الخامس، فتدور حول استلهام التراث، والأسباب التي دعت الشعراء إلى استلهام شخصيات تراثية، أو مدن إسلامية أو غير إسلامية.
وأخيرا وقفت على نتائج الدراسة، حيث وضعتها في نقاط موجزة تتضمن ما جاء بالدراسة.
وبعد: أرجو أن أكون قد وفقت في تلمُّس جماليات من القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر، فالدراسة كما نرى احتاجت إلى جهد مضاعف، وعناء كثير حتى أمكننا أن نصل إلى نقطة واحدة، لأنه كان يتطلّب منا دراسة الدواوين الخمسة، إضافة إلى ما كُتب في هذا الموضوع لدى الكتاب والأدباء المعاصرين وغير المعاصرين، ورغم ذلك العناء، إلا أنني شعرت بعد الانتهاء من الدراسة بحلاوة النصر على الذات، فأبرزت هذا العمل المستقل بالصورة التي رغبت فيها، ولكنني دائماً وبعد الانتهاء من كل دراسة أدبية، أقول: لا أرى كمالاً في عطاء الإنسان، بالقياس مع عطاء وكمال الله، إلا أن شبه الكمال الذي أراه في هذه الدراسة يتمثل في تخصيص الموضوع في الشعر الفلسطيني المعاصر، راجياً من الله التوفيق والسداد، من خلال المنهج الذي بدأته بالوقوف على الشعر الفلسطيني، سواء من خلال كتابنا الصورة في شعر فدوى طوقان وأثر الوجدان الإسلامي فيها، أو دراسات في الشعر الفلسطيني المعاصر، أو الكتاب الذي نعتزم إصداره قريباً بعنوان التضمين في الشعر الفلسطيني المعاصر، إضافة لهذه الدراسة التي بين أيدينا.
وأخيراّ لا أدعي كمالاً كما قلت، فالكمال لله وحده، فكل دراسة تبقى قاصرة إلى أن تكملها دراسة أخرى، حتى تستمر مسيرة الأدب والنقد حيّة.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أتقدم بالشكر والتقدير والعرفان لدولة قطر ممثلة في دار الكتب القطرية التي ساهمت مساهمة فاعلة من خلال الدواوين الشعرية، والمصادر والمراجع، والدوريات، وكذلك المكتبات المدرسية، ممثلة في مكتبة وزارة التربية والتعليم القطرية، ومكتبة مدرسة جاسم بن حمد الثاني الثانوية التي أعمل بها مدرساً منذ سنوات.
وأخيراً فإن الشكر الموازي للعمل، أتقدم به للآنسة/ نشوة توفيق السقا التي قامت بعمل دائب في طباعة الكتاب، وإخراجه بالصورة التي بين أيدينا.
المؤلف
يحيى زكريا الآغــا
هذا وبالله التوفيق الدوحة - قطر
17/02/1996م
الباب الأول
جماليات الموسيقى الشعرية
الفصل الأول: الموسيقى الشعرية
1- أهمية الموسيقى الشعرية.
2- الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة.
الفصل الثاني: الموسيقى في الشعر الفلسطيني المعاصر.
1- موسيقى السطر الشعري.
2- موسيقى الجملة الشعرية.
الفصل الثالث: الأسس الموسيقية في الشعر الفلسطيني المعاصر
1- الوزن
2- القافية
الفصل الرابع: الجمع بين الموروث والحر في موسيقى القصيدة
المعاصرة
الفصل الأول: الموسيقى الشعرية
1- أهمية الموسيقى الشعرية.
2- الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة.
1- أهمية الموسيقى الشعرية :
الموسيقى من الفنون التي استخدمها الإنسان قديماً، وظل يستخدمها عبر مسيرة حياته ليعبر بها عن أمور كثيرة يرى أنها ضرورية لنفسه ولغيره، فاستعملها الناس في أفراحهم وأتراحهم، وحروبهم وانتصاراتهم، كل ذلك بأساليب وطرق مختلفة توظف حسب الموقف، وإذا كانت الموسيقى استعملت في الأمور البسيطة، فهي أولى أن تستعمل في لغتنا الجميلة، وخاصة الشعر، باعتبار أن النغمة لها تأثير على الكلمة، لأنها تمنحها دفقة شعورية غير طبيعية، ومن هنا وجد الشاعر أهمية هذه الموسيقى، فكان العروض الخليلي الذي سارت عليه القصيدة العربية فترة طويلة من الزمن، ومازال يستعمله، منوّعاً ومغيّراً في تتبع البحور الشعرية التي عرفها العرب قديماً دون أن يدخل أي تعديل أو زيادة في عددها الستة عشر بحراً.
