المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نصوص تعاني من كسر الرقبة ما بين المنهج النقدي والرؤية -


نازك
13-02-2005, 06:51 PM
تحديث النقد الأدبي في العراق - نصوص تعاني من كسر الرقبة ما بين المنهج النقدي والرؤية - ناظم عودة
تكشف قراءة تاريخ النقد العراقي منذ رفائيل بطّي عن سعي متواصل لمعرفة أصول المنهج النقدي، فكتابه: الأدب العصري في العراق العربي، المؤلف في سنة 1922والمنشور في سنة 1923 في المطبعة السلفية بمصر والذي يقع في ستة أجزاء، ثلاثة للمنظوم وثلاثة للمنثور، يصدّره رفائيل بهذه الكلمات: كتاب تاريخيّ أدبيّ انتقادي، يحوي تراجم أدباء العراق ورسومهم ونخبة من آثارهم بين منظوم ومنثور (1). ويقول أيضاً: هذا كتاب جديد، أردت بتأليفه إبراز صورة مجسمة للأدب العصري في العراق، وتبيان الطريقة التي يتبعها شعراؤنا وكتابنا في نظمهم ونثرهم، فما أحوجنا اليوم إلي درس أدبائنا ونقد أساليبهم، وقد تطورت الآداب العربية في مصر والشام والمهجر بطور جديد يلائم روح العصر الحديث، عسي أن يكون لعراقنا نصيب من هذا التطور، حينذاك يتضح الغرض الذي قصدت إليه في كتابي هذا(2).
ويُظهر كلام رفائيل أنّ حركة التحديث في النقد الأدبي العراقي لم تكن بمنأي عن حركة التحديث الشعري، فالوعي بالتحديث يتشكل علي هيئة معرفة نقدية لمشكلات الخطاب السائد ومن ثم تقديم المقترح الشعري بثيابه الجديدة، تعقب ذلك مرحلة توصيف البني الأسلوبية وتوصيف قوانين الشعرية الجديدة، وهذه هي مرحلة النقد الأدبي التي أشار إليها رفائيل، يتضافر معها نوع من الأبوة الحانية لتهذيب الأسلوب الشعري. إنّ طريقة رفائيل هذه تركت آثارها المنهجية علي الحركة النقدية في العراق، فنشأت مجموعة كبيرة من الدراسات التي تراوح بين ثلاثة أنماط من الدراسة: تاريخ الأدب، النقد الأدبي، التراجم. بيد أنّ الشأن الهام في عمل رفائيل هو تكوين ضرب من الوعي النقدي يضع في حسبانه مهمة الكشف عن: الأساليب، وتطور النوع، وهما ما أشار إليهما رفائيل في مقدمته، وهاتان القضيتان ستكونان هاجساً يرافق النقد العراقي باستمرار، ودافعاً للبحث عن الوسائل المنهجية القادرة علي كشف العناصر الفنية والجمالية في الأدب العراقي. لقد كان عمل رفائيل يستلهم بوعي التطور الذي حصل في الثقافة العراقية في تلك الفترة، فقد كانت سنة1920 وما تلاها هي بداية نهضة العراق الحديثة بحسب تقديرات المؤرخين الأجانب والعراقيين، يشير السيد حسن الجواد إلي ذلك بقوله: يتحدث الأجانب كثيراً عن العراق الحديث وما يتمتع به اليوم من نهضة علمية واضحة، ونضج سياسي متفوق، ورفاه اقتصادي مرموق، وكتبوا في ذلك المقالات الرائعة والكتب الواسعة، وعالجوا مختلف المواضيع الحساسة عن شتي نواحي الحياة العراقية منذ 1920 حتي يومنا هذا(3). وكتاب رفائيل يحاول رصد حركة التطور في الأدب العراقي العصري انسجاماً مع تلك الدراسات التي كانت تتجه إلي رصد نهضة العراق الحديثة. وسنري أنّ تلك المنطلقات المنهجية التي انطلق منها رفائيل كانت منطلقات أساسية لدي كثير من الدارسين العراقيين، ففي دراسة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين يشدد فيها علي: دراسة قضية (التطور) في الشعر العراقي، ودراسة (التأثيرات) الثقافية المصرية والسورية في مطلع هذا القرن علي الأدب العراقي، ودراسة (نمط) الثقافة العراقية التي نشأت وتطورت بين أحضان رجال الدين، ودراسة (تطور) التلقي العراقي للأدب والثقافة الجديدين، ودراسة (أسباب) الضعف الفني في الشعر العراقي في تلك الفترة، ودراسة (تكوّن الثقافة الأكاديمية العراقية)(4). لقد كانت تلك المنطلقات التي حددها الدكتور عبد الرزاق محيي الدين ذات أبعاد جوهرية في تكوّن (المنهج) في الدراسات الأدبية في العراق. وقد ألفت كثير من الكتب التي تعني بهذه الموضوعات الأدبية. وإذا ما تخطينا مرحلة رفائيل بطّي النقدية (التي هي علي صلة جدّ كبيرة ببدايات تشكل المنهج في الدراسات الأدبية المعاصرة عند العرب الذين ما زالوا في تلك الفترة مأخوذين بالمواجهة الثقافية بين العرب والغرب) إلي المراحل الأخري التالية سنجد أنّ البحث التاريخي القائم علي السيرة والوقائع التاريخية هو المهيمن، وعلينا أن نشير، هنا، إلي أنّ فترة انتعاش البحث التاريخي في الثقافة النقدية في العراق وفي العالم العربي أيضاً في فترة الأربعينيات كانت تقابلها فترة انتعاش (النقد الجديد) في الغرب، فقد أعطي كتاب (فهم الشعر) لبروكس ووارن المؤلف في الأربعينيات (إشارة البدء للتغيير)(5) ، وعزز ذلك التغيير كتاب رينيه ويليك (نظرية الأدب) المنشور في سنة 1949، يعترف ويليك فيقول (ان كتابي، نظرية الأدب، فهم بشكل واسع بعدة هجوماً علي طرائق الدراسة الخارجية، أو باعتباره رفضاً للتاريخ الأدبي)(6). ففي الأربعينيات كان كتاب محمد مهدي البصير (نهضة العراق الأدبية في القرن التاسع عشر) المنشور في طبعته الأولي في سنة 1946هو من بين الكتب الأكثر شهرة وتداولاً بين الأوساط الأدبية، والكتاب لا يخرج عن المنهجية التاريخية، بيد أنّ الكتاب يبرز الإلحاح علي العنصر الوطني والقومي بسبب الظرف التاريخي الذي كان يمر به العراق والعرب، وعلينا أن نقرّ هنا أنّ ذلك الإلحاح علي الجانب القومي عند مؤرخي الأدب في العراق وفي العالم العربي منذ عصر النهضة لم يكن أحد التوجهات الأيديولوجية للنهضة بقدر ما كان تقليداً لطريقة شائعة عند مؤرخ الأدب الإنكليزي ومؤرخ الأدب الفرنسي. يقول غوستاف لانسون (إنّ الأدب الفرنسي مظهر لحياتنا القومية)(7) وإن مؤرخ الأدب يحاول أن يدرس (تاريخ النفس الإنسانية والحضارة القومية في مظاهرها الأدبية)(8) وقد كانت هذه الأفكار هي الأكثر شيوعاً في الفكر النقدي وخاصة بعد: استقبال