المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطبع الإنساني والأنظمة


عبدالله أحمد الباكري
19-03-2007, 07:49 AM
الطبع الإنساني والأنظمة

عبدالله الباكري

تاريخ العرب الحديث زاخر بالتناقض بين الأقوال والأفعال وبين المبادئ والممارسات وهم لا يستفيدون من الأحداث ولا يحاولون أن يكونوا موضوعيين ولا حتى أن يتدربوا على الموضوعية ويؤسسوها في حياتهم وثقافتهم ويبرمجوا أجيالهم القادمة عليها ، وذلك لأننا معشر العرب نستخدم العاطفة كثيرا في أمورنا ولذا نحن أمة شاعرة إذا كان الشعر أساسه العاطفة ، وهذا التمادي في جانب العاطفة يجعل نظرتنا للأمور لحظية وجزئية دون إلمام أو إحاطة بكامل المعنى أو الموضوع ، وهذا ما يفسر الكثير من تحليلاتنا السياسية التي نتخبط في تأكيدها أو نفيها ولا تتفهم لنا بواطنها وحقيقة أوضاعها إلا بعد فترات زمنية قد تحملنا مزيدا من الخسائر وتكبدنا منها المر الوفير 0

هذا التناقض ما بين معايشتنا نحن العرب للواقع والحياة وما بين الغرب ونظرتهم الأخرى تجرنا نحو التساؤل والبحث عن سر هذا التميز لديهم وعلة غيابنا نحن عن ساحة الواقع والموضوعية وماهية السر في قضية تفكيرنا الغيبي لدى تحليلنا للأمور واتجاه بعضنا نحو الخرافة والأوهام ، أغلب الباحثين الغرب يردون سر هذه الحضارة إلى عدم وثوقهم في النفس الإنسانية لانها في أساسها مصدر ظلم ، وبالرغم من حثهم في التربية على الأخلاق السامية والرفيعة إلا إن الشك يراودهم دوما حول نزاهتها ، فتراهم دائما ما ينجزوا الأنظمة ويسنوا القوانين التي تراقب العملية المهنية والإدارية وكل ما عثروا على ثغرة معينة حاولوا تعديل هذا النظام إلى آخر متطور يغطي هذه الثغرة وهكذا 0

إن الأنظمة والقوانين داخل البلاد الأوروبية تتناقض تماما مع الأنظمة العربية وذلك لأن أسلوب التعامل مع الإنسان العادي في البلد يضمن له كامل الحرية الواسعة وأما الحياة الشخصية فهي مصونة عن التدخل والمراقبة بينما الموظف أو الشخص المسؤول عموما يكون تحت المراقبة الدائمة وكل ما يصدر عنه يكون تحت الفحص والإعلام وأما الموجود في بلادنا فالمغاير تماما حيث أن الفرد العادي يتم التدخل في كل خصوصياته وشؤونه ويكون تحت المراقبة الدائمة وهو موضع الشك دائما وأما أصحاب المسؤوليات فلهم كامل الصلاحيات والتمتع تحت بند الحصانة ولا يخضعون للنقد لا من قريب ولا من بعيد وهذا إن لم يحاسب الناقد 0

الرئيس الأمريكي نيكسون كان قد تورط خلال حياته بفضيحة ( وتر جيت ) والتي أنهت عمله السياسي كرئيس للولايات المتحدة ، وظل هذا الرجل يتجرع هذه المرارة القاسية ما تبقى له من العمر حتى مات ، هذا المشهد وللأسف الشديد يتكرر في بلداننا العربية يوميا ولكن بطرق مشابهة وصور متقاربة بشكل أو بآخر مع هذا المشهد ويختلف ثقافيا واجتماعيا لأن صاحبه يكون مصدر فخر واعتزاز له ولقومه بل يكون أنموذجا لغيره من بني قومه وهذا التناقض العجيب يفرض علينا الوقوف أمام أنفسنا لمراجعة هذه الثقافة الزائفة 0

