د.عبدالرحمن أقرع
26-04-2007, 10:40 PM
قصة قصيرة
أصوات وصور
بقلم : د.عبدالرحمن أقرع
(هو الذي منح الأشياء بهجتها فغني بذكره يا بلادي) واصلت الطالبة الحسناء قراءة مقاطع من ملحمة (جلجامش ) بصوتها الرخيم كترانيم الكنائس في غرفة دراسية في كلية الآداب ، بينما كان جالسا إلى جانبها يصغي السمع بإحساسه الأدبي المرهف بأذني رأسه حينا ، وبآذان روحه أحيانا ، وأختلط صوتها الرخيم بأصوات شتى انبعثت من داخله ، تصدح بالنشيد الروحي الأخاذ حينا ، و بترتيل الآيات حينا لتتداخل الصور مع الأصوات في توليفة روحية مذهلة أخذت بذاته عن الوجود بعيدا لتجول به في أرجاء الفراديس حيث الصفاء والنقاء المعصومين من دنس الأرض ، وحيث الجمال السرمدي الذي لا يشوبه القبح ، ليعود بعدذاك إلى عالم الأرض بوكزة من زميله منبها إياه إلى انتهاء وقت المحاضرة.
وفي الخارج كانت ردهات الجامعة تزدان بالصبايا الحسان من ذوات القد الممشوق والقوام المعتدل ، ناشرات عطر الأنوثة في كل اتجاه ، فيما اصطفت الجدران باللافتات المزدانة بالشعارات المختلفة، والتي اكتست إطاراتها الورقية بألوان شتى بحسب التوقيع الممهور على زواياها السفلية لهذا الإطار الطلابي أو ذاك ، فأخذ يجيل نظره بينها قارئا ومتفحصا فحواها ، مقارنا بين الخطوط التي كتبت بها ومنسوب البلاغة والركاكة في مضمون هذه أو تلك حتى أفضى به المسير إلى المخرج ليجد نفسه وجها لوجه مع الشارع المائج بالطلبة والطالبات مصطفين أسرابا عرضية تغطيهم اللافتات والبيارق واللافتات القماشية الضخمة منطلقين في مظاهرة ضخمة ، وأصوات حناجرهم تشق الصمت في هتافات مجلجلة منتظمة حدت الركب في سيره على طول الشارع الرئيس وعرضه ليجد نفسه في وسط الركب دون أن يلوي على شيء ، وبدت منه التفاتة إلى الأعلى ليرى كيف احتشدت النساء والأطفال على سطوح وشرفات المنازل يرقبون المسيرة فيما أخذت إحدى النساء برش الأرز والسكر مباركة الركب ومن فيه ، فيما انفجر سعار أبواق السيارات المصطفة على طرفي الشارع لتتيح المجال للمتظاهرين بالمرور فيما دوت الأغاني والأهازيج الوطنية من أجهزة التسجيل في بعض المركبات ، أما بعض المارة فكانوا يجدون الخطو غير عابئين لاعتيادهم على هذا المنظر اليومي، وأخيرا وصل الركب إلى مشارف المدينة لينفض تدريجيا ويتفرق الجميع قاصدا كل غايته.
-2-
لف الظلام غرفته في السكن الجامعي حيث يتلقى دراساته العليا في جامعة (السور بون ) بباريس إلا من تراقص أشعة التلفاز منبعثة من الشاشة الفضية بينما جلس انتظارا لسماع ومشاهدة الأخبار لمعرفة أحوال البلاد بعد أن غادرها منذ اشهر ليحضر لشهادة الدكتوراة في الآداب. بدأت المذيعة بتلاوة النشرة فيما ظهرت على خلفية الشاشة صورة لمبعدي (مرج الزهور ) يرتدون الأكفان متجهين جنوبا نحو الأرض التي اخرجوا منها بالقوة ، كانت الصورة مهيبة وحزينة في آن وقد سار شيوخ وشبان من مختلف الأعمار مجللين بالبياض نحو المجهول : لا يدرون أيسمح لهم باجتياز الحدود بسلام أم تتلاقهم النار ليدفنوا على أرض حزينة دافنين معهم حلم عودتهم إلى الأهل والديار . وبعد انتهاء النشرة أطفأ التلفاز وأشعل مصباح الغرفة تلاه بإشعال سيجارة نفث منها نفثة عميقة فيما ترادف صمت التلفاز بإيقاع الموسيقى الصاخبة المنبعث من ملاهي باريس وحاناتها ، فتناول مجلة عن المنضدة أمامه ليتصفح شيئا ليقع بصره أول ما وقع على الغلاف الذي يحمل صورة لفتاتين من بلاد البوسنة والهرسك تندبان عفافهما المغتصب وأهليهما القتلى على أيدي الجنود الصرب، فألقى بالمجلة من يده مطفئا سيجارته التي لم يكمل تدخينها بعد في منفضة السجاير .