الجامعة المصرية لبعض المستشرقين كــ: جويدي، وفييت، ونالينو، وقد أسهم هذا الأخير في شيوع المنهج التاريخي في الثقافة النقدية عند العرب، وقد أشار طه حسين إلي منهج هؤلاء الدراسين فقال (كانوا يُدرسّون التاريخ الأدبي بمناهجهم الغربية الحديثة فيعلمون الطلاب كيف يبحثون ويقارنون ويستنبطون)(9) وإضافة إلي ذلك هنالك دراسات المستشرقين للأدب العربي التي عمقت هذه الأصول التاريخية في البحث كدراسات (كارل بروكلمان) علي سبيل المثال. ومنذ العشرينيات برز طه حسين بوصفه ظاهرة نقدية وثقافية تثير الأسئلة باستمرار، ولا يخفي ما أثاره كتابه (في الشعر الجاهلي) الصادر في العام 1926 من جدل عنيف في الثقافة العربية امتد إلي الثقافة العراقية، فكان أن ألّف الدكتور محمد مهدي البصير في العام 1939 كتاباً أسماه (بعث الشعر الجاهلي) يردّ فيه علي طه حسين(10)، فيما ألّف الدكتور علي الزبيدي كتاباً في الأدب العباسي متوسماً فيه طريقة طه حسين في الشك ببعض ما وصل إلينا من أدب جاهلي. وقبل هؤلاء كان حمزة فتح الله وحسين المرصفي وحسن توفيق العدل وجرجي زيدان و صادق الرافعي وأحمد حسن الزيات يرسخون نمطاً من الدراسة التاريخية للأدب العربي لم تكن الثقافة النقدية في العراق بعيدة عن تأثيراته، فوضع الرصافي كتاباً أسماه (محاضرات الأدب العربي)(11) لا يحيد فيه عن تلك المنهجية التي تنطلق من معرفة تاريخية في المقام الأول. لقد كانت فترة نهاية الأربعينيات تشكل منعطفاً في الثقافة العراقية ففي 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 تم إنشاء المجمع العلمي العراقي الذي كانت لائحة أهدافه تشدد علي: البحث والتأليف في آداب اللغة العربية وفي تاريخ العرب والعراقيين ولغتهم وعلومهم وحضارتهم، وحفظ المخطوطات والوثائق العربية النادرة وإحيائها بالطبع والنشر علي أحدث الطرق العلمية(12). وكان ذلك عاملاً مهماً في ترسيخ الدراسات الأدبية ذات المنحي التاريخي، بالإضافة إلي تكوّن بدايات الثقافة الأكاديمية التي تقوم أساساً علي أصول تاريخية في التقصي والدراسة. وإذا ما اقتربنا أكثر باتجاه الخمسينيات والستينيات سنلمس بعض التطور الذي حدث في النقد العراقي، ففي هذه الفترة نشأت مجموعة من الدارسين الأكاديميين الذين كانوا حريصين علي دراسة بعض الموضوعات المعاصرة، بيد أنّ تلك الدراسات كانت تشدد كثيراً علي ما يحيط بالأدب من ظروف لا ما يشكل خصوصيته كأدب، ففي كتاب الدكتور علي الزبيدي (المسرحية العربية في العراق)(13) يسعي جاهداً لإثبات وجود النشاط المسرحي في العراق قبل الفترة التي حددها عدد من الباحثين بمسرحية (وحيدة) لموسي الشابندر المختلف علي سنة تأليفها 1928 أو 1929 وبسب ذلك فقد اعتمد الزبيدي علي بعض الروايات الشفهية لإثبات هذا السبق، ولكي يكون أميناً لأصول المنهج الأكاديمي فقد تقصي مظاهر العمل المسرحي في (خيال الظل) أو (القرقوز) أو (الإخباري)(14). وفي مرحلة أخري يؤلف الدكتور جلال الخياط كتاباً أسماه (الشعر العراقي الحديث، مرحلة وتطور) يقول في مقدمته (هذا الكتاب يدرس شعراء، ولكنه يهتم أولاً بما يمثلون من اتجاهات شعرية وليس بوسعه أن يضم الشعراء العراقيين جميعاً في الحقبة المحددة له)(15) وفعلاً يسعي المؤلف إلي الكشف عن وجوه التجديد الشعري عند الزهاوي والرصافي وعلي الشرقي والصافي النجفي والجواهري، ويري أن هؤلاء يمثلون في نظره (أقصي ما يمكن أن يقدم التقليد من مستويات جيدة)(16)، ولكن الكتاب يكشف خللاً في النقد العراقي في هذه الفترة وهو العناية بدراسة المضمون الشعري دون العناية بدراسة العناصر الفنية، وذلك بسبب احتياج الأخيرة إلي معرفة بآليات منهج فني وجمالي، ومعرفة بالأصول المعرفية التي تشكله، ويكشف أيضاً عن النزعة التأثرية الانطباعية التي تمسّ النصّ مساً رقيقاً دون محاولة تعرية أغلفته وأغشيته الواحد بعد الآخر، فهو حين يدرس (قصائد عارية) لحسين مردان لا يكشف عن تلك الوشائج القوية والمبكرة بين النصّ والذات التواقة إلي التحرر الاجتماعي، تلك الوشائج المصوغة صياغة فنية عالية، لكنه يتحدث عن حسين مردان نفسه وينسي النصّ وجمالياته وفعله في تجديد النصّ العمودي، أو محاولاته فيما أسماه بالنثر المركز. هذه الاخفاقات المنهجية ستكون عند جيل الثمانينيات النقدي مناسبة للاقتراب أكثر من النصّ نفسه، مستثمرين النظريات الحديثة التي تعني بالكشف عن عالم النصّ. إنّ النقد العراقي ظلّ لفترة من الزمن يحرص علي تطبيق المنهج التاريخي مع بعض الإضافات الخارجية، وكان تأثير طريقة طه حسين ومحمد مندور وشوقي ضيف ظاهراً علي الممارسات النقدية في تلك الفترة. وفي السبعينيات، حيث الأيديولوجيات والأفكار الجديدة، كان الناقد العراقي لأول مرة ُيخضع خطابه النقدي إلي ضرب من المناهج التي تمنحه أدوات الممارسة التطبيقية، وتمنحه أيضاً الفرصة كيما يعتنق الفكر الذي أنتج ذلك المنهج، ففي السبعينيات كان النقد العراقي يحاول استثمار الفرضيات والأفكار السوسيولوجية والفرويدية والماركسية ليكشف عن المرجعية الاجتماعية والسيكولوجية التي تقف خلف الأعمال الإبداعية، بيد أنّ هذا التطور المنهجي الذي وجّه النقد العراقي وجهة أخري لم يستطع أن يكشف عن النصّ بوصفه قيمة إبداعية. وهذا ما كان سبباً لظهور جيل الثمانينيات النقدي الذي استقبل النظريات النصية استقبال مستغيث، ولا يخفي أن جيل الثمانينيات هذا قد أسس بعض التقاليد المنهجية في النقد العراقي، وإذا ما كنا نقدّر لهذا الجيل منجزاته المنهجية فلن تفوتنا الإشارة إلي أنّ الأعمال الأدبية في هذه الفترة كانت تعاني من غربة إبداعية فما بين الالتزام الخارجي للسبعينيين وما بين الالتزام المنهجي الصارم للثمانينيين كان النصّ يعاني من داء كسر الرقبة.