أقول ويا لأسفي على هذه الثقافة أنها زائفة لأنها تفعل بعكس ما تقول فلا ديننا ولا مقتضى أفواهنا يؤيد ذلك ولكن أفعالنا وثقافتنا تؤيد وتلزم ذلك ، والمقارنة بالدول الغربية لا تكون من باب الإعجاب بهم أو الزهو بغربيتهم وإنما تكون بمعرفة الواقع ، فهم شعوب تطورت وقفزت مسافات هائلة في دنيا العلوم والتيكنولوجيا ، وتقدموا علينا مسافات ضوئية ولا بد لنا من تحليل هذا النمو وتفسير الأسباب ونقد واقعنا المخزي ، فهنالك حساسية في نفوسهم تجاه هيمنة السلطة ومركزيتها ، وهذه الحساسية هي التي أطلقت صراع الأفكار بدلا من صراع العضلات وعودتهم على الإحترام المتبادل رغم الإختلاف الشديد وهي التي هيأت المجتمع المدني للتفتح والنمو وأصرت على الشفافية وقاومت التمركز والخفاء ولذا وصلت إلى ما وصلت إليه ، وقد كانت مجتمعاتهم تبحث عن هذه الأسباب منذ القرون السابقة لميلاد المسيح وعلى أيد فلاسفة اليونان وحكمائهم وظلوا في هذا البحث والتقصي قرونا طويلة حتى اكتشفوا السر على أيدي المسلمين حينما نشروا الإسلام في كل بقاع الدنيا ، وتعجبوا من هذه النقلة النوعية لهؤلاء البدو الأعراب ، فتعلموا الأسباب وأخذوا بها حتى قفزوا هذه النقلات الخارقة في التاريخ البشري ومن غريب القدر أن أمة العرب والإسلام عادت إلى جاهلية جديدة وهي التي أرشدت البشرية إلى مفاتيح نهضتهم الحديثة !!!

سلطان العطاوي
19-03-2007, 03:06 PM
رب يوم بكيت منه فلما

صرت في غيره بكيت عليه

سارة
21-03-2007, 10:10 PM
no coment:rolleyes:





دمت بتفاؤل:)


أختك

عبدالله أحمد الباكري
24-03-2007, 06:44 AM
للأسف الشديد ،،،، هذه هي الحقيقة لأن التخلف الذي نعانية تخلفا مركبا بعكس باقي الشعوب العالمية ، إن وصف الأمة الحقيقي بالتقهقر لهو خير وصف وتقييم لها ، صحيح أن هناك بوادر أمل وخير موجودة في كل أمة ولكنها متفرقة ومتشتتة وليس لها طابع تخطيطي وأصحابها أفرادا لا جماعات ،،، هذا ما يجلبنا إلى القول بأن الوصف الحقيقي لا يستلزم التفاؤل أو التشاؤم 0

ياسمين الحمود
24-03-2007, 07:15 AM
تعلم يا أخي " عبد الله "
هذا الموضوع بالذات قرأته أكثر من مرة
و لدي الكثير مما يتعلق في مضمونه ..
لكن ..
لا أعلم كلما ولجت نافذتك أنشغل و أخرج من المنتدى على أن أعود إليه
و الآن عندما قررت أن أرد عليك .. جاءني اتصال مهم و يجب علي أن أخرج :(
ألم أقل لك .. المشاغل لا تأتي إلا عندما أدخل هنا :p
انتظرني .. سأتيك بما يفرح قلبك

ياسمين الحمود
24-03-2007, 05:50 PM
الأخ الفاضل " عبدالله الباكري "

بداية دعني أقول لك ..
ظل الشرق غاطا في نومه لما يزيد عن اربعمائة سنة من السنوات العجاف المؤلمة ، و عندما بدأ رحيل النعاس عن دنيا الشرق ، كانت أحواله مزرية للغاية ، محزنة للغاية ، مأساوية للغاية ، تحتل بلاده الدول الاستدمارية التي أكملت مجازر الحروب الصليبية و فورات التتار .. و طفتالأحقاد على سطح الأحداث ، و حصدت القوى الأوربية نواتج الصراع الحضاري القديم فاستدمرت من بلاد المسلمين و استعبدت أهلها المسلمين ما شاء لها الاستدمار و الاستعباد .
و لم يكتف الأوربيون بالتدمير المادي هذا ، فصنعوا لنا في الشرق أفكارا ، و تدمير ذاتيتنا ، ثم نصبوا طبقة من المفكرين المستأجرين المفتونين و المنتفعين للنيابة عنهم في نشر سمومهم و الاستخفاف بحضارة الشرق و تراثه .
و يكفي لتأكيد فكرتي أن أورد ما قاله " سلامة موسى " في مقدمة كتابه " اليوم و الغد " :
" كلما ازددت خبرة و تجربة و ثقافة ، اتضحت أمامي أغراض في الأدب كما أزاوله ، فهي تتلخص في أنه يجب علينا أن نخرج من آسيا و أن نلحق بأوروبا ، فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له ، و شعوري بأنه غريب عني ، و كلما زادت معرفتي بأوروبا ، زاد حبي لها ، و تعلقي بها ، و زاد شعوري بأنها مني و أنا منها ، هذا هو مذهبي الذي أعمل له طوال حياتي سرا و جهرا ، فأنا كافر بالشرق و مؤمن بالغرب " .

