مشاهدة النسخة كاملة : بورتفوليو - Portfolio
هشام آدم
09-07-2007, 09:31 AM
- الورقة الأولى من البورتفوليو -
لم أشأ ، غير أني وجدت نفسي غِـراً في حضن أبوين هربا من وطن لا أعرفه عنه شيئاً غير ما ينسبه لي أطفال الشارع البِيض: "يا سوداني ... يا سوداني" فعرفت بفطرة الأطفال أن "سوداني" هي وصمة عار أو في أحسن الأحوال مذمة لا خلاص منها. ورغم هشاشة العظام ، وضيق مساحات الاستيعاب ، واتساع مساحات البراءة الطفولية إلا أنني وجدت نفسي فجأة بين وصمتي عار – لا ذنب لي في أيّ منهما - : أنني سوداني و أنني في السعودية! وهذه الأخيرة لم أشعر بها في البداية غير أن هذا البورتفوليو يحمل العديد من الأوراق التي ستنكشف الواحدة تلو الأخرى تماماً كما تسقط أوراق شجرة البلوط خريفاً.
وكما يتسامح الأطفال ، تسامحت مع بقية الأطفال لأنني أريد أن يشركوني معهم في اللعب . ولم أكن أعلم أن الكلام الذي يطلقونه في ضحك طفولي ساخر كان ينكت في قلبي الصغير نكتة بدأت تكبر معي يوماً بيوم حتى امتلئ. ولأن الإنسان هو ابن بيئته الشرعي فقد اكتسبت اللهجة المحلية لأبناء السعودية (هل كان ذنبي؟) وعشت – كما عاش الآلاف غيري – جدلية: البيت والشارع. أدخل فإذا بأمي تكلم أبي بالرطانة وتتكلم معنا بالعربية (الدراجية السودانية) ، وأخرج إلى الشارع لاصطدم باللهجة السعودية. وأكاد أجزم أن هذه (الطوطحانية) أرهقت جميع من تربوا خارج السودان. وظروف أبي المرتبطة بعمله الشاق (متعه الله بالصحة والعافية) كانت تحول بيننا وبين أن نزور السودان سنوياً كما كان يتاح لبعض المغتربين ، وهذا بدوره ساعد على اتساع رقعة الرتق.
في المدرسة ، كان لازماً علينا أن نتقيد بالزي السعودي ، فارتدينا الجلابيب البيضاء ، وأغطية الرأس الحمراء المنقطة "شماغ". وأكرر كان هذا إلزامياً !! وكنا نرى بين كل عشرين عابراً واحداً أو ربما اثنين يرتدون جبة سودانية وعمامة كتلك التي نراها على الرؤوس في المناسبات العائلية النادرة. كان اغترابنا حقيقياً من الداخل ومن الخارج. فلا اللغة ولا العادات ولا الزي ولا حتى الممارسات كانت هي التي يجب أن نتربى عليها.
هنا البيوت لها أكثر من باب!! باب للرجال .. وآخر للـ(حريم) وأرى أن الكبار يتشربون المحرمات الأجنبية أسرع مما يفعل الأطفال. كنا صغاراً عندما بدأنا نسمع : "يا ولد أمشي أقعد جوا .. عيب .. ما تقعد مع الكبار" أو "يا بت عيب ... ما تلعبي مع الأولاد" وكنا نرى أن هذه هي (التعاليم) لأنه لم تكن هنالك تعاليم أخرى تحل محلها. وفي المدرسة تكرر نفس التعاليم ولكن بلهجة أكثر صرامة وتأخذ شكلها الأكاديمي المهيب. فيصبح كلام (الأستاذ) مرجعية نقارع بها آبائنا وأمهاتنا في المنزل "الأستاذ قال كده!!" وتشبعنا بما فيه الكفاية بسلطة المدرسة في غياب التربية الأسرية – فيما خلال " عيب " و " لا " و " خش جوا " وووووو وسلسلة من الأوامر والنواهي. فكانت هذه هي التربية في نظرهم ، وربما في نظرنا أيضاً .
