مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة الأيام لـــ طــه حسين
دنيا أحمد
15-08-2007, 04:27 PM
بطاقة تعريف الكاتب الكبير: طه حسين
http://3ata.com/up/uploads/5211cbf8a9.jpg (http://3ata.com/up/)
طه حسين (1889-1973) واحد من أهم -إن لم يكن أهم- المفكرين العرب في القرن العشرين.
وترجع أهميته إلى الأدوار الجذرية المتعددة التي قام بها في مجالات متعددة, أسهمت في الانتقال بالإنسان العربي من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية, ومن الظلم إلى العدل, ومن التخلف إلى التقدم, ومن ثقافة الإظلام إلى ثقافة الاستنارة, فهو أجسر دعاة العقلانية في الفكر,
والاستقلال في الرأى, والابتكار في الإبداع, والتحرر في البحث الأدبي, والتمرد على التقاليد الجامدة.
وهو أول من كتب عن (مستقبل الثقافة) بالحماسة التي كتب بها عن (المعذبين في الأرض), وبالشجاعة التي تحرر بها من ثوابت النقل البالية, فاستبدل الاجتهاد بالتقليد, والابتداع بالاتباع, وأقام الدنيا ولم يقعدها حين أصدر كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي كان بمثابة الاستهلال الجذري للعقل العربي المحدث والحديث في آن.
ولد طه حسين في الرابع عشر من نوفمبر سنة 1889 في عزبة (الكيلو) التي تقع على مسافة كيلومتر من (مغاغة) بمحافظة المنيا بالصعيد الأوسط. وكان والده حسين عليّ موظفًا صغيرًا, رقيق الحال, في شركة السكر, يعول ثلاثة عشر ولدًا, سابعهم طه حسين.
ضاع بصره في السادسة من عمره نتيجة الفقر والجهل, وحفظ القرآن الكريم قبل أن يغادر قريته إلى الأزهر طلبًا للعلم. وتتلمذ على الإمام محمد عبده الذي علمه التمرد على طرائق الاتباعيين من مشايخ الأزهر, فانتهى به الأمر إلى الطرد من الأزهر, واللجوء إلى الجامعة المصرية الوليدة التي حصل منها على درجة الدكتوراه الأولى في الآداب سنة 1914 عن أديبه الأثير: أبي العلاء المعري. ولم تمر أطروحته من غير ضجة واتهام من المجموعات التقليدية حتى بعد أن سافر إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه الفرنسية.
وعاد من فرنسا سنة 1919 بعد أن فرغ من رسالته عن ابن خلدون, وعمل أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني إلى سنة 1925, حيث تم تعيينه أستاذًا في قسم اللغة العربية مع تحول الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية. وما لبث أن أصدر كتابه (في الشعر الجاهلى) الذي أحدث عواصف من ردود الفعل المعارضة, وأسهم في الانتقال بمناهج البحث الأدبي والتاريخي نقلة كبيرة فيما يتصل بتأكيد حرية العقل الجامعي في الاجتهاد.
وظل طه حسين يثير عواصف التجديد حوله, في مؤلفاته المتتابعة ومقالاته المتلاحقة وإبداعاته المتدافعة, طوال مسيرته التنويرية التي لم تفقد توهج جذوتها العقلانية قط, سواء حين أصبح عميدًا لكلية الآداب سنة 1930, وحين رفض الموافقة على منح الدكتوراه الفخرية لكبار السياسيين سنة 1932, وحين واجه هجوم أنصار الحكم الاستبدادي في البرلمان, الأمر الذي أدى إلى طرده من الجامعة التي لم يعد إليها إلا بعد سقوط حكومة صدقي باشا. ولم يكف عن حلمه بمستقبل الثقافة أو انحيازه إلى المعذبين في الأرض في الأربعينات التي انتهت بتعيينه وزيرًا للمعارف في الوزارة الوفدية سنة 1950, فوجد الفرصة سانحة لتطبيق شعاره الأثير (التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن).
وظل طه حسين على جذريته بعد أن انصرف إلى الإنتاج الفكري, وظل يكتب في عهد الثورة المصرية, إلى أن توفي عبد الناصر, وقامت حرب أكتوبر التي توفي بعد قيامها في الشهر نفسه سنة 1973.
وتحفته (الأيام) أثر إبداعي من آثار العواصف التي أثارها كتابه (في الشعر الجاهلي), فقد بدأ في كتابتها بعد حوالي عام من بداية العاصفة, كما لو كان يستعين على الحاضر بالماضي الذي يدفع إلى المستقبل. ويبدو أن حدة الهجوم عليه دفعته إلى استبطان حياة الصبا القاسية, ووضعها موضع المساءلة, ليستمد من معجزته الخاصة التي قاوم بها العمى والجهل في الماضي القدرة على مواجهة عواصف الحاضر.
ولذلك كانت (الأيام) طرازًا فريدًا من السيرة التي تستجلي بها الأنا حياتها في الماضي لتستقطر منها ما تقاوم به تحديات الحاضر, حالمة بالمستقبل الواعد الذي يخلو من عقبات الماضي وتحديات الحاضر على السواء. والعلاقة بين الماضي المستعاد في هذه السيرة الذاتية والحاضر الذي يحدد اتجاه فعل الاستعادة أشبه بالعلاقة بين الأصل والمرآة, الأصل الذي هو حاضر متوتر يبحث عن توازنه بتذكر ماضيه, فيستدعيه إلى وعي الكتابة كي يتطلع فيه كما تتطلع الذات إلى نفسها في مرآة, باحثة عن لحظة من لحظات اكتمال المعرفية الذاتية التي تستعيد بها توازنها في الحاضر الذي أضرّ بها.
ونتيجة ذلك الغوص عميقًا في ماضي الذات بما يجعل الخاص سبيلا إلى العام, والذاتي طريقًا إلى الإنساني, والمحلي وجهًا آخر من العالمي, فالإبداع الأصيل في (الأيام) ينطوي على معنى الأمثولة الذاتية التي تتحول إلى مثال حي لقدرة الإنسان على صنع المعجزة التي تحرره من قيود الضرورة والتخلف والجهل والظلم, بحثًا عن أفق واعد من الحرية والتقدم والعلم والعدل. وهي القيم التي تجسّدها (الأيام) إبداعًا خالصًا في لغة تتميز بثرائها الأسلوبي النادر الذي جعل منها علامة فريدة من علامات الأدب العربي الحديث.
دنيا أحمد
15-08-2007, 04:31 PM
هذا حديث أمليته في بعض أوقات الفراغ لم أكن أريد أن يصدر في كتاب يقرؤه الناس, ولعلّي لم أكن أريد أن أعيد قراءته بعد إملائه, وإنما أمليته لأتخلص بإملائه من بعض الهموم الثقال والخواطر المحزنة التي كثيرا ما تعتري الناس بين حين وحين.
وللناس مذاهبهم المختلفة في التخفف من الهموم والتخلص من الأحزان, فمنهم من يتسلى عنها بالقراءة, ومنهم من يتسلى عنها بالرياضة, ومنهم من يتسلى عنها بالاستماع للموسيقى والغناء, ومنهم من يذهب غير هذه المذاهب كلها لينسى نفسه ويفر من حياته الحاضرة وما تثقله به من الأعباء. ولست أدري لماذا رجعت ذات يوم إلى ذكريات الصبا, أتحدث بها إلى نفسي لأنسى بهذا الحديث أثقال الشباب. ثم لم أكتفِ بالتحدث إلى نفسي فيما بيني وبينها, وإنما تحدثت إليها حديثا مسموعا, فأمليت هذا الكلام على صاحبي في رحلة من رحلات الصيف, ثم ألقيته جانبا ونسيته أو كدت أنساه.
ثم طلبت إليّ مجلة (الهلال) في عهدها الماضي طائفة من الأحاديث وألحَّت في الطلب حتى لم أجد بُدًّا إلى إجابتها ولم أكن أملك الوقت الذي يتيح لي أن أكتب إليها الأحاديث التي أرادتني عليها. فعرضت هذا الكلام على بعض الصديق ليقرأه ويشير عليّ فيه, أيصلح للنشر أم لا يصلح, فقرأه الصديق وأشار عليّ بألاّ ألقي إليه بالا. فاعتذرت إلى (الهلال), ولكنها أبت إلاّ الإلحاح, فدفعت إليها هذا الكلام على كُره مني, وقد نَشَرَته. فرضي عنه بعض الناس ثم جمعه بعض الأصدقاء في سفر واحد.
وكذلك وُجِد هذا الكتاب على غير إرادة مني لوجوده, وما أكثر ما تحدثت بهذا الحديث إلى الذين قرأوا هذا الكلام, فمنهم من صدّقه ومنهم من أنكر.
وأنا مع ذلك لم أقُل إلاّ الحق, ومهما يكن من شيء, فقد وُجد كتاب (الأيام), وأضيف إليه جزء ثانٍ, كُتِب على نحو ما كُتِب الجزء الأول. وليس أحب إلى نفسي ولا أحسن موقعا في قلبي, من أن يُقدَّم هذا الكتاب إلى زملائي وأصدقائي في هذه المحنة, ولا أرى فيها قسوة أو شيئا يشبه القسوة. وإنما هي آفة من الآفات الكثيرة التي تعرض لبعض الناس في حياتهم فتؤثر فيها تأثيرا قويا أو ضعيفا.
والذين يقرأون هذا الحديث من المكفوفين, سيرون فيه حياة صديق لهم في أيام الصبا تأثر بمحنتهم هذه قليلا قليلا حين عرفها, وهو لم يعرفها إلاّ شيئًا فشيئًا حين لاحظ ما بينه وبين إخوته من فرق في تصوّر الأشياء وممارستها.
وقد تأثر بهذه المحنة تأثرا عميقًا قاسيًا, لا لشيء; إلاّ لأنه أحسّ من أهله رحمةً له وإشفاقًا عليه, وأحسّ من بعض الناس سخرية منه وازدراء له, ولو قد عرف أهلُه كيف يرعونه دون أن يُظهروا له رحمة أو إشفاقا, ولو قد كان الناس من رُقِيِّ الحضارة وفهم الأشياء على حقائقها بحيث لا يسخرون من الذين تعتريهم بعض الآفات, لا يرْثون لهم ولا يُظهِرون لهم معاملة خاصة يتكلفونها تكلفًا, لو قد كان من هذا كله, لعرف ذلك الصبي وأمثاله محنتهم في رفق, ولاستقامت حياتهم بريئة من التعقيد, كما تستقيم لكثير غيرهم من الناس.
والحمد لله على أن هذا الصبي لم يستسلم للحزن ولم تدفعه ظروفه إلى اليأس وإنما مضى في طريقه كما استطاع أن يمضي, محاولاً الخير لنفسه وللناس ما أُتيح له أن يحاول من الخير. وما أكثر الذين قهروا هذه المحنة خيرًا مما قهرها, وانتصروا عليها خيرًا مما انتصر عليها, وقدّموا لأنفسهم وللناس أكثر وأنفع وأبقى مما قدم, ولكن كل إنسان مُيسرٌ لما خُلِق له, لا يبذل من الجهد إلاّ ما تبلغه طاقته.
وأنا أتمنّى أن يجد الأصدقاء المكفوفون في قراءة هذا الحديث تسلية لهم عن أثقال الحياة كما وجدت في إملائه, وأن يجدوا فيه بعد ذلك تشجيعا لهم على أن يستقبلوا الحياة مبتسمين لها كما تبتسم لهم ولغيرهم من الناس, جادين فيها لينفعوا أنفسهم وينفعوا غيرهم, متغلبين على ما يعترضهم من المصاعب وما يقوم في سبيلهم من العقبات بالصبر والجهد وحسن الاحتمال وبالأمل المتصل والرجاء الباسم.
فالحياة لم تُمنح لفريق من الناس دون فريق, وحظوظها من اليسر والعسر ومن الشدة واللين ليست مقصورة على المكفوفين وأصحاب الآفات دون غيرهم من الناس. ولو قد عرف الإنسان ما يلقى غيره من المصاعب وما يشقى به غيره من مشكلات الحياة, لهانت عليه الخطوب التي تعترضه, ولعرف أن حظه خير من حظوظ كثير من الناس وأنه في عافية مما يُمتحن به غيره من الأشقياء والبائسين على ما أُتيح لهم من الصحة الموفورة ومن تمام الآلة واعتدال المزاج واستقامة الملكات.
والمهم هو أن يلقى الإنسان حياته باسمًا لها لا عابسًا, وجادًّا فيها لا لاعبًا, وأن يحمل نصيبه من أثقالها ويؤدي نصيبه من واجباتها, ويحب للناس مثلما يحب لنفسه ويؤْثِر الناس بما يؤثر به نفسه من الخير, ولا عليه بعد ذلك أن تثقل الحياة أو تخف, وأن يرضى الناس أو يسخطوا, فنحن لم نُخلق عبثًا ولم نُترك سدًى ولم نُكلَّف إرضاء الناس عنّا, وإنما خُلِقنا لنؤدي واجباتنا وليس لنا بدٌّ من تأديتها, فإن لم نفعل فنحن وحدنا الملومون وعلينا وحدنا تقع التبعات.
دنيا أحمد
15-08-2007, 04:35 PM
لا يذكر لهذا اليوم اسمًا, ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه اللّه من الشهر والسنة, بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتًا بعينه, وإنما يقرّب ذلك تقريبًا.
وأكبر ظنه أن هذا الوقت كان يقع من ذلك اليوم في فجره أو في عشائه. يرجح ذلك لأنه يذكر أن وجهه تلقى في ذلك الوقت هواءً فيه شيء من البرْد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس. ويرجح ذلك لأنه على جهله حقيقة النور والظلمة, يكاد يذكر أنه تلقّى حين خرج من البيت نورًا هادئًا خفيفًا لطيفًا كأن الظلمة تغشى بعض حواشيه. ثم يرجح ذلك لأنه يكاد يذكر أنه حين تلقى هذا الهواءَ وهذا الضياء لم يأنس من حوله حركة يقظة قوية, وإنما آنس حركة مستيقظة من نوم أو مقبلة عليه. وإذا كان قد بقي له من هذا الوقت ذكرى واضحة بينّة لا سبيل إلى الشك فيها, فإنما هي ذكرى هذا السياج الذي كان يقوم أمامه من القصب, والذي لم يكن بينه وبين باب الدار إلا خطوات قصار. هو يذكر هذ السياج كأنه رآه أمس. يذكر أن قصب هذا السياج كان أطول من قامته, فكان من العسير عليه أن يتخطاه إلى ما وراءه. ويذكر أن قصب هذا السياج كان مقتربًا كأنما كان متلاصقًا, فلم يكن يستطيع أن ينسل في ثناياه. ويذكر أن قصب هذا السياج كان يمتد عن شماله إلى حيث لا يعلم له نهاية, وكان يمتد عن يمينه إلى آخر الدنيا من هذه الناحية. وكان آخر الدنيا من هذه الناحية قريبًا, فقد كانت تنتهي إلى قناة عرفها حين تقدمت به السن, وكان لها في حياته ـ أو قل في خياله ـ تأثير عظيم.
يذكر هذا كله, ويذكر أنه كان يحسد الأرانب التي كانت تخرج من الدار كما يخرج منها, وتتخطى السياج وثبًا من فوق, أو انسيابًا بين قصبه, إلى حيث تقرض ما كان وراءه من نبت أخضر, يذكر منه الكرنب خاصة.
ثم يذكر أنه كان يحب الخروج من الدار إذا غربت الشمس وتعشَّى الناس, فيعتمد على قصب هذا السياج, مفكرًا مغرقًا في التفكير, حتى يردَّه إلى ما حوله صوت الشاعر قد جلس على مسافة من شماله, والتف حوله الناس وأخذ ينشدهم في نغمة عذبة غريبة أخبار أبي زيد وخليفة ودياب, وهم سكوت إلا حين يستخفهم الطرب أو تستفزهم الشهوة, فيستعيدون ويتمارون ويختصمون, ويسكت الشاعر حتى يفرغوا من لغطهم بعد وقت قصير أو طويل, ثم يستأنف إنشاده العذب بنغمته التي لا تكاد تتغير.
ثم يذكر أنه كان لا يخرج ليلة إلى موقفه من السياج إلا وفي نفسه حسرة لاذعة, لأنه كان يقدّر أن سيقطع عليه استماعه لنشيد الشاعر حين تدعوه أخته إلى الدخول فيأبى فتخرج فتشده من ثوبه فيمتنع عليها, فتحمله بين ذراعيها كأنه الثمامة, وتعدو به إلى حيث تنيمه على الأرض وتضع رأسه على فخذ أمه, ثم تعمد هذه إلى عينيه المظلمتين فتفتحهما واحدة بعد الأخرى, وتقطر فيهما سائلا يؤذيه ولا يجدي عليه خيرًا, وهو يألم ولكنه لا يشكو ولا يبكي لأنه كان يكره أن يكون كأخته الصغيرة بكّاءً شكّاءً.
ثم يُنقل إلى زاوية في حجرة صغيرة, فتنيمه أخته على حصير قد بسط عليها لحاف, وتلقي عليه لحافا آخر, وتذره وإن في نفسه لحسرات, وإنه ليمدّ سمعه مدًّا يكاد يخترق به الحائط لعله يستطيع أن يصله بهذه النغمات الحلوة التي يرددها الشاعر في الهواء الطلق تحت السماء. ثم يأخذه النوم, فما يحس إلا وقد استيقظ والناس نيام, ومن حوله إخوته وأخواته يغطون فيسرفون في الغطيط, فيلقي اللحاف عن وجهه في خيفة وتردد, لأنه كان يكره أن ينام مكشوف الوجه. وكان واثقًا أنه إن كشف وجهه أثناء الليل أو أخرج أحد أطرافه من اللحاف, فلابد من أن يعبث به عفريت من العفاريت الكثيرة التي كانت تعمر أقطار البيت وتملأ أرجاءه ونواحيه, والتي كانت تهبط تحت الأرض ما أضاءت الشمس واضطرب الناس. فإذا أوت الشمس إلى كهفها, والناس إلى مضاجعهم, وأطفئت السُّرج, وهدأت الأصوات, صعدت هذه العفاريت من تحت الأرض وملأت الفضاء حركة واضطرابًا وتهامسًا وصياحًا.
وكان كثيرا ما يستيقظ فيسمع تجاوب الديكة وتصايح الدجاج, ويجتهد في أن يميز بين هذه الأصوات المختلفة. فأما بعضها فكانت أصوات ديكة حقًّا, وأما بعضها الآخر فكانت أصوات عفاريت تتشكل بأشكال الديكة وتقلدها عبثًا وكيدًا. ولم يكن يحفل بهذه الأصوات ولا يهابها, لأنها كانت تصل إليه من بعيد. إنما كان يخاف الخوف كله أصواتًا أخرى لم يكن يتبينها إلا بمشقة وجهد, كانت تنبعث من زوايا الحجرة نحيفة ضئيلة, يمثل بعضها أزيز المرجل يغلي على النار, ويمثل بعضها الآخر حركة متاع خفيف ينقل من مكان إلى مكان, ويمثل بعضها خشبًا ينقصم أو عودا ينحطم.
وكان يخاف أشد الخوف أشخاصًا يتمثلها قد وقفت على باب الحجرة فسدّته سدًّا, وأخذت تأتي بحركات مختلفة أشبه شيء بحركات المتصوفة في حلقات الذكر. وكان يعتقد أن ليس له حصن من كل هذه الأشباح المخوفة والأصوات المنكرة, إلا أن يلتف في لحافه من الرأس إلى القدم, دون أن يدع بينه وبين الهواء منفذًا أو ثغرة. وكان واثقا أنه إن ترك ثغرة في لحافه فلا بد من أن تمتد منها يد عفريت إلى جسمه فتناله بالغمز والعبث.
لذلك كان يقضي ليله خائفًا مضطربًا, إلا حين يغلبه النوم, وما كان يغلبه النوم إلا قليلاً. كان يستيقظ مبكرًا أو قل كان يستيقظ في السحر, ويقضي شطرًا طويلاً من الليل في هذه الأهوال والأوجال والخوف من العفاريت, حتى إذا وصلت إلى سمعه أصوات النساء يعدن إلى بيوتهن وقد ملأن جرارهن من القناة وهن يتغنين (الله ياليل الله....), عرف أن قد بزغ الفجر, وأن قد هبطت العفاريت إلى مستقرها من الأرض السفلى, فاستحال هو عفريتًا, وأخذ يتحدث إلى نفسه بصوت عال, ويتغنى بما حفظ من نشيد الشاعر, ويغمز من حوله من إخوته وأخواته, حتى يوقظهم واحدًا واحدًا. فإذا تم له ذلك, فهناك الصياح والغناء, وهناك الضجيج والعجيج, وهناك الضوضاء التي لم يكن يضع لها حدًّا إلا نهوض الشيخ من سريره, ودعاؤه بالإبريق ليتوضأ.
حينئذ تخفت الأصوات وتهدأ الحركة, حتى يتوضأ الشيخ ويصلي ويقرأ ورده ويشرب قهوته ويمضي إلى عمله. فإذا أغلق الباب من دونه نهضت الجماعة كلها من الفراش, وانسابت في البيت صائحة لاعبة حتى تختلط بما في البيت من طير وماشية.
الأيام الكتاب الأول
1
دنيا أحمد
15-08-2007, 04:39 PM
كان مطمئنّا إلى أن الدنيا تنتهي عن يمينه بهذه القناة التي لم يكن بينه وبينها إلا خطوات معدودة. ولم لا ? وهو لم يكن يرى عرض هذه القناة, ولم يكن يقدِّر أن هذا العرض ضئيل بحيث يستطيع الشاب النشيط أن يثب من إحدى الحافتين فيبلغ الأخرى, ولم يكن يقدِّر أن حياة الناس والحيوان والنبات تتصل من وراء هذه القناة على نحو ما هي من دونها, ولم يكن يقدِّر أن الرجل يستطيع أن يعبر هذه القناة ممتلئة دون أن يبلغ الماء إبطيه, ولم يكن يقدر أن الماء ينقطع من حين إلى حين عن هذه القناة, فإذا هي حفرة مستطيلة يعبث فيها الصبيان, ويبحثون في أرضها الرخوة عما تخلف من صغار السمك فمات لانقطاع الماء عنه.
