|
الخميس 9 سبتمبر 2010م
 |
|
|
[frame=\\\"16 100\\\"]
رِسالَةٌ إِلى حَبيبي
مأمون المغازي
ناقد و أديب مصري
مدير عام ملتقى أروقة الأدب
يا ابن آخر الزمان
إليكَ أكتبُ وقدْ أخبَرني القَلَمُ أنك تُحِبُّني، وَأنَّكَ تُعانِقُني الْعِناقَ الطَّويلَ حينَ تَبُثُّني كُلَّ وَجْدِكَ الذي يُؤرِّقُكَ ، ويَقُضُّ مِضْجَعَكَ حينَ تُضْنيكَ الرِّحْلَةُ وَعِنْدَما يَنْفَضُّ عَنْكَ الأَحْبابُ ،وَأَنْتَ الَّذي لا يُطيقُ الْوَحْدَةَ ، وَلا يَجِدُ ما يسلّيهِ غَيْري؛ لَيْسَ لأَنَّكَ تَعْدَمُ حِيَلَ التَّسَلي ، وَإِنَّما لأَنَّكَ تُحِبُّني حُبًا يَنْتَزِعُكَ مِنْ مُحيطِكَ ... يَقْذِفَكَ في مَداراتي... لتُحلَّقَ في أَفْلاكِيَ بَيْنَ نُجومِيَ وَأَقمارِي ... تَضْرِبُ فُسْطاطَكَ عَلى ضِفافِ الْحَرفِ فَحينًا تَغوصُ في بُحورِ النَّغَمِ، وَحينًا تَحْمِلُكَ الصُّوَرُ عَلى أَجْنِحَةٍ صيغَتْ خَيالاً ، ورُكِّبَتْ نَسَقًا وَسَبْكًا؛ لتَكْتُبَني وتُكْتَبَ بِي .
أتُراكَ يا حامِلَ الْقَلَمِ تَكْتُبُني في الصَّفَحاتِ الْمُلوَّنَةِ لِتَهْرُبَ مِنْ سَوادِ الْواقِعِ الَّذي مَجَّني وَسَلَبَني سَمْتي وَهَيْبَتِي، وَأَنا الَّتي أَمْلُكُ مِنَ الأَثْوابِ أَفْخَمَها وَأَثْمَنَها ؟!
أَتَعْلَم ؟
إنَّ ثوبًا مِنْ أَثْوابِيَ الْقَشيباتِ أَنْفَقَ فِيهِ أَهْلِيَ دُهورًا يَغْزِلونَ خُيوطَهُ؛ فَلَمّا تَمَّتْ عَتَّقوها في قُلوبِهِم؛ فَإِذا بِها نُظِمَتْ مُتونًا في نَسيجٍ عانَقَتْ لِحْماتُهُ السُّدّاتِ بِأقْفالٍ مِنْ الأَلْوانِ وكَريمِ الفَرائِدِ التي لَيْسَ للبِحارِ أَمْثالُها وَلا للنُّجومِ شُبْهَةٌ بِها... حَتى إِذا نُظِمَ الثَّوْبُ بَعْدَ الثَّوْبِ أَلْبَسونِيَ الْواحِدَ مِنْها مِمّا لا يَعْرفُ الْبِلى يَسْتَبدلونَ بِهِ الأَحْكَمَ مِنْهُ عَلى جَسديَ الْوَدودِ الْوَلودِ الذي لَمْ يَعْرفْ الأيْسَ مُنذُ قَضى اللهُ لَهُ الحَياةَ ، حَتى إِذا قَضى اللهُ أَنْ أَكونَ السيدةَ ، لا غَيْري؛ خَلَعْتُ عَني خَشِنَ الأثوابِ ـ وَقَدْ كانَ مِنْ قبلُ حَريرًا ـ وَنَزَعْتُ عَنْ جيدِيَ الْعُقودَ والقَلائِدَ... أَدَّخِرُها، والسَّبائِكَ أَحْفَظُها في صَناديقِيَ الْفاخِرَةِ، فَلا تَأْتيها الْعادِياتُ، ولا تَطالُها يَدُ الْفَقْدِ؛ جَميلةً بَهيَّةً غَضَّةً تَسْكُنُ الشِّغافَ والأَذْهانَ، وَالْقَمَرُ مَهْما تَقادَمَ العهدُ بِهِ يَسْحَرُ الأَلْبابَ ، وَالشَّمْسُ مَهما احْتَرَقَتْ تُضيءُ .