هشام آدم
09-07-2007, 09:46 AM
- الورقة الثانية من البورتفوليو -
اللعب في الشارع ، كان مكافئة لعمل عظيم تقوم به. السماح لك بالخروج مع أصدقائك للحي الآخر يحتاج إلى واسطة أمومية ورجاءات، وربما تعهدات بعدم التأخر !! علمونا أن البيت هو الملاذ الآمن من الخطر الذي في عقولهم وحدهم. فعندما شعروا بذلك ... خفنا !!! من ماذا ؟ لا ندري. ولكننا عرفنا أن الخطر ، كل الخطر يكمن في هذا الشارع المقابل لتلك النافذة. لهم الله آبائنا إنما كانوا قلقين وحسب.
تمر السنوات وتصبح هذه الأرض الغريبة ، ليست غريبة ، إنماً وطناً به أهلي وبه أصدقائي ومدرستي وملعبي وكل شيء. (هل كانت تلك غلطتي؟) أصبح ارتباطي بالسودان فقط من خلال ما أسمعه من أبي في ساعات التجلي النادرة التي كان يحكي لي فيها عن جدي (أبيه) عليه رحمة الله ، وعن أخواته وعن شقاوة الطفولة التي تركها هناك حينما جاءته الفيزا على طبق من ذهب. أمي ... ذات الشلوخ الطولية الست .. امرأة بسيطة جداً ... كل همها أنها تريدنا أصحاء وناجحين في الدراسة. ولم أكن أريد أن أحملها عبئاً آخر إضافة إلى عبئها المنزلي وغربتها عن أمها وأخوتها الذين تركتهم في جحيم الأرياف ، على وعد أن يثمر زواجها من أبي بمعونات تصلهم في شكل نقد أو ملابس أو أثاث منزلي أو أدوية أو شراء منزل جديد عوضاً عن ذلك الذي تهدم في إحدى فيضانات النيل.
هذا عالم آخر تمت إضافته إلى مستودع الذاكرة لدي .. جدي ، جدتي ، أعمامي ..... إنهم مجرد أسماء أحاول جاهداً في كل مرة أن أربط بينها وبين الصورة القديمة الباهتة التي كانت أمي تحتفظ بها في حقيبتها الزرقاء الكبيرة تحت سرير الدبل! فاختبر نفسي بين كل فترة وأخرى ... هذا الشاب مفلطح الرأس اسمه ( عادل ) وهو خالي .. وهذا المبتسم ذو البشرة الداكنة اسمه ( نميري ) وهو خالي أيضاً .. وببساطة ( عادل ) أخو ( نميري ) وهما أخوان أمي .. هذه الشابة السمراء منكشة الشعر عمتي ( حنان ) تلك البدينة التي تلف ثوبها بإهمال هي عمتي ( خديجة ) لا ... ربما كانت ( نعمة ) . كنت أحاول فأخفق ثم أحاول وأنجح وإذا شعرت بأنني حفظت الأسماء وربطها بالصورة ... أذهب مسرعاً إلى أمي كي ( أسمّع ) لها ما حفظت فتكتفي بكلمة ( شااااااطر ) !!! أليست هذه هوة ؟
أن يكون أهلك مجرد أسماء تحاول مذاكرتهم ، لهي الطامة .. أن يكونوا بالنسبة إليك كالصحابة تعرف أسمائهم ولا تعرف أشكالها ، لهي هوة حقيقية عانيت منها وأنا ما أزال طفلاً (فهل كان ذنبي؟)
هشام آدم
09-07-2007, 09:58 AM
- الورقة الثالثة من البورتفوليو -
مرت الطفولة .. وما زال أبي لا يفتأ يدعو في صلواته أن يحفظنا من أمر ما نجهله. وأمي لا تتوقف عن ترديد ( عيب )، ( لا ) وبعض الأغنيات الشعبية القديمة التي ترددها بين الحين والآخر. ودخلت مرحلة المراهقة. هذا النفق الزمني المظلم ... ظل المدرسون في المدرس وأصدقاء أبي يحذرونه من (المراهقة) وكيف أن الأطفال يسهل عليهم الانحراف في هذه المرحلة. فأخرج أبي سجينه من السجن العمومي إلى السجن الانفرادي. ومزيداً من الطين يا إلهي !!! فلم أجد أمامي غير هذا المبنى المجاور لمنزلنا أذهب إليه خمس مرات في اليوم والليلة بانتظام. فقصرت ثيابي واعتكفت في المسجد لمدة تربو على الثلاثة عشر يوماً ... كان جزائي فيها الإطراء من والدي .. الذي رأى في ذلك ( صلاحاً ) يحسده عليه أصدقائه وأقرانه. ولكنني كنت بطريقة مراهقة أنفس عن شيء ما بداخلي ... فقط لم أجد المتنفس. كنت بدأت - فيما أسميه الآن (الانتقام الذاتي) – بهجر مصافحة النساء حتى أولئك اللواتي يعبرنني بعشرات السنوات وأولئك اللواتي يعتبرن بمثابة العمة أو الخالة بالنسبة لي. ولكن كان هنالك شيئاً ما يقول لي: "لا المرأة عورة" (المرأة) يعني (أي امرأة). الآن أعتبر أن تلك المرحلة كانت مجرد (مراهقة دينية) لا أكثر.
سألت نفسي ذات مرة سؤالاً : لماذا أصلي؟ لماذا أصوم؟ لماذا أقرأ القرآن؟ فوجدت الإجابات واحدة في كل مرة (لأن أبي وأمي والجيران يفعلون ذلك) وفي قرآن الفجر الذي كان مشهودا قرأت ( وإذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنت لها عاكفون * قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآبائكم في ظلال مبين ) فشعرت بأنني أتحدث عن نفسي . فقلت في نفسي : إن كانت الآية قد جاءت في مقام الذم .. فهذا يعني أن ما أفعله ليس شيئاً محموداً ، وليس أمراً يقبله الله لي ... وعندها قررت أن انتظر (الهداية) أن ينزل علي كناموس موسى هكذا في ساعة خلوة ... كنت مخطئاً ولكنني كنت ابن الثالثة عشر !!!! ولكم أن تقيسوا أدوات الوعي المتوفرة لدي آنذاك. (فهل كان ذلك ذنبي؟)
في مرحلة ما من هذه الرخوية كنت لا أحاول كثيراً أن أفكر في (من أنا؟) فهذا سؤال فلسفي لطلاب المراحل المتقدمة. وجدتني في ذلك الوقت أشبه كل الناس. كنت وأنا أتابع حركة الأيدي الثلاث التي تتحرك بتثاقل لمروحة السقف المعلقة أفكر ، لماذا أضحك مثل ( فلان ) ولماذا أمشي في بعض المرات مشية ( فلان ) ؟ ترى هل هناك شخص ما يقلدني فأفسر ما أنا فيه على أنه حالة عامة؟ وتعبت من هذا التساؤل الذي كان في الحقيقة مدخلاً لمعرفة نفسي ، لكني لم أكن أملك – وقتها – الأدوات المناسبة لاستغلال هكذا سؤال لفهم من أكون. وفي كل مرة كنت أقفل صفحتي بلا مبالاة وأقول (عندما أكبر سأعرف الإجابة).
هشام آدم
09-07-2007, 12:35 PM
- الورقة الرابعة من البورتفوليو -
(البنات) هذه الكلمة كانت تعني لي في مرحلة عمرية محددة ، أخوتي فقط. وفيما بعد أصبح هذا الاسم كالشارع مخيفاً دون إبداء الأسباب. ولا أنسى أن محيطي لم يكن يحتوي على شبهة ( أنثى ) حتى!! إلى أن رأيتها ذات مرة في منزلنا قادمة مع أهلها. فتاة كل ما أعرفه عنها أنها فتاة بيضاء. (بيضاء) هي الدلالة الجمالية الوحيدة التي أعرفها عن (الأنثى). إنسانة مرحة تحاول – عند خروجها من سجن أبيها – أن تنفس عن نفسها ، تماماً كما كنت أحاول أن أنفس عن نفسي باعتكافي في المسجد. ولكلٍ منا أسلوبه في التنفيس.