لم يكن يقدِّر هذا كله, وإنما كان يعلم يقينًا لا يخالطه الظن أن هذه القناة عالم آخر مستقل عن العالم الذي كان يعيش فيه, تعمره كائنات غريبة مختلفة لا تكاد تحصى; منها التماسيح التي تزدرد الناس ازدرادًا, ومنها المسحورون الذين يعيشون تحت الماء بياض النهار وسواد الليل, حتى إذا أشرقت الشمس أو غربت طفوا يتنسمون الهواء, وهم حين يطفون خطر على الأطفال وفتنة للرجال والنساء. ومنها هذه الأسماك الطوال العراض التي لا تكاد تظفر بطفل حتى تزدرده ازدرادًا , والتي قد يتاح لبعض الأطفال أن يظفروا في بطونها بخاتم الملك, ذلك الخاتم الذي لا يكاد الإنسان يديره في أصبعه حتى يسعى إليه دون لمح البصر خادمان من الجن يقضيان له ما يشاء. ذلك الخاتم الذي كان يتختمه سليمان فيسخر له الجن والريح وما يشاء من قوى الطبيعة. وما كان أحب إليه أن يهبط في هذه القناة لعل سمكة من هذه الأسماك تزدرده فيظفر في بطنها بهذا الخاتم, فقد كانت حاجته إليه شديدة... ألم يكن يطمع على أقل تقدير في أن يحمله أحد هذين الخادمين إلى ما وراء هذه القناة ليرى بعض ما هناك من الأعاجيب ? ولكنه كان يخشى كثيرًا من الأهوال قبل أن يصل إلى هذه السمكة المباركة.
على أنه لم يكن يستطيع أن يبلو من شاطئ هذه القناة مسافة بعيدة, فقد كان الشاطئ محفوفًا عن يمينه وعن شماله بالخطر. فأما عن يمينه فقد كان هناك العَدوِيون, وهم قوم من الصعيد يقيمون في دار لهم كبيرة, يقوم على بابها أبدًا كلبان عظيمان لا ينقطع نباحهما, ولا تنقطع أحاديث الناس عنهما, ولا ينجو المار منهما إلا بعد عناء ومشقة. وأما عن شماله فقد كانت هناك خيام يقيم فيها (سعيد الأعرابي) الذي كان الناس يتحدثون بشرّه ومكره وحرصه على سفك الدماء, وامرأته (كوابس) التي كانت قد اتخذت في أنفها حلقة من الذهب كبيرة, والتي كانت تختلف إلى الدار, وتقبّل صاحبنا من حين إلى حين فيؤذيه خزامها ويروعه. وكان أخوف الأشياء إليه أن يتقدم عن يمينه فيتعرض لكلبي العَدوِيين, أو يتقدم عن شماله فيتعرض لشر (سعيد) وامرأته (كوابس).
على أنه كان يجد في هذه الدنيا الضيقة القصيرة المحدودة من كل ناحية ضروبًا من اللهو والعبث تملأ نهاره كله.
ولكن ذاكرة الأطفال غريبة, أو قل إن ذاكرة الإنسان غريبة حين تحاول استعراض حوادث الطفولة, فهي تتمثل بعض هذه الحوادث واضحًا جليًّا كأن لم يمض بينها وبينه من الوقت شيء, ثم يمحى منها بعضها الآخر كأن لم يكن بينها وبينه عهد.
يذكر صاحبنا السياج والمزرعة التي كانت تنبسط من ورائه, والقناة التي كانت تنتهي إليها الدنيا, و(سعيدا) و(كوابس) وكلاب العدويين, ولكنه يحاول أن يتذكر مصير هذا كله فلا يظفر من ذلك بشيء. وكأنه قد نام ذات ليلة ثم أفاق من نومه فلم ير سياجًا ولا مزرعة ولا سعيدًا ولا كوابس, وإنما رأى مكان السياج والمزرعة بيوتًا قائمة وشوارع منظمة, تنحدر كلها من جسر القناة ممتدة امتدادًا قصيرًا من الشمال إلى الجنوب. وهو يذكر كثيرًا من الذين كانوا يسكنون هذه البيوت رجالاً ونساءً, ومن الأطفال الذين كانوا يعبثون في هذه الشوارع.
وهو يذكر أنه كان يستطيع أن يتقدم يمينًا وشمالاً على شاطئ القناة دون أن يخشى كلاب العدَوِيين أو مكر سعيد وامرأته. وهو يذكر أنه كان يقضي ساعات من نهاره على شاطئ القناة سعيدًا مبتهجًا بما سمع من نغمات (حسن) الشاعر يتغنى بشعره في أبي زيد وخليفة ودياب, حين يرفع الماء بشادوفه ليسقي به زرعه على الشاطئ الآخر للقناة. وهو يذكر أنه استطاع غير مرة أن يعبر هذه القناة على كتف أحد إخوته دون أن يحتاج إلى خاتم الملك, وأنه ذهب غير مرة إلى حيث كانت تقوم وراء القناة شجرات من التوت فأكل من توتها ثمرات لذيذة. وهو يذكر أنه تقدم غير مرة عن يمينه على شاطئ القناة حتى وصل إلى حديقة المعلم وأكل فيها غير مرة تفاحًا, وقُطِف له فيها غير مرة نعناع وريحان. ولكنه عاجز كل العجز أن يتذكر كيف استحالت الحال وتغير وجه الأرض من طوره الأول إلى هذا الطور الجديد.
2
محمد إبراهيم
15-08-2007, 04:42 PM
عزيزتي دنيا أحمد المحترمة
إن هذا الموضوع مكانه منبر الأعلام لذلك
سوف أنقله الآن و بإمكانك متابعته في منبر الأعلام
أشكر جهودك الجبارة
أخيك .............. محمد
دنيا أحمد
15-08-2007, 04:43 PM
كان سابع ثلاثة عشر من أبناء أبيه, وخامس أحد عشر من أشقته. وكان يشعر بأن له بين هذا العدد الضخم من الشباب والأطفال مكانًا خاصًّا يمتاز من مكان إخوته وأخواته. أكان هذا المكان يرضيه؟ أكان يؤذيه؟ الحق أنه لا يتبين ذلك إلا في غموض وإبهام. والحق أنه لا يستطيع الآن أن يحكم في ذلك حكمًا صادقًا. كان يحس من أمه رحمة ورأفة, وكان يجد من أبيه لينًا ورفقًا, وكان يشعر من أخوته بشيء من الاحتياط في تحدثهم إليه ومعاملتهم له. ولكنه كان يجد إلى جانب هذه الرحمة والرأفة من جانب أمه شيئا من الإهمال أحيانًا, ومن الغلظة أحيانًا أخرى. وكان يجد إلى جانب هذا اللين والرفق من أبيه شيئًا من الإهمال أيضًا, والازْوِرار من وقت إلى وقت. وكان احتياط إخوته وأخواته يؤذيه, لأنه كان يجد فيه شيئًا من الإشفاق مشوبًا بشيء من الازدراء.
على أنه لم يلبث أن تبين سبب هذا كله, فقد أحسّ أن لغيره من الناس عليه فضلاً, وأن إخوته وأخواته يستطيعون ما لا يستطيع, وينهضون من الأمر لما لا ينهض له. وأحس أن أمه تأذن لإخوته وأخواته في أشياء تحظرها عليه. وكان ذلك يحفظه. ولكن لم تلبث هذه الحفيظة أن استحالت إلى حزن صامت عميق, ذلك أنه سمع إخوته يصفون ما لا علم له به, فعلم أنهم يرون ما لا يرى.
3
دنيا أحمد
15-08-2007, 04:48 PM
عزيزتي دنيا أحمد المحترمة
إن هذا الموضوع مكانه منبر الأعلام لذلك
سوف أنقله الآن و بإمكانك متابعته في منبر الأعلام
أشكر جهودك الجبارة
أخيك .............. محمد
http://3ata.com/up/uploads/2f1222eb75.jpg (http://www.mnaabr.com/vb/redirector.php?url=h ttp://3ata.com/up/)
آسفة و الله ما كنت أدري .
اشكر تواجدكـ و تفاعلكـ
ممتنة أخي .
دمت بخير
دنيا أحمد
15-08-2007, 04:55 PM
كان من أول أمره طلعَةً لا يحفل بما يلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم. وكان ذلك يكلفه كثيرًا من الألم والعناء. ولكن حادثة واحدة حدّت ميله إلى الاستطلاع, وملأت قلبه حياءً لم يفارقه إلى الآن. كان جالسًا إلى العشاء بين إخوته وأبيه, وكانت أمه كعادتها تشرف على حفلة الطعام, ترشد الخادم وترشد أخواته اللائي كن يشاركن الخادم في القيام بما يحتاج إليه الطاعمون. وكان يأكل كما يأكل الناس. ولكن لأمر ما خطر له خاطر غريب ! ما الذي يقع لو أنه أخذ اللقمة بكلتا يديه بدل أن يأخذها كعادته بيد واحدة? وما الذي يمنعه من هذه التجربة ? لا شيء. وإذًا فقد أخذ اللقمة بكلتا يديه وغمسها من الطبق المشترك ثم رفعها إلى فمه. فأما إِخوته فأغرقوا في الضحك. وأمّا أمه فأجهشت بالبكاء. وأما أبوه فقال في صوت هادئ حزين: ما هكذا تؤخذ اللقمة يا بني. وأما هو فلم يعرف كيف قضى ليلته.
من ذاك الوقت تقيدت حركاته بشيء من الرزانة والإشفاق والحياء لا حدّ له. ومن ذلك الوقت عرف لنفسه إرادة قوية. ومن ذلك الوقت حرم على نفسه ألوانًا من الطعام لم تبح له إلا بعد أن جاوز الخامسة والعشرين. حرم على نفسه الحساء والأرز, وكل الألوان التي تؤكل بالملاعق, لأنه كان يعرف أنه لا يحسن اصطناع الملعقة, وكان يكره أن يضحك إخوته, أو تبكي أمه, أو يعلمه أبوه في هدوء حزين.
هذه الحادثة أعانته على أن يفهم حقًّا ما يتحدث به الرواة عن أبي العلاء من أنه أكل ذات يوم دَبْسًا, فسقط بعضه على صدره وهو لا يدري, فلما خرج إلى الدرس قال له بعض تلاميذه : يا سيدي أكلت دَبْسًا, فأسرع بيده إلى صدره, وقال: نعم قاتل الله الشره. ثم حرم الدبس على نفسه طوال الحياة.
وأعانته هذه الحادثة على أن يفهم طورًا من أطوار أبي العلاء حق الفهم, ذلك أن أبا العلاء كان يتستر في أكله حتى على خادمه, فقد كان يأكل في نفق تحت الأرض, وكان يأمر خادمه أن يعدَّ له طعامه في هذا النفق ثم يخرج, ويخلو هو إلى طعامه فيأخذ منه ما يشتهي. وقد زعموا أن تلاميذه تذاكروا مرّةً بطيخ حلب وجودته, فتكلف أبو العلاء وأرسل إلى حلب من اشترى لهم منه شيئًا, فأكلوا واحتفظ الخادم لسيده بشيء من البطيخ وضعه في النفق, وكأنه لم يضعه في المكان الذي تعود أن يضع فيه طعام الشيخ, وكره الشيخ أن يسأل عن حظه من البطيخ, فلبث البطيخ في مكانه حتى فسد ولم يذقه الشيخ.
فهم صاحبنا هذه الأطوار من حياة أبي العلاء حق الفهم, لأنه رأى نفسه فيها. فكم كان يتمنى طفلاً لو استطاع أن يخلو إلى طعامه, ولكنه لم يكن يجرؤ على أن يعلن إلى أهله هذه الرغبة. على أنه خلا إلى بعض الطعام أحيانًا كثيرة, ذلك في شهر رمضان وفي أيام المواسم الحافلة. حين كان أهله يتخذون ألوانًا من الطعام حلوة, ولكنها تؤكل بالملاعق; فكان يأبى أن يصيب منها على المائدة. وكانت أمه تكره له هذا الحرمان, فكانت تفرد له طبقًا خاصًّا وتخلي بينه وبينه في حجرة خاصة, يغلقها هو من دونه حتى لا يستطيع أحد أن يشرف عليه وهو يأكل.
على أنه عندما استطاع أن يملك أمر نفسه اتخذ هذه الخطة له نظامًا. بدأ بذلك حين سافر إلى أوروبا لأول مرة, فتكلف التعب وأبى أن يذهب إلى مائدة السفينة, فكان يحمل إليه الطعام في غرفته. ثم وصل إلى فرنسا فكانت قاعدته إذا نزل في فندق أو في أسرة أن يحمل إليه الطعام في غرفته دون أن يتكلف الذهاب إلى المائدة العامة. ولم يترك هذه العادة إلا حين خطب قرينته فأخرجته من عادات كثيرة كان قد ألفها.
هذه الحادثة أخذته بألوان من الشدة في حياته, جعلته مضرب المثل في الأسرة وبين الذين عرفوه حين تجاوز حياة الأسرة إلى الحياة الاجتماعية; كان قليل الأكل, لا لأنه كان قليل الميل إلى الطعام, بل لأنه كان يخشى أن يوصف بالشره أو أن يتغامز عليه إخوته. وقد آلمه ذلك أول الأمر, ولكنه لم يلبث أن تعوده حتى أصبح من العسير عليه أن يأكل كما يأكل الناس. كان يسرف في تصغير اللقمة, وكان له عم يغيظه منه ذلك كلما رآه فيغضب وينهره ويلح عليه في تكبير اللقمة, فيضحك إخوته. وكان ذلك سببًا في أن كره عمه كرهًا شديدًا. كان يستحي أن يشرب على المائدة مخافة أن يضطرب القدح من يده, أو ألاّ يحسن تناوله حين يقدم إليه, فكان طعامه جافًّا ما جلس على المائدة. حتى إذا نهض عنها ليغسل يديه من حنفية كانت هناك شرب من مائها ما شاء الله أن يشرب, ولم يكن هذا الماء نقيًّا دائمًا, ولم يكن هذا النوع من ريّ الظمأ ملائمًا للصحة, فانتهى به الأمر إلى أن أصبح ممعودًا, وما استطاع أحد أن يعرف لذلك سببًا.
ثم حرم على نفسه من ألوان اللعب والعبث كل شيء, إلا ما لا يكلفه عناءً ولا يعرضه للضحك أو الإشفاق. فكان أحب اللعب إليه أن يجمع طائفة من الحديد وينتحي بها زاوية من البيت, فيجمعها ويفرقها ويقرع بعضها ببعض. ينفق في ذلك ساعات, حتى إذ سئمه وقف على إخوته أو أترابه وهم يلعبون, فشاركهم في اللعب بعقله لا بيده. وكذلك عرف أكثر ألوان اللعب دون أن يأخذ منها بحظ. وانصرافه هذا عن العبث حبب إليه لونًا من ألوان اللهو; هو الاستماع إلى القصص والأحاديث, فكان أحب شيء إليه أن يسمع إنشاد الشاعر, أو حديث الرجال إلى أبيه, والنساء إلى أمه. ومن هنا تعلم حسن الاستماع. وكان أبوه وطائفة من أصحابه يحبون القصص حبًّا جمًّا, فإذا صلوا العصر اجتمعوا إلى واحد منهم يتلو عليهم قصص الغزوات والفتوح, وأخبار عنترة والظاهر بيبرس, وأخبار الأنبياء والنساك والصالحين, وكتبًا في الوعظ والسنن. وكان صاحبنا يقعد منهم مزجر الكلب وهم عنه غافلون, ولكنه لم يكن غافلاً عما يسمع, بل لم يكن غافلاً عما يتركه هذا القصص في نفوس السامعين من الأثر. فإذا غربت الشمس تفرق القوم إلى طعامهم, حتى إذا صلوا العشاء اجتمعوا فتحدثوا طرفًا من الليل, وأقبل الشاعر فأخذ ينشدهم أخبار الهلاليين والزناتيين, وصاحبنا جالس يسمع في أول الليل كما كان يسمع في آخر النهار.
والنساء في قرى مصر لا يحببن الصمت ولا يملن إليه. فإذا خلت إحداهن إلى نفسها ولم تجد من تتحدث إليه, تحدثت إلى نفسها ألوانًا من الحديث, فغنّت إن كانت فرحة, وعدّدت إن كانت محزونة. وكل امرأة في مصر محزونة حين تريد. وأحب شيء إلى نساء القرى إذا خلون إلى أنفسهن أن يذكرن آلامهن وموتاهن فيعدّدن, وكثيرًا ما ينتهي هذا التعديد إلى البكاء حقًّا. وكان صاحبنا أسعد الناس بالاستماع إلى أخواته وهن يتغنّين, وإلى أمه وهي تعدّد. وكان غناء أخواته يغيظه ولا يترك في نفسه أثرًا , لأنه كان يجده سخيفًا لا يدل على شيء; في حين كان تعديد أمه يهزه هزًّا عنيفًا, وكثيرًا ما كان يبكيه. وعلى هذا النحو حفظ صاحبنا كثيرًا من الأغانى, وكثيرًا من التعديد, وكثيرًا من جد القصص وهزله, وحفظ شيئًا آخر لم تكن بينه وبين هذا كله صلة; وهي الأوراد التي كان يتلوها جده الشيخ الضرير إذا أصبح أو أمسى.
كان جده هذا ثقيل الظل بغيضًا إليه, وكان يقضي في البيت فصل الشتاء من كل سنة, وكان قد صلح ونسك حين اضطرته الحياة إلى الصلاح والنسك, فكان يصلي الخمس لأوقاتها, ولم يكن لسانه يفتر عن ذكر الله. وكان يستيقظ آخر الليل ليقرأ (ورد سحر). وكان ينام في ساعة متأخرة بعد أن يصلي العشاء ويقرأ ألوانًا من الأوراد والأدعية. وكان صاحبنا ينام في حجرة مجاورة لحجرة هذا الشيخ, فكان يسمعه وهو يتلو, وكان يحفظ ما يتلو حتى حفظ من هذه الأوراد والأدعية شيئًا كثيرًا. وكان أهل القرية يحبون التصوف ويقيمون الأذكار, وكان صاحبنا يحب منهم ذلك, لأنه كان يلهو بهذا الذكر, وبما ينشده المنشدون أثناءه. ولم يبلغ التاسعة من عمره حتى كان قد وعى من الأغاني والتعديد والقصص وشعر الهلاليين والزناتيين والأوراد والأدعية وأناشيد الصوفية جملة صالحة. وحفظ إلى ذلك كلِّه القرآن.
4
دنيا أحمد
15-08-2007, 04:58 PM
ولكنه لا يعرف كيف حفظ القرآن, ولا يذكر كيف بدأه, ولا كيف أعاده, وإن كان يذكر من حياته في الكتَّاب مواقف كثيرة, منها ما يضحكه الآن, ومنها ما يحزنه. يذكر أوقاتًا كان يذهب فيها إلى الكتَّاب محمولاً على كتف أحد أخويه, لأن الكتَّاب كان بعيدًا, ولأنه كان أضعف من أن يقطع ماشيًا تلك المسافة. ثم لا يذكر متى بدأ يسعى إلى الكتَّاب. ويرى نفسه في ضحى يوم جالسًا على الأرض بين يدي (سيّدنا) ومن حوله طائفة من النعال; كان يعبث ببعضها, وهو يذكر ما كان قد ألصق بها من الرقع. وكان (سيّدنا) جالسًا على دكة من الخشب صغيرة ليست بالعالية ولا بالمنخفضة قد وضعت على يمين الداخل من باب الكتَّاب بحيث يمر كل داخل (بسيّدنا). وكان (سيّدنا) قد تعود متى دخل الكتَّاب أن يخلع عباءته, أو بعبارة أدق (دِفِّيَّتَهُ) ويلفها لفًا يجعلها في شكل المخدة ويضعها عن يمينه, ثم يخلع نعله ويتربع على دكته, ويشعل سيجارته, ويبدأ في نداء الأسماء. وكان (سيّدنا) لا يعفي نعليه إلا إذا لم يجد من ذلك بدًّا. كان يرقعهما من اليمين ومن الشمال ومن فوق ومن تحت. وكان إذا أخلت به إحدى نعليه دعا أحد صبيان الكتَّاب وأخذ النعل بيده وقال له : تذهب إلى (الحزيّن) وهو هنا قريب, فتقول له : (يقول لك سيّدنا إن هذه النعل في حاجة إلى لوزة من الناحية اليمنى ). انظر أترى? هنا حيث أضع أصبعي, فيقول لك (الحزيّن) : (نعم سأضع هذه اللوزة). فتقول له: (يقول لك سيّدنا: يجب أن تتخير الجلد متينًا غليظًا جديدًا, وأن تحسن الرقع بحيث لا يظهر, أو بحيث لا يكاد يظهر). فيقول لك: (نعم سأفعل هذا). فتقول له : (ويقول لك سيّدنا : إنه عميلك منذ زمن طويل, فاستوصِ بالأجر خيرًا). ومهما يقُل لك فلا تقبل منه أكثر من قرش, ثم عد إليَّ مسافة ما أغمض عيني ثم أفتحها. وينطلق الصبي ويلهو عنه سيّدنا, ثم يعود وقد أغمض سيّدنا عينه وفتحها مرة ومرة ومرات.
على أن الرجل كان يستطيع أن يغمض عينه ويفتحها دون أن يرى أو يكاد يرى شيئًا, فقد كان ضريرًا إلا بصيصًا ضئيلاً جدًّا من النور في إحدى عينيه, يمثل له الأشباح دون أن يمكنه أن يتميزها. وكان الرجل سعيدًا بهذا البصيص الضئيل, وكان يخدع نفسه ويظن أنه من المبصرين. ولكن ذلك لم يكن يمنعه من أن يعتمد في طريقه إلى الكتَّاب وإلى البيت على اثنين من تلاميذه, يبسط ذراعيه على كتفي كل واحد منهما, ويمشي الثلاثة في الطريق هكذا! قد أخذوها على المارة, حتى إنهم ليتنحون لهم عنها.
وكان منظر سيّدنا عجبًا في طريقه إلى الكتَّاب وإلى البيت صباحًا ومساءً. كان ضخمًا بادنًا وكانت دفّيّته تزيد في ضخامته, وكان كما قدمنا يبسط ذراعيه على كتفي رفيقيه. وكانوا ثلاثتهم يمشون وإنهم ليضربون الأرض بأقدامهم ضربًا. وكان سيّدنا يتخير من تلاميذه لهذه المهمة أنجبهم وأحسنهم صوتًا; ذلك أنه كان يحب الغناء, وكان يحب أن يعلم تلاميذه الغناء, وكان يتخير الطريق لهذا الدرس. فكان يغنّي ويأخذ رفيقيه بمصاحبته حينًا, والاستماع له حينًا آخر, أو يأخذ واحدًا منهما بالغناء على أن يصاحبه هو والرفيق الآخر. وكان سيّدنا لا يغني بصوته ولسانه وحدهما, وإنما يغني برأسه وبدنه أيضًا, فكان رأسه يهبط ويصعد, وكان رأسه يلتفت يمينًا وشمالاً. وكان سيّدنا يغني بيديه أيضًا.
وكان سيّدنا يعجبه (الدّور) أحيانًا; ويرى أن المشي لا يلائمه فيقف حتّى يتمّه. وأبدع من هذا كله أن سيّدنا كان يرى صوته جميلاً. وما يظن صاحبنا أن الله خلق صوتًا أقبح من صوته. وما قرأ صاحبنا قول الله عز وجل : إن أنكر الأصوات لصوت الحمير إلاّ ذكر سيّدنا وهو يوقع أبياتًا من (البردة) في طريقه إلى الجامع منطلقًا لصلاة الظهر, أو في طريقه إلى البيت منصرفًا من الكتَّاب.