-3-
كان نهارا دافئا من أيام آذار ، احتسى فيه القهوة المرة وجلس محاولا التحضير لمحاضرة الغد في أدب الملاحم ،بيد أن أصوات الرصاص الملعلع في الفضاء دفعه للخروج من خلف مكتبه إلى شرفة المنزل المطلة على الشارع الرئيس في نابلس ، حيث كانت الشوارع تغص بما يناهز نصف المليون إنسان تعلوهم الرايات والبيارق ذات الألوان المختلفة ، تتقدمهم عربات الأمن الوطني وعربات الإسعاف تحمل جثامين بضع عشرة شهيدا سقطوا في حادثة قصف سجن نابلس المركزي . كاد لا يرى إلا خضما بشريا متموجا بتموج الرايات المتعدد فوق رأسه كأنها أشرعة مواكب تمخر عباب بحر بشري متلاطم ، فيما انبعثت الصرخات الغاضبة من الحناجر الثكلى وكأنها صوت الموج المتكسر على صخور الشاطيء العملاقة . وفيما كان يطيل النظر ، كان يمعن الفكر مدركا أن الأصوات هي ذات الأصوات ، والصور هي عين الصور. وما من مختلف سوى اختلاف الليل والنهار وتبدل الأمكنة.
أصوات وصور
بقلم : د.عبدالرحمن أقرع
(هو الذي منح الأشياء بهجتها فغني بذكره يا بلادي) واصلت الطالبة الحسناء قراءة مقاطع من ملحمة (جلجامش ) بصوتها الرخيم كترانيم الكنائس في غرفة دراسية في كلية الآداب ، بينما كان جالسا إلى جانبها يصغي السمع بإحساسه الأدبي المرهف بأذني رأسه حينا ، وبآذان روحه أحيانا ، وأختلط صوتها الرخيم بأصوات شتى انبعثت من داخله ، تصدح بالنشيد الروحي الأخاذ حينا ، و بترتيل الآيات حينا لتتداخل الصور مع الأصوات في توليفة روحية مذهلة أخذت بذاته عن الوجود بعيدا لتجول به في أرجاء الفراديس حيث الصفاء والنقاء المعصومين من دنس الأرض ، وحيث الجمال السرمدي الذي لا يشوبه القبح ، ليعود بعدذاك إلى عالم الأرض بوكزة من زميله منبها إياه إلى انتهاء وقت المحاضرة.