وربما لأنني كنت غِـراً بعد ، فلم أعرف إلا أن هذه الفتاة هي الأنثى الوحيدة التي أعرفها عدا أخواتي الأربع. لذا أحببتها !!! نعم بهذه السذاجة ، وبهذه المعطيات البسيطة بل البدائية. (فهل كان هذا ذنبي؟).
الآن .. كلما أتذكر ذلك ، أضحك على نفسي. ولكنني وقتها كنت أعشقها فعلاً .. أو هكذا كان يخيّل إلي. وكان ذلك هو المنعطف الثاني في حياتي. أو فلنقل ثاني محاولة لاكتشافي. وربما لذات السبب الساذج فقد بادلتني الحب على طريقتها الخاصة والمراهقة. يبدو أننا كنا نلعب أو نهذي. على كل حال فقد كانت تجربة حقيقية أعتبرها. بل كان عميقاً آنذاك. وعندما سافرت إلى السودان ... ووجدت أن هنالك إسطبل به عدد مهول من (الأولاد) ومساحة واسعة من الخيارات استسخفتني .. أو فلنقل أنها أعادت النظر في الموضوع. فقررت ألا تحرم نفسها متعة الاكتشاف. ففعلت. فكانت أول صدمة عاطفية من نوعها أتلقاها لحب دام أكثر من أربع سنوات (تقريباً) ولكنني عذرتها عندما ذهبت لذاك الإسطبل!!!
هشام آدم
11-07-2007, 12:20 PM
- الورقة الخامسة من البورتفوليو -
قبل سفري بأيام ... كنت لا أنام. كنت أشعر بشعور غريب. أكاد أجزم أنه ذات الشعور الذي تشعر به الفراشة وهي في طريقها للخروج من شرنقتها الضيقة إلى عالم فسيح ومساحات للتحليق الحر. وجدت نفسي الآن أذكر (الحرية) دون قصد. بيد أن هذه الرحلة كانت في حقيقتها رحلة للبحث عن الحرية. ولماذا أسميه بحث؟ أنا لا أعرف الحرية أساساً كي أبحث عنه. فالبحث يكون عن شيء تعرفه أو يكون في حوزتك وتفقده. إذاً فهي كانت رحلة للتعرف على الحرية. أريد أن أرى هذه الحرية التي سمعت عنها كثيراً في قصائد الشعراء الأكاديميين، وفي أغاني بعض الفنانين الذين كنت أسمعهم يغنون لها في أشرطة يضعها أحدهم في سيارته. وفي هتافات الشباب المتظاهرين في الشوارع والتي كنا نراها في نشرة الأخبار.
وما زلت أذكر كلام أستاذنا في المدرسة حرفياً: "الحرية سلاح ذو حدين" كنت أصنف الحرية ضمن قائمة طويلة من الأشياء المحرمة. والقائمة تحتوي على:
+ البنات
+ الخمر
+ الشيوعية
+ العلمانية
+ شرب السجائر
+ العادة السرية
+ الحرية
+ الدراسة في بلاد الكفار
+ الديمقراطية
+ حرية المرأة
+ سب الدين
وتقابل هذه القائمة قائمة أخرى مناقضة لها تماماً .. هي خلاصة ما تم تلقينه لنا أكاديمياً إضافة إلى تاريخ المملكة والعهد السعودي الأول والثاني والثالث ودور الأتراك في الحجاز والدولة السعودية. كنا نحفظ تاريخ الدولة السعودية أكثر من تواريخ ميلادنا .
هشام آدم
11-07-2007, 12:24 PM
- الورقة السادسة من البورتفوليو -
في فترة ما حاولت أن أرسم بالقلم الرصاص ملامح أو (كروكي) لملامح أعتقد أنها تشبهني. حاولت أن أكتشف نفسي بنفسي ، فوجدت أنني شخص لا يحب شيئاً بقدر ما يحب أن يقرأ الشعر ، ولا يكره شيئاً بقدر ما يكره أن يكون في أعين الناس غير ما هو عليه. ومنذ ذلك الحين آليت على نفسي أن أكرس جهدي لتوضيح هذه الملامح.