لكِنَّ اللهَ أَلْبَسَني ثَوْبًا لَمْ يَعْرِفْ الخَلْقُ مِثْلَهُ، وَلا حاكوا يَومًا على شاكِلَتِهِ؛ وأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ التي وُعِدْتُمْ لأَسْتَقْبِلَكُم ، لِذا وَهَبْـُكُم مِني حُلْوَ الأَلْسُنِ ، وباقاتِ القَوْلِ والنّورِ، وَيَسَّرْتُ لَكُمُ السُّبُلَ وقَرَّبْتُكُمْ مِنَ الأَحْلامِ تَدْخُلونَها فِي قُصورِيَ العامِرَةِ آيات ٍ تَتَرى عَلى مَنْ حَمَلَنِي كِتابًا ونُورًا مبينًا..
أَلَسْتَ أَنْتَ الْقَائِلُ: دَخَلْتُ مَمْلَكَةَ الْحَرْفِ، وَجُلْتُ في دُروبِها رائِحًا آيِبًا، فَكانَتْ فيها قُصورٌ شامِخاتٌ لا مَثيلَ لَها ؛ إِذْ شُيِّدَتْ عَلى عَيْنٍ أَحْكَمَتْ الْبِناءَ ، وَأَجادَتْ الزُّخْرُفَ بِأَصْلِ الْحَرْفِ ، لا نُتوءَ تَمَجُّهُ الْعَيْنُ ، وَلا مَعْنًى يُغْلِقُ بابَهُ ، وَقَدْ حَوَتْ غُرَفًا، في كُلَّ غُرْفَةٍ اسْتَقَرَّ مَلِكٌ مِنْ مُلوكِ الْبَيانِ ، وَما هُوَ بِالْبَيانِ ، وَمِنْ مُلوكِ الْقَوْلِ فَما هُوَ كَأَيِّ قَوْلٍ ، وِإِنَّما هُوَ الدُّرُّ مَنْظومٌ عَلى أَسْلاكِ الذَّهَبِ الأَصْلِ، وَمِنْهُ النُّطْقُ وَالصَّمْتُ، وَالْحُكْمُ وَالْخَبَرُ وَالنَّبَأُ ، وَقَدْ قَرَأْتُ فيها قَوْلَ اللهِ بِتَمامِهِ ؛ لِتَمْتَدَّ الْقُصورُ بِلا انْتِهاءٍ؛ حَيْثُ لا قُصورَ في الْمَمْلَكَةِ إِلا الْقُرْآنَ ؟
أَكْتُبُ إِلَيْكَ وَدَمْعيَ يَنْهَمِلُ على وَجْناتِ الْكُتُبِ يا ابنَ آخرِ الزَّمانِ، فَقَدْ مَدَّتْ بِيَ الأَشْجانُ أَشْطانَها لأَرْوي حِكايَتي التي تَعْرِفْ ، فَهَلْ سَتَبْقى مِمَّنْ قالوا : نُحِبُّكِ يا سَيِّدَةَ التَّجَدُّدِ والأَصالةِ ؟ نُحِبُّكِ يا مَنْ في شُموخِها البَهاءُ ، يا مَنْ في بَحْرِها الدُّرُّ كامنٌ؟
نعم . أَنا الْبَحْرُ في أَحشائِهِ الدُّرُّ كامِنٌ فَهَلْ سَأَلوا الْغَوّاصَ عَنْ صَدَفاتي ؟!
أَكْتُبُ إِلَيْكَ وَقَدْ تَقادَمَ بي الْعَهْدُ عَلى مَنْ أَرْهَقَهُمُ التِّرْحالُ بَيْنَ الْعُقولِ، وَبَيْنَ الْمَسافاتِ الَّتي لا تَنْقَضي رَحَلاتُها وَكانَتْ طالِعَةً نَحْوَ السَّماءِ، وَالْيَوْمَ تَسيرُ نَحْوَ الْقيعانِ، وَالْمُنْحَدَراتِ لا يَعْرِفُ الْواحِدُ مِنْ عِيالِكُمُ أَصولِيَ، وَلا بَناتِيَ الْباحِثاتِ عَنْ أَقْلامٍ تُزَفُّ إِلَيْها… تَحبَلُ فِكْرًا... تَلِدُ عِباراتٍ تُعَمَّدُ في الأَحاسِيسِ وَالْمَشاعِرِ الصّادِقَةِ… تَلْبَسُ الصّورةَ الْمُحَلَّقَةَ فِي فَضاءاتِ الْجَمالِ يَتَجَمَّلُ بِها الْوِجْدانُ، فَتَبْتَسِمُ لَها الذِّكْرَياتُ حينًا، وَحينًا يُعانِقُها الدَّمْعُ الْمُنْحَبِسُ في الآماقِ التي أَرْهَقَها التَّحَجُّرُ الصامِتُ وَجَعًا وَلا مُسْتَفِزَّ لَهُ غيرُ الْهَواجِسِ وَالظُّنونِ .