ومن يتعمق في الموسيقى الشعرية ويتفاعل مع الشحنات المندفعة من خلال الألفاظ الشعرية يشعر بأن الموسيقى من أهم ركائز العمل الشعري، وبدونها لا يمكن أن نسميه شعراً، وبالتالي لا يمكن فصله عن النثر، لذا فللشعر تذوق خاص، ولغة خاصة، وشاعرية مميزة، ووجه يختلف عن سائر الفنون الأدبية المتعارف عليها، حتى أن للشاعر تميزاً خاصاً عن القاص أو الخطيب المفوّه، أو غيرهم من الأدباء، وإن كان الجميع يصب في خانة الأدب، ويساعد على نمّوه وتطوره.
فالموسيقى من أقوى وسائل التعبير الموحي لاعتبارات تتعلق بشكل القصيدة، وبإطارها العام وبمنهجها، فابن عبد ربّه يقول "زعمت الفلاسفة أن النغم فضل بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيح لا على التقطيع فلما ظهر عشقته النفس وحنت إليه الــروح"(1)علــى أن
(1) أحمد بن عبد ربة : العقد الفريد
الشكل الذي تعارفت عليه العرب قــديماً، حـــــاول كثير مـن الشعراء التغيير فيه، لأنهم شعروا أن جمـوداً يسيطر على الكلمة ورغم ما حدث من محاولات ووصولهم إلى نوع من التغيير في الشكل العام للقصيدة من خلال بعض القصائد التي نظمت بأسلوب الشعر المرسل، إلا أن هذه المحاولات ارتدت على ذي بدء ليبقى الحال سائداً على ما كان عليه.
ثم ظهرت محاولات أخرى للتغيير في المضمون من خلال الرمزية الغامضة، على أساس أن الموسيقى لها علاقة بالمضمون عن طريق الموسيقى الداخلية بنوعيها وكان لهذه المحاولات النجاح وإن لم ترق للمستوى المطلوب في تلك الفترة.
على أن الموسيقى بعنصريها الوزن والقافية تركت بصماتها حقباً متتالية على منهجية النقاد، ومضامين أساليبهم النقدية، فقد عرّفه قدامة بين جعفر بأنه"الكلام الموزون المقفى الذي يدل على معنى"(1) ويسلك قدامة في تتبع التعريف ويقسمه إلى عناصر أربعة هي اللفظ والمعنى والوزن والقافية (2). وتمثل الموسيقى عنصرين منـهما هما الوزن والقافية، وإذا كان ابن جعفر قد حدد إطارين من هذه الأطر الأربعة ترتكز على الموسيقى الشعرية منذ زمن بعيد، فهل من الممكن أن يبقى الإطار على ما هو عليه مع الشعر المعاصر ؟ نقول في هذا المقام :إن الإطار القديم سيبقى على ما هو عليه لأنه بدونهما لا يكون عملاً شعرياً، وبالتالي فأهميته في الزمن الماضي تبقى على حالها في هذا الزمن، وربما إلى أزمان متقدمة، بل ربما تكون أهميته في هذا الزمن أكثر مما مضى، لاعتبارات كثيرة، من أهمها التعرف على أدعياء الشعر وإيقافهم عند حدهم، لأن البعض يظن أن الشعر الجديد ما هو إلا كلمات من حروف في أسطر شعرية تطول وتقصر، والواقع غير هذا تماماً، لأن ما يمـيز به الشاعر عن غيره من خــلال الوزن الشعري الخليلي، والقافيــة الشعريــــة
(1) قدامة بن جعفر "نقد الشعر"
(2) السابق
الموائمة للمعنى.