في البداية لم تتوفر لي فرصة أن أقرأ من الشعر غير ما كان يدرس لنا في المدرسة من أشعار منهجية - أراها عقيمة الآن - ولكنها كانت بالنسبة لي الذخيرة الأولى التي تسلحت بها وأخذت بعدها محاولات المجاراة . بدأت أكتب الشعر بنهم وبغزارة. كنت أحس بأن شيئاً ما يدخل في أوصالي كلما انتهيت من قصيدة ، تماماً كما يشعر المراهق بفرحة غرة مع كل شعرة تنبت في شاربيه.
ثم شعرت بأنني أحتاج أن أقرأ ما أكتب على أحدهم ، كي أعرف مدى ما أنا عليه من جودة أو (خرمجة) فكان أول من اخترت والدي (أطال الله في عمره) ، في البدء أخذ الورقة بيده اليسرى وقلب بصره فيها بسرعة خاطفة ، وهو يحرك شفتيه ثم نظر إلي وقال: ده شنو ده؟ أنا أكيد من أنه لم يقرأ غير عنوان القصيدة فقط أو ربما بعض الكلمات من المطلع. لكنه زجرني بعنف ، ظناً منه بأن ما أفعله هو من قبيل إهدار الوقت ... وبدأ - كلما وجدني أكتب شعراً - يكرر على مسامعي: يا ولد سيب الكلام الفارغ ده .. وانتبه لدراستك.
لا أدري ... شعرت أن الشعر فيما بعد أصبح من المحرمات ... فبدأت أخفي دفاتري الشعرية البدائية جداً في أماكن يصعب الوصول إليها ، لأنه كان يمزقها كلما وقعت تحت ناظريه. حاولت ألا أسمح لذلك اليأس والشعور بالإحباط أن يتسرب إلي من تلك التعنيفات التي كنت أسمعها منه. وربما نجحت نوعاً ما ... غير أنها نكتت في قلبي نكتة سوداء ما تزال تربو ... وتطفو على السطح عندما أعجز عن تكملة قصيدةٍ ما .. فأجدني أمزقها بنفس الطريقة التي كان والدي يمزق بها أوراقي القديمة ، بل وأجدني أكرر : ده كلام فارغ .. ده كلام فارغ.
لا بأس فمن شابه أباه ما ظلم!!!
هشام آدم
18-07-2007, 09:12 AM
- الورقة السابعة من البورتفوليو -
أذكر أن أستاذ اللغة العربية - أحد القلائل الذين كانوا يشجعونني على الكتابة والقراءة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً - يخبرني بأن المدرسة سوف تدخل في منافسة شعرية مع بقية مدارس مدينة الرياض ... وأنها - إدارة التعليم - سوف تختار من كل مدرسة قصيدتين فقط. فنصحني بالمشاركة. ورغم أنني لم أكن متحمساً في البداية إلا أنه بدأ ينفخ فيني شعور الأمل والتفاؤل الذي كنت قد نسيت طعمه.
في صباح ذات يوم ، وبينما نحن وقوف في الطابور الصباحي - الذي يذكرني به الآن تحركات الجيش إلى الثكنات ، وانتظام المساجين في المعتقلات وفي شكل حركتهم في تناولهم للوجبات اليومية الفقيرة - وبعد أن تلينا النشيد الوطني السعودي (هل كان ذنبي؟) وقف وكيل المدرسة وعلى يساره مدير المدرسة وفي يده ورقة يقرأ منها ما لم أكن حريصاً على سماعها ، بينما شدني أنه قرأ اسمي بصوت عالٍ فانتبهت. ظنتت في البدء أن ثمة عقوبة تنتظرني على ذنب ما اقترفته ونسيت .. غير أن ملامحه المبتسمة لدى استقبالي جعلني أتساءل : ترى ماذا تحمل هذه الابتسامات ورائها؟ طلب مني الوقوف إلى جواره فامتقلت. وبعد انصراف الطلاب قادني إلى حيث مكتبه ليخبرني أن قصيدتي وزميل آخر لي تمت اختيارهما من قبل إدارة التعليم لدخول المنافسة .
لقد كانت فرحتي كبيرة بهذا الإنجاز الأول الذي أحققه. غير أن فرحتي لم تدم طويلاً حيث أخبرني بأن هذه المسابقة تشترك فيها جميع المدارس الثانوية بمدينة الرياض. فخاب أملي . قلت في نفسي ... كيف لي أن أدخل منافسة كهذه وما أكتبه ما أزال لا أقتنع به؟ ثم كيف لي أن أحرز نصراً كهذا بينما الأولى به أبناء هذا البلد؟ فاكتفيت بانتصاري (المحلي) ولا أنسى أنني لم أخبر أبي بذلك أبداً بينما أسررت لأمي التي هزت رأسها وهي تقلّب (الطبيخ) على النار وهي تقول: سَمِح !!!
بعد شهر من ذلك .... وبينما نحن في حصة العلوم ، دخل علينا الوكيل وطلب من الأستاذ (استعارتي) لبعض الوقت. وفي غرفة المدير بشروني بأنني حصلت على المركز الأول في تلك المسابقة .. وأن هنالك جائزة مالية وشهادة تقديرية في انتظاري في مقر إدارة التعليم. وخيروني بين أن يرسلوا مندوباً عني لاستلام الجائزة أو ذهابي لذلك الغرض. فطلبت أن أقوم أنا بتلك المهمة.
إن لذلك الخبر وقعاً لا أكاد أنسى ملامحه حتى اللحظة. فقد كنت أحسب الدقائق والثواني حتى ينتهي اليوم الدراسي .. بل كنت ألعن الشارع الذي مد لسانه لي فشعرت به أطول من ذي قبل. وما أن وصلت البيت حتى صرخت. نعم صرخت بكل قوة. فزجرتني أمي: بسسسسم الله .. يا ولد بتكورك مالك؟ فلما أخبرتها بما في جعبتي من أخبار مفرحة ، هزت رأسها وهي تقول: طيب ما تكورك كده!! لم أكترث كثيراً لتجاهلها هذا الخبر .. فلقد أصبحت لدي مناعة من الإحباطات المتكررة. ورغم أن أبي رفض الذهاب في ذات اليوم غير أنني كنت مصراً على الذهاب واستلام الجائزة فذهبت وحدي. ولما علم والدي بذلك ضربني لأنني (لم استطع أن أنتظر حتى الغد ليذهب معي) ضربني لأن (راسي ناشفة) على حد تعبيره ، لم يسأل نفسه لماذا كنت أستعجل الذهاب ، بل لم يكلف نفسه عناء أن يتفهم لي ذلك الاستعجال ، وكأن الموضوع يتعلق بشراء (خروف) لا يضير لو تم شراءه اليوم أو غداً أو حتى بعد غد. فتقبلت الضرب بابتسامة ظاهرية ، ولكن القلب ما زال عامراً بالنكت السوداء.
هشام آدم
18-07-2007, 09:18 AM
- ورقة كروشيه على الهامش -
إنني لأحمد الله الذي منحني الصبر بل الثبات على الشعر كما لم يمنحنيه على ولعي بكرة القدم. فلقد كان والدي (أطال الله في عمره) يحاول ما استطاع أن يجعلني أكرس حياتي كلها في الدراسة.... الدراسة فقط. ربما لم يكن يعي آنذاك أن للحياة أكثر من باب وأكثر من نافذة. وأن الهوايات أمر مطلوب بجانب الدراسة كذلك. وهذا الأمر دعّم لدي إحساسي السالب جداً تجاه (السعودية) بأنها مقبرة الأحياء ... وبأن علي أن أصبر حتى أخرج من هذه الشرنقة الضيقة الخانقة حتى أتنفس الصعداء ، وحتى تتنفس تلك المواهب هواء الحرية الذي حرمت منه. وبدأ صبري ينفذ بعد تخرجي من الثانوية .. وأنا في انتظار أن تفتح الجامعة أبوابها
هشام آدم
18-07-2007, 09:20 AM
- الورقة الثامنة من البورتفوليو -
كمن توهب له الحياة بعد الموت ، كذلك كنت عندما وطأت قدماي أرض (الوطن) ها أنا ذا أخيراً في السودان. أشتم عبق الانتماء والإلفة في رائحة ترابها ورائحة عرق الحمالة في مطار الخرطوم. واستشف الحميمية من تضاريس الوجوه الكالحة والباهتة. استقبلها بابتسامة الودود المحب منتظراً ساعات من السلامات العائلية لأستمتع بعدها بتعبئة الأماكن في العيون والذاكرة. أدهشتني الخرطوم للوهلة الأولى حيث كانت تبدو لي كطفل صغير يقف بكل بجاحة بريئة وقد ارتفع قميصه وأسفرت عن انتفاخة بطنه الصغير. طفل لا يكترث كثيراً بأن يهذب ثيابه أو يمسح ما تساقط من ماء أنفه على فمه!! ورغم ذلك فإننا نحب الأطفال ونرى أن وسخهم براءة تدعو للضحك واستجلاب المودة. وهكذا كانت الخرطوم عندما رأيتها أول مرة.