يرى صاحبنا نفسه كما قدمنا, جالسًا على الأرض يعبث بالنعال من حوله, وسيّدنا يقرئه سورة الرحمن, ولكنه لا يذكر أكان يقرؤها بادئًا أم معيدًا.
وكأنه يرى نفسه مرة أخرى جالسًا لا على الأرض ولا بين النعال, بل على يمين سيّدنا على دكة أخرى طويلة, وسيّدنا يقرئه : أتأمرون الناس بالبر وتنسَوْن أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون , وأكبر ظنه أنه كان قد أتم القرآن بدءا وأخذ يعيده. وليس غريبا أن ينسى صاحبنا كيف حفظ القرآن, فقد أتم حفظه ولما يتم التاسعة من عمره. وهو يذكر في وضوح وجلاءٍ ذلك اليوم الذي ختم فيه القرآن, ذلك أن سيّدنا كان يتحدث إليه قبل هذا اليوم بأيام عن ختم القرآن, وعن أن أباه سيبتهج به. وكان يضع لذلك شروطًا ويطالب بحقوقه. ألم يكن قد علّم قبل صاحبنا أربعة من إخوته ذهب واحد منهم إلى الأزهر, والآخرون إلى المدارس, وصاحبنا هو الخامس.. فكم لسيّدنا على الأسرة من حقوق! وحقوق سيّدنا على الأسرة كانت تتمثل دائمًا طعامًا وشرابًا وثيابًا ومالاً. فأما الحقوق التي كان يقتضيها إذا ختم صاحبنا القرآن فعشوة دسمة قبل كل شيء, ثم جبة وقفطان وزوج من الأحذية وطربوش مغربي وطاقية من القماش الذي تتخذ منه العمائم وجنيْه أحمر, لا يرضى بشيء دون ذلك. فإذا لم يؤدَّ إليه هذا كله فهو لا يعرف الأسرة, ولا يقبل منها شيئًا, ولا صلة بينه وبينها. وهو يقسم على ذلك بمحرجات الأيمان. وكان هذا اليوم يوم أربعاء. وكان سيّدنا قد أنبأ في الصباح بأن صاحبنا سيختم القرآن في هذا اليوم. وأقبلوا في العصر; يمشي سيّدنا معتمدًا على رفيقيه, ويمشي صاحبنا من ورائه يقوده يتيم من أيتام القرية. حتى إذا بلغوا البيت دفع سيّدنا الباب دفعًا, وصاح صيحته المعتادة : (يا ستّار) واتجه إلى المنظرة فإذا فيها الشيخ قد انفلت من صلاة العصر وهو يقرأ شيئًا من الأدعية كعادته, فاستقبلهم مبتسمًا مطمئنًّا, وكان صوته هادئًا, وكان صوت سيّدنا عاليًا, وكان صاحبنا لا يقول شيئًا, وكان اليتيم مبتهجًا. أجلس الشيخ سيّدنا ورفيقيه, ووضع في يد اليتيم قطعة من فضة, ودعا الخادم وأمره أن يأخذ هذا اليتيم إلى حيث يصيب شيئًا من الطعام, ومسح على رأس ابنه وقال : (فتح الله عليك, انصرف إلى أمك, وقل لها إن سيّدنا هنا).
وكانت أمه قد سمعت صوت سيّدنا, وكانت قد أعدت له ما لابد منه في مثل هذا الوقت, وهو كوز ضخم طويل من السكر المذاب لا شيء عليه. أخرج إلى سيّدنا هذا الكوز فعبّه عبًّا, وشرب رفيقاه كوبين من السكر المذاب أيضًا. ثم أخرجت القهوة فشربها سيّدنا مع الشيخ. وكان سيّدنا يلحّ على الشيخ أن يمتحن الصبي فيما حفظ من القرآن, وكان الشيخ يجيب: (دعه يلعب إنه صغير). ثم نهض سيّدنا لينصرف, فقال له الشيخ : (نصلي المغرب معًا إن شاء الله). وكانت هذه هي الدعوة إلى العشاء. وما أحسب أن سيّدنا نال شيئًا آخر أجرًا على ختم صاحبنا للقرآن, فقد كان يعرف الأسرة منذ عشرين سنة, وكان له فيها عادات غير مقطوعة, وكانت الكلفة بينه وبينها مرفوعة, وكان واثقًا أن الحظ إن يخطئه معها هذه المرة فلن يخطئه مرة أخرى.
5
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:00 PM
منذ هذا اليوم أصبح صبينا شيخًا وإن لم يتجاوز التاسعة لأنه حفظ القرآن, ومن حفظ القرآن فهو شيخ مهما تكن سنّه. دعاه أبوه شيخًا, ودعته أمه شيخًا, وتعوَّد سيّدنا أن يدعوه شيخًا أمام أبويه, أو حين يرضى عنه, أو حين يريد أن يترضاه لأمر من الأمور. فأما فيما عدا ذلك فقد كان يدعوه باسْمه, وربما دعاه (بالواد). وكان شيخنا الصبي قصيرًا نحيفًا شاحبًا زريّ الهيئة على نحو ما , ليس له من وقار الشيوخ ولا من حسن طلعتهم حظ قليل أو كثير. وكان أبواه يكتفيان من تمجيده وتكبيره بهذا اللفظ الذي أضافاه إلى اسمه كبرًا منهما وعجبًا لا تلطفًا به ولا تحببًا إليه. أما هو فقد أعجبه هذا اللفظ في أول الأمر, ولكنه كان ينتظر شيئًا آخر من مظاهر المكافأة والتشجيع. كان ينتظر أن يكون شيخًا حقًّا, فيتخذ العمّة ويلبس الجبّة والقفطان. وكان من العسير إقناعه بأنه أصغر من أن يحمل العمة ومن أن يدخل في القفطان... وكيف السبيل إلى إقناعه بذلك وهو شيخ قد حفظ القرآن؟! وكيف يكون الصغير شيخًا؟! وكيف يكون من حفظ القرآن صغيرًا ؟! هو إذن مظلوم... وأي ظلم أشد من أن يحال بينه وبين حقّه في العمة والجبّة والقفطان؟! وما هي إلا أيام حتى سئم لقب الشيخ, وكره أن يدعى به, وأحس أن الحياة مملوءة بالظلم والكذب, وأن الإنسان يظلمه حتى أبوه, وأن الأبوة والأمومة لا تعصم الأب والأم من الكذب والعبث والخداع.
ثم لم يلبث شعوره هذا أن استحال إلى ازدراء للقب الشيخ, وإحساس بما كان يملأ نفس أبيه وأمه من الغرور والعجب. ثم لم يلبث أن نسي هذا كله فيما نسي من الأشياء.
على أنه في حقيقة الأمر لم يكن خليقًا أن يدعي شيخًا, وإنما كان خليقًا رغم حفظه للقرآن أن يذهب إلى الكتَّاب كما كان يذهب مهمل الهيئة, على رأسه طاقيته التي تنظف يوما في الأسبوع, وفي رجليه حذاء يجدّ مرة في السنة, ولا يدعه حتى لا يحتمل شيئًا, فإذا تركه فليمش حافيًا أسبوعًا أو أسابيع حتى يأذن الله له بحذاء جديد. كان خليقًا بهذا كله; لأن حفظه للقرآن لم يدم طويلاً... أكان وحده ملوما في ذلك؟ أم كان اللوم مشتركا بينه وبين سيّدنا؟ الحق أن سيّدنا أهمله حينا وعُني بغيره من الذين لم يختموا القرآن. أهمله ليستريح, وأهمله لأنه لم يتقاض أجرا على ختمه للقرآن. واستراح صاحبنا إلى هذا الإهمال, وأخذ يذهب إلى الكتَّاب يقضي فيه طوال النهار في راحة مطلقة, ولعب متصل, ينتظر أن تنتهي السنة ويأتي أخوه الأزهري من القاهرة, حتى إذا انتهت الإجازة وعاد إلى القاهرة, اصطحبه ليصبح شيخا حقا, وليجاور في الأزهر.
ومضى على هذا شهر وشهر وشهر. يذهب صاحبنا إلى الكتَّاب ويعود منه في غير عمل, وهو واثق بأنه قد حفظ القرآن, وسيّدنا مطمئن إلى أنه حفظ القرآن, إلى أن كان اليوم المشئوم. كان هذا اليوم مشئومًا حقًّا, ذاق فيه صاحبنا لأول مرة مرارة الخزي والذلة والضعة وكره الحياة. عاد من الكتَّاب عصر ذلك اليوم مطمئنًّا راضيًا, ولم يكد يدخل الدار حتى دعاه أبوه بلقب الشيخ, فأقبل عليه ومعه صديقان له. فتلقاه أبوه مبتهجا, وأجلسه في رفق, وسأله أسئلة عادية, ثم طلب إليه أن يقرأ (سورة الشعراء). وما هي إلا أن وقع عليه هذا السؤال وقع الصاعقة, ففكر وقدّر, وتحفَّز واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم, وسمَّى الله الرحمن الرحيم. ولكنه لم يذكر من سورة الشعراء إلا أنها إحدى سور ثلاث, أولها (طسم), فأخذ يردّد (طسم) مرة ومرة ومرة, دون أن يستطيع الانتقال إلى ما بعدها. وفتح عليه أبوه بما يلي هذه الكلمة من سورة الشعراء, فلم يستطع أن يتقدم خطوة. قال أبوه: فاقرأ سورة النمل. فذكر أن أول سورة النمل, كأول سورة الشعراء (طس) وأخذ يردد هذا اللفظ, وفتح عليه أبوه, فلم يستطع أن يتقدم خطوة أخرى. قال أبوه : فاقرأ سورة القصص, فذكر أنها الثالثة, وأخذ يردّد (طسم) ولم يفتح عليه أبوه هذه المرة, ولكنه قال له في هدوء : قم, فقد كنت أحسب أنك حفظت القرآن. قام خجلاً يتصبب عرقًا, وأخذ الرجلان يعتذران عنه بالخجل وصغر السن, ولكنه مضى لا يدري أيلوم نفسه لأنه نسي القرآن, أم يلوم سيّدنا لأنه أهمله, أم يلوم أباه لأنه امتحنه؟
ومهما يكن من شيء, فقد أمسى هذا اليوم شرَّ مساء, ولم يظهر على مائدة العشاء, ولم يسأل عنه أبوه, ودعته أمه في إعراض إلى أن يتعشى معها, فأبى. فانصرفت عنه ونام. ولكن هذا المساء المنكر كان في جملته خيرًا من الغد. ذهب إلى الكتَّاب, فإذا سيّدنا يدعوه في جفوة : (ماذا حصل بالأمس ؟ وكيف عجزت عن أن تقرأ سورة الشعراء ؟ وهل نسيتها حقا؟ اتلها عليّ! ).
فأخذ صاحبنا يردد (طسم). وكانت له مع سيّدنا قصة كقصته مع أبيه. قال سيّدنا : عوضني الله خيرا فيما أنفقت معك من وقت, وما بذلت في تعليمك من جهد, فقد نسيت القرآن ويجب أن تعيده. ولكن الذنب ليس عليك ولا عليَّ, وإنما هو على أبيك; فلو أنه أعطاني أجري يوم ختمت القرآن لبارك الله له في حفظك, ولكنه منعني حقي فمحا الله القرآن من صدرك.
ثم بدأ يقرئه القرآن من أوله, شأنه مع من لم يكن شيخًا ولا حافظا.
6
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:13 PM
وليس من شك في أنه حفظ القرآن بعد ذلك حفظًا جيدًا في مدة قصيرة جدًا. فهو يذكر أنه عاد من الكتَّاب ذات يوم مع سيّدنا, وكان سيّدنا في هذا اليوم حريصا على أن يعود معه, حتى إذا وصلا إلى الدار عطف عليها سيّدنا فدفع الباب فاندفع له, وصاح صيحته المألوفة: ياستار! وكان الشيخ كعادته في المنظرة قد فرغ من صلاة العصر: فلما استقر سيّدنا في مجلسه, قال للشيخ:
(زعمت أن ابنك قد نسي القرآن, ولمتني في ذلك لومًا شديدًا, وأقسمت لك أنه لم ينْس وإنما خجل, فكذبتني وعبثت بلحيتي هذه, وقد جئت اليوم لتمتحن ابنك أمامي, وأنا أقسم: (لئن ظهر أنه لا يحفظ القرآن, لأحلقن لحيتي هذه ولأصبحن معرّة الفقهاء في هذا البلد).
قال الشيخ (هوِّن عليك! وما لك لا تقول : إنه نسي القرآن ثم أقرأته إياه مرة أخرى)؟ قال : (أقسم بالله ثلاثا ما نسيه ولا أقرأته, وإنما استمعت له القرآن, فتلاه عليَّ كالماء الجاري, لم يقف ولم يتردّد).
وكان صاحبنا يسمع هذا الحوار, وكان مقتنعًا أن أباه محقّ وأن سيّدنا كاذب, ولكنه لم يقل شيئًا, ولبث منتظرًا الامتحان.
وكان الامتحان عسيرًا شاقًا, ولكن صاحبنا كان في هذا اليوم نجيبا بارعا, لم يُسأل عن شيء إلا أجاب في غير تردّد وقرأ في إسراع, حتى كان الشيخ يقول له : (على مهلك فإن الكر في القرآن خطيئة). حتى إذا أتم الامتحان قال له أبوه: (فتح الله عليك, اذهب إلى أمك فقل لها إنك حفظت القرآن حقا). ذهب إلى أمه ولكنه لم يقل لها شيئا ولم تسأله عن شيء. وخرج سيّدنا في ذلك اليوم, ومعه جبة من الجوخ خلعها عليه الشيخ.
7
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:15 PM
وأقبل سيّدنا إلى الكتَّاب من الغد مسرورًا مبتهجا, فدعا الشيخ الصبي بلقب الشيخ هذه المرّة قائلاً : أمّا اليوم, فأنت تستحق أن تدعى شيخًا, فقد رفعت رأسي وبيضت وجهي وشرفت لحيتي أمس, واضطر أبوك إلى أن يعطيني الجبّة. ولقد كنت تتلو القرآن أمس كسلاسل الذهب, وكنت على النار مخافة أن تزل أو تنحرف, وكنت أحصنك بالحي القيوم الذي لا ينام; حتى انتهى هذا الامتحان. وأنا أعفيك اليوم من القراءة, ولكن أريد أن آخذ عليك عهدًا, فعدني بأن تكون وفيًّا. قال الصبي في استحياء: لك عليّ الوفاء. قال سيّدنا : فأعطني يدك. وأخذ بيد الصبي. فما راع الصبي إلا شيء في يده غريب, ما أحس مثله قط, عريض يترجرج, ملؤه شعر تغور فيه الأصابع, ذلك أن سيّدنا قد وضع يد الصبي على لحيته وقال : هذه لحيتي أسلمك إيّاها, وأريد ألاّ تهينها, فقل: (والله العظيم) ثلاثا (وحق القرآن المجيد لا أهينها). وأقسم الصبي كما أراد سيّدنا. حتى إذا فرغ من قسمه; قال له سيّدنا : كم في القرآن من جزء؟ قال : ثلاثون. قال سيّدنا :
وكم نشتغل في الكتَّاب من يوم؟ قال الصبي : خمسة أيام. قال سيّدنا : فإذا أردت أن تقرأ القرآن مرة في كل أسبوع, فكم تقرأ من جزء كل يوم؟ فكر الصبي قليلاً ثم قال : ستة أجزاء. قال سيّدنا : فتقسم لتتلوَنَّ على العريف ستة أجزاء من القرآن في كل يوم من أيام العمل, ولتكوننَّ هذه التلاوة أول ما تأتي به حين تصل إلى الكتَّاب. فإذا فرغت منها فلا جناح عليك أن تلهو وتلعب, على ألاَّ تصرف الصبيان عن أعمالهم.. أعطى الصبي على نفسه هذا العهد. ودعا سيّدنا العريف فأخذ عليه عهدًا مثله, ليسمعنَّ للصبي في كل يوم ستة أجزاء من القرآن, وأودعه شرفه, وكرامة لحيته, ومكانة الكتَّاب في البلد, وقبل العريف الوديعة. وانتهى هذا المنظر وصبيان الكتَّاب ينظرون ويعجبون.
8
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:19 PM
من ذلك اليوم انقطعت صلة الصبي التعليمية (بسيّدنا), واتصلت بالعريف. ولم يكن العريف أقل غرابة من سيّدنا. كان شابا طويلاً نحيفا أسود فاحما, أبوه سوداني, وأمه مولَّدة, وكان سيئ الحظ, لم يوفق في حياته إلى خير. جرب الأعمال كلها فلم يفلح في شيء منها. أرسله أبوه عند كثير من الصناع ليتعلم صنعة فلم يفلح. وحاول أن يجد له في معمل السكر شغل العامل أو الخفير أو البواب أو الخادم, فلم يفلح في شيء من هذا. وكان أبوه ضيق الصدر به, يمقته ويزدريه, ويؤثر عليه إخوته الذين يعملون جميعا ويكسبون. وكان قد ذهب إلى الكتَّاب في صباه فتعلم القراءة والكتابة, وحفظ سورًا من القرآن لم يلبث أن نسيها. فلما ضاقت به الحياة وضاق بها أقبل إلى سيّدنا فشكا إليه أمره, قال له سيّدنا : فتعال هنا فكن عريفا. عليك أن تعلم الصبيان القراءة والكتابة وتلاحظهم وتمنعهم من العبث, وتقوم مقامي متى غبت, وعليّ أن أقرئهم القرآن وأحفظهم إيّاه. وعليك أن تفتح الكتَّاب قبل أن تطلع الشمس, وتشرف على تنظيفه قبل أن يحضر الصبيان, وعليك أن تغلق الكتَّاب متى صليت العصر, وتأخذ مفتاحه, وعليك مع هذا كله; أن تكون يدي اليمنى . ولك ربع ما يأتي به الكتَّاب من نقد, تقتضي ذلك في كل أسبوع أو في كل شهر. وتم هذا العقد بين الرجلين وقرأ عليه الفاتحة, وبدأ العريف عمله.
وكان العريف يبغض سيّدنا بغضًا شديدًا ويزدريه, ولكنه يصانعه. وكان سيّدنا يكره العريف كرهًا عنيفا ويحتقره, ولكنه يتملقه.
فأما العريف فكان يكره سيّدنا; لأنه أثر غشاش كذاب, يخفي عليه بعض موارد الكتَّاب, ويستأثر بخير ما يحمل الصبيان معهم من طعام. ويزدريه; لأنه كان ضريرا يتكلف الإبصار, وكان قبيح الصوت, يتكلف حسْن الصوت. وأما سيّدنا فكان يكره العريف; لأنه مكار داهية, ولأنه يخفي عليه كثيرًا مما ينبغي أن يعلمه, ولأنه سارق; يسرق ما يوضع بين يديهما من الطعام وقت الغداء, ويختلس أطايبه, ولأنه يأتمر مع كبار الصبيان في الكتَّاب, ويعبث معهم على غفلة منه, فإذا صليت العصر وأغلق الكتاب كان بينه وبينهم مواعيد هناك عند شجر التوت, أو عند (القنطرة) أو في (معمل السكر).
ومن غريب الأمر أن الرجلين كانا صادقين مصيبين, وأنهما كانا مضطرين إلى أن يتعاونا على كره ومضض; أحدهما محتاج إلى أن يعيش, والآخر محتاج إلى من يدبر له أمور الكتَّاب.
اتصل صبينا بالعريف, وأخذ يتلو القرآن بين يديه, ستة أجزاء في كل يوم. ولكن ذلك لم يستمر ثلاثة أيام, ضاق الصبي بهذه التلاوة منذ اليوم الأول, وضاق العريف بها منذ اليوم الثاني, وتكاشفا بهذا الضيق في اليوم الثالث, واتفقا منذ اليوم الرابع على أن يتلو الصبي في سرّه, ستة أجزاء بين يدى العريف, حتى إذا أحس اضطرابًا, أو غاب عنه لفظ, سأل عنه العريف. وأخذ الصبي يأتي في كل يوم, فيسلم على العريف, ويجلس على الأرض بين يديه, ويحرك شفتيه متمتما كأنه يقرأ القرآن, ويسأل العريف من حين إلى حين عن كلمة, فيجيبه مرة, ويتثاقل عنه مرة أخرى. ويأتي سيّدنا في كل يوم قبيل الظهر; فإذا سلم وجلس, كان أول عمل يأتيه أن يدعو الصبي فيسأله : أقرأت ؟ ـ نعم ـ من أين إلى أين؟ وكان الصبي يجيب: من (البقرة) إلى (لتجدنَّ) في يوم السبت, ومن (لتجدنَّ) إلى (وما أُبرئ) في يوم الأحد.. وكذلك قسم القرآن ستة أقسام اصطلح عليها الفقهاء, وخص لكل يوم من الأيام الخمسة, قسما من هذه الأقسام يخبر به سيّدنا متى سأله.
ولكن العريف لم يكن ليكتفي بهذا الاتفاق الذي يريحه ويريح الصبي, وإنما كان يطمع في أن يستفيد من موقف الصبي بين يديه, وكان ينذر الصبي من حين إلى حين, بأنه سيخبر سيّدنا أنه قد وجد بعض السور (متعتعة) عند الصبي: (سورة هود), أو (سورة الأنبياء), أو (سورة الأحزاب), وإذ كان القرآن كله (متعتعا) (سيئ الحفظ) عند الصبي, لأنه أهمل قراءته منذ أشهر, فقد كان يكره أن يمتحنه سيّدنا, ويشتري صمت العريف بكل شيء. وكم دفع إلى العريف ما كان يملأ جيبه من خبز, أو فطير, أو تمر... وكم دفع إليه هذا القرش الذي كان يعطيه إياه أبوه من حين إلى حين, والذي كان يريد أن يشتري به أقراص النعناع. وكم احتال على أمه, ليأخذ منها قطعة ضخمة من السكر, حتى إذا وصل إلى الكتَّاب دفعها إلى العريف, وإنه ليشتهيها كلها أو بعضها, فيأخذها العريف ويدعو بالماء يغمس فيه السكر, ثم يمصه مصا شديدًا, ثم يزدرد السكر وقد ذاب أو كاد... وكم نزل عن طعامه الذي كان يحمل إليه من البيت ظهر كل يوم, وإنه لشديد الجوع, ليأكل العريف مكانه; ولا يخبر سيّدنا بأن القرآن عنده متعتع.
على أن هذه الصِّلات المستمرة لم تلبث أن ضمنت له مودة العريف, فقد اتخذه العريف صديقا, وأخذ يصطحبه إلى الجامع بعد الغداء ليصلي معه الظهر, ثم أخذ يعتمد عليه, ويثق به, ويطلب إليه أن يُقرئ القرآن بعض الصبيان, أو يسمعه من بعض الذين أخذوا يعيدون ويحفظون. وهنا كان صاحبنا يسلك مع تلاميذه مسلك العريف معه بالدقة, كان يُجلس الصبيان بين يديه, ويأخذهم بالتلاوة ثم يتشاغل عنهم بالحديث مع أترابه, حتى إذا فرغ من حديثه, التفت إليهم, فإذا آنس منهم عبثا أو إبطاء أو اضطرابًا, فالنذير, ثم الشتم, ثم الضرب, ثم إخبار العريف. والحق أنه لم يكن أحسن حفظًا للقرآن من تلاميذه, ولكن العريف قد اتخذ معه هذه الخطة, فيجب أن يكون هو عريفا حقًّا. وإذا كان العريف لا يشتمه ولا يضربه, ولا يرفع أمره إلى سيّدنا, فذلك لأنه يدفع ثمن ذلك كله غاليًا.
وقد فهم الصبيان هذا فأخذوا يدفعون له الثمن غاليًا أيضًا, وأخذ هو يسترد بالرشوة ما كان يدفع إلى العريف. على أن رشوته كانت متنوعة, فلم يكن محروما في بيته, ولم يكن في حاجة إلى الخبز ولا إلى التمر ولا إلى السكر, ولم يكن يستطيع أن يقبل (الفلوس). وماذا يصنع بالفلوس وهو لا يستطيع أن ينفقها وحده? فهو إن قبلها دلَّ على نفسه, وافتضح أمره. وإذن فقد كان عسيرا وكان إرضاؤه شاقًا. وكان الصبيان يتفننون في إرضائه فيشترون له أقراص النعناع و(السكر النبات) و(اللب) و(الفول السوداني), وكان يتفضل بكثير من ذلك على العريف.
ولكن لونًا من الرشوة خاصًّا كان يعجبه ويفتنه, ويشجعه على أن يهمل واجبه أشنع إهمال, وهذا اللون هو القصص والحكايات والكتب. فإذا استطاع الصبي أن يقص عليه أحدوثة, أو يشتري له كتابًا من هذا الرجل الذي يتنقل بالكتب في قرى الريف أو يتلو عليه فصلاً من قصة (الزير سالم) أو (أبي زيد) فهو واثق بما شاء من رضاه, ورفقه ومحاباته, وكان أمهر تلاميذه في هذه, صبية مكفوفة البصر, يقال لها نفيسة, أرسلها أهلها إلى الكُتَّاب لتحفظ القرآن فحفظته, وأتقنت حفظه, ووكلها سيّدنا إلى العريف ووكلها العريف إلى صاحبنا, وأخذ صاحبنا يسلك معها مسلك العريف معه. وكان أهل هذه الفتاة أغنياء, ولكنهم من المحدثين. كان أبوها حمّارًا ثم أصبح تاجرًا مثريًا, وكان ينفق على أهله من غير حساب, ويسبغ عليهم سعة غريبة من العيش. فلم تكن تنقطع الفلوس من يد نفيسة. وكانت أقدر الصبيان على تخير الرشا, ثم كانت أحفظهم للقصص, وأقدرهم على الاختراع, وأحفظهم لألوان الغناء المفرح, والتعديد المبكي, وكانت تحسن الغناء والتعديد معًا.
وكانت غريبة الأطوار, في عقلها شيء من الاضطراب, فكانت تلهي صاحبنا أكثر وقته بحديثها وتعديدها, وأقاصيصها وألوان رشوتها. وبينما كان صاحبنا يرشو ويرتشي, ويخدع ويُخدع, كان القرآن يُمحى من صدره آية آية وسورة سورة, حتى كان اليوم المحتوم.. ويا له من يوم!
9
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:22 PM
كان يوم الأربعاء, وكان صاحبنا قد قضاه فرحًا مسرورًا. زعم لسيّدنا في أول النهار أنه قد أتم الختمة, ثم فرغ بعد ذلك لاستماع القصص والأحاديث, وعبث إلى آخر النهار.
فلما انصرف من الكتَّاب لم يذهب إلى البيت, وإنما ذهب مع جماعة من أصحابه إلى الجامع ليصلي العصر. وكان يحب الذهاب إلى الجامع, والصعود في المنارة, والاشتراك مع المؤذن في التسليم (وهو النداء الذي يلي الأذان الشرعي).
ذهب في ذلك اليوم وصعد في المنارة, واشترك في الأذان وصلى. وأراد أن يعود إلى البيت, ولكنه افتقد نعله فلم يجدها. كان قد وضعها إلى جانب المنارة, فلما فرغ من الصلاة ذهب يلتمسها فإذا هي قد سرقت. أحزنه ذلك بعض الشيء, ولكنه كان فرحًا مبتهجًا هذا اليوم, فلم يجزع ولم يقدّر للأمر عاقبة, وعاد إلى البيت حافيًا. وما كان أبعد المسافة بين البيت والجامع! ولكن ذلك لم يرُعْه فكثيرًا ما مشي حافيا.
دخل البيت, وإذا الشيخ في المنظرة كعادته يدعوه : وأين نعلاك؟ فيجيب: نسيتهما في الكتَّاب. فلا يحفل الشيخ بهذا الجواب, ثم يهمل الصبي حينًا ريثما يدخل فيتحدث إلى أمه وإخوته قليلاً, ويأكل كسرة من الخبز; كان من عادته أن يأكلها متى عاد من الكتَّاب. ثم يدعوه الشيخ, فيسرع إلى إجابته. فإذا استقر به مكانه, قال له أبوه: ماذا تلوت اليوم من القرآن؟ فيجيب: ختمته وتلوت الأجزاء الستة الأخيرة. قال الشيخ": ومازلت تحفظه حفظا جيدًا ؟" قال: نعم. قال الشيخ: فاقرأ لي سورة سبأ. وكان صاحبنا قد نسي سورة سبأ, كما نسي غيرها من السور, فلم يفتح الله عليه بحرف. قال الشيخ: فاقرأ سورة فاطر, فلم يفتح الله عليه بحرف. قال الشيخ في هدوء وسخرية": وقد زعمت أنك مازلت تحفظ القرآن؟" فاقرأ سورة يس. ففتح الله عليه بالآيات الأولى من هذه السورة, ولكن لسانه لم يلبث أن انعقد, وريقه لم يلبث أن جف, وأخذته رعدة منكرة تصبب على أثرها في وجهه عرق بارد. قال الشيخ في هدوء: قم واجتهد في أن تنسى نعليك كل يوم, فما أرى إلا أنك أضعتهما كما أضعت القرآن, ولكن لي مع سيدك شأنًا آخر.
خرج صاحبنا من المنظرة منكس الرأس مضطربًا يتعثر, ومضى في طريقه حتى وصل إلى الكرار ـ الكرار حجرة في البيت كانت تدّخر فيها ألوان من الطعام, وكان يربى فيها الحمام ـ وكانت في زاوية من زواياها القُرْمة ـ وهي قطعة ضخمة عريضة من الخشب كأنها جذع شجرة ـ كانت أمه تقطع عليها اللحم. وكانت تدع على هذه القرمة طائفة من السكاكين; منها الطويل, ومنهم القصير, ومنها الثقيل ومنها الخفيف.
مضى صاحبنا حتى وصل إلى الكرار, وانعطف إلى الزاوية التي فيها القرمة, وأهوى إلى الساطور, وهو أغلظ ما كان عليها من سكين وأحدّه وأثقله, فأخذه بيمناه وأهوى به إلى قفاه ضربًا! ثم صاح, وسقط الساطور من يديه, وأسرعت أمه إليه, وكانت قريبة منه لم تحفل به حينما مرّ بها, فإذا هو واقف يضطرب والدم يسيل من قفاه! والساطور ملقى إلى جانبه... وما أسرع ما ألقت أمه نظرة إلى الجرح! وما أسرع ما عرفت أنه ليس شيئًا! وما هي إلاّ أن أنهالت عليه شتمًا وتأنيبًا, ثم جذبته من إحدى يديه حتى انتهت به إلى زاوية من زوايا المطبخ, فألقته فيها إلقاءً وانصرفت إلى عملها. ولبث صاحبنا في مكانه لا يتحرك ولا يتكلم ولا يبكي ولا يفكر كأنه لا شيء. وإخوته وأخواته من حوله يضطربون ويلعبون, لا يحفلون به ولا يلتفت إليهم.
وقربت المغرب, وإذا هو يدعى ليجيب أباه, فخرج خزيان متعثرًا حتى انتهى إلى المنظرة. فلم يسأله أبوه عن شيء, وإنما ابتدره سيّدنا بهذا السؤال: ألم تقرأ عليّ اليوم الأجزاء الستة من القرآن؟ قال: بلى. قال : ألم تقرأ عليّ أمس سورة سبأ؟ قال: بلى. قال: فما بالك لم تستطع أن تقرأها اليوم؟ فلم يجب. قال سيّدنا: فاقرأ سورة سبأ, فلم يفتح الله عليه منها بحرف. قال أبوه: فاقرأ السَّجْدة. فلم يحسن شيئًا. هنا اشتد غضب الشيخ, ولكن على سيّدنا لا على الصبي. قال: وإذن فهو يذهب إلى الكتَّاب لا ليقرأ ولا ليحفظ, ولا لتعنى به أو تلتفت إليه, وإنما هو لعب وعبث! ولقد عاد اليوم حافيًا, وزعم أنه نسي نعليه في الكتَّاب... وما أظن عنايتك بحفظه للقرآن, إلا كعنايتك بمشيه حافيًا أو ناعلاً...
قال سيّدنا: أقسم بالله العظيم ثلاثًا ما أهملته يومًا, ولولا أني خرجت اليوم من الكتَّاب قبل انصراف الصبيان, لما رجع حافيًا. وإنه ليقرأ عليّ القرآن مرة في كل أسبوع: ستة أجزاء في كل يوم, أسمعها منه متى وصلت في الصباح. قال الشيخ: لا أصدق من هذا شيئًا. قال سيّدنا: امرأتي طالق ثلاثًا ما كذبتك قط, وما أنا بكاذب الآن, وإني لأسمع له القرآن مرة في كل أسبوع. قال الشيخ: لا أصدق. قال سيّدنا: أفتظن أن ما تدفع إليَّ في كل شهر أحب إليَّ من امرأتي؟ أم تظن أني في سبيل ما تدفع إليَّ أستحل الحرام, وأعيش مع امرأة طلقتها ثلاثا بين يديك؟ قال الشيخ: ذلك شيء لا شأن لي به, ولكن هذا الصبي لن يذهب إلى الكتَّاب منذ غد. ثم نهض فانصرف, ونهض سيّدنا فانصرف كئيبًا محزونًا. وظل صاحبنا في مكانه لا يفكر في القرآن ولا فيما كان, وإنما يفكر في مقدرة سيّدنا على الكذب, وفي هذا الطلاق المثلث الذي ألقاه كما يلقي سيجارته متى فرغ من تدخينها!!!
ولم يظهر الصبي في هذه الليلة على المائدة. ومكث ثلاثة أيام يتجنب مجلس أبيه ويتجنب المائدة. حتى إذا كان اليوم الرابع دخل أبوه عليه في المطبخ حيث كان يحب أن ينزوي إلى جانب الفرن; فما زال يكلمه في دعابة وعطف ورفق, حتى أنس الصبي إليه, وانطلق وجهه بعد عبوسه, وأخذه أبوه بيده فأجلسه مكانه من المائدة, وعنى به أثناء الغداء عناية خاصة. حتى إذا فرغ الصبي من طعامه ونهض لينصرف, قال أبوه هذه الجملة في مزاح قاس لم ينسه قط, لأنه أضحك منه إخوته جميعا, ولأنهم حفظوها له, وأخذوا يغيظونه بها من حين إلى حين ـ قال: (أحفظت القرآن؟).
10
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:24 PM
وانقطع الصبي عن الكتَّاب, وانقطع سيّدنا عن البيت والتمس الشيخ فقيهًا آخر يختلف إلى البيت في كل يوم; فيتلو فيه سورة من القرآن مكان سيّدنا. ويقرئ الصبي ساعة أو ساعتين. وظل الصبي حرًّا يعبث ويلعب في البيت متى انصرف عنه الفقيه الجديد. حتى إذا كان العصر أقبل عليه أصحابه ورفاقه منصرفهم من الكتَّاب, فيقصون عليه ما كان في الكتَّاب, وهو يلهو بذلك, ويعبث بهم وبكتَّابهم, وبسيّدنا وبالعريف. وكان قد خيل إليه أن الأمر قد انبتَّ بينه وبين الكتَّاب ومن فيه, فلن يعود إليه, ولن يرى الفقيه ولا العريف. فأطلق لسانه في الرجلين إطلاقًا شنيعًا, وأخذ يظهر من عيوبهما وسيئاتهما ما كان يخفيه, وأخذ يلعنهما أمام الصبيان ويصفهما بالكذب والسرقة والطمع. ويتحدث عنهما بأشياء منكرة; كان يجد في التحدث بها شفاءً لنفسه, ولذة لهؤلاء الصبيان. وما له لا يطلق لسانه في الرجلين, وليس بينه وبين السفر إلى القاهرة إلاَّ شهر واحد؟ فسيعود أخوه الأزهري من القاهرة بعد أيام; حتى إذا قضى إجازته اصطحبه إلى الأزهر, حيث يصبح مجاورا, وحيث تنقطع عنه أخبار الفقيه والعريف.
الحقّ أنه كان سعيدًا في هذه الأيام; كان يشعر بشيء من التفوق على رفاقه وأترابه, فهو لا يذهب إلى الكتَّاب كما يذهبون, وإنما يسعى إليه الفقيه سعيًا. وسيسافر إلى القاهرة حيث الأزهر, وحيث (سيّدنا الحسين) وحيث (السيدة زينب) وغيرهما من الأولياء. وما كانت القاهرة عنده شيئًا آخر, إنما كانت مستقر الأزهر, ومشاهد الأولياء والصالحين.
ولكن هذه السعادة لم تدم إلا ريثما يعقبها شقاء شنيع; ذلك أن سيّدنا لم يطق صبرًا على هذه القطيعة, ولم يستطع أن يحتمل انتصار الشيخ عبد الجواد عليه, فأخذ يتوسل بفلان وفلان إلى الشيخ. وما هي إلاّ أن لانت قناة الشيخ, وأمر الصبي بالعودة إلى الكتَّاب متى أصبح. عاد كارهاً مقدرًا ما سيلقاه من سيّدنا وهو يقرئه القرآن للمرة الثالثة, ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد, فقد كان الصبيان ينقلون إلى الفقيه والعريف كل ما يسمعون من صاحبهم. ولله أوقات الغداء طول هذا الأسبوع! وما كان سيّدنا ينال به الصبي من لوم! وما كان العريف يعيد عليه من ألفاظه; تلك التي كان يطلق بها لسانه مقدرًا أنه لن يرى الرجلين!
في هذا الأسبوع تعلم الصبي الاحتياط في اللفظ, وتعلم أن من الخطل والحمق, الاطمئنان إلى وعيد الرجال, وما يأخذون أنفسهم به من عهد. ألم يكن الشيخ قد أقسم لا يعود الصبي إلى الكتَّاب أبدًا؟ وها هو ذا قد عاد. وأي فرق بين الشيخ يقسم ويحنث! وبين سيّدنا يرسل الطلاق والأيمان إرسالاً, وهو يعلم أنه كاذب؟ وهؤلاء الصبيان يتحدثون إليه, فيشتمون له الفقيه والعريف, ويغرونه بشتمهما, حتى إذا ظفروا منه بذلك, تقربوا به إلى الرجلين وابتغوا به إليهما الوسيلة. وهذه أمّه تضحك منه, وتغري به سيّدنا حين أقبل يتحدث إليها بما نقل إليه الصبيان. وهؤلاء إخوته يشمتون به, ويعيدون عليه مقالة سيّدنا من حين إلى حين, يغيظونه ويثيرون سخطه. ولكنه كان يحتمل هذا كله في صبر وجلد. وما له لا يصبر ولا يتجلد, وليس بينه وبين فراق هذه البيئة كلها, إلا شهر أو بعض شهر!
11
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:28 PM
ولكن الشهر مضى, ورجع الأزهري إلى القاهرة, وظل صاحبنا حيث هو كما هو, لم يسافر إلى الأزهر, ولم يتخذ العمة ولم يدخل في جبة أو قفطان.
كان لا يزال صغيرًا, ولم يكن من اليسير إرساله إلى القاهرة, ولم يكن أخوه يحب أن يحتمله, فأشار بأن يبقى حيث هو سنة أخرى, فبقي ولم يحفل أحد برضاه أو غضبه. على أن حياته تغيرت بعض الشيء, فقد أشار أخوه الأزهري بأن يقضي هذه السنة في الاستعداد للأزهر, ودفع إليه كتابين يحفظ أحدهما جملة, ويستظهر من الآخر صحفًا مختلفة.
فأما الكتاب الذي لم يكن بدّ من حفظه كله فألفية ابن مالك. وأما الكتاب الآخر فمجموع المتون. وأوصى الأزهري قبل سفره بأن يبدأ بحفظ الألفية, حتى إذا فرغ منها وأتقنها إتقانا, حفظ من الكتاب الآخر أشياء غريبة, بعضها يسمى (الجوهرة), وبعضها يسمى (الخريدة), وبعضها يسمى (السراجية), وبعضها يسمى (الرَّحبيّة), وبعضها يسمى (لاميّة الأفعال). وكانت هذه الأسماء تقع من نفس الصبي مواقع تيه وإعجاب, لأنه لا يفهم لها معنى, ولأنه يقدر أنها تدل على العلم, ولأنه يعلم أن أخاه الأزهري قد حفظها وفهمها فأصبح عالما وظفر بهذه المكانة الممتازة في نفس أبويه وإخوته وأهل القرية جميعًا. ألم يكونوا جميعًا يتحدثون بعودته قبل أن يعود بشهر, حتى إذا جاء أقبلوا إليه فرحين مبتهجين متلطفين؟ ألم يكن الشيخ يشرب كلامه شربًا, ويعيده على الناس في إعجاب وفخار؟ ألم يكن أهل القرية يتوسلون إليه أن يقرأ لهم درسًا في التوحيد أو الفقه؟ وماذا عسى أن يكون التوحيد ؟ وماذا عسى أن يكون الفقه؟ ثم ألم يكن الشيخ يتوسل إليه, ملحًّا مستعطفًا مسرفًا في الوعد, باذلاً ما استطاع وما لم يستطع من الأماني, ليلقي على الناس خطبة الجمعة؟ ثم هذا اليوم المشهود يوم مولد النبي. ماذا لقي الأزهري من إكرام وحفاوة, ومن تجلة وإكبار؟ كانوا قد اشتروا له قفطانًا جديدًا, وجبة جديدة وطربوشًا جديدًا, و(مركوبًا) جديدًا. وكانوا يتحدثون بهذا اليوم وما سيكون منه قبل أن يظلهم بأيام. حتى إذا أقبل هذا اليوم وانتصف, أسرعت الأسرة إلى طعامها فلم تصب منه إلا قليلاً, ولبس الفتى الأزهري ثيابه الجديدة, واتخذ في هذا اليوم عمامة خضراء, وألقى على كتفيه شالاً من الكشمير, وأمه تدعو وتتلو التعاويذ, وأبوه يخرج ويدخل جذلان مضطربًا. حتى إذا تم للفتى من زيه وهيئته ما كان يريد, خرج فإذا فرس ينتظره بالباب, وإذا رجال يحملونه فيضعونه على السرج, وإذا قوم يكتنفونه من يمين ومن شمال, وآخرون يسعَون بين يديه, وآخرون يمشُون من خلفه, وإذا البنادق تطلق في الفضاء, وإذا النساء يزغردن من كل ناحية, وإذا الجو يتأرَّج بعرف البخور, وإذا الأصوات ترتفع متغنية بمدح النبي, وإذا هذا الحفل كله يتحرك في بطء وكأنما تتحرك معه الأرض وما عليها من دور. كل ذلك لأن هذا الفتى الأزهري قد اتخِذ في هذا اليوم خليفة, فهو يطاف به في المدينة وما حولها من القرى في هذا المهرجان الباهر. وما باله اتخذ خليفة دون غيره من الشبان؟ لأنه أزهري قد قرأ العلم وحفظ الألفية والجوهرة والخريدة!
فلم لا يبتهج الصبي حين يرى أن سيقرأ من العلم ما قرأ أخوه, وأن سيمتاز من رفاقه وأترابه بحفظ الألفية والجوهرة والخريدة؟
وكم كان فرحًا مختالاً حين غدا إلى الكتَّاب يوم السبت, وفي يده نسخة من (الألفية)! لقد رفعته هذه النسخة درجات, وإن كانت هذه النسخة ضئيلة قذرة سيئة الجلد; ولكنها على ضآلتها وقذارتها, كانت تعدل عنده خمسين مصحفًا من هذه المصاحف التي كان يحملها أترابه.
المصحف! لقد حفظ ما فيه فما أفاد من حفظه شيئًا. وكثيرٌ من الشبان يحفظونه فلا يحفل بهم أحد, ولا ينتخبون خلفاء يوم المولد النبوى.
ولكن الألفية... وما أدراك ما الألفية؟
وحسبك أن سيّدنا لا يحفظ منها حرفًا. وحسبك أن العريف لا يحسن أن يقرأ الأبيات الأولى منها. والألفية شعر, وليس في المصحف شعر.
الحق أنه ابتهج بهذا البيت :
قال محمد هو ابن مالك أحمد ربّي الله خير مالك
ابتهاجًا لم يشعر بشيء مثله أمام أي سورة من سور القرآن.
12
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:32 PM
وكيف لا يبتهج وقد أحسّ منذ اليوم الأول أنه ارتفع درجات; فأصبح (سيّدنا) لا يستطيع أن يشرف على حفظه للألفية, ولا أن يقرئه إيّاها, بل ضاق الكتَّاب كله بالألفيّة, وكلف الصبي أن يذهب في كل يوم إلى المحكمة الشرعية; ليقرأ على القاضي ما يريد أن يحفظه من الألفّية. القاضي عالم من علماء الأزهر, أكبر من أخيه الأزهري, وإن كان أبوه لا يؤمن بذلك, ولا يرى أن القاضي يكافئ ابنه. هو على كل حال عالم من علماء الأزهر, وهو قاضي الشرع (بقاف ضخمة وراء مفخمة) وهو في المحكمة لا في الكتّاب. وهو يجلس على دكة مرتفعة, قد وضعت عليها الطنافس والوسائد, لا تقاس إليها دكة سيّدنا, وليس حولها نعال مرقعة. وعلى بابه رجلان يقومان مقام الحاجب, ويسميهما الناس هذا الاسم البديع, الذي لم يكن يخلو من هيبة: (الرُّسُل).
نعم! كان يجب على الصبي أن يذهب إلى المحكمة في كل صباح, فيقرأ على القاضي بابًا من أبواب الألفية. وكم كان القاضي يحسن القراءة! كم كان يملأ فمه بالقاف والراء! وكم كان صوته يتهدج بقول ابن مالك:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم اسم وفعل ثم حرف الكلم
واحِدُه كلمة والقول عمّ وكلمة بها كلام قد يُؤَم
ولقد استطاع القاضي أن يؤثِّر في نفس الصبي, ويملأه تواضعًا حين قرأ هذه الأبيات:
وتقتضي رضًا بغير سُخط فائقةً ألفيّة ابن معطي
وهو بسبق حائز تفضيلا مستوجب ثنائيَ الجميلا
والله يقضي بهبات وافرة لي وله في درجات الآخرة
قرأ القاضي هذه الأبيات بصوت يحطمه البكاء حطمًا, ثم قال للصبي: من تواضع لله رفعه, أتفهم هذه الأبيات؟ قال الصبي: لا. قال القاضي: إن المؤلف رحمه الله تعالى: عندما بدأ في نظم ألفيته اغترّ وأخذه الكبر فقال: (فائقة ألفية ابن معطي) فلما كان الليل رأى فيما يرى النائم, أن ابن معطي قد أقبل يعاتبه عتابًا شديدًا, فلما أفاق من نومه أصلح من هذا الغرور وقال: (وهو بسبق حائز تفضيلا).
وكم كان الشيخ فرحًا مبتهجًا حين عاد إليه الصبي عصر ذلك اليوم; فقص عليه ما سمع من القاضي, وقرأ عليه الأبيات الأولى من الألفية! فكان يقطع هذه الأبيات بهذه الكلمة التي يعبر بها الناس عن الاستحسان: (الله! الله).
على أن لكل شيء حدًّا. فقد مضى صاحبنا في حفظ الألفية فرحًا مبتهجًا حتى انتهى إلى باب المبتدأ, ثم فترت همته, وكان أبوه يسأله عصر كل يوم : هل ذهبت إلى المحكمة؟ فيجيب: نعم. فكم حفظت ؟ فيقرأ له ما حفظ.
ولكن الأمر ثقل عليه منذ باب المبتدأ, فأخذ يحفظ ويذهب إلى المحكمة متثاقلاً متباطئًا, حتى وصل إلى باب المفعول المطلق, ثم لم يستطع أن يتقدم خُطوة قصيرة ولا طويلة. ولبث يذهب إلى المحكمة في كل يوم, ويقرأ على القاضي فصلاً من فصول الألفية, حتى إذا عاد إلى الكتّاب ألقى الألفية في ناحية, وانصرف إلى عبثه ولعبه, وإلى قراءة القصص والأحاديث.
فإذا كان العصر وسأله أبوه: هل ذهبت إلى المحكمة؟ أجاب: نعم ـ وكم حفظت من بيت؟ أجاب: عشرين . من أي باب؟ من باب الإضافة, أو من باب النعت, أو من باب جمع التكسير. فإذا قال له : اقرأ عليَّ ما حفظت, قرأ عليه عشرين بيتًا من المائتين الأوليين, مرة من المعرب والمبني, وأخرى من النكرة والمعرفة, وثالثة من المبتدأ والخبر, والشيخ لا يفهم شيئًا, ولا يلاحظ أن ابنه يخدعه! وإنما يكتفي بأن يسمع كلامًا منظومًا, وهو مطمئن إلى القاضي. ومن غريب الأمر أن الشيخ لم يفكر مرة واحدة في أن يفتح الألفية, ويقابل على الصبي وهو يقرأ. ولو قد فعل يومًا من الأيام, لكانت للصبي قصة كقصته مع سورة الشعراء, أو سبأ, أو فاطر...
على أن الصبي تعرض لهذا الخطر مرة. ولولا أن أمه شفعت فيه لكان له مع أبيه موقف مشهود.
كان له أخ يختلف إلى المدارس المدنية, فعاد من القاهرة ليقضي فصل الصيف, واتفق أنه حضر هذا الامتحان اليومي أيامًا متصلة; فسمع الشيخ يسأل الصبي: أي باب قرأت؟ فيجيب الصبي: باب العطف (مثلاً). فإذا طلب إليه أن يعيد ما قرأ, أعاد عليه باب العلَم أو باب الصِّلة والموصول.
سكت الشاب في أول يوم, وفي اليوم الذي يليه, فلما كثر ذلك انتظر حتى انصرف الشيخ, وقال للصبي أمام أمه: إنك تخدع أباك وتكذب عليه, وتلعب في الكتَّاب, ولا تحفظ من الألفية شيئًا. قال الصبي: إنك كاذب! وما أنت وذاك؟! وإنما الألفية للأزهريين لا لأبناء المدارس! وسلْ القاضي ينبئك بأني أذهب إلى المحكمة في كل يوم. قال الشاب: أي باب حفظت اليوم؟ قال الصبي: باب كذا. قال الشاب: ولكنك لم تقرأ هذا الباب على أبيك, وإنما قرأت عليه باب كذا, وهات نسخة الألفية أمتحنك فيها. بُهت الصبي وظهر عليه الوجوم, وهمّ الشابْ أن يقص القصة على الشيخ, ولكنَّ أمه توسلت إليه! وكان الشاب رفيقًا بأمّه رءوفًا بأخيه, فسكت. وظل الشيخ على جهله حتى عاد الأزهري. فلما عاد امتحن الصبي, وما هي إلا أن عرف جلية الأمر, فلم يغضب ولم ينذر ولم يخبر الشيخ, وإنما أمر الصبي أن ينقطع عن الكتَّاب والمحكمة. وأحفظه الألفية كلها في عشرة أيام.
13
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:37 PM
للعلم في القرى ومدن الأقاليم جلال ليس له مثله في العاصمة ولا في بيئاتها العلمية المختلفة. وليس في هذا شيء من العجب ولا من الغرابة, وإنما هو قانون العرض والطلب, يجري على العلم كما يجري على غيره مما يباع ويشترى. فبينما يروح العلماء ويغدون في القاهرة لا يحفل بهم أحد, أو لا يكاد يحفل بهم أحد, وبينما يقول العلماء فيكثرون في القول, ويتصرفون في فنونه, دون أن يلتفت إليهم أحد غير تلاميذهم في القاهرة, ترى علماء الريف, وأشياخ القرى ومدن الأقاليم, يغدون ويروحون في جلال ومهابة, ويقولون فيستمع لهم الناس مع شيء من الإكبار مؤثر جذاب. وكان صاحبنا متأثرًا بنفسية الريف, يكبر العلماء كما يكبرهم الريفيون, ويكاد يؤمن بأنهم فطروا من طينة نقية ممتازة, غير الطينة التي فطر منها الناس جميعًا.
وكان يسمع لهم وهم يتكلمون, فيأخذه شيء من الإعجاب والدهش, حاول أن يجد مثله في القاهرة أمام كبار العلماء , وجلة الشيوخ فلم يوفق.
كان علماء المدينة ثلاثة أو أربعة; قد تقسموا فيما بينهم إعجاب الناس ومودتهم. فأما أحدهم فكان كاتبًا في المحكمة الشرعية, قصيرًا ضخمًا, غليظ الصوت جهوريه, يمتلئ شدقه بالألفاظ حين يتكلم; فتخرج إليك هذه الألفاظ ضخمة كصاحبها, غليظة كصاحبها, وتصدمك معانيها كما تصدمك مقاطعها. وكان هذا الشيخ من الذين لم يفلحوا في الأزهر; قضى فيه ما شاء أن يقضي من السنين, فلم يوفق إلى العالمية ولا إلى القضاء, فقنع بمنصب الكاتب في المحكمة, على حين كان أخوه قاضيًا ممتازًا, قد جعل إليه قضاء أحد الأقاليم. ولم يكن هذا الشيخ يستطيع أن يجلس في مجلس إلا فخر بأخيه, وذم القاضي الذي هو معه. كان حنفي المذهب, وكان أتباع أبي حنيفة في المدينة قليلين, أو لم يكن لأبي حنيفة في المدينة أتباع; فكان ذلك يغيظه ويحنقه على خصومه العلماء الآخرين, الذين كانوا يتبعون الشافعي أو مالكًا, ويجدون في أهل المدينة صدى لعلمهم, وطلابًا للفتوى عندهم. فكان لا يدع فرصة إلا مجد فيها فقه أبي حنيفة, وغض فيها من فقه مالك والشافعي. وأهل الريف مكرة أذكياء, فلم يكن يخفى عليهم أن الشيخ إنما يقول ما يقول, ويأتي ما يأتي من الأمر, متأثرًا بالحقد والموجدة, فكانوا يعطفون عليه, ويضحكون منه. وكانت المنافسة شديدة عنيفة بين هذا الشيخ وبين الفتى الأزهري. كان ينتخب خليفة في كل سنة, فغاظه أن ينتخب هذا الفتى خليفة دونه. ولما تحدث الناس أن الفتى سيلقي خطبة الجمعة سمع الشيخ هذا الحديث ولم يقل شيئًا. حتى إذا كان يوم الجمعة وامتلأ المسجد بالناس; وأقبل الفتى يريد أن يصعد المنبر, نهض الشيخ حتى انتهى إلى الإمام, وقال في صوت سمعه الناس: إن هذا الشاب حديث السن, وما ينبغي له أن يصعد المنبر ولا أن يخطب, ولا أن يصلي بالناس وفيهم الشيوخ وأصحاب الأسنان, ولئن خليت بينه وبين المنبر والصلاة لأنصرفن. ثم التفت إلى الناس وقال: ومن كان منكم حريصًا على ألاّ تبطل صلاته فليتبعني. سمع الناس هذا فاضطربوا, وكادت تقع بينهم الفتنة لولا أن نهض الإمام فخطبهم وصلى بهم, وحيل بين الفتى وبين المنبر هذا العام. ومع ذلك فقد كان الفتى أجهد نفسه في حفظ الخطبة واستعد لهذا الموقف أيامًا متصلة, وتلا الخطبة على أبيه غير مرة, وكان أبوه ينتظر هذه الساعة أشد ما يكون إليها شوقًا, وأعظم ما يكون بها ابتهاجًا. وكانت أمه مشفقة تخاف عليه العين, فما كاد يخرج إلى المسجد ذلك اليوم, حتى نهضت إلى جمر وضعته في إناء وأخذت تلقي فيه ضروبًا من البخور, وتطوف به البيت حجرة حجرة, تقف في كل حجرة لحظات وتهمهم بكلمات. وظلت كذلك حتى عاد ابنها, فإذا هي تلقاه من وراء الباب مبخرة مهمهمة, وإذا الشيخ مغضب يلعن هذا الرجل الذي أكل الحسد قلبه, فحال بين ابنه وبين المنبر والصلاة.
وكان في المدينة عالم آخر شافعي. كان إمام المسجد, وصاحب الخطبة والصلاة, وكان معروفا بالتقى والورع, يذهب الناس في إكباره وإجلاله إلى حدّ يشبه التقديس. كانوا يتبركون به, ويلتمسون عنده شفاء مرضاهم وقضاء حاجاتهم. وكأنه كان يرى في نفسه شيئًا من الولاية. وظل أهل المدينة بعد موته سنين يذكرونه بالخير, ويتحدثون مقتنعين بأنه عندما أنزل في قبره قال بصوت سمعه المشيعون جميعًا : اللهم اجعله منزلاً مباركًا. وكانوا يتحدثون بما رأوا فيما يرى النائم من حظ هذا الرجل عند الله, وما أعدّ له في الجنة من نعيم.
وشيخ ثالث كان في المدينة, وكان مالكي المذهب, ولم يكن ينقطع للعلم ولا يتخذه حرفة, وإنما كان يعمل في الأرض, ويتجر, ويختلف إلى المسجد فيؤدى الخمس, ويجلس إلى الناس من حين إلى حين, فيقرأ لهم الحديث, ويفقههم في الدين متواضعًا غير تيّاه ولا فخور, ولم يكن يحفل به إلا الأقلون عددًا.
هؤلاء هم العلماء. ولكن علماء آخرين كانوا منبثين في هذه المدينة وقراها وريفها. ولم يكونوا أقل من هؤلاء العلماء الرسميين تأثيرًا في دهماء الناس وتسلطًا على عقولهم, منهم هذا الحاج الخياط الذي كان دكانه يكاد يقابل الكتَّاب, والذي كان الناس مجمعين على وصفه بالبخل والشح, والذي كان متصلاً بشيخ من كبار أهل الطرق. والذي كان يزدري العلماء جميعًا, لأنهم يأخذون علمهم من الكتب لا عن الشيوخ, والذي كان يرى أن العلم الصحيح إنما هو العلم اللدني, الذي يهبط على قلبك من عند الله دون أن تحتاج إلى كتاب; بل دون أن تقرأ أو تكتب.
ومنهم هذا الشيخ الذي كان في أول أمره حمَّارًا ينقل للناس بضائعهم وأمتعتهم, ثم أصبح تاجرًا, واقتصرت حمره على نقل تجارته, والذي كان الناس مجمعين على أنه أكل أموال اليتامى, وأثرى على حساب الضعفاء, والذي كان يكثر من ترديد هذه الآية وتفسيرها: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلَوْن سعيرًا . والذي كان يكره الصلاة في المسجد الجامع, لأنه كان يكره الإمام ومن إليه من العلماء, ويؤثر الصلاة في جامع صغير لا قيمة له ولا مكانة.
ومنهم هذا الشيخ الذي لم يكن يقرأ ولا يكتب ولا يحسن قراءة الفاتحة, ولكنه كان شاذليّا من أصحاب الطريق. كان يجمع الناس إلى الذكر , ويفتيهم في أمور دينهم ودنياهم.
ثم منهم الفقهاء الذين كانوا يقرأون القرآن ويقرئونه للناس, والذين كانوا يُميزون أنفسهم من العلماء ويتسَمَّوْن (حملة كتاب الله) والذين كانوا يتصلون بدهماء الناس والنساء منهم خاصة. كانت جمهرتهم من المكفوفين, فكانوا يدخلون البيوت يتلون فيها القرآن, وكان النساء يتحدثن إليهم, ويستفتينهم في أمور الصوم والصلاة وما إلى ذلك من أمورهن. وكان لهؤلاء الفقهاء علم مخالف كل المخالفة لعلم العلماء, الذين يأخذون علمهم من الكتب, والذين بينهم وبين الأزهر سبب قوي أو ضعيف.
وكان علمهم مخالفا أيضا لعلم أصحاب الطرق وأهل العلم اللدني. كانوا يأخذون علمهم من القرآن مباشرة, يفهمونه كما يستطيعون, لا كما هو ولا كما ينبغي أن يفهم. يفهمونه كما كان يفهمه سيّدنا, وكان من أذكى الفقهاء, وأشدهم علمًا وأقدرهم على التأويل, سأله الصبي ذات يوم: ما معنى قول الله تعالى : وقد خلقكم أطوارًا ؟ فأجاب هادئًا مطمئنًّا : خلقكم كالثيران لا تعقلون شيئًا. أو يفهمونه كما يفهمه جدّ هذا الصبي نفسه, وكان من أحفظ الناس للقرآن, وأبرعهم في فهمه وتفسيره وتأويله. سأله حفيده ذات يوم عن قول الله تعالي: ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ; فقال : (على حرف دكّة, على حرف مصطبة.. فإن أصابه خير فهو مطمئن في مكانه, وإن أصابه شر انكفأ على وجهه).
وكان صبينا يختلف بين هؤلاء العلماء جميعًا, ويأخذ عنهم جميعًآ, حتى اجتمع له من ذلك مقدار من العلم ضخم مختلف مضطرب متناقض, ما أحسب إلا أنه عمل عملاً غير قليل في تكوين عقله الذي لم يخل من اضطراب واختلاف وتناقض.
14
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:39 PM
وشيوخ الطريق, وما شيوخ الطريق؟ كانوا كثيرين منبثين في أقطار الأرض, لا تكاد تخلو منهم المدينة أسبوعًا.
وكانت مذاهبهم مختلفة, وكانوا قد تقسموا الناس فيما بينهم فجعلوهم شيعًا, وفرقوا أهواءهم تفريقًا عظيمًا. وكانت المنافسة حادة في الإقليم بين أسرتين من أصحاب الطريق, لإحداهما أعلاه وللأخرى أسفله.
وإذا كان أهل الإقليم ينتقلون ولا يأبون على أنفسهم الهجرة من قرية إلى قرية, ومن مدينة إلى مدينة داخل الإقليم, فقد كان يتفق أن ينزل أتباع إحدى الأسرتين حيث تتسلط الأسرة الأخرى. وكان زعماء الأسرتين يتنقلون في الإقليم يزورون أتباعهم وأشياعهم. ولله ما كان يحدث من الخصومات يوم يهبط صاحب العالية إلى السافلة, أو يصعد صاحب السافلة إلى العالية! وكان أبو الصبي من أتباع صاحب العالية, أخذ عنه العهد, وأخذ عنه أبوه من قبل. وكانت أم الصبي من أتباع صاحب العالية أيضًا, بل كان أبوها من أنصاره وحوارييه المقربين إليه. ومات صاحب العالية وخلفه على الطريق ابنه الحاج. وكان أنشط من أبيه, وأقدر على الكيد واللؤم, وأنهض للخصومة. كان أقرب من أبيه إلى الدنيا, وأبعد من أبيه عن الدين.
وكان أبو الصبي قد هبط إلى السافلة واستقر فيها, فكانت لصاحب العالية عادة أن يزوره مرة في كل سنة. وكان إذا أقبل لم يقبل وحده, ولم يقبل في نفر قليل, وإنما أقبل في جيش ضخم; إن لم يبلغ المائة فليس ينحط عنها إلا قليلاً. ولم يكن يتخذ قطر السكة الحديدية ولا سفن النيل, وإنما كان يتخذ الجياد والبغال والحمير, يسير ومن حوله أصحابه فيمرون بالقرى والدساكر, وينزلون ويرحلون في أبهة وضخامة, منتصرين حيث لا سلطان إلا لهم, متحدين حيث لخصومهم شيء من القوة. وكانوا إذا زاروا أسرة الصبي أقبلوا حتى ينزلوا, فإذا الشارع ممتلئ بهم وبخيلهم وبغالهم وحمرهم, قد أخذوه من القناة إلى أقصاه الجنوبي. وإذا الشَّاءُ تذبح, وإذا السمط ممدودَةٌ في الشارع, وإذا هم إلى طعامهم في شرَه لا يعدله شرَه, والشيخ جالس في المنظرة ومن حوله أصفياؤه وأولياؤه, وبين يديه صاحب البيت وأخصاؤه يأتمرون بأمره. فإذا فرغوا من الغداء انصرفوا عنه فنام حيث هو ثم نهض فتوضأ. فانظر إلى الناس يستبقون ويختصمون أيهم يصب عليه الماء! فإذا فرغ فانظر إليهم يستبقون ويختصمون أيهم يصيب من وضوء الشيخ جرعة! والشيخ عنهم في شغل, يصلي فيطيل الصلاة, ويدعو فيطيل الدعاء. حتى إذا فرغ من هذا كله جلس للناس وهم يتقاطرون عليه; منهم من يقبل يده وينصرف خاشعًا, ومنهم من يتحدث إليه لحظة أو لحظات, ومنهم من يسأله حاجة, والشيخ يجيب أولئك وهؤلاء بألفاظ غريبة غامضة, يذهبون في فهمها وتأويلها المذاهب.
أدخل عليه الصبي فمسح رأسه وتلا قول الله تعالي: وَعَلَّمكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكاَنَ فَضْلُ اللّه عَلَيْك عَظِيمًا من ذلك اليوم اقتنع أبو الصبي بأن سيكون لابنه شأن. فإذا صليت المغرب مدَّت الموائد وأكل الناس, ثم تصلي العشاء, ثم ينصب المجلس.
ونصب المجلس عبارة عن اجتماع الناس إلى حلقة الذكر, يذكرون الله قاعدين ساكنين, ثم تتحرك رءوسهم وترتفع أصواتهم قليلاً, ثم تتحرك أنصافهم وترتفع أصواتهم قليلاً, ثم تنبث في أجسامهم رعدة فإذا هم جميعًا وقوف; قد دفعوا في الهواء كأنما حركهم لولب, وقد انبثّ في الحلقة شيوخ ينشدون شعر ابن الفارض وما يشبهه من الشعر. وكان لهذا الشيخ خاصة كلف بقصيدة معروفة, فيها ذكر الإسراء والمعراج أولها:
من مكة والبيت الأمجد للقدس سري ليلاً أحمد
كان الشيوخ يرتلونها ترتيلا, وكان الذاكرون يحركون أجسامهم على هذا الترتيل, ينحنون ويستقيمون كأنما يرقصهم هؤلاء الشيوخ ترقيصًا.
ومهما ينس الصبي فلن ينسى ليلة غلط فيها أحد المنشدين فوضع لفظًا مكان لفظ من القصيدة, وإذا الشيخ قد ثار وفار, وأرغى وأزبد, وصاح بملء صوته : يا بني الكلاب! لعن الله آباءكم وآباء آبائكم وآباء آباء أبائكم إلى آدم! أتريدون أن تخربوا بيت الرجل!
ومهما ينس الصبي فلن ينسى تأثير هذه الغضبة في نفوس الذاكرين, وفي نفوس الناس من حولهم, وكان الناس قد اقتنعوا بأن الغلط في هذه القصيدة مصدر شؤم لا يشبهه شؤم. وأظهر أبو الصبي تأثيرا وفزعًا, ثم اطمئنانًا وهدوءا. فلما انصرف الشيخ من الغد وتذاكرت الأسرة ما كان من أمره, وما كان من قصته مع الذاكرين والمنشدين, ضحك صاحب البيت ضحكة لم يشكَّ الصبي بعدها في أن إيمان أبيه بهذا الشيخ لم يكن خالصًا من الشك والازدراء. نعم من الشك والازدراء! فقد كان طمع الشيخ وحرصه أظهر من أن ينخدع بهما من له حظ من أناة وتفكير.
وكان من أشد الناس مقتًا للشيخ وسخطًا عليه أمُّ الصبي. كانت تكره زيارته, وتستثقل ظله, وتؤدي ما تؤدي, وتعدّ ما تعدّ وهي كارهة ساخطة; لا تكاد تمسك لسانها إلا في مشقة وعناء; ذلك لأن زيارة الشيخ كانت ثقيلة على هذه الأسرة التي كانت تعيش من سعة, ولكنها كانت فقيرة على كل حال.
كانت زيارة الشيخ تستهلك كثيرًا من القمح والسمن والعسل وما إلى ذلك, وكانت تكلف صاحب البيت الاقتراض لشراء ما لابد منه من الضأن والمعز. وكان الشيخ لا يلم بهذه الأسرة إلا ارتحل من غده وقد أخذ شيئًا راقه وأعجبه. يأخذ في هذه المرة بساطًا, وفي هذه شالاً من الكشمير, وعلى هذا النحو.