وقبل أن نقف على الموسيقى الشعرية في الشعر المعاصر، حري بنا أن نميّز بين نوعين من موسيقى الشعر :
1. الموسيقى الخارجية: وهي تتألف من الأوزان الشعرية المعروفة القائمة على بحور الشعر المختلفة البسيطة والمركبة، وكذلك القافية، ويقصد بها الحرف الأخير من النص الشعري كما يقول النقاد.
2. الموسيقى الداخلية: وهي النغمات التي تجمع بين الألفاظ بعضها البعض، والصورة، أو بمعنى آخر، المزاوجة بين الشكل والمعنى، أو بين الحالة النفسية ووقع الكلام، وكل ذلك يندرج تحت التجربة وأثرها في القارئ .
مما سبق نرى أن الموسيقى الشعرية تقوم أساساً على اللغة، وبدونها لا يمكن أن تتحقق للقصيدة أهم مرتكزاتها الأساسية، ويبقى الحال على هذا الإيقاع الشعري للنص الموروث الذي ملّه الكثير من الشعراء، لكنهم لم يجدوا بديلاً عنه في تلك الفترة، إلى أن ظهرت في أواسط الأربعينيات نزعة جديدة، تعتمد على تغيير في الشكل العام للنص الشعري، لكنه مرتبط أساساً برباط حيوي بالوزن حتى لا يفقد الشعر مكانته من بين سائر الفنون الأخرى، وبدلاً من البيت الشعري أصبح السطر الشعري هو الأساس، وهو أيضاً خاضع لأوزان الخليل لكنه غير خاضع لنظام معين ثابت في عدد التفعيلات :
إلى أين أذهب؟
إنّ الجداول باقية في عروقي
وإنّ السنابل تنضج تحت ثيابي
وإنّ المنازل مهجورة في تجاعيد كفي
وإنّ السلاسل تلتف حول دمي
وليس الأمام إمامي
وليس الوراء ورائي
كأن يديك المكان الوحيد
كأن يديك بلد
آه من وطن في جسد! (1)
القصيدة من بحر المتقارب وتفاعيله (فعولن) مكررة ثمان مرات، في كل شطر أربع مرّات، فنرى اختلافاً في عدد التفعيلات، فالسطر الأول مكوّن من (فعولن) مكررة مرتين، أما السطر الثاني فمكون من أربع تفعيلات، وهذا راجع للدفقات الشعورية الصادرة من الشاعر، والتي يتطلبها الموقف الشعوري الممنوح من قِبَل التجربة الشعرية الكامنة في النفس الشعرية، كما نرى القافية بشكلها القديم قد ابتعد عنها الشاعر لكنه ألزم نفسه كما ينبغي أن يكون بقافية متحررة، وبذلك أصبح الحرف الأخير من كل سطر شعري هو القافية، فحرف الباء في السطر الأول، والقاف في الثاني وهكذا حتى نهاية النص، ومن هنا أصبحت القافية لدى الشعراء المحدثين لا تحتاج إلى معجم لغوي خاص يستخدمه في مثل هذا النوع من الشعر، كما هو الحال بالنسبة للقصيدة العمودية، عندما يقف الشاعر من أول القصيدة إلى نهايتها على حرف واحد، أو ينوِّع أحياناً بين القوافي، وبناءً على ذلك أصبح الشاعر الحديث حُرُّ الحركة في اختياره الكلمة المناسبة التي تقتضيها ظروف النص من حيث ارتباطها بالموسيقى العامة للسطر الشعري. وإذا كان التجديد الذي طرأ على شكل القصيدة واضح المعالم من خــلال النص، فإن التجديد أيضا برز بشكل غير واضح في المضمون، لكن من يقرأ النص يشعر
(1) محمود درويش، ص 521
أن تغييراً حدث في المضمون الشعري ، تبعا للحالة النفسية، النابعة من التجربة، فإذا كانت التجربة الشعرية تحتاج إلى سرعة في الأداء، فإن هناك بحورا بسيطة يمكن التعامل معها وإذا كانت التجربة بسيطة وساكنة فإنها تحتاج إلى بحور موازية للتجربة الشعرية، وهكذا يمكن أن نطلق عليه بلغة الموسيقى "الإيقاع الموازي للتجربة" وسنحاول أن نقف على هذا الموضوع عند دراسة الأسس الموسيقية في القصيدة المعاصرة.