كان في استقبالي بعض تلك الملامح المغايرة نوعاً ما لما رأيتها في الصورة التي كانت أمي تحتفظ بها في حقيبتها الزرقاء تحت سرير الدبل ، ولكن وكما يرتبك أحدنا في الامتحان – رغم استذكاره الجيد – فإنني اختلطت علي الوجوه والأسماء ـ وتشابه علي البقر ، فلم أذكر أحداً باسمه. حاولت أن أركز في المناظر الخارجية من نافذة سيارة الأجرة الصفراء المتهالكة التي يقودها رجل عجوز بملامح مبتسمة ودودة ، ولكنهم لم يعطوني الفرصة الكاملة لذلك. شعرت حينها بسعادة غامرة وأنا بين أهلي وفي بلدي وهؤلاء العابرون في الشارع يعرفون لغتي ولا يستهجنون لون بشرتي. وكل غريب فيما أراه محبب إلى نفسي ، الشوراع التي تخلو من الإنارة ، الوجوه المتعرقة حتى ليلاً ، البيوت الشاحبة ، الألوان التي يعلوها الغبار ،،،، كل شيء ، كل شيء.
وبقدر ما أحببتها ، بقدر ما أساءت إلي!! كيف؟
منذ اليوم الأول ، مساءً ، حين جلسناً أرضاً لتناول العشاء ، بدأ الجميع – كلٌ على طريقه – يسخر إما من طريقة أكلي ، أو يلقي بأسئلة كنت أعتبرها في البداية مغازلات للطعام السوداني من قبيل: "ما في حاجات زي دي في السعودية ... مش؟" أو "شوية شوية المعدة حتتعود" فكنت أبادلهم تلك العبارة بابتسامة مجامِلة وبعض الكلمات المقتضبة. كنت أركز كثيراً على كل ما يقولون وكل ما يفعلون ليس لشيء ، إنما من أجل أن أكتسب المعرفة السلوكية واللفظية فقط. كنت أعتبر أن كل سوداني عاش وتربى في السودان شخص كامل بطريقة أو بأخرى، أو في أسوء حالته فإنه – قطع شك – سيكون أفضل مني وأغزر خبرة. فمعلوماتي أنهم اعتركوا الحياة واعتركتهم بما يكفي. وربما كان ذلك ما يفسر قبولي – أو فلنقل رضوخي - للكثير مما كنت أراه أو أسمعه منهم.
كنت أعتبر نفسي سفيراً لعائلتي ، وعليه فإنني كنت أحاول أن أتصرف بطريقة لبقة ، وأكثر تهذيباً . بيد أني فوجئت بأن هذه اللباقة كانت محل سخرية الجميع. فلقد كانت كل تصرفاتي وسلوكي يعزى لديهم لتربيتي في السعودية. كان الأمر يدعو فعلاً للسخط والاستياء. غير أني لم أشأ أن أجعل هذا الشعور السالب يتملكني. وكنت كذلك أرى أنهم ربما كانوا على حق ، بل إنهم فعلاً على حق. وكان هذا ما يغريهم بالكثير من التجاوزات.
هشام آدم
16-08-2007, 06:56 AM
يُرفع الموضوع للمواصلة ....