كانت زيارة هذا الشيخ وأصحابه شيئا ترغب فيه الأسرة رغبة شديدة, لأنه يمكنها من الفخر ورفع الرأس, ومناوأة الأشباه والنظائر, وتكرهه كرها شديدا لأنه يكلفها ما يكلفها من المال والمشقة. كانت شرًا لابد منه جرت به العادة, وصادف هوى في الناس. وكان اتصال الأسرة بهذا البيت من بيوت الطريق قويًّا متينًا, ترك فيها آثارًا باقية من الأخبار والقصص, وأحاديث الكرامات والمعجزات. وكانت أم الصبي وأبوه يجدان لذة في أن يتحدثا إلى أبنائهما بهذه الأخبار والأحاديث. ولم تكن أمّ الصبي تدع فرصة إلا قصت فيها هذه القصة: (حج أبي ومعه جدتي مع الشيخ خالد مرة, وكان الشيخ قد حج ثلاث مرات تبعه فيها أبي, واصطحب أمه هذه المرة. فلما فرغوا من الحج وانصرفوا إلى المدينة, وقعت الشيخة في بعض الطريق من الرحل, فانحطم ظهرها انحطامًا, وعجزت عن المشي والحركة, وأخذ ابنها يحملها وينقلها من مكان إلى مكان, ويجد في ذلك من المشقة والعناء ما شكاه إلى الشيخ ذات يوم, فقال له الشيخ: ألست تزعم أنها شريفة من نسل الحسن بن علي؟ قال: بلى. قال: فهي ذاهبة إلى جدها, فإذا انتهيت بها إلى المسجد النبوي فضعها في ناحية منه, وخلّ بينها وبين جدها يصنع بها ما يشاء. وكذلك فعل الرجل: وضع أمه في ناحية من نواحي المسجد, وقال لها في لغة الفلاح الجافية يملؤها مع جفوتها الحب والإشفاق: أنت وجدّك, فليس لي بكما شأن. ثم تركها وتبع شيخه يريد أن يطوف بقبر النبي. قال الرجل: فوالله ما خطوت خطوات حتى سمعت أمي تناديني, فالتفت فإذا هي قائمة تسعى, وأبيت أن أعود إليها, فإذا هي تعدو من ورائي عدوا, وإذا هي تسبقني إلى الشيخ وتطوف مع الطائفين).
وكان أبو الصبي لا يدع فرصة إلا ذكر فيها عن الشيخ هذه القصة: ذكر أمامه أن الغزالي قال في بعض كتبه : إن النبي لا يمكن أن يُرى فيما يرى النائم. فغضب الشيخ وقال: والله ما هكذا كان الأمل فيك يا غزالي, لقد رأيته بعيني رأسي هذا راكبًا بغلته. وذكر له ذلك مرة أخرى فقال: والله ما هكذا كان الأمل فيك يا غزالي, لقد رأيته بعيني رأسي هذا راكبًا ناقته. وكان أبو الصبي يستنبط من ذلك أن الغزالي قد أخطأ, وأن عامة الناس يستطيعون أن يروا النبي فيما يرى النائم, وأن الأولياء والصالحين يستطيعون أن يروه وهم أيقاظ وكان أبو الصبي يثبت هذا بحديث يرويه كلما ذكر هذه القصة وهو:
من رآني في المنام فقد رآني حقًّا فإن الشيطان لا يتمثل بي وعلى هذا النحو حفظ الصبي ألوانًا من أخبار الكرامات والمعجزات وأسرار الصوفية. وكان إذا أراد أن يتحدث بشيء من ذلك إلى أترابه ورفاقه في الكتَّاب قصوا عليه أمثاله; يضيفونه إلى صاحب السافلة ويؤمنون به إيمانا شديدًا.كانت لأهل الريف شيوخهم وشبّانهم وصبيانهم ونسائهم عقلية خاصة فيها سذاجة وتصوّف وغفلة, وكان أكبر الأثر في تكوين هذه العقلية لأهل الطريق.
15
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:43 PM
على أن صبينا لم يلبث أن أضاف إلى هذه الألوان من العلم لونا آخر جديدا, وهو علم السحر والطلاسم, فقد كان باعة الكتب يتنقلون في القرى والمدن بخليط من الأسفار; لعله أصدق مثل لعقيدة الريف في ذلك العهد. كانوا يحملون في حقائبهم مناقب الصالحين, وأخبار الفتوح والغزوات, وقصة القط والفأر, وحوار السلك والوابور, وشمس المعارف الكبرى في السحر وكتابًا آخر لست أدري كيف كان يسمى, ولكنه كان يعرف بكتاب (الدياربي) ثم أورادًا مختلفة, ثم قصص المولد النبوي, ثم مجموعات من الشعر الصوفي, ثم كتبًا في الوعظ والإرشاد, وأخرى في المحاضرات وعجائب الأخبار, ثم قصص الأبطال من الهلاليين والزناتيين, وعنتر, والظاهر بيبرس, وسيف بن ذي يزن, ثم القرآن الكريم مع هذا كله. وكان الناس يشترون الكتب كلها, ويلتهمون ما فيها التهامًا, وكانت عقليتهم تتكوّن من خلاصته كما تتكون أجسامهم من خلاصة ما كانوا يأكلون ويشربون.
وقد قرئَ لصاحبنا من هذا كله, فحفظ منه الشيء الكثير ولكنه عُني بشيئين عناية خاصة:
عُني بالسحر, وعُني بالتصوف. ولم يكن في الجمع بين هذين اللونين من العلم شيء من الغرابة ولا من العسر, فإن التناقض الذي يظهر بينهما ليس إلاَّ صوريًّا في حقيقة الأمر. أليس الصوفي يزعم لنفسه وللناس أنه يخترق حجب الغيب, وينبئُ بما كان وما سيكون, كما أنه يتعدى حدود القوانين الطبيعية ويأتي بضروب الخوارق والكرامات؟ والساحر ماذا يصنع؟ أليس يزعم لنفسه القدرة على الإخبار بالغيب, وتجاوز حدود القوانين الطبيعية أيضا, والاتصال بعالم الأرواح؟... بلى! كل ما يوجد من الفرق بين الساحر والصوفي هو أن هذا يتصل بالملائكة وذلك يتصل بالشياطين. ولكن يجب أن نقرأ ابن خلدون وأمثاله لنصل إلى تحقيق مثل هذا الفرق, ونرتب عليه نتائجه الطبيعية من تحريم السحر والترغيب عنه, وتحبيب التصوف والترغيب فيه.
وما كان أبعد صبينا وأترابه عن ابن خلدون وأمثال ابن خلدون! إنما كانت تقع في أيديهم كتب السحر ومناقب الصالحين وكرامات الأولياء, فيقرأون ويتأثرون ثم لا يلبثون أن يتجاوزوا القراءة والإعجاب إلى الاقتداء والتجربة. وإذا هم يسلكون مناهج الصوفية ويأتون ما يأتيه السحرة من ضروب الفن, وكثيرًا ما يختلط في عقولهم السحر والتصوف, فيصبح كلاهما شيئًا واحدًا, غايته تيسير الحياة والتقرب إلى الله.
وكذلك كان الأمر في نفس صاحبنا, فقد كان يتصوّف ويتكلف السحر, وهو واثق بأنه سيرضي الله, ويظفر من الحياة بأحب لذاتها إليه.
وكان من القصص التي تكثر في أيدي الصبيان يحملها إليهم باعة الكتب, قصة اقتطعت من (ألف ليلة وليلة) وتعرف بقصة (حسن البصري). في هذه القصة أخبار ذلك المجوسي الذي كان يحول النحاس ذهبًا. وأخبار ذلك القصر الذي كان يقوم من وراء الجبل على عمد شاهقة في الهواء, وتقيم فيه بنات سبع من بنات الجن, والذي أوى إليه حسن البصري, ثم أخبار حسن هذا وما كان من رحلته الطويلة الشاقة إلى دور الجن. وبين هذه الأخبار خبر ملأ الصبي إعجابًا; وهو أن قضيبًا أهدي إلى حسن هذا في بعض رحلته وكان من خواص هذا القضيب أن تضرب به الأرض فتنشق ويخرج منها تسعة نفر يأتمرون بأمر صاحب القضيب, وهم بالطبع من الجن أقوياء خفاف يطيرون ويعدون ويحملون الأثقال ويقتلعون الجبال, ويأتون من عجيب الأمر ما لا حدّ له.
فتن الصبي بهذه العصا, ورغب في أن يظفر بها رغبة شديدة قوية أرَّقت ليله ونغصت يومه. فأخذ يقرأ كتب السحر والتصوف, يلتمس عند السحرة والمتصوفين وسيلة تمكنه من هذه العصا.
وكان له قريب صبي مثله يرافقه إلى الكتَّاب, فكان أشد منه كلفًا بهذه العصا. وما هي إلا أن جدَّ الصبيَّان في البحث حتى انتهيا إلى وسيلة يسيرة تمكنهما مما يريدان. وجداها في كتاب الدياربي, وهي أن يخلو الفتى إلى نفسه وقد تطهَّر ووضع بين يديه نارًا ومقدارًا من الطيب ثم يأخذ في ترديد هذا الاسم من أسماء الله (يالطيف يالطيف) ملقيًا في النار شيئًا من الطيب من حين إلى حين, فيمضي في ترديد هذه الكلمة وتحريق هذا الطيب, حتى تدور به الأرض, وينشق أمامه الحائط ويمثل أمامه خادم من الجن موكل بهذا الاسم من أسماء الله, فيطلب إليه ما يريده, والحاجة مقضية من غير شك.
ظفر الصبيَّان بهذه الوسيلة فاعتزما أن يستخدماها. وما هي إلا أن اشتريا ضروبًا من الطيب, وخلا صبينا إلى نفسه في المنظرة, أغلق بابها من دونه ووضع بين يديه قطعًا من النار وأخذ يلقي فيها الطيب, ويردّد : (يالطيف! يالطيف!). وطال به هذا وهو ينتظر أن تدور به الأرض وينشق له الحائط ويمثل الخادم بين يديه, ولكن شيئًا من ذلك لم يكن. وهنا تحوّل صبيُّنا الساحر المتصوف إلى نصَّاب.
خرج من المنظرة مضطربًا يمسك رأسه بيديه ولا يكاد لسانه ينطلق بحرف واحد, فتلقّاه صاحبه الصبي يسأله : هل لقي الخادم؟ وهل طلب إليه العصا؟ وصاحبنا لا يجيب إلا مضطربًا مرتجفا, تصطك أسنانه اصطكاكا, حتى روّع رفيقه الصبي. وبعد لأي أخذ صاحبنا يهدأ ويجيب في ألفاظ متقطعة, وبصوت متهدج: (لقد دارت بي الأرض حتى كدت أسقط, وانشق الحائط وسمعت صوتاً ملأ الحجرة من جميع نواحيها, ثم أغمي عليّ, ثم أفقت فخرجت مسرعًا)!
سمع الصبي هذا! فامتلأ فرحًا وإعجابًا بصاحبه وقال له : هوّن عليك, فقد أصابك الرعب وملك الخوف عليك أمرك, فلنبحثن في الكتاب عن شيء يؤمنك ويشجعك على أن تثبت للخادم وتطلب منه ما تشاء. واستأنفا البحث في الكتاب. وانتهى بهما البحث إلى أنّ صاحب الخلوة يجب أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس إلى النار ويأخذ في ترديد هذا الاسم. وكذلك فعل الصبي من غده, وأخذ يلقي الطيب في النار ويردد دعاء (اللطيف) ينتظر أن تدور به الأرض, وينشق له الحائط, ويمثل الخادم بين يديه. ولكن شيئًا من ذلك لم يكن. وخرج الصبي إلى صاحبه هادئًا مطمئنًّا, فأخبره أن قد دارت الأرض وانشق الحائط ومثل الخادم بين يديه وسمع منه حاجته, ولكنه لم يشأ أن يجيبه إليها حتى يمرن على هذه الخلوة ويكثر من الصلاة وإطلاق البخور وذكر الله. وضرب له موعدًا لقضاء هذه الحاجة شهرًا كاملاً يأتي فيه هذا الأمر في نظام, فإن فسد هذا النظام فلابد من استئناف الأمر شهرا كاملاً آخر. وصدَّق الصبي صاحبه, وأخذ يلحّ عليه في يوم أن يخلو إلى النار ويردّد الدعاء, وأخذ الصبي يستغل من صاحبه هذا الضعف, ويكلفه ما شاء من مشقة وعناء, فإن أبى أو أظهر الإباء أعلن إليه صاحبنا أنه لن يخلو إلى النار, ولن يدعو (اللطيف) ولن يلتمس العصا, فيذعن إذعانًا سريعًا.
ولم يكن أمر السحر والتصوف مقصورًا على قضاء الحاجات والتنبؤ بما سينجلي عنه الغيب, وإنما كان يتجاوز هذا كله إلى دفع المكروه واتقاء النكبات. وقد نسي الصبي أشياء كثيرة, ولكنه لم ينس هذا الرعب الذي ملأ قلوب الناس جميعًا في المدينة وما حولها من القري; حين وصلت إليهم الأخبار من القاهرة بأن نجمًا ذا ذنب سيظهر في السماء بعد أيام; حتى إذا كانت الساعة الثانية بعد الظهر مسَّ الأرض بطرف من ذنبه فإذا هي هشيم تذروه الرياح. فأما النساء وعامة الناس فلم يحفلوا بهذا أو لم يكادوا يحفلون به, وإنما كانوا يشعرون بشيء من الرعب كلما تحدثوا بهذه النازلة أو سمعوا الحديث عنها, ثم لا يلبثون أن ينصرفوا إلى ما هم فيه من حياة عملية. وأما المتفقهون في الدين وحملة القرآن وأصحاب الطرق وتلاميذهم فكانوا هلعين حقًّا مروّعين, لا تكاذ تستقر قلوبهم بين جنوبهم, وكانوا يتحاورون في ذلك حوارًا متصلاً, فمنهم من يزعم أن هذه الكارثة لن تقع, لأنها مخالفة لما عرف من أشراط الساعة. وما كان للأرض أن تفنى قبل أن تظهر الدابة والنار والدَّجال, وقبل أن يهبط المسيح إلى الأرض فيملأها عدلاً بعد أن ملئت جورًا. ومنهم من كان يظن أن الكارثة من أشراط الساعة. ومنهم من كان يتحدث بأن هذه الكارثة قد تقع فتصيب الأرض بشيء من التدمير دون أن تأتي عليها جميعًا. كانوا يتحاورون طول النهار, حتى إذا أقبل الليل وصليت المغرب اجتمعوا حلقًا في المسجد وأمام الدور, وأخذوا يُردِّدون هذه الكلمة: أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة , حتى تصلى العشاء. وانقضت الأيام, وجاءت الساعة المحتومة, ولم يظهر في السماء نجم ذو ذنب ولم يصب الأرض دمار قليل ولا كثير. فانقسم المتفقهون في الدين وحملة القرآن وأصحاب الطرق. فأما أهل العلم الذين يستمدون علمهم من الكتب وينتمون إلى الأزهر فانتصروا, وقالوا : (ألم نقل لكم: إن هذه الكارثة لا يمكن أن تقع قبل أن تظهر أشراط الساعة؟ ألم ندعكم إلى تكذيب المنجمين؟). وأما حملة القرآن فقالوا: (كلا, لقد كادت تقع الكارثة لولا أن لطف الله بالرضَّع والحوامل والبهائم, وسمع لدعاء الداعين, وتضرع المتضرعين). وأما أهل التصوف والعلم اللدني فقالوا: (كلا لقد كادت تقع الكارثة لولا أن توسط القطب المتولي بين الناس والله, فصرف عن الناس هذا البلاء, واحتمل عنهم أوزارهم).
وأنت تستطيع أن تقول: إن هذا الدافع الذي كان يدفع الناس إلى التحصن من الخمسين كان سحرًا أو تصوفًا. أما أنا فلا أستطيع إلا أن أحدثك بما يذكر الصبي من أن الأيام التي كانت تسبق أيام شم النسيم كانت أيامًا غريبة; يخالط فيها قلوب النساء والصبيان وحملة القرآن شيء من الفرح والخوف. كانوا إذا أظلهم يوم الجمعة أسرفوا في الأكل وفي ألوان خاصة من الطعام, حتى إذا كان يوم السبت أسرفوا في أكل البيض الملوّن. وكان الفقهاء قد استعدوا لهذا اليوم استعدادًا خاصًّا فاشتروا ورقًا أبيض صقيلاً, وقطعوه قطعًا صغارًا دقاقًا وكتبوا على كل قطعة (ا ل م ص) ثم يطوون هذه القطع ويملأون بها جيوبهم. حتى إذا كان يوم السبت ألمُّوا بالدّور التي كانوا يتصلون بها ففرقوا هذه القطع من الورق على أهلها, وطلبوا إلى كل واحد أن يبتلع منها أربعًا قبل أن يلم بطعام أو شراب. وكانوا يزعمون للناس أن ابتلاع هذه القطع من الورق يصرف عنهم ما تأتي به الخمسون من المكروه, ويصرف عنهم الرمد بنوع خاص. وكان الناس يصدقونهم ويبتلعون هذا الورق ويؤدون إلى الفقهاء ثمنه بيضًا أحمر وأصفر. وليس يدري الصبي ماذا كان يصنع سيّدنا بما كان يجتمع له من البيض في يوم سبت النور؟ فقد كان كثيرًا يتجاوز المئات. على أن استعداد الفقهاء لهذا اليوم لم يكن يقف عند إعداد هذه القطع من الورق, وإنما كان يتجاوز ذلك إلى شيء آخر! كانوا يشترون الورق الأبيض الصقيل, ويقطعونه قطعًا طويلة عريضة بعض العرض, ويكتبون عليها مخلفات النبي:
مخلف طه سبحتان ومصحف ومكحلة سجادتان رحى العصا
حتى إذا فرغوا من هذه المخلفات أضافوا إليها دعاءً آخر يبتدئ بهذه الكلمات التي كان الفقهاء يقولون إنها سريانية : (دنبد دنبي, كرى كرندي, سرى سرندي, سبر سبربتونا, واحسبوا البعيد عنا لا يأتينا, والقريب منا لا يؤذينا....) إلخ.. ثم يطوون هذه الأوراق على أنها حجب وتمائم, يفرقونها في البيوت على النساء والصبيان, ويتقاضون أثمانها دراهم وخبزًا وفطيرًا وضروبًا من الحلوى, ويزعمون للناس أن اتخاذ هذه التمائم والحجب يدفع عنهم أذي هذه الشياطين التي تحملها رياح الخمسين. وكان النساء يتلقين هذه الحجب مطمئنات إليها, ولكن ذلك لم يكن يمنعهن من اتقاء العفاريت يوم شم النسيم بشق البصل وتعليقه على أبواب الدور, وأكل الفول النابت دون غيره من ألوان الطعام في هذا اليوم.
16
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:45 PM
وأراد الله أن يشقي سيّدنا بتلميذه شقاءً غير قليل. فلم تكفه تلك الحوادث التي كانت تحدث من حين إلى حين عندما كان الشيخ يمتحن الصبي, ولم تكفه هذه النكبات المتصلة التي نشأت عن عناية الصبي بحفظ الألفية وغيرها من المتون, وجعلت الصبي ثقيلاً سمجًا يتعالى على أترابه وعلى سيده, ويرى لنفسه مكانة العلماء, ويعصي أوامر العريف. لم يكفه هذا كله, بل كانت نكبة أخرى لم يكن الرجل ينتظرها حقا, وكانت أشد عليه من كل النكبات الأخرى, لأنها مسّته في صناعته. ذلك أن رجلا من أهل القاهرة هبط إلى المدينة في يوم من الأيام على أنه مفتش للطريق الزراعية. وكان هذا الرجل في متوسط عمره. وكان مطربشا يتكلم الفرنسية, وكان يقول: إنه تخرج من مدرسة الفنون والصنائع. وكان خفيف الظل جذابا. فما لبث أن أحبه الناس ودعوه إلى دورهم ومجالسهم. وما لبث أن اتصلت المودة بينه وبين أبي الصبي. وكان قد رتب سيّدنا في بيته يقرأ له سورة من القرآن في كل يوم, وجعل له عشرة قروش في كل شهر, وهو الأجر المرتفع الذي كان يدفعه وجوه الناس. فكان سيّدنا محبا لهذا الرجل مثنيا عليه. ولكن رمضان أقبل, وكان الناس يجتمعون في ليالي رمضان عند رجل من أهل المدينة وجيه يعمل في التجارة. وكان سيّدنا يقرأ القرآن عند هذا الرجل طوال الشهر. وكان الصبي يرافق سيّدنا ويريحه من حين إلى حين بقراءة سورة أو جزء مكانه. فقرأ ذات ليلة وسمعه هذا المفتش, فقال لأبيه: إن ابنك لشديد الحاجة إلى تجويد القرآن. قال الشيخ: سيجوده متى ذهب إلى القاهرة على شيخ من شيوخ الأزهر. قال المفتش : فأنا أستطيع أن أجود له القرآن على قراءة حفص حتى إذا ذهب إلى الأزهر كان قد ألم بأصول التجويد, وسهل عليه أن يفرغ للقراءات السبع أو العشرة أو الأربع عشرة. قال الشيخ: وهل أنت من حملة القرآن؟ قال المفتش: ومن المجودين, ولولا أني مشغول لاستطعت أن أقرئ ابنك القرآن على الروايات جميعا, ولكني أحب أن أخصص له ساعة في كل يوم فأقرئه رواية حفص, وأدرس له أصول الفن, وأعده بذلك للأزهر إعدادا صحيحًا. قال القوم: وكيف لمطربش يتكلم الفرنسية بحفظ القرآن ورواية القراءات؟ قال المفتش: أنا أزهري تقدمت في دراسة العلوم الدينية إلى مدى بعيد, ثم انصرفت عنها إلى المدارس فتخرجت من مدرسة الفنون والصنائع. قالوا: فاقرأ لنا شيئا. فنزع الرجل نعليه وتربع ورتّل لهم سورة هود ترتيلا ما سمعوا مثله. فلا تسل عن إعجابهم به وإكبارهم إياه, ولا تسل عما أصاب سيّدنا من الحزن والغيظ, فقد قضى الرجل ليلته كأنه مصعوق.
وأصبح الشيخ فأمر ابنه بأن يختلف إلى بيت المفتش في كل يوم. وفرح الصبي بهذا فرحًا شديدًا, فأعاده على أترابه في الكتّاب وتحدث به إلى الصبيان. ولا تسل عن مقدار ما كان يترك هذا الحديث في نفس سيّدنا من الحزن, فقد نهر الصبي وأمر ألا يذكر اسم المفتش مرة أخرى في الكتّاب.
وذهب الصبي إلى بيت المفتش واتصل ذهابه إلى هذا البيت وأقرأه المفتش تحفة الأطفال وشرح له أصول التجويد.
علَّمه المدّ والغن والإخفاء والإدغام وما يتصل بهذا كله. وكان الصبي معجبا بهذا العلم, وكان يتحدث به إلى أترابه في الكتّاب, وكان يبين لهم أن سيّدنا لا يحسن المدّ ولا يتقن الغنَّ, ولا يعرف الفرق بين المد الكلمي والحرفي, ولا بين المد المثقل والمخفَّف, وكانت أصداء هذا كله تصل إلى سيّدنا فتغمه وتحزنه وتخرجه أحيانا عن طوره.
وأخذ الصبي يقرأ القرآن على المفتش من أوله, وأخذ المفتش يعلمه مواضع الوقف والوصل, وأخذ الصبي يقلد المفتش في ترتيله ويحاكي نغمه, وأخذ يقرأ القرآن على هذا النحو في الكتَّاب وجعل أبوه يمتحنه. فإذا سمعه يقرأ على هذا النحو الجديد أعجب وطرب وأثنى على المفتش. وما كان شيء يغيظ سيّدنا مثل ما كان يغيظه هذا الثناء.
وقضى الصبي سنة كاملة يتردد على هذا البيت ويقرأ القرآن على المفتش حتى أتقن التجويد برواية حفص, وكاد يبدأ في رواية ورش لولا أن حدثت حوادث وسافر الصبي إلى القاهرة.
أكان الصبي يحب الاختلاف إلى هذا البيت لأنه كان يعجب بالمفتش ولأنه كان يحرص على إتقان القرآن وتجويده وعلى أن يغيظ سيّدنا ويظهر التفوق على أترابه؟ نعم! في الشهرين الأولين من هذه السنة. فأمَّا بعد هذين الشهرين فقد كان يجذبه إلى بيت المفتش ويحببه فيه شيء آخر.
كان المفتش متوسط العمر قد بلغ الأربعين إن لم يكن قد جاوزها, وكان قد تزوج من فتاة لم تبلغ السادسة عشرة, ولم يكن له ولد, ولم يكن يعمر بيته الكبير إلا هذه الفتاة وجدَّة لها قد جاوزت الخمسين. فأما حين بدأ الصبي يختلف إلى هذه الدار فقد كان يذهب ويعود دون أن يلتفت إليه أحد غير المفتش. وما هي إلا أن كثر تردد الصبي حتى أخذت الفتاة تتحدث إليه وتسأله عن نفسه وعن أمه وعن إخوته وعن داره, وأخذ الصبي يجيبها مستحييا, ثم متبسطا, ثم مطمئنا. واتصلت بين هذه الفتاة وهذا الصبي مودة ساذجة كانت حلوة في نفس الصبي لذيذة الموقع في قلبه, وكانت ثقيلة على نفس هذه الشيخة, وكان المفتش يجهلها جهلا تاما.
وأخذ الصبي يذهب إلى دار المفتش قبل الميعاد ليظفر بساعة أو بعض ساعة يتحدث فيها إلى هذه الفتاة, وأخذت الفتاة تنتظره, حتى إذا أقبل أخذته إلى غرفتها, فجلست وأجلسته وتحدثا. وما هي إلا أن استحال الحديث إلى لعب, إلى لعب كلعب الصبيان لا أكثر ولا أقل, ولكنه كان لعبا لذيذا. وقصّ الصبي هذا كله على أمه, فضحكت ورثت للفتاة قائلة لأخت الصبي: طفلة زوجت من هذا الشيخ لا تعرف أحدًا ولا يعرفها أحد فهي ضيقة الصدر في حاجة إلى اللهو والعبث.
ومن ذلك اليوم سعت أم الصبي في التعرف إلى هذه الفتاة ودعتها إلى البيت وإلى أن تكثر التردد عليها.
17
دنيا أحمد
15-08-2007, 05:51 PM
وكذلك اتصلت أيام الصبي بين البيت والكتَّاب والمحكمة والمسجد وبيت المفتش ومجالس العلماء وحلقات الذكر, لا هي بالحلوة ولا هي بالمرَّة, ولكنها تحلو حينا وتمر حينا آخر, وتمضي فيما بين ذلك فاترة سخيفة حتى كان يوم من الأيام ذاق الصبي فيه الألم حقا, وعرف منذ ذلك أن تلك الآلام التي كان يشقي بها ويكره من أجلها الحياة لم تكن شيئا, وأن الدهر قادر على أن يؤلم الناس ويؤذيهم ويحبب إليهم الحياة ويهون من أمرها على نفوسهم في وقت واحد. كانت للصبي أخت هي صغرى أبناء الأسرة, كانت في الرابعة من عمرها. كانت خفيفة الروح طلقة الوجه فصيحة اللسان عذبة الحديث قوية الخيال, كانت لهو الأسرة كلها, كانت تخلو إلى نفسها ساعات طوالا في لهو وعبث, تجلس إلى الحائط فتتحدث إليه كما تتحدث أمها إلى زائرتها, وتبعث في كل اللعب التي كانت بين يديها روحا قويا وتسبغ عليها شخصية. فهذه اللعبة امرأة وهذه اللعبة رجل, وهذه اللعبة فتى, وهذه اللعبة فتاة, والطفلة بين هؤلاء الأشخاص جميعا تذهب وتجيء, وتصل بينها الأحاديث مرة في لهو وعبث, وأخرى في غيظ وغضب, ومرة ثالثة في هدوء واطمئنان. وكانت الأسرة كلها تجد لذة قوية في الاستماع إلى هذه الأحاديث والنظر إلى هذه الألوان من اللعب دون أن ترى الطفلة, أو تسمع, أو تحس أن أحدا يرقبها.
فما هي إلا أن أقبلت بوادر عيد الأضحى في سنة من السنين, وأخذت أمّ الصبي تستعد لهذا العيد تهيئ له الدار وتعد له الخبز وألوان الفطير, وأخذ إخوة الصبي يستعدون لهذا العيد, يختلف كبارهم إلى الخياط حينا, وإلى الحذاء حينا آخر, ويلهو صغارهم بهذه الحركة الطارئة على الدار, فينظر صبينا إلى أولئك وهؤلاء في شيء من الفلسفة كان قد تعوَّده. فلم يكن في حاجة إلى أن يختلف إلى خيَّاط أو حذاء, وما كان ميالا إلى اللهو بمثل هذه الحركات الطارئة, وإنما كان يخلو إلى نفسه ويعيش في عالم من الخيال يستمده من هذه القصص والكتب المختلفة التي كان يقرؤها فيسرف في قراءتها.
أقبلت بوادر هذا العيد, وأصبحت الطفلة ذات يوم في شيء من الفتور والهمود لم يكد يلتفت إليه أحد. والأطفال, في القرى ومدن الأقاليم معرضون لهذا النوع من الإهمال, ولا سيما إذا كانت الأسرة كثيرة العدد, وربة البيت كثيرة العمل. ولنساء القرى ومدن الأقاليم فلسفة آثمة وعلم ليس أقل منها إثما. يشكو الطفل, وقلما تعني به أمه, وأي طفل لا يشكو؟ إنما هو يوم وليلة ثم يفيق ويبلّ. فإن عنيت به أمه فهي تزدري الطبيب أو تجهله, وهي تعتمد على هذا العلم الآثم, علم النساء وأشباه النساء. وعلى هذا النحو فقد صبينا عينيه; أصابه الرمد فأهمل أيامًا, ثم دعي الحلاق فعالجه علاجا ذهب بعينيه. وعلى هذا النحو فقدت هذه الطفلة الحياة; ظلت فاترة هامدة محمومة يومًا ويومًا ويومًا, وهي ملقاة على فراشها في ناحية من نواحي الدار, تعني بها أمها أو أختها من حين إلى حين, تدفع إليها شيئا من الغذاء الله يعلم أكان جيدًا أم رديئًا؟ والحركة متصلة في البيت: يهيأ الخبز والفطير في ناحية, وتنظف المنظرة وحجرة الاستقبال في ناحية أخرى, والصبيان في لهوهم وعبثهم, والشبان في ثيابهم وأحذيتهم, والشيخ يغدو ويروح ويجلس إلى أصحابه آخر النهار وأول الليل.
حتى إذا كان عصر اليوم الرابع وقف هذا كله فجأة. وقف وعرفت أم الصبي أن شبحا مخيفا يحلق على هذه الدار. ولم يكن الموت قد دخل هذه الدار من قبل, ولم تكن هذه الأمّ الحنون قد ذاقت لذع الألم الصحيح. نعم! كانت في عملها وإذا الطفلة تصيح صياحًا منكرًا, فتدع أمها كل شيء وتسرع إليها, والصياح يتصل ويزداد, فتدع أخوات الطفلة كل شيء ويسرعن إليها. والصياح يتصل ويشتد, والطفلة تتلوى وتضطرب بين ذراعي أمّها, فيدع الشيخ أصحابه ويسرع إليها. والصياح يتصل ويشتد, والطفلة ترتعد ارتعادا منكرا ويتقبض وجهها ويتصبب العرق عليه, فينصرف الصبيان والشبان عما هم فيه من لهو وحديث ويسرعون إليها. ولكن الصياح لا يزداد إلا شدة, وإذا هذه الأسرة كلها واجمة مبهوتة محيطة بالطفلة لا تدري ماذا تصنع!... ويتصل ذلك ساعة وساعة. فأما الشيخ فقد أخذه الضعف الذي يأخذ الرجال في مثل هذه الحال, فينصرف مهمهما بصلوات وآيات من القرآن يتوسل بها إلى الله. وأما الشبان والصبيان فيتسللون في شيء من الوجوم لا يكادون ينسون ما كانوا فيه من لهو وحديث ولا يكادون يستأنفونه. هم كذلك حيارى في الدار! وأمهم جالسة واجمة تحدق في ابنتها وتسقيها ألوانا من الدواء لا أعرف ما هى. والصياح متصل مشتد, والاضطراب مستمر متزايد.
ما كنت أحسب أن في الأطفال ولمَّا يتجاوزوا الرابعة قوة تعدل هذه القوة. وتأتي ساعة العشاء وقد مدت المائدة, مدتها كبري أخوات الصبي, وأقبل الشيخ وبنوه فجلسوا إليها. ولكن صياح الطفلة متصل فلا تُمَدُّ يد إلى طعام, وإنما يتفرقون جميعا وترفع المائدة كما مدَّت. والطفلة تصيح وتضطرب, وأمها تحدق فيها حينا وتبسط يدها إلى السماء حينا آخر, وقد كشفت عن رأسها وما كان من عادتها أن تفعل! ولكن أبواب السماء كانت قد أغلقت في ذلك اليوم, فقد سبق القضاء بما لابد منه, فيستطيع الشيخ أن يتلو القرآن, وتستطيع هذه الأم أن تتضرع. ومن غريب الأمر أن أحدًا من هؤلاء الناس جميعا لم يفكر في الطبيب. وتقدم الليل وأخذ صياح الفتاة يهدأ, وأخذ صوتها يخفت, وأخذ اضطرابها يخف, وخيل إلى هذه الأمّ التعسة أن قد سمع الله لها ولزوجها, وأن قد أخذت الأزمة تنحل. وفي الحق أنَّ الأزمة كانت قد أخذت تنحل, وأن الله كان قد رأف بهذه الطفلة, وأن خفوت الصوت وهدوء هذا الاضطراب كانا آيتي هذه الرأفة. تنظر الأم إلى ابنتها فيخيل إليها أنها ستنام, ثم تنظر فإذا هدوء متصل لا صوت ولا حركة, وإنما هو نفس خفيف شديد الخفة يتردَّد بين شفتين مفتحتين قليلا, ثم ينقطع هذا النفس وإذا الطفلة قد فارقت الحياة.
ماذا كانت علتها؟ كيف ذهبت بحياتها هذه العلة؟ الله وحده يعلم هذا.
وهنا يرتفع صياح آخر ويتصل ويشتد. وهنا يظهر اضطراب آخر ويتصل ويشتد. ولكنه ليس صياح الطفلة ولا اضطرابها, وإنما هو صياح هذه الأم وقد رأت الموت, واضطرابها وقد أحست الثكل. وإذا الشبان والصبيان قد فزعوا إلى أمّهم وسبقهم إليها الشيخ. وإذا هي في جزع وهلع ينطق لسانها بألفاظ لا صلة بينها ويقطع الدمع صوتها تقطيعًا, وإذا هي تلطم خديها في عنف متصل, وزوجها ماثل أمامها لا ينطق لسانه بحرف وإنما تنهمر دموعه انهمارا. وإذا الجارات والجيران قد سمعوا هذا الصياح فأقبلوا مسرعين. فأما الشيخ فينصرف إلى الرجال يتقبل عزاءهم في قوة وجلد. وأما الشبان والصبيان فيتفرقون في الدار, قد قست قلوب بعضهم فنام, ورقَّت قلوب بعضهم فسهر. وأما الأم ففيما هي فيه من جزع وهلع! أمامها ابنتها هامدة جامدة, تولْول وتخمش وجهها وتصك صدرها, ومن حولها بناتها وجاراتها يصنعن صنيعها يولولن ويخمشن الوجوه ويصككن الصدور حتى ينقضي الليل كله.
وما أشد نكر هذه الساعة التي أقبل فيها بعض الناس واحتملوا الطفلة ومضوا بها إلى حيث لا تعود. كان ذلك اليوم يوم الأضحى, وكانت الدار قد هيئت للعيد. وكانت الضحايا قد أعدت. فيا له من يوم! ويا لها من ضحايا! ويا نكرها من ساعة حين عاد الشيخ إلى داره مع الظهر وقد وارى ابنته في التراب!
... منذ ذلك اليوم اتصلت الأواصر بين الحزن وبين هذه الأسرة. فما هي إلا أشهر حتى فقد الشيخ أباه الهرم. وما هي إلا أشهر أخرى حتى فقدت أمّ الصبي أمّها الفانية. وإنما هو حداد متصل وألم يقفو بعضه بعضا, منه اللاذع ومنه الهادئ. حتى كان هذا اليوم المنكر الذي لم تعرف الأسرة يوما مثله, والذي طبع حياتها بطابع من الحزن لم يفارقها, والذي ابيضّ له شعر الأبوين جميعا, والذي قضى على هذه الأم أن تلبس السواد إلى آخر أيامها, وألا تذوق للفرح طعما, ولا تضحك إلاّ بكت إثر ضحكها, ولا تنام حتى تريق بعض الدموع, ولا تفيق من نومها حتى تريق دموعا أخرى, ولا تطعم فاكهة حتى تطعم منها الفقراء والصبيان, ولا تبتسم لعيد, ولا تستقبل يوم سرور إلا وهي كارهة راغمة.
كان هذا اليوم يوم 21 أغسطس من سنة 1902. وكان الصيف منكرا في هذه السنة. وكان وباء الكوليرا قد هبط إلى مصر ففتك بأهلها فتكا ذريعا: دمر مدنًا وقرى, ومحا أسرا كاملة. وكان سيّدنا قد أكثر من الحجب وكتابة المخلفات, وكانت المدارس والكتاتيب قد أقفلت, وكان الأطباء ورسل مصلحة الصحة قد انبثوا في الأرض ومعهم أدواتهم وخيامهم يحجزون فيها المرضى, وكان الهلع قد ملأ النفوس واستأثر بالقلوب, وكانت الحياة قد هانت على الناس, وكانت كل أسرة تتحدث بما أصاب الأسر الأخرى وتنتظر حظها من المصيبة. وكانت أمّ الصبي في هلع مستمر, وكانت تسأل نفسها ألف مرة في كل يوم بمن تنزل النازلة من أبنائها وبناتها! وكان لها ابن في الثامنة عشرة جميل المنظر رائع الطلعة, نجيب ذكي القلب, وكان أنجب الأسرة وأذكاها وأرقها قلبا, وأصفاها طبعا, وأبرَّها بأمّه, وأرأفها بأبيه, وأرفقها بصغار إخوته وأخواته, وكان مبتهجا أبدًا. وكان قد ظفر بشهادة البكالوريا وانتسب إلى مدرسة الطب وأخذ ينتظر آخر الصيف ليذهب إلى القاهرة. فلما كان هذا الوباء, اتصل بطبيب المدينة وأخذ يرافقه ويقول: إنه يتمرن على صناعته حتى كان يوم 20 أغسطس.
أقبل الشاب آخر هذا اليوم كعادته باسمًا, فلاطف أمه وداعبها وهدأ من روعها وقال: لم تصب المدينة اليوم بأكثر من عشرين إصابة وقد أخذت وطأة الوباء تخف. ولكنه مع ذلك شكا من بعض الغثيان وخرج إلى أبيه فجلس إليه وحدثه كعادته, ثم ذهب إلى أصحابه فرافقهم إلى حيث كان يذهب معهم في كل يوم عند شاطئ الإبراهيمية. فلما كان أول الليل عاد وقضى ساعة في ضحك وعبث مع إخوته. وفي هذه الليلة زعم لأهل البيت جميعًا أن في أكل الثوم وقاية من الكوليرا, وأكل الثوم وأخذ كبار إخوته وصغارهم بالأكل منه وحاول أن يقنع أبويه بذلك فلم يوفق.
وكانت الدار هادئة مغرقة في النوم كبارها وصغارها وحيوانها عندما انتصف الليل. ولكن صيحة غريبة ملأت هذا الجو الهادئ, فهبّ لها القوم جميعا. فأمَّا الشيخ وزوجته فكانا في هذا الدهليز المنبسط الذي تظلله السماء يدعوان ابنهما باسمه. وأما الشبان من أهل الدار فكانوا يثبون من فراشهم مسرعين إلى حيث الصوت. وأما الصبيان فكانوا يجلسون يحكون أعينهم بأيديهم يحاولون أن يتبينوا في شيء من الهلع من أين يأتي الصوت وماذا كانت الحركة الغريبة!
وكان مصدر هذا كله صوت هذا الفتى وهو يعالج القيء, وكان الفتى قد قضى ساعة أو ساعتين يخرج من الحجرة على أطراف قدميه ويمضي إلى الخلاء ليقيء مجتهدا ألا يوقظ أحدا. حتى إذا بلغت العلة منه أقصاها لم يملك نفسه ولم يستطع أن يقيء في لطف, فسمع أبواه هذه الحشرجة ففزعا لها, وفزع معهما أهل الدار جميعا.
إذن فقد أصيب الشاب ووجد الوباء طريقه إلى الدار, وعرفت أمّ الفتى بأي أبنائها تنزل النازلة. لقد كان الشيخ في تلك الليلة خليقا بالإعجاب حقا. كان هادئا رزينا مروّعا مع ذلك, ولكنه يملك نفسه وكان في صوته شيء يدل على أن قلبه مفطور, وعلى أنه مع ذلك جلد مستعد لاحتمال النازلة. آوى ابنه إلى حجرته وأمر بالفصل بينه وبين بقية إخوته, وخرج مسرعا فدعا جارين من جيرانه, وما هي إلا ساعة حتى عاد ومعه الطبيب.
وفي أثناء ذلك كانت أمّ الفتى مروّعة جلدة مؤمنة تعني بابنها, حتى إذا أمهله القيء خرجت إلى الدهليز فرفعت يدها ووجهها إلى السماء وفنيت في الدعاء والصلاة, حتى تسمع حشرجة القيء فتسرع إلى ابنها تسنده إلى صدرها وتأخذ رأسه بين يديها, ولسانها مع ذلك لا يكف عن الدعاء والابتهال.
ولم تستطع أن تحول بين الصبيان والشبان وبين المريض, فملأوا عليه الحجرة وأحاطوا به واجمين, وهو يداعب أمّه كلما أمهله القيء, ويعبث مع صغار إخوته, حتى إذا جاء الطبيب فوصف ما وصف وأمر بما أمر وانصرف على أن يعود مع الصبح. لزمت أم الفتى حجرة ابنها وجلس الشيخ قريبا من هذه الحجرة واجما لا يدعو ولا يصلي ولا يجيب أحدًا من الذين كانوا يتحدثون إليه.
وأقبل الصبح بعد لأي, وأخذ الفتى يشكو ألما في ساقيه. وأقبلت إليه أخواته يدلكن له ساقيه, وهو يشكو صائحا مرة كاتما ألمه مرة أخرى, والقيء يجهده ويخلع في الوقت نفسه قلب أبويه. وقضت الأسرة كلها صباحا لم تقض مثله قط: صباحا واجما مظلما فيه شيء مفزع مروع. فأما خارج الدار فكان يزدحم بالناس أقبلوا إلى الشيخ يواسونه. وأما داخل الدار فكان مزدحما بالناس أقبلن يواسين أمَّ الفتى. وكان الشيخ وزوجه عن أولئك وهؤلاء في شغل. وكان الطبيب يتردد بين ساعة وساعة. وكان الفتى قد طلب أن يبرق إلى أخيه الأزهري في القاهرة وإلى عمه في أعلى الإقليم. وكان يطلب الساعة من حين إلى حين ينظر فيها كأنه يتعجل الوقت, وكأنه يشفق أن يموت دون أن يرى أخاه الشاب وعمه الشيخ. يا لها من ساعة منكرة, هذه الساعة الثالثة من الخميس 21 أغسطس سنة 1902.
انصرف الطبيب من الحجرة يائسا, وكأنه قد أسرَّ إلى رجلين من أقرب أصحاب الشيخ إليه بأن الفتى يحتضر, فأقبل الرجلان حتى دخلا الحجرة على الفتى ومعه أمه. ظهرت في هذا اليوم لأول مرة في حياتها أمام الرجال.
والفتى في سرير يتضور: يقف ثم يلقي بنفسه, ثم يجلس ثم يطلب الساعة, ثم يعالج القيء, وأمه واجمة, والرجلان يواسيانه وهو يجيبهما: لست خيرًا من النبي. أليس النبي قد مات! ويدعو أباه يريد أن يواسيه فلا يجيبه الشيخ. وهو يقوم ويقعد ويلقي نفسه في السرير مرة ومن دون السرير مرة أخرى, وصبينا منزو في ناحية من هذه الحجرة, واجم كئيب دهش يمزق الحزن قلبه تمزيقا.
ثم ألقى نفسه على السرير وعجز عن الحركة, وأخذ يئن أنينًا يخفت من حين إلى حين. وكان صوت هذا الأنين يبعد شيئا فشيئا. وإن الصبي لينسى كل شيء قبل أن ينسى هذه الأنَّة الأخيرة التي أرسلها الفتى نحيلة ضئيلة طويلة ثم سكت.
في هذه اللحظة نهضت أمّ الفتى وقد انتهى صبرها ووهى جلدها, فلم تكد تقف حتى هوت أو كادت, وأسندها الرجلان فتمالكت نفسها وخرجت من الحجرة مطرقة ساعية في هدوء, حتى إذا جاوزتها انبعثت من صدرها شكاة, لا يذكرها الصبي إلا انخلع لها قلبه انخلاعا. واضطرب الفتى قليلاً ومرَّت في جسمه رعدة تبعها سكوت الموت. وأقبل الرجلان إليه فهيآه وعصباه وألقيا على وجهه لثاما, وخرجا إلى الشيخ. ثم ذكرا أن الصبي منزو في ناحية من نواحي الحجرة, فعاد أحدهما إليه فجذبه جذبا وهو ذاهل حتى انتهى به إلى مكان بين الناس فوضعه فيه كما يوضع الشيء.
وما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى هيئ الفتى للدفن وخرج الرجال به على أعناقهم .
فيا للقضاء! ما كادوا يبلغون به باب الدار حتى كان أول من لقى النعش هذا العم الشيخ الذي كان الفتى يتمهل الموت دقائق ليراه.
من ذلك اليوم استقر الحزن العميق في هذه الدار وأصبح إظهار الابتهاج أو السرور بأي حادث من الحوادث شيئا ينبغي أن يتجنبه الشبان والأطفال جميعًا.