وكمثال على ما ذهبنا إليه، هذا محمود درويش يوصلنا إلى الإيقاع الموازي للتجربة :
ماذا تقول الريح ؟
نحن الريح
نحن الريح
نحن الريح
هذا الإيقاع المتكرر له أبعاد موسيقية نابعة من ضرورة العمل الشعري، وقد سار على هذا النهج معظم شعراء فلسطين، وهذه فدوى طوقان تقول:
معاً نستريح
معاً نستزيد
هوانا الجديد
هوانا الوليد
وشمس الشتاء
حنون الضياء تضم كلينا
وتحنو علينا (1)
وكذلك أحمد دحبور، حيث تبرز إيقاعاته بصورة استفهامات:
أمشيتَ إليك ؟
أدخلتَ مخيمك المحسوبَ عليك ؟
ضقت بالعجل السمينْ
صحت: يكفيني ابتزازاً (2)
وكما رأينا فإن هذا النظام المسمى بالإيقاع يطول ويقصر، مما يدل على اعتماده أساساً على النغمات المولّدة من الحروف المكوِّنة للكلمة ثمَّ الكلمات المتجاورة والمتناسقة، وأخيراً الجمل الشعرية، ويرى أحد الباحثين أنّ الموسيقى تعتمد فيما تعتمد على عاملين هما "الإيقاع، والميلودية، أي الظاهرة التي تقوم على التناسب بين النغمات"(3)، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، هل الوزن هو الإيقاع ؟ وإذا كان كل واحد منهما مختلف عن الآخر، فما علاقة كل منهما بالآخر ؟ نرى في هذا، أنّ الوزن له علاقة بالإيقاع من خلال التماس، وليس من خلال الترابط، بمعنى أن الإيقاع يظهر نتيجة لمقتضيات النص الشعري المتطلب لكثير من الصور أثناء التجوال داخله، فهناك الأساليب الإنشائية، والخبرية، وهناك الأفعال والأسماء، وهناك الوقفات، وهناك الإطالة، وغيرها من العوامل التي تمس الوجدان، أما الوزن، فهو موجود، ولا يحتاج من الشاعر إلى كثير عناء في الوصول إليه، فهو إحدى صور التفعيلة التي يتعامــل معها باستمرار،
(1) فدوى طوقان، ص 223
(2) أحمد دحبور، ص 545
(3) د. محمد النويهي - قضية الشعر الجديد، ص 235
وفي قصائد متنوعة، لذا يمكن أن نقول: إجابة على السؤال الأول بعد إجابتنا عن السؤال الثاني، أن الوزن يختلف عن الإيقاع.
ويرى الدكتور عيّاد أن "الشاعر الحر يقيم هذا البناء الإيقاعي غير ملزم إلا بشيء واحد: طريقة معينة في تتابع المقاطع، يمكن أن تتلاءم مع تردد الأنفاس عند الإنشاد وهذا جعل القصيدة لدى شعراء فلسطين نسقاً موسيقياً بالغ الحساسية قائم على اتزان وترتيب وتنسيق بين مكونات الكل في العمل الشعري، وللإيقاع أثر نفسي على الشاعر وعلى القارئ، ولننظر إلى الشاعرة فدوى طوقان في إحدى قصائدها تقول :
بسلاسل القدر العتيّ
بسلاسل الزمن الغبيّ (1)
جعلتنا نحس بألم شديد من وقع السلاسل من خلال تكرار الإيقاع الموسيقي في نفس المكان والزمان مرتين، ليُجمِّل المعنى أكثر من خلال الصورة الشعرية التي تلت النغمة الإيقاعية، حيث التجسيد الذي أضاف للمعنى قوة وجمالاً، ثمّ نلاحظ دفقات إيقاعية متكررة أكثر من ذي قبل :
من أجل هذا اليوم
من أجله ولدتك
من أجله أرضعتك
من أجله منحتك
دمي وكل النبض (2)
(1) فدوى طوقان.
(2) السابق.
فتكرار لفظة "من أجله” لإبراز التحدي، فبالإضافة إلى الإيقاع الموسيقي الخارجي هناك الإيقاع الموسيقي الداخلي، المتمثل في المعنى والغرض من التكرار.