آهٍ مِنْ وَجَعِكَ حين تَهْمِسُ في لَيْلِكَ تُعاني قَوْلَكَ ـ تَعَثَّرَتْ كَلِماتي عَلى النَّصْلِ فَانْذَبَحَتْ كَريماتُها ، وَانْزَلَقَ السِّنانُ فَطَعَنَ أَطفالَها ، وَبَإَعْصارٍ دارَ بَيْنَ الصَّفْحَةِ وَعَيْنَيَّ بِسُرْعَةِ دَوَرانٍ فاقَتْ الدُّوارَ في الْمَسافَةِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ ؛ لِيَنْدَلِقَ مُغْرِقًا بَياضَ الصَّفْحَةِ ، وَعَيْنَ الْعُرْوَةِ الَّتي تَرانِيَ مِنْها أَحْضانُها الَّتي تَعْلَقُ بِها نُطْفَةُ قَلَمِيَ لِتَلِدَها الصَّفْحَةُ كائِنًا بَعْضُهُ مِنْ روحِيَ، وَبَعْضُهُ مِنْ جُرْحِيَ ، وَبَعْضُهُ مِنْ فَرَحِيَ، وَبَعْضُهُ مِنْ حَبيبَتي ، وَبَعْضُهُ مِنْ نَجْماتٍ حاوَرَتْ الْقَمَرَ ، وَبَعْضُهُ مِنْ زَلازِلَ هَزَّتْني، وَهَزَّتْ الأَرْضَ- الَّتي أَحْتَويها بِكِيانِيَ بِما عَلَيْها، وَبَعْضُهُ مِنْ أَقْمارٍ كانَتْ عالِيَةً أَبْعَدَ مِمَّا تَرَوْنَ مِنْ أَقْمارَ؛ خَرَّتْ عَلى عَيْنِيَ فَأَرْمَدَتْ الْعَيْنَ الَّتي عَلِقَتْ بِها دَهْرًا.
رَحِمُ صَفْحَتي عُقِدَتْ عُنُقُها، لا تَقْبَلُ ماءَ قَلَمي... رُبَّما يُقَرِّرُ الطَّبيبُ اسْتِئْصالَها لِتَعْقرَ، وَيَكْفيني أَنَّها بَيْنَ يَدَيَّ .
أَبِهذا تَنْتَهي ، وَيَنْتَهون ؟!
لا تَتَعَجَّبْ لابْتِسامَتي فَهِيَ مِنْ عُمْقٍ وَسِعَ كِتابَ اللهِ الذّي وَسِعَ فِعالَكُمْ، وَأَفْعالَكُمْ، وَتَحَمَّلَ قَوْلَكُمْ وَصَمْتَكُمْ وَأَنا أُحِبُّكَ كَحُبِّكَ لِيَ .
يا ابن آخِرِ الزَّمانِ، آنَ الأَوانُ أَنْ تَبْعَثونِيَ، وَإنَّني ما هَلَكْتُ فيكُمْ وَلكِنْ عَنيَ تَتَشاغَلونَ...
أمّا بعدُ
فَهَلْ أَنْتُمْ مُقْبِلون ؟!!
التوقيع
خُلِقْتُ حينَ قَضى اللهُ أَنْ يُعْبَدَ، وَباقِيَةٌ إِلى ما بَعْدَ فَناءِ الْمَعْبَدِ
نشر بتاريخ 22-07-2010 |
|
أضف تقييمك التقييم: 8.74/10 (57 صوت)
|
|
|
 القائمة الرئيسية
 جديد مكتبة الأخبار
 التقويــم
| سبتمبر 2010 | | س | ح | ن | ث | ر | خ | ج | | | | | 1 | 2 | 3 | | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | |
 الصحف العربية والعالمية
|
|
Powered by v2.0.5 Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.mnaabr.com - All rights reserved
|