من ذلك اليوم تعود الشيخ ألاَّ يجلس إلى غدائه ولا إلى عشائه حتى يذكر ابنه ويبكيه ساعة أو بعض ساعة, وأمامه امرأته تعينه على البكاء, ومن حوله أبناؤه وبناته يحاولون تعزية هذين الأبوين فلا يبلغون منهما شيئا فيجهشون جميعا بالبكاء.
من ذلك اليوم تعودت هذه الأسرة أن تعبر النيل إلى مقر الموتى من حين إلى حين, وكانت من قبل ذلك تعيب الذين يزورون الموتى.
ومن ذلك اليوم تغيرت نفسية صبينا تغيرا تاما. عرف الله حقًّا. وحرص على أن يتقرب إليه بكل ألوان التقريب: بالصدقة حينًا وبالصلاة حينًا آخر وبتلاوة القرآن مرة ثالثة. ولقد شهد الله ما كان يدفعه إلى ذلك خوف ولا إشفاق ولا إيثار للحياة, ولكنه كان يعلم أن أخاه الشاب كان من أبناء المدارس, وكان يقصر في أداء واجباته الدينية, فكان الصبي يأتي ما يأتي من ضروب العبادة يريد أن يحط عن أخيه بعض السيئات. كان أخوه في الثامنة عشرة من عمره, وكان الصبي قد سمع من الشيوخ أن الصلاة والصوم فرض على الإنسان متى بلغ الخامسة عشرة. فقدّر الصبي في نفسه أن أخاه مدين لله بالصوم والصلاة ثلاثة أعوام كاملة, وفرض الصبي على نفسه ليصلين الخمس في كل يوم مرتين: مرة لنفسه ومرة لأخيه! وليصومنَّ من السنة شهرين: شهرًا لنفسه وشهرًا لأخيه, وليكتمن ذلك عن أهله جميعا وليجعلن ذلك عهدًا بينه وبين الله خاصة, وليطعمن فقيرًا أو يتيمًا مما تصل إليه يده من طعام أو فاكهة قبل أن يأخذ بحظه منه. وشهد الله لقد وفى الصبي بهذا العهد أشهرًا وما غيَّر سيرته هذه إلا حين ذهب إلى الأزهر.
من ذلك اليوم عرف الصبي أرق الليل. فكم أنفق سواد الليل كاملا يفكر في أخيه أو يقرأ سورة الإخلاص آلاف المرات ثم يهب ذلك كله لأخيه, أو ينظم شعرا على نحو هذا الشعر الذي كان يقرؤه في كتب القصص يذكر فيه حزنه وألمه لفقد أخيه, معنيًّا بألا يفرغ من قصيدة حتى يصلي في آخرها على النبي واهبا ثواب هذه الصلاة لأخيه.
نعم! ومن ذلك اليوم عرف الصبي الأحلام المروعة, فقد كانت علة أخيه تتمثل له في كل ليلة, واستمرت الحال كذلك أعوامًا. ثم تقدمت به السن وعمل فيه الأزهر عمله, فأخذت علة أخيه تتمثل له من حين إلى حين, وأصبح فتى ورجلاً, وتقلبت به أطوار الحياة, وإنه لعلى ما هو عليه من وفاء لهذا الأخ, يذكره ويراه فيما يرى النائم مرة في الأسبوع على أقل تقدير.
ولقد تعزى عن هذا الفتى إخوته وأخواته, ونسيه من نسيه من أصحابه وأترابه, وأخذت ذكراه لا تزور أباه الشيخ إلا لمامًا, ولكن اثنين يذكرانه أبدًا, وسيذكرانه أبدًا أول الليل من كل يوم, هما: أمُّه وهذا الصبي.
18
دنيا أحمد
15-08-2007, 06:01 PM
أما في هذه المرة فستذهب إلى القاهرة مع أخيك, وستصبح مجاورًا, وستجتهد في طلب العلم, وأنا أرجو أن أعيش حتى أرى أخاك قاضيا وأراك من علماء الأزهر, قد جلست إلى أحد أعمدته ومن حولك حلقة واسعة بعيدة المدى.
قال الشيخ ذلك لابنه آخر النهار في يوم من خريف سنة 1902, وسمع الصبي هذا الكلام فلم يصدِّق ولم يكذّب, ولكنه آثر أن ينتظر تصديق الأيام أو تكذيبها له. فكثيرا ما قال له أبوه مثل هذا الكلام, وكثيرا ما وعده أخوه الأزهري مثل هذا الوعد, ثم سافر الأزهري إلى القاهرة, ولبث الصبي في المدينة يتردَّد بين البيت والكتَّاب والمحكمة ومجالس الشيوخ.
وفي الحق أنه لم يفهم لماذا صدَّق وعد أبيه في هذه السنة, فقد أخبر الصبي ذات يوم أنه مسافر بعد أيام. وأقبل يوم الخميس, فإذا الصبي يرى نفسه يتأهب للسفر حقًّا, وإذا هو يرى نفسه في المحطة ولما تشرق الشمس. وهو يرى نفسه جالسًا القرفصاء منكس الرأس كئيبا محزونا, ويسمع أكبر إخوته ينهره في لطف قائلا له:
لاتنكس رأسك هكذا, ولا تأخذ هذا الوجه الحزين فتحزن أخاك. ويسمع أباه يشجعه في لطف قائلا: ماذا يحزنك؟ ألست رجلاً؟ ألست قادرا على أن تفارق أمك؟ أم أنت تريد أن تلعب؟ ألم يكفك هذا اللعب الطويل؟
شهد الله ما كان الصبي حزينا لفراق أمه, وما كان الصبي حزينا لأنه لن يلعب. إنما كان يذكر هذا الذي ينام هنالك من وراء النيل. كان يذكره, وكان يذكر أنه كثيرا ما فكر في أنه سيكون معهما في القاهرة تلميذا في مدرسة الطب. كان يذكر هذا كله فيحزن, ولكنه لم يقل شيئا ولم يظهر حزنا, وإنما تكلف الابتسام. ولو قد أرسل نفسه مع طبيعتها لبكى ولأبكى من حوله أباه وأخويه.
وانطلق القطار ومضت ساعات ورأى صاحبنا نفسه في القاهرة بين جماعة من المجاورين قد أقبلوا إلى أخيه فحيوه وأكلوا ما كان قد احتمله لهم من طعام.
وانقضى هذا اليوم. وكان يومُ الجمعة, وإذا الصبي يرى نفسه في الأزهر للصلاة. وإذا هو يسمع الخطيب شيخا ضخم الصوت عاليه, فخم الراءات والقافات, لا فرق بينه وبين خطيب المدينة إلا في هذا. فأما الخطبة فهي ما كان تعوّد أن يسمع في المدينة. وأما الحديث فهو هو. وأما النعت فهو هو. وأما الصلاة فهي هي ليست أطول من صلاة المدينة ولا أقصر.
وعاد الصبي إلى بيته أو قل إلى حجرة أخيه خائب الظن بعض الشيء. وسأله أخوه: مارأيك في تجويد القرآن ودرس القراءات؟ قال الصبي: لست في حاجة إلى شيء من هذا, فأما التجويد فأنا أتقنه, وأما القراءات فلست في حاجة إليها, وهل درست أنت القراءات؟ أليس يكفيني أن أكون مثلك؟ إنما أنا في حاجة إلى العلم, أريد أن أدرس الفقه والنحو والمنطق والتوحيد.
قال أخوه : حسبك! يكفي أن تدرس الفقه والنحو في هذه السنة.
وكان يوم السبت, فاستيقظ الصبي مع الفجر, وتوضأ وصلَّى, ونهض أخوه فتوضأ وصلى كذلك, ثم قال له: ستذهب معي الآن إلى مسجد كذا, وستحضر درسا ليس لك وإنما هو لي, حتى إذا فرغنا من هذا الدرس ذهبت بك إلى الأزهر فالتمست لك شيخا من أصحابنا تختلف إليه وتأخذ عنه مبادئ العلم. قال الصبي: وما هذا الدرس الذي سأحضره؟ قال أخوه ضاحكا: هو درس الفقه وهو ابن عابدين على الدرّ. قال ذلك يملأ به فمه. قال الصبي: ومَن الشيخ؟ قال أخوه: هو الشيخ..... وكان الصبي قد سمع اسم الشيخ.. ألف مرة ومرة. فقد كان أبوه يذكر هذا الاسم ويفتخر بأنه عرف الشيخ حين كان قاضيا للإقليم. وكانت أمّه تذكر هذا الاسم, وتذكر أنها عرفت امرأته فتاة هوجاء جلفة, تتكلف زي أهل المدينة وما هي من زيّ أهل المدن في شيء, وكان أبو الصبي يسأل ابنه الأزهري كلما عاد من القاهرة عن الشيخ ودروسه وعدد طلابه.
وكان ابنه الأزهري يحدثه عن الشيخ ومكانته في المحكمة العليا وحلقته التي تعد بالمئات. وكان أبو الصبي يلح على ابنه الأزهري في أن يقرأ كما كان يقرأ الشيخ, فيحاول الفتى تقليده فيضحك أبوه في إعجاب وإكبار. وكان أبو الصبي يسأل ابنه: أيعرفك الشيخ؟ فيجيب الفتى: وكيف لا! وأنا ورفاقي من أخص تلاميذه وآثرهم عنده, نحضر درسه العام ثم نحضر عليه درسا خاصا في بيته, وكثيرا ما نتغدى لنعمل معه بعد ذلك في كتبه الكثيرة التي يؤلفها. ثم يمضي الفتى في وصف بيت الشيخ وحجرة استقباله ودار كتبه, وأبوه يسمع ذلك معجبا, حتى إذا خرج إلى أصحابه قص عليهم ما سمع من ابنه في شيء من التيه والفخار.
كان الصبي إذن يعرف الشيخ, وكان سعيدا بالذهاب إلى حلقته والاستماع له. وكم كان مبتهجا حين خلع نعليه عند باب المسجد ومشى على الحصير ثم على الرخام ثم على هذا البساط الرقيق الذي فرش به المسجد. وكم كان سعيدا حين أخذ مكانه في الحلقة على هذا البساط إلى جانب عمود من الرخام, لمسه فأحب ملاسته ونعومته, وأطال التفكير في قول أبيه: إني لأرجو أن أعيش حتى أرى أخاك قاضيا وأراك صاحب عمود في الأزهر. وفيما هو يفكر في هذا ويتمنى أن يمس أعمدة الأزهر ليرى أهي كأعمدة هذا المسجد, وللطلاب من حوله دويّ غريب, أحس أن هذا الدويّ يخفت ثم ينقطع, وغمزه أخوه بيده قائلاً في صوت خافت : لقد أقبل الشيخ. اجتمعت شخصية الصبي كلها حينئذ في أذنيه. وأنصت. ماذا يسمع؟ يسمع صوتًا خافتًا هادئًا رزينًا ملؤه شيء قل إنه الكبر, أو قل إنه الجلال, أو قل إنه ما شئت, ولكنه شيء غريب لم يحبه الصبي. ولبث الصبي دقائق لا يميز مما يقول الشيخ حرفا, حتى إذا تعودت أذناه صوت الشيخ وصدى المكان سمع وتبين وفهم. وقد أقسم لي بعد ذلك أنه احتقر العلم منذ ذلك اليوم. سمع الشيخ يقول : (ولو قال لها أنت طلاق أو أنت ظلام أو أنت طلال أو أنت طلاة, وقع الطلاق ولا عبرة بتغيير اللفظ). يقول ذلك متغنيا به مرتلاً له ترتيلاً في صوت لا يخلو من حشرجة, ولكن صاحبه يحتال أن يجعله عذبًا, ثم يختم هذا الغناء بهذه الكلمة التي أعادها طوال الدرس: (فافهم يا أدع). وأخذ الصبي يسأل نفسه عن (الأدع) هذا ما هو؟ حتى إذا انصرف عن الدرس سأل أخاه: ما الأدع؟ فقهقه أخوه وقال: الأدع الجدع في لغة الشيخ.
ومضى به بعد ذلك إلى الأزهر فقدمه إلى أستاذه الذي علمه مبادئ الفقه والنحو سنة كاملة.
19
دنيا أحمد
15-08-2007, 06:04 PM
إنك يا ابنتي لساذجة سليمة القلب طيبة النفس. أنت في التاسعة من عمرك, في هذه السن التي يعجب فيها الأطفال بآبائهم وأمهاتهم ويتخذونهم مُثلاً عليا في الحياة: يتأثرونهم في القول والعمل, ويحاولون أن يكونوا مثلهم في كل شيء, ويفاخرون بهم إذا تحدثوا إلى أقرانهم أثناء اللعب, ويخيل إليهم أنهم كانوا أثناء طفولتهم كما هم الآن مثلاً عليا يصلحون أن يكونوا قدوة حسنة وأسوة صالحة.
أليس الأمر كما أقول؟ ألست ترين أن أباك خير الرجال وأكرمهم؟ ألست ترين أنه قد كان كذلك خير الأطفال وأنبلهم؟ ألست مقتنعة أنه كان يعيش كما تعيشين أو خيرًا مما تعيشين؟ ألست تحبين أن تعيشي الآن كما كان يعيش أبوك حين كان في الثامنة من عمره؟ ومع ذلك فإن أباك يبذل من الجهد ما يملك, ويتكلف من المشقة ما يطيق وما لا يطيق, ليجنبك حياته حين كان صبيًّا.
لقد عرفته يا ابنتي في هذا الطور من أطوار حياته. ولو أني حدثتك ما كان عليه حينئذ لكذّبت كثيرًا من ظنك, ولخيبت كثيرًا من أملك, ولفتحت إلى قلبك الساذج ونفسك الحلوة بابًا من أبواب الحزن"; حرام أن يفتح إليهما وأنت في هذا الطور اللذيذ من الحياة. ولكني لن أحدثك بشيء مما كان عليه أبوك في ذلك الطور الآن. لن أحدثك بشيء من هذا حتى تتقدم بك السن قليلاً فتستطيعين أن تقرئى وتفهمي وتحكمي, ويومئذ تستطيعين أن تعرفي أن أباك أحبك حقّا, وجدّ في إسعادك حقّا, ووفق بعض التوفيق إلى أن يجنبك طفولته وصباه.
نعم يا ابنتي لقد عرفت أباك في هذا الطور من حياته. وإني لأعرف أن في قلبك رقة ولينًا, وإني لأخشى لو حدثتك بما عرفت من أمر أبيك حينئذ أن يملكك الإشفاق وتأخذك الرأفة فتجهشي بالبكاء.
لقد رأيتك ذات يوم جالسة على حجر أبيك وهو يقص عليك قصة (أوديب ملكًا) وقد خرج من قصره بعد أن فقأ عينيه لا يدري كيف يسير, وأقبلت ابنته (أنتيجون) فقادته وأرشدته. رأيتك ذلك اليوم تسمعين هذه القصة مبتهجة من أولها, ثم أخذ لونك يتغير قليلاً قليلاً, وأخذت جبهتك السمحة تربدُّ شيئًا فشيئًا, وما هي إلاَّ أن أجهشت بالبكاء وانكببت على أبيك لثمًا وتقبيلاً, وأقبلت أمّك فانتزعتك من بين ذراعيه, وما زالت بك حتى هدأ روعك, وفهمت أمّك وفهم أبوك وفهمت أنا أيضًا أنك إنما بكيت لأنك رأيت أوديب الملك كأبيك مكفوفًا لا يبصر ولا يستطيع أن يهتدي وحده. فبكيت لأبيك كما بكيت (لأوديب).
نعم! وإني لأعرف أن فيك عبث الأطفال وميلهم إلى اللهو والضحك وشيئًا من قسوتهم, وإني لأخشى يا ابنتي إن حدّثتك بما كان عليه أبوك في بعض أطوار صباه أن تضحكي منه قاسية لاهية, وما أحب أن يضحك طفل من أبيه, وما أحب أن يلهو به أو يقسو عليه. ومع ذلك فقد عرفت أباك في طور من أطوار حياته أستطيع أن أحدثك به دون أن أثير في نفسك حزنًا, ودون أن أغريك بالضحك أو اللهو.
عرفته في الثالثة عشرة من عمره حين أرسل إلى القاهرة ليختلف إلى دروس العلم في الأزهر; إن كان في ذلك الوقت لصبي جدّ وعمل. كان نحيفًا شاحب اللون مهمل الزيّ أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى, تقتحمه العين اقتحامًا في عباءته القذرة وطاقيته التي استحال بياضها إلى سواد قاتم, وفي هذا القميص الذي يبين أثناء عباءته وقد اتخذ ألوانًا مختلفة من كثرة ما سقط عليه من الطعام, ومن نعليه الباليتين المرقعتين. تقتحمه العين في هذا كله, ولكنها تبتسم له حين تراه على ما هو عليه من حال رثة وبصر مكفوف, واضح الجبين مبتسم الثغر مسرعًا مع قائده إلى الأزهر, لا تختلف خطاه ولا يتردّد في مشيته, ولا تظهر على وجهه هذه الظلمة التي تغشى عادة وجوه المكفوفين. تقتحمه العين ولكنها تبتسم له وتلحظه في شيء من الرفق, حين تراه في حلقة الدرس مصغيًا كله إلى الشيخ يلتهم كلامه التهامًا, مبتسمًا مع ذلك لا متألمًا ولا متبرمًا ولا مظهرًا ميلاً إلى لهو, على حين يلهو الصبيان من حوله أو يشرئبون إلى اللهو. عرفته يا ابنتي في هذا الطور, وكم أحب لو تعرفينه كما عرفته. إذًا تقدرين ما بينك وبينه من فرق, ولكن أنَّى لك هذا وأنت في التاسعة من عمرك ترين الحياة كلها نعيمًا وصفوًا.
عرفته ينفق اليوم والأسبوع والشهر والسنة لا يأكل إلا لونًا واحدًا, يأخذ منه حظه في الصباح ويأخذ منه حظه في المساء, لا شاكيًا ولا متبرمًا ولا متجلدًا, ولا مفكرًا في أن حاله خليقة بالشكوى. ولو أخذت يا ابنتي من هذا اللون حظًا قليلاً في يوم واحد لأشفقت أمّك ولقدمت إليك قدحًا من الماء المعدني, ولانتظرت أن تدعو الطبيب.
لقد كان أبوك ينفق الأسبوع والشهر لا يعيش إلا على خبز الأزهر, وويل للأزهريين من خبز الأزهر; إن كانوا ليجدون فيه ضروبًا من القش وألوانًا من الحصى وفنونًا من الحشرات.
وكان ينفق الأسبوع والشهر والأشهر لا يغمس هذا الخبز إلا في العسل الأسود, وأنت لا تعرفين العسل الأسود, وخير لك ألاَّ تعرفيه.
كذلك كان يعيش أبوك جادّا مبتسمًا للحياة والدرس, محرومًا لا يكاد يشعر بالحرمان. حتى إذا انقضت السنة وعاد إلى أبويه وأقبلا عليه يسألانه كيف يأكل؟ وكيف يعيش؟ أخذ ينظم لهما الأكاذيب كما تعود أن ينظم لك القصص, فيحدثهما بحياة يحياها كلها رغد ونعيم. وما كان يدفعه إلى هذا الكذب حب الكذب. إنما كان يرفق بهذين الشيخين ويكره أن ينبئهما بما هو فيه من حرمان, وكان يرفق بأخيه الأزهري, ويكره أن يعلم أبواه أنه يستأثر دونه بقليل من اللين. كذلك كانت حياة أبيك في الثالثة عشرة من عمره.
فإن سألتني كيف انتهى إلى حيث هو الآن؟ وكيف أصبح شكله مقبولاً لا تقتحمه العين ولا تزدريه؟ وكيف استطاع أن يهيئ لك ولأخيك ما أنتما فيه من حياة راضية؟ وكيف استطاع أن يثير في نفوس كثير من الناس ما يثير من حسد وحقد وضغينة, وأن يثير في نفوس ناس آخرين ما يثير من رضًا عنه وإكرام له وتشجيع؟ إن سألت كيف انتقل من تلك الحال إلى هذه الحال, فلست أستطيع أن أجيبك! وإنما هناك شخص آخر هو الذي يستطيع هذا الجواب, فسليه ينبئك.
أتعرفينه؟ انظري إليه! هو هذا الملَك القائم الذي يحنو على سريرك إذا أمسيت لتستقبلي الليل في هدوء ونوم لذيذ, ويحنو على سريرك إذا أصبحت لتستقبلي النهار في سرور وابتهاج. ألست مدينة لهذا الملَك بما أنت فيه من هدوء الليل وبهجة النهار؟!
لقد حنا يا ابنتي هذا الملَك على أبيك, فبدّله من البؤس نعيمًا, ومن اليأس أملاً, ومن الفقر غنى, ومن الشقاء سعادة وصفوًا.
ليس دين أبيك لهذا الملَك بأقل من دينك. فلتتعاونا يا ابنتي على أداء هذا الدين. وما أنتما ببالغَين من ذلك بعض ما تريدان.
20
دنيا أحمد
15-08-2007, 06:16 PM
http://3ata.com/up/uploads/c995bf053c.jpg (http://3ata.com/up/)
أحمد النجار
15-08-2007, 08:29 PM
http://fsfs.jeeran.com/5.gif
حضرتُ حتى أتعلم أختي الغالية
دنيا أحمد
ممتنٌ أنا لكل شيء
أخوكِ الفخور بكِ حجم قلبكِ الطيب
أحمد النجار
دنيا أحمد
16-08-2007, 03:31 PM
http://3ata.com/up/uploads/55449be2e4.jpg (http://www.mnaabr.com/vb/redirector.php?url=h ttp://3ata.com/up/)
ايها المتواضع الكبير
لمروركـ الراقي بريق لم اعهده من ذي قبل
لا عدمت تواجدكـ بالقرب دوما
ممتنة أنا عدد النجوم في السماء
أختكَـ الفخورة بكَـ جدا
دمتَ بكل التقدير
نهى علي
18-08-2007, 05:31 PM
مجهود جميل يا دنيا
سلمت يمينك
نقل موفق
باقة ورد من نهى
دمعة الماس
18-08-2007, 06:32 PM
دمتِ نبضاً معرفياً ناطقاً يا دنيا ..
دمعة الماس
دنيا أحمد
21-08-2007, 04:42 PM
مجهود جميل يا دنيا
سلمت يمينك
نقل موفق
باقة ورد من نهى
http://3ata.com/up/uploads/70131c3390.jpg (http://3ata.com/up/)
و الأجمل مروركـ الراقي عزيزتي نهى
و الأروع هو توقيعكـ هنا
جميلة تلكـ الفراشة
كثير كثير حلوة و عجبتني
مباركـ عليكـ
دمت جميلة
دنيا أحمد
21-08-2007, 04:48 PM
دمتِ نبضاً معرفياً ناطقاً يا دنيا ..
دمعة الماس
http://3ata.com/up/uploads/bbdca799e2.jpg (http://3ata.com/up/)
ممتنة أنا لمروركـ
ممتنة لرقة ردكـ
فــ لا عدمت تواجدكـ
دمت بكل الألق
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.7.0
nabdh-alm3ani.net bdr130.net