المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإنتحار في حياة الأدباء/د.عبدالرحمن أقرع


د.عبدالرحمن أقرع
06-06-2007, 03:53 AM
الانتحار في حياة الأدباء
ترجمة د.عبدالرحمن أقرع
عن جريدة (المنتدى الأدبي ) البلغارية الرقمية






في حياة الكثير من الأدباء الذين أنهوا حياتهم بأيديهم كانت المشاكل النفسية تلعب دورها الشرير ، وكأنها تهيأ التربة الخصبة للنهاية المأساوية. وتعتبر أبرز حوادث الانتحار رعبا تلك التي تتم في وضع يصبح العيش فيه مقيتا لدرجة الألم.عند ذاك يقدم الجاهل على تدمير ذاته بطريقة بالغة القسوة والعذاب الذاتي. كتلك التي نفذها الشاعر الفرنسي المجنون (أرمان بارتيه) – 1820-1874 عندما ابتلع المفتاح الحديدي للصندوق الذي حفظ فيه كتاباته ، كذلك صنع من قبله شاعر فرنسي آخر هو (نيقولا جيلبير) -1750-1780..أو أن يطلق النار على نفسه إلى جانب طاولة الكتابة كالشاعر الأرجنتيني (فرانسيسكو ميرينو ) -1904-1928.
ومع ذلك ..ورغم الغياب الكامل للعقل في لحظة الانتحار يظل وفيا وصادقا مع نفسه فيكتب واصفا لحظاته الأخيرة أثناء الاحتضار ، والذي يبدو –في بعض الأحيان- محاولة أخيرة للحفاظ على وعيه حتى النهاية.
من هؤلاء (ألكسي لوزين-لازينسكي) الذي في نجح في كتابة بضع سطور غير مترابط أصبح آخرها غير مقروء نجح قراؤها في تمييز الآتي : ( أعيش دون وعي ...قدماي تتجمدان..ولكي لا أجن أكتب ...يداي تضعفان...أنا أموت...اصمت....أنا الآن واثق أنهم لن يدفنونني ..أنا محار..أنا إخطبوط...أنا عاشق لجنوني...أقهقه في الظلام الأسود...هاهاها هاهاها ...لا يخجلني ذلك.....سأعرض جنوني للعيان...في صحيفة (يداي تتجمدان) وبعد ذلك ستتلو الجرعة القاتلة من المورفين.
أما الشاعرة والكاتبة الأمريكية (سيلفيا بلات) –1932-1963...فقد استخدمت أوضاعا انتحارية للصراع مع حلول الجنون، فهي من وصفت وبالتفصيل أعراض نوباتها المرضية ، محاولات الانتحار التي قامت بها ، وما تلاها من عودة للحياة. كانت النوبات تلم بها مرة كل عشرة أعوام..وفي كل مرة كانت تعرض فيها حياتها للخطر، كانت تترك نافذة للإنقاذ ، وكأنها تخادع جنونها، وبعد كل إنقاذ لحياتها بأعجوبة كانت تنتقل نحو ولادة أخرى ونحو مرحلة جديدة من الإبداع : ففي المرة الأولى في شبابها المبكر ابتلعت عددا من الأقراص المنومة واختبأت في القبو ليعثر عليها بعد زمن طويل من البحث ليعيدونها للحياة بأعجوبة . وفي المرة الثانية أدارت مقود السيارة على الخط السريع بهوجائية لتنقلب بها السارة ، ليتم إعادتها إلى الحياة بأعجوبة أخرى ، أما في المرة الثالثة ، والتي يظهر من ملابسات الحادثة أنها لم تشأ الموت جادة هذه المرة ، فقد وضعت رأسها في فرن الغاز ، تاركة في مكان ظاهر للعيان رقم هاتف طبيبها ، ولكن..وبسبب تسارع الحدث المأساوي ..تم العثور عليها متأخرا بعد أن انتزعت يد الموت حياتها هذه المرة، وعلى عكس القطط التي يقولون أنها تملك أرواحا سبعة..كانت (سيليفيا بلات ) تملك أرواحا ثلاثة فقط .