إن الحضارة يا أخي هي غاية الحياة البشرية ، و أنها تعني سيطرة العقل على الطبيعة و الحياة ، و أنها تتحقق بتطور تدريجي على مراحل عدة ، ففي البدء يسيطر الدين و الإيمان ، الأعمى على حياة الإنسان برمتها ، ثم يستقلالعقل عن الدين ، و ينشأ صراع بينهما لردح من الزمن ، و أخيرا يقوم التوازن بينهما فيحكم كل منهما في نطاق دائرته حكم السيد المطاع ، فمهمة العقل توجيه أفعال الإنسان ، و مهمة الدين إملاء فراغ قلبه و إرضاء عواطفه و إلهامه إلى الأعهمال النبيلة و تعزيته في مصائبه ..
و هذا بالطبع هو الفكر الأوروبي الذي يحاربنا به أعداؤنا ، و هو الفكر الذي أدى إلى تدهور حضارتنا العربية وانحسارها ...
يقول "طه حسين" : في كتابه " مستقبل الثقافة في مصر " علينا أن نصبح أوربيين في كل شيء ، قابلين في ذلك من حسنات و سيئات علينا أن نسير سيرة الأوربيين و نسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ، و لنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها و شرها ، حلوها و مرها ، و ما يحب منها و ما يكره ، و ما يحمد فيها و ما يعاب ... "

و عندما ندخل في عمق التفاصيل لن نجد فرقا أساسيا ..
فماذا حدث ؟ !
فقد الشرق شرقيته ، فقد المسلم تميزه ، أصبحنا غربيين في الشرق و شرقيين في الغرب ، نمشي مشية وسطى بين الرقص و الحنجلة ...
أصبحنا نقول : قال ماركس ، و كنا نقول قديما : قال عمر...
و أصبحنا نقول : قال القانون الروماني ، كنا نقول : أفتى الشافعي ...

و للحديث بقية

عبدالله أحمد الباكري
25-03-2007, 07:59 AM
أشكر الأخت ( الواعية الصغيرة ) على هذا الرد المتميز والرائع والذي ينم عن ثقافة واطلاع عام ، والحقيقة مثلما قلت يا سيدتي عن محاولات متعددة من كتاب ومفكرين عرب ومستشرقين لسلب الأمة من تراثها وهذه حقيقة لا غبار عليها ، ولكنني ما لمسته منك ومن بقية الزملاء حينما نقوم بطرح مثل هذه المواضيع أن العلة والسبب في انحطاط الأمة وتقهقرها يعود إلى هذه الحياكات وتلك المؤامرات وكأن الشغل الشاغل للغرب وبقية الأمم قضيتنا وهمومنا ، ولكن المتأمل للواقع بعين الإنصاف وخصوصا في القرن العشرين ( قرن الإنجازات البشرية ) يجد أننا أسهمنا بقوة في تعميق الخلل وتضخيم الهوة بيننا وبين الحضارة ( نعم نحن ) ويجب علينا أن نعترف ،،، هناك خلل وخلل مركب في بيئتنا يحتاج إلى إعادة في الفك والتركيب ، وإذا كان لنا هناك تراثا عظيما نفاخر أمم الأرض وشعوبها بصولاته وجولاته فإن هذا مدعاة للتحرك وبعنف نحو استعادة هذا المجد المشرف لا أن نغني على وتره ونحن نقبع خجلا في آخر الصف العالمي ، أرجو ألا نكون مختلفين في وجهة النظر وإن اختلفنا فأرجو أن تتقبلي هذا الإختلاف وألا تحرمينا من مرورك الكريم وتفاعلك الأكرم شاكرا ومقدرا

ياسمين الحمود
25-03-2007, 08:26 AM
أشكر الأخت ( الواعية الصغيرة ) على هذا الرد المتميز والرائع والذي ينم عن ثقافة واطلاع عام ، والحقيقة مثلما قلت يا سيدتي عن محاولات متعددة من كتاب ومفكرين عرب ومستشرقين لسلب الأمة من تراثها وهذه حقيقة لا غبار عليها ، ولكنني ما لمسته منك ومن بقية الزملاء حينما نقوم بطرح مثل هذه المواضيع أن العلة والسبب في انحطاط الأمة وتقهقرها يعود إلى هذه الحياكات وتلك المؤامرات وكأن الشغل الشاغل للغرب وبقية الأمم قضيتنا وهمومنا ، ولكن المتأمل للواقع بعين الإنصاف وخصوصا في القرن العشرين ( قرن الإنجازات البشرية ) يجد أننا أسهمنا بقوة في تعميق الخلل وتضخيم الهوة بيننا وبين الحضارة ( نعم نحن ) ويجب علينا أن نعترف ،،، هناك خلل وخلل مركب في بيئتنا يحتاج إلى إعادة في الفك والتركيب ، وإذا كان لنا هناك تراثا عظيما نفاخر أمم الأرض وشعوبها بصولاته وجولاته فإن هذا مدعاة للتحرك وبعنف نحو استعادة هذا المجد المشرف لا أن نغني على وتره ونحن نقبع خجلا في آخر الصف العالمي ، أرجو ألا نكون مختلفين في وجهة النظر وإن اختلفنا فأرجو أن تتقبلي هذا الإختلاف وألا تحرمينا من مرورك الكريم وتفاعلك الأكرم شاكرا ومقدرا

بالعكس أخي الفاضل " عبد الله " أنا لا أختلف معك بتاتا ...
بل أوافقك الرأي ..
لنسأل أنفسنا بصدق و شفافية :
ماذا لدينا عن المستقبل و قد أصبح علما في الغرب ؟
ماذا لدينا عن المشروع الموحد الذي سنقابل به المصارعين ؟
ماذا لدينا عن ذواتنا .. و ماذا نريد ؟
ماذا لدينا عن حضارتنا .. عالمية أم محلية ،، و كيف يحقق دورها ؟
ماذا لدينا عن صراعنا مع الآخرين ،، بالقوة أم بالفكر ؟
ماذا لدينا عن التحالفات : مع الشرق أم مع الغرب ؟
ماذا لدينا عن الدين : وسيلة أم غاية ؟
ماذا لدينا عن الصهيونية و السلم و الاستسلام ؟
ماذا لدينا عن خطط الاستدمار لبلادنا و نهب ثرواتنا و مستقبلنا ؟
ماذا لدينا عن الغاية من القوة العسكرية ، و ميزان القوى ؟
ماذا لدينا عن مستقبلالتعليم و الاختراع و الإبداع ؟
ماذا لدينا عن تطوير الإنسان العربي ؟
ماذا لدينا عن الوحدة العربية و الجامعة الإسلامية ، و مفهوم العولمة ؟
ماذا لدينا عن الصحة و الوقاية و البيئة و السفر إلى الفضاء ؟
ماذا لدينا عن الشكل السياسي للحكم ؟
تلك هي الأسئلة أما الإجابات فهي التي تحدد ما إذا كنا نخطط للنهضة و لدينا الفكر المنظم المؤدي لها تاريخيا ، أم أننا نمثل حركة الدوران حولالذات ، حركة دوران حجر الطاحون دون ماء و لا قمح !!
لقد تحول الجزء الأكبر من بلادنا إلى بلاد محروقة ، و تحول الجزء الأكبر من شعوبنا إلى شعوب حائرة مضطهدة ، و كيف سينظم المضطهدة فكره نحو المستقبل ؟ !!!!!!
و نحن في هذا القرن ، دون سلاح ، دون مشروع موحد ، دون نظرة استراتيجية ، دون فكر استراتيجي ، دون خطط مستقبلية....