وهذا محمود درويش يقف على نبرة إيقاعية مشابهة، فيقول :
هو الشعر
هو الزهر
هو الليل
هو الطير
هو الفجر (1)
فتكرار الشاعر الضمير"هو" لتأكيد الهدف الذي أراده في الأسطر التي سبقت هذه الدفقات الإيقاعية المتساوية.
وهذا "أحمد دحبور" يقف على إيقاعات مستمدة من القرآن الكريم، فيقول :
يا أيها البحر،
كنت تقصّ عليّ النوارسَ
تدخلني في مدارس حكمتها البكر" أنَّ مع
العسر يسرا"
ولِمَ لا؟ ألا يُسبك اللؤلؤ العربي الدمع؟
لِمَ لا ألا يخرج النور مقتل السمع؟
إنَّ مع العسر يسرا" (2)
(1) محمود درويش.
(2) أحمد دحبور.
هذا الإيقاع نراه مختلف عما سبق، وهذا يؤيد ما قلناه سابقاً بأنّ الإيقاع يظهر ويختلف تبعاً لمقتضيات النص الشعري من تلوين وتنويع وإطالة وأساليب، فكل قصيدة لهـــا إيقاعاتها التي تختلف عن الأخرى من خلال ما استُخدِم من كلمات وحروف داخل النص الشعري، فأصبحت القصيدة زاخرة بالإيقاعات المتناسقة والمتوالية والمترابطة.
معي أنتِ
معي أنتِ
معي في القلب، في العينين، في الصوت
معي من رعشة الميلاد - حتى رعشة الموت(1)
إنَّ الحديث عن الموسيقى الشعرية مرتبط كل الارتباط بما يتعلق بالنص الشعري، وترانا حاولنا أن نتطرق إلى الإيقاع باعتباره أحد مرتكزات القصيدة المعاصرة.
2- الشكل الموسيقي في القصيدة المعاصرة :
الأوزان العروضية بمجزوءاتها ومشتقاتها وأشكالها تصل ما يقرب من الثمانين، علماً بأن السطر الشعري لا يخرج عن سبعة تفاعيل وهي: فعلن، فاعلن، فعولن، مفاعيل، فاعلاتن، مستفعلن، متفاعلن، هذا الشكل القديم والموروث، مازال الكثير من الشعراء يسير عليه حتى أن بعض الشعراء ممن نظموا على الشكل الجديد للقصيدة الجديدة، ارتدوا إلى الموروث لاعتبارات نابعة من المنهج أو الحنين إلى التراث الذي مضى عليه حقباً متوالية لأكثر من عشرة قرون.
(1) سميح القاسم، ص 590
الشاعر في الوطن العربي يحاول التمرد على هذا الشكل القديم، من خلال بعض المحاولات التي كُللت أخيراً بالنجاح من خلال الشكل الجديد للقصيدة المعاصرة، والذي يسمى بالشعر الحر، وقد سبق هذه المحاولة الناجحة محاولات كثيرة تتعلق بالشكل العام للنص، من ازدواجية القافية، أو كل أربعة أبيات بقافية
واحدة ، وهناك الشعر الأندلسي بمسمياته المعروفة ، وقد تجدد الشعر في العصور المختلفة، كما نعلم.
وحيث أنّ الشكل الجديد للقصيدة المعاصرة يعتمد على السطر الشعري باعتباره الأساس في النص، وهذا الشكل الجديد تأثر به شعراء فلسطين، ونظموا قصائدهم على منواله، وأبدعوا كغيرهم، من شعراء الوطن العربي، وكثيراً ما مزجوا بين الموروث والحر في قصيدة واحدة، ومن الأسباب التي دعت شعراء فلسطين إلى السير على هذا النهج الجديد لشكل القصيدة المعاصرة ومضمونها يرجع إلى الأتي :
- التحرر من القيود التي تُكَبل الشعراء.
- طبيعة المرحلة تتطلب من الشاعر الفلسطيني أن يتمرد على الواقع فكان الشكل من ضمن الأمور التي تمرّد عليها.
- حاجة الشاعر الفلسطيني أن يُبحر في أماكن لا تجذبه إلى الأرض نواصي القافية.
- رغبته في مسايرة العصر، وتوأمتهم مع شعراء الوطن العربي الكبير.
- الابتعاد عن الموروث الشكلي للنص القديم.
- إظهار قدرتهم الإبداعية على العطاء.
وهكذا استطاع شعراء فلسطين أن يواكبوا روح العصر، وأن يتحرروا من تلك الضوابط القديمة، والخروج عن المألوف، ليس كسراً لقاعدة عامة، وإنما نهجاً يساير روح العصر الذي يعيشه، بأشكاله وصوره، وهذه نماذج مصغرة لعدد من شعراء فلسطين يمثلون القصيدة المعاصرة شكلاً ومضموناً، وهم: فدوى طوقان، محمود درويش، سميح القاسم، أحمد دحبور، توفيق زيّاد، ولا يقف الأمر عند هؤلاء الشعراء فهناك الكثير من الشعراء الذين يمثلون هذا المنهج، وما اختياري لهؤلاء إلا لأنهم أرسوا قواعد هذا الشعر بكل أبعاده، وهناك من الشعراء لهم إسهامات واضحة في هذا المضمار مثل الدكتور عز الدين المناصرة، الذي يعتبر واحة من واحات الشعر النادرة في عالمنا العربي من خلال إسهاماته المتنوعة والمتجددة، وكذلك الشاعرة والكاتبة الكبيرة سلمى الجيوسي والكثير، الذين سيأتي ذكرهم في دراسة مستقلة .
الفصل الثاني : الموسيقى في الشعر الفلسطيني المعاصر
1- جماليات موسيقى السطر الشعري
2- جماليات موسيقى الجملة الشعرية
تناولنا في الموضوع الأول الموسيقى الشعرية، وقلنا إنها أساسية في النص الشعري، وبدونها لا يمكن أن يتذوق القارئ شعراً، وبالتالي فهي أساسية في تكوين الإطار العام للبيت أو السطر الشعري، ومن هنا سنحاول الوقوف على موسيقى السطر الشعري باعتباره أحد ركائز الموسيقى الشعرية :
1- جماليات موسيقى السطر الشعري :
كما قلنا سابقاً، فإن السطر الشعري بالمعنى الجديد استخدمه الشعراء عِوضاً عن البيت المكّون من شطرين، ونراه في القصيدة المعاصرة لا يسير على نمط واحد، وإنما يطول ويقصر لاعتبارات كثيرة أهمها النفس الشعري، وطبيعة الإبداع وأثر التجربة، وهذا بدوره يستوقفنا أمام ظاهرة أساسية في السطر الشعري وهي ظاهرة التفعيلة التي يتكّون منها السطر الشعري، وهنا يمكننا القول مع الدكتور عز الدين إسماعيل، بأنه يمكن أن تقوم بنية موسيقية واحدة من خلال التفعيلة، ومادام الحال كذلك، فمن الممكن أن تتكرر التفعيلة في السطر الشعري مرتين وربما تصل إلى أكثر من أربع مرّات، ومن الممكن أن يغيّر الشاعر التفعيلة، وهذه فدوى طوقان تنوع في التفعيلة :
يوم فشا الطاعون في مدينتي
خرجت للعراء
مفتوحة الصدر إلى السماء
أهتف من قرارة الأحزان بالرياح
هُبي وسوقي نحونا السحاب يا رياحْ
وانزلي الأمطار
تُطّهر الهواء في مدينتي
وتغسل البيوت والأشجار
هبي وسوقي نحونا السحاب يا رياح
ولتنزل الأمطار
ولتنزل الأمطار
ولتنزل الأمطار (1)
نلاحظ أنّ السطر الشعري لدى الشاعرة لم يجمد على نظام واحد، بل نوّعت الشاعرة في التفعيلة من خلال السطر الشعري، كما نرى بعض الاختلافات في الحركات والسكنات، فأثرت الإيقاع من خلال تنويع الجو الموسيقي، وذلك حسب الشحنات اللفظية المتطلبة للجو النفسي، فأحياناً تكون التفعيلة "مستفعلن" وأحياناً "متفعلن" وهذا النغم الداخلي من علامات الجمال والإبداع في السطر الشعري، وهو من المحاولات التجديدية التي تصاحبت مع الشعر الجديد، وبرزت بشكل واضح في الشعر الفلسطيني المعاصر، وإن كانت موجودة في الشعر المقفى، لكنها برزت في الشعر الحر بصورة أوضح..
يتبع