الثانية
الإنتحار في المهجر
ترجمة: د.عبدالرحمن أقرع


قد يكون أول الأدباء الذين لم يطيقوا العيش بعيدا عن الأوطان هو الأديب والفيلسوف الإغريقي (مينيديم إريتريسكس) –حوالي 339-256 ق.م)، والذي عانى من الخسارة في المعترك السياسي وقتذاك، فاضطر لترك الديار مهاجرا إلى آسيا..وهنالك رفض الفيلسوف –بالمعنى الحرفي للكلمة- أن يأكل من خبز الأغراب، فمات جوعا.لا شك أن الاغتراب صورة عسيرة للمعاناة لأي إنسانٍ على هذا الكوكب ،ولكن ليس إلى حد الدفع للانتحار، فالسفر إلى البلاد الأجنبية هو دليل على الهمة والنشاط ، والإرادة للحياة بيد أنها للأديب تعد مميتة أكثر مما هي كذلك بالنسبة لأي إنسان ٍ آخر. فالوطن للأديب هو الكلمات وما بين الكلمات ، وهو الترنيم والترتيل.وعندما ينقطع الأديب عن بيئته اللغوية يصبح كشجرة دون جذور، مع بعض الاستثناءات القليلة حيث تمكن بعض الأدباء من زرع موهبتهم في تربة غريبة لتنمو جيدا، أو حيث كان فقدان الوطن والحنين إليه حافزا للإبداع.
فالاغتراب للأديب يصبح مهنة غير نافعة لأحد، وما يلي ذلك من عواقب : الفقر ، الوحدة ، فقدان الأمل ، المرض ، الإسراف في الشراب ، وقبل ذلك كله الإحساس بعدم المنفعة.فالشاعرة نينا بتروفسكايا كانت فقيرة في غربتها وغير ذات منفعة لأحد ، فألقت بنفسها من النافذة
الكاتب (ايفان بلديريف)-1903-1933- نجح في الهروب من منفاه المفروض ليستقر في باريس ، حيث عاش حياة مدقعة في غاية البؤس ، وداهمه المرض ، فانتحر عبر تناول كمية من الحبوب المنومة.
أما بوريس بوبلافسكي فكان مدمنا على المخدرات ، وكتب عددا من القصائد التي لم تكن تعني أحدا في عصره ، فانتحر متسمما بالهيروين ، وكذلك فعل الشاعر (إفغيني خورفات) -1966-1993.أما أقلهم عيشا في المهجر فكان (كروت توخولسكي) -1890-1935- الذي عده النظام النازي من ألد أعدائه ، وقام بحرمانه مؤقتا من الجنسية الألمانية ، كما وأحرقت كتبه ، ففر إلى السويد ، وهناك لم يستطع الكتابة فانتحر.
وفي أسبوع واحد من شهر أيار عام 1939 انتحر كل من الكاتب الكلاسيكي النمساوي (يوزف روت) وكاتب الدراما الألماني (إرنست تولر) ، أما (روت) فكان كاثوليكيا تواقا للإمبراطورية الهابسبورغية ، فيما كان (تولر) ماركسيا صديقا للإتحاد السوفيتي..أما (روت) فقد عانى الفقر والبؤس في باريس محروما من وسط يمكنه من البقاء ويساعده على الكتابة، فجنت زوجته لينتحر لاحقا بالسم. وأما (تولير) فقد عانى البؤس في نيويورك ، وأدرك أن لا أحد يهتم بمسرحياته ، وتركته زوجته فشنق نفسه.
الشاعر البولندي( يان ليخون) -1899-1956 ألقى بنفسه من نافذة ناطحة سحاب نيويركية، وبالمناسبة فقد كان الشاعر المذكور مهاجرا مزدوجا مطلوبا من الفاشيين والشيوعيين معا. وهنالك بولندي آخر هو الشاعر (مارك خلاسكو) -1934-1969- والذي كان بعيدا عن السياسة ..فقط لم يطب له النمط الاشتراكي للعيش ، وفضل العيش حسب قوانينه الذاتية فتجول في عدد من البلدان التي لم يجد في أي منها مكانه اللائق فكتب عبارة ظريفة تقول: العالم مكون من نصفين: أحدهما ذاك الذي بامكانك العيش فيه، والآخر حيث لا تستطيع تحمل العيش) فعاش مسرفا في الشراب ، متعاطيا للمخدرات ، ثم وضع حدا لحياته متناولا جرعة كبيرة من الحبوب المنومة




الثالثة
الإنتحار العائد للغرام
ترجمة: د.عبدالرحمن أقرع

حظي الشاعر الألماني (خاينرخ فون كلايست ) باحترام الجميع من واقعيين ، وتعبيريين ، وشوفينيين نظرا لمكانته كمؤسس لمدرسة أدبية .كان ضابطا لا يطيق الحرب، تلميذا فاشلا في دراسته، جنديا دون ترقيات ، ناشرا غير ناجح ، لهذا كان من المتوقع أن يؤول مصيره للإنتحار إن عاجلا أم آجلا...إلا أن لقاءه بالسيدة (هنريتا فوغيل) قد عجل بنهايته المشؤومة، وإن منحتها جمالية رومانطيقية مظلمة، والتي –ربما- منحت كلايست المجد بعد موته.
فهو لم يملك وسيلة للعيش الكريم ، وكان منبوذا من العظيم (غوتة) ، ولم يعترف به معاصروه من الأدباء ، وكانت بلاده تخوض حربا قاسية مع (نابليون) ..أما السيدة (هنريتا فوغيل) فقد كانت تعيش مع زوج تكرهه وتعاني من مرض لا أمل في شفائه ، لذا كانت علاقتهما مثالية لتشابه الظروف ، والولع شديدا إلى درجة الألم، أما فكرة الإنتحار المشترك فكانت عائدة إلى الحبيبة لا إلى الشاعر الذي راقت له الفكرة.
وفي اليوم الموعود : استأجرا غرفة في فندق بالقرب من (بوتسدام) ، وكتبا رسالتيهما الأخيرتين قبل الموت ، ثم خرجا في نزهة إلى إلى الغابة..وهناك أطلق الشاعر رصاصته لتستقر تماما في قلب حبيبته ، وبعدذلك أدار فوهة المسدس نحو حلقه ليطلق رصاصته الأخيرة في الحلق واضعا حدا لمعاناته.

وفي غابة أخرى في أتون حرب أخرى أنهى كاتب الدراما البولوني (ستانيسلاف فيتكيفيتش) -1885-1939- حياته بطريقة شبه مماثلة، إنتحارا أكسبه مجدا لم يحظ به في حياته..فقد فر الأديب إلى الشرق هربا من الجنود النازيين ، لترافقه في سفرته فتاة تصغر بالسن إلى حد كبير ، كان مولعا بها ، بيد أن القدر ضيق الخناق على الأديب الفارّ حين انطلقت طلائع الجيش الأحمر لمواجهة الجيش الهتلري ، فما كان من الشاعر وحبيبته إلا أن أخذا زجاجة وحبوبا منومة إلى الغابة لينتحرا معا ...وهناك ترك الأديب الحبوب لحبيبته لتموت بسلام ،حيث قامت بتناول حبتين لتخلد إلى نومها العميق فيما فضل هو الموت بالشفرة ، وبعد أن فشل في تقطيع أوردة يديه ، قام بقطع شريان عنقه ليموت لشدة النزف، ومع الغلس أفاقت الحبيبة لتعيش بعد ذلك عمرا طويلا وتبلغ مراحلا متقدمة من الشيخوخة.-يتبع-

ريم بدر الدين
06-06-2007, 06:06 AM
صباح الخير
د. عبد الرحمن أقرع
فعلا هي ظاهرة كبيرة في حياة الأدباء و الفنانين
و لطالما استوقفتني و ساءلت نفسي لماذا ينتحر شخص ما في عز عطاءه الابداعي و تألقه؟
و توصلت لنتيجة -بعد أن أدركتني حرفة الادب -ان هذا القلق المتلازم مع الصيغة الإبداعية إذا وافق نفسا خالية من الإيمان بالله عزوجل وصل بالمرء إلى اليأس و القنوط
و هكذا انتحر ارنست همنجواي و هو في أوج ازدهاره و انتحر خليل حاوي أيضا و هو في أوجه ليأسه من مقاومة الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982
سيما و ان التغيير يحصل ببطىء لا يوافق نفس الأديب التواقة إلى تغيير الواقع باقصى سرعة ممكنة
بحثك جميل أتابعه
تحياتي و أزهار الشام الريانة

د.عبدالرحمن أقرع
09-06-2007, 01:25 PM
صباح الخير
د. عبد الرحمن أقرع
فعلا هي ظاهرة كبيرة في حياة الأدباء و الفنانين


و لطالما استوقفتني و ساءلت نفسي لماذا ينتحر شخص ما في عز عطاءه الابداعي و تألقه؟و توصلت لنتيجة -بعد أن أدركتني حرفة الادب -ان هذا القلق المتلازم مع الصيغة الإبداعية إذا وافق نفسا خالية من الإيمان بالله عزوجل وصل بالمرء إلى اليأس و القنوط


و هكذا انتحر ارنست همنجواي و هو في أوج ازدهاره و انتحر خليل حاوي أيضا و هو في أوجه ليأسه من مقاومة الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982
سيما و ان التغيير يحصل ببطىء لا يوافق نفس الأديب التواقة إلى تغيير الواقع باقصى سرعة ممكنة
بحثك جميل أتابعه
تحياتي و أزهار الشام الريانة



الفاضلة ريم
شكرا لكِ مرتين
أولاهما لمرورك الذي يفرحني دائما على موادي
وثانيهما لحسن التأويل للظاهرة
نعم...بطء التغيير الذي لا يوافق النفس التواقة
وتوق المبدعين لا حدودَ له
لا يعترف بالزمان والمكان ، كما ويتجاهل الحدث وكذاكِ القيم
التي لا تتلائم وإغراءات روحه التواقة إلى درجة النهم
ولهذا تقصر عزائم البعض منهم عن المتابعة
ولو قنعوا باسترخاء أرواحهم لدغدغات الأحلام لما أفضى بهم المصير إلى موتٍ بشع
وبأيديهم هم مع الأسف
فكم هي أمانينا الوردية التي تتوق لها أرواحنا ، وتظمأ للثمها شفاهنا
ولكننا حين نقصر عن نيلها
نصنع عالمنا الذي نوهم فيه الروح بنوال المراد
ليتهم انسابو هم مع تيار الأحلام..فوقاهم الإنتحار
تحياتي لك

عماد دحيات
13-06-2007, 06:04 PM
جزاك الله كل خير
د.عبدالرحمن
افضلت علينا وسأتابع ما تبقى
فلك الشكرعلى توضيحك لهذا اللغز