هوامش
(1) رفائيل بطّي ــ الأدب العصري في العراق العربي ــ المطبعة السلفية ــ مصر 1923
(2) المصدر نفسه ــ تنظر كلمة رفائيل في بداية الكتاب
(3) السيد حسن الجواد ــ نهضة العراق الحديثة ــ مجلة العرفان ــ ع 42ــ 1955
(4) الدكتور عبد الرزاق محيي الدين ــ الأدب في العراق ــ مجلة العرفان ــ ع 42ــ 1955
(5) رينيه ويليك ــ مفاهيم نقدية ــ ص 11ــ ترجمة الدكتور محمد عصفور ــ عالم المعرفة ــ الكويت 1987
(6) المصدر نفسه ــ ص12
(7) فاروق العمراني ــ النظرية النقدية عند محمد مندور ــ ص54
(8) المصدر نفسه ــ ص54
(9) طه حسين ــ في الأدب الجاهلي ــ ص9ــ مصر 1926
(10) ينظر: سعيد الغانمي ــ مائة عام من الفكر النقدي ــ ص 121، ص122ــ دار المدي ــ سوريا ــ ط1 ــ2001
(11) صدر في بغداد في سنة 1921
(12) ينظر: السيد عبد الحسين البغدادي ــ المجمع العلمي العراقي ــ مجلة العرفان ــ ع 42ــ 1955
(13) وهو مجموعة من المحاضرات ألقاها الدكتور علي الزبيدي علي طلبة قسم الدراسات الأدبية 1966ــ1967 في معهد البحوث والدراسات العربية.
(14) ينظر: الدكتور علي الزبيدي ــ المسرحية العربية في العراق ــ ص47، ص 48.
(15) الدكتور جلال الخياط ــ الشعر العراقي الحديث، مرحلة وتطور ــ ص6 ــ دار صادر ــ بيروت ــ 1970
(16) المصدر نفسه ــ ص 13

جريدة (الزمان) العدد 1413 التاريخ 2003 - 1 - 23

ونيسي بشير
15-02-2005, 04:45 PM
النص العربي الابداعي مازال يعاني أزمة التشظي والاغتراب على خريطة الواقع العربي وهذا راجع في نظري الى سببين أولهما مأزق المنهج وعدم انسجامه مع حساسية النص أما الثاني تجليات النص الجمالية والمعرفية ولعل السر النقدي يكمن في هذا السبب لأننا مازلنا لحد الساعة لم نمتلك بديهة الرؤيا التي تسمح لنا بكشف ميتا فزيقا النص واسثيقيته المنبثقة من واقعه.
النص الابداعي العربي رغم تطوراته على مستويات اللغة الا أنه يعاني سلفية نقدية تمارس عليه طقسها وتقمعه بسلطتها.
بشير ونيسي

هنوف السلطان
15-02-2005, 06:48 PM
أشكرك أستاذي بشير على إطلالتك التي يعتز بها حبر قلمي

لك أجمل المنى


هنوف السلطان

نازك
16-02-2005, 02:47 PM
الأستاذ الأديب بشير ونيسي مشرف منبر النقد والدراسات الأدبية

الأستاذة هنوف السلطان الكاتبة والناقدة الأدبية

سعدت وتشرفت بتعقيباتكم على هذا الموضوع المهم في أدب العراق الحديث

نازك كاتبة عراقية