هشام آدم
16-08-2007, 07:25 AM
- الورقة التاسعة من البورتفوليو -
ببساطة ، لم أذهب إلى السودان للسياحة. بل للدراسة. فأنا – كنت في نظر نفسي – طالباً لا يملك إلا حقيبة ثيابه وبعض النقود (مصروفيالشهري) وبعض ما تبقى من ذكريات أبي التي كان يليقها على مسامعي عن بعض أفراد هذه العائلة التي من المفترض أن أقضي معهم سنوات دراستي الجامعية. بعد العشاء ، استأذنت بكل لطف وطلبت منهم أن يخبروني أين يمكنني أن أضع حقيبة ملابسي لأنني أريد أن أبدل ثيابي واستعد للنوم، ففعلوا. فتحت الحقيبة أخرجت (الغيارات) ثم سألتهم عن مكان (الحمام ) فضحكوا جميعاً قبل أن يستدرك أحدهم قائلاً : "إنتاداير تتسيّر ولا داير تستحمى؟ فقلت لهم : "الاثنين" فانقلبوا ضاحكين.... لم أفهم تحديداً سبباً لضحكاتهم الهستيرية تلك. غير أنني كنت أشعر بغضب عارم من تلك الضحكات التي لا تعني إلا الإمعان في امتهاني. حاولت – بلطف – أن أسأل عن سبب ضحكهم فأخبروني الفارق الجوهري بين (الحمام) و (الأدبخانة) واستخدامات كل منهما ، فتبسمت في سخرية وقلت وأنا أتجه إلى "الحمام" : "خلاص بالله أدوني كاتلوج أمشي عليهو" ورغم أن سخريتي منم كانت مبررة إلا أنهم – جميعاً – اتفقوا على أن جملتي كانت (منتهى الوقاحة وقلة الأدب!!) وبعد أن انتهت من حمامي المسائي الدافئ ، توجهت إلى حيث وضعت حقيبتي ، ففوجئت بهم جلوساً أمام الحقيبة وقد أخرجوا ما بها من ملابس وهدايا وخطابات. توقفت لبرهة غير مدركاً لهذا الوقاحة التي لم تكن – بالنسبة لهم – غير سلوك اعتيادي ، فهذه الهدايا لهم ، والخطابات مرسلة إليهم (أقصد أغلبها) ، أما عن مصادرتهم لبعض ملابسي وأحذيته فهو سلوك مبرر ، فهشام قد يرسل إلى أبيه فيزوده بما يحتاج من أحذية وملابس ... كيف لا .. فهو ابن (مغتب) هذه الكلمة أصبحت تثيرني جداً فيما بعد ، لورودها بين كل جملة وأختها ، بمناسبة ومن غير مناسبة. فكانت تساوي تماماً كلمة (ياسوداني) كان الأطفال ينعتوني بها هناك.تكررت تلك المشاهد الضاحكة والساخرة كثيراً لدرجة. تصنعت الاعتيادية وأنا أرى أحدهم قد باشر في ارتداء إحدى ملابسي التي لم أضعها على (جتتي) بعد ، والآخر بدأ يقيس الحذاء الذي كنت أنوي الذهاب به إلى الجامعة في اليوم التالي.انقضى اليوم الأول بخيره وشره ، ونمت تلك الليلة في خليط من المشاعر المتداخلة. مشاعر جميلة وأخرى سيئة جداً. ولا أفشي سراً إن قلت أنني أحسست (بالغربة) تلك الليلة. نعم ! لقد شعرت فعلاً بالغربة. الجديد في الأمر أنني أنام وفوقي السماء الزرقاء مباشرة بدلاً عن مروحة السقف المتهدلة تلك. وأصوات كلاب تأتي من جميع الاتجاهات. وأصوات الجنادب والضفادع .... (موسيقى الأدغال) بيد أنه ليست ثمة أشجار كثيفة ، بل مساحات واسعة من التراب والأراضي غير المسكونة. لم أستطع النوم إلا في وقت متأخر ، حيث أنني بدأت في حوار ذاتي ، أعالج فيه ما تولد لدي من أحاسيس منذ عناقي لأول شخص استقبلني في المطر وحتى آخر كلمة سمعتها (تصبح على خير)
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.7.0
nabdh-alm3ani.net bdr130.net