وفي الخارج كانت ردهات الجامعة تزدان بالصبايا الحسان من ذوات القد الممشوق والقوام المعتدل ، ناشرات عطر الأنوثة في كل اتجاه ، فيما اصطفت الجدران باللافتات المزدانة بالشعارات المختلفة، والتي اكتست إطاراتها الورقية بألوان شتى بحسب التوقيع الممهور على زواياها السفلية لهذا الإطار الطلابي أو ذاك ، فأخذ يجيل نظره بينها قارئا ومتفحصا فحواها ، مقارنا بين الخطوط التي كتبت بها ومنسوب البلاغة والركاكة في مضمون هذه أو تلك حتى أفضى به المسير إلى المخرج ليجد نفسه وجها لوجه مع الشارع المائج بالطلبة والطالبات مصطفين أسرابا عرضية تغطيهم اللافتات والبيارق واللافتات القماشية الضخمة منطلقين في مظاهرة ضخمة ، وأصوات حناجرهم تشق الصمت في هتافات مجلجلة منتظمة حدت الركب في سيره على طول الشارع الرئيس وعرضه ليجد نفسه في وسط الركب دون أن يلوي على شيء ، وبدت منه التفاتة إلى الأعلى ليرى كيف احتشدت النساء والأطفال على سطوح وشرفات المنازل يرقبون المسيرة فيما أخذت إحدى النساء برش الأرز والسكر مباركة الركب ومن فيه ، فيما انفجر سعار أبواق السيارات المصطفة على طرفي الشارع لتتيح المجال للمتظاهرين بالمرور فيما دوت الأغاني والأهازيج الوطنية من أجهزة التسجيل في بعض المركبات ، أما بعض المارة فكانوا يجدون الخطو غير عابئين لاعتيادهم على هذا المنظر اليومي، وأخيرا وصل الركب إلى مشارف المدينة لينفض تدريجيا ويتفرق الجميع قاصدا كل غايته.
-2-
لف الظلام غرفته في السكن الجامعي حيث يتلقى دراساته العليا في جامعة (السور بون ) بباريس إلا من تراقص أشعة التلفاز منبعثة من الشاشة الفضية بينما جلس انتظارا لسماع ومشاهدة الأخبار لمعرفة أحوال البلاد بعد أن غادرها منذ اشهر ليحضر لشهادة الدكتوراة في الآداب. بدأت المذيعة بتلاوة النشرة فيما ظهرت على خلفية الشاشة صورة لمبعدي (مرج الزهور ) يرتدون الأكفان متجهين جنوبا نحو الأرض التي اخرجوا منها بالقوة ، كانت الصورة مهيبة وحزينة في آن وقد سار شيوخ وشبان من مختلف الأعمار مجللين بالبياض نحو المجهول : لا يدرون أيسمح لهم باجتياز الحدود بسلام أم تتلاقهم النار ليدفنوا على أرض حزينة دافنين معهم حلم عودتهم إلى الأهل والديار . وبعد انتهاء النشرة أطفأ التلفاز وأشعل مصباح الغرفة تلاه بإشعال سيجارة نفث منها نفثة عميقة فيما ترادف صمت التلفاز بإيقاع الموسيقى الصاخبة المنبعث من ملاهي باريس وحاناتها ، فتناول مجلة عن المنضدة أمامه ليتصفح شيئا ليقع بصره أول ما وقع على الغلاف الذي يحمل صورة لفتاتين من بلاد البوسنة والهرسك تندبان عفافهما المغتصب وأهليهما القتلى على أيدي الجنود الصرب، فألقى بالمجلة من يده مطفئا سيجارته التي لم يكمل تدخينها بعد في منفضة السجاير .
-3-
كان نهارا دافئا من أيام آذار ، احتسى فيه القهوة المرة وجلس محاولا التحضير لمحاضرة الغد في أدب الملاحم ،بيد أن أصوات الرصاص الملعلع في الفضاء دفعه للخروج من خلف مكتبه إلى شرفة المنزل المطلة على الشارع الرئيس في نابلس ، حيث كانت الشوارع تغص بما يناهز نصف المليون إنسان تعلوهم الرايات والبيارق ذات الألوان المختلفة ، تتقدمهم عربات الأمن الوطني وعربات الإسعاف تحمل جثامين بضع عشرة شهيدا سقطوا في حادثة قصف سجن نابلس المركزي . كاد لا يرى إلا خضما بشريا متموجا بتموج الرايات المتعدد فوق رأسه كأنها أشرعة مواكب تمخر عباب بحر بشري متلاطم ، فيما انبعثت الصرخات الغاضبة من الحناجر الثكلى وكأنها صوت الموج المتكسر على صخور الشاطيء العملاقة . وفيما كان يطيل النظر ، كان يمعن الفكر مدركا أن الأصوات هي ذات الأصوات ، والصور هي عين الصور. وما من مختلف سوى اختلاف الليل والنهار وتبدل الأمكنة.