الجبايش فِي الذاكرة – 1
حيال محمد الأسدي
شاعر عراقي
لقد كان (المشحوف) واسطة النقل المهمة التي لا يمكن لأي عائلة من سكان الجبايش ان تستغني عنها ، وتقوم مقام السيارة في يومنا هذا ، فهو يستخدم للتنقل من مكان الى آخر ولجلب القصب والحشيش من أعماق الهور والصيد.
وأحياناً يصل اعتزازهم وتقديرهم لهذه الواسطة الى حد تسمية أبنائهم بهذا الأسم (مشحوف)!!. وقالوا في أمثالهم (فلان مثل المشحوف لا يسمع ولا يشوف) ، وغنوا (يابو المشحوف تانيني لذاك الصوب وديني) و (مشحوفي طر الهور والفالة بيدي) الخ…
والمشحوف هو زورق يصنع عادة في منطقة (الهوير) – وهي مصغر كلمة هور – التابعة الى ناحية (المدينة) شرق الجبايش ، وتكون المواد الأساسية في صناعته هي الخشب والقار ويكون شكله انسيابياً ، تمتاز مقدمته المسماة (الصدر) بعنق طويل ومقعد للجلوس يسمى (دوسة) وهي قطعة خشبية على شكل شبه منحرف قابلة للرفع يمكن ان يوضع تحتها بعض الحا جات .
اما النهاية الأخرى للزورق فيكون العنق فيها قصيراً ، ويوجد فيها مقعد للجلوس أيضاً يسمى (دوسة) . وتمتاز هذه النهاية بوجود هيكل خشبي مثلث الشكل تقريباً مغطى بالقار يسمى (الركمة) تستعمل أحياناً للجلوس أثناء قيادة الزورق عندما يكون محملاً.
في منتصف الزورق يوجد (الجست) وهو ذراع خشبي يمتد عرضياً وسط المشحوف يستعمل لجلوس الركاب الآخرين.
ان الهيكل الخشبي للمشحوف عبارة عن قطع خشبية محنية تمتد من جانبي المشحوف الى قاعه وتشبه الأضلاع تسمى (العوج) ، وهناك فراغ بين ضلع وآخر (بين عوجة وأخرى) في قاع المشحوف يسمى (جابش) ، وأحياناً تمتلأ هذه (الجوابيش) بالماء نتيجة لعدم توازن الزورق أو زيادة الحمولة ، مما يستدعي تجفيف هذا الماء بأستخدام قطعة قماش لأمتصاصه وتسمى هذه العملية (توشيل) ، وتسمى قطعة القماش هذه (وشّالة).
أما جانبا المشحوف فيسمى كل منهما (جفة).
ان عملية تسيير المشحوف تتم بطريقتين:
(1) أما باستعمال (الغرّافة) وهي قطعة خشبية مثلثة الشكل تقريباً مثبتة على عمود خشبي تستخدم للتجذيف ودفع المشحوف عندما يكون النهر عميقاً.
(2) أو باستعمال (المردي) وهو عمود من القصب أو الخشب الخاص يستخدم لدفع المشحوف اذا كان عمق النهر قليلاً ، وتوجد عادة في النهاية العليا للمردي قطعة من القار كروية الشكل لتكون عملية مسك المردي اثناء الدفع محكمة ، واذا كان المردي قصيراً سمي (جذوة).
ويحدث أحياناً تشقق في القار الخارجي للمشحوف تكون نتيجته نضوح ماء داخله ، فيقال ان في المشحوف (عيب) أو انه (معيوب) ولا بد من اصلاحه ، فيتم سحب المشحوف الى الأرض وقلبه على أحد جوانبه للبحث عن التشقق في القار الذي أدى الى النضوح ، ثم يتم تهيئة مشعل من النار ويتم كي المنطقة المتشققة حتى تلتئم ، وتسمى هذه العملية (جوي).
ومع تقادم المشحوف وكثرة (عيوبه) يصبح لزاماً اعادة اكساء هيكله بالقار ، ويقوم بهذه العملية شخص متخصص يسمى (المكَيِّر) حيث يقوم بأزالة القار القديم نهائياً واجراء التصليحات اللازمة في الهيكل الخشبي ، ثم تجرى عملية الأكساء بالقار الجديد فيصبح الزورق جديداً ويتم انزاله الى الماء.
وتمتلك عادة كل عائلة من السكان زورقين ، يستعمل أحدهما للتنقل وقضاء الحاجات بينما يستعمل الآخر لجلب القصب والعلف للحيوانات (الحشيش) من أعماق الهور والصيد.
الجبايش فِي الذاكرة – 2
كان معظم سكان الجبايش يعيش على ما يدرُّه الهور من الخيرات الكثيرة مثل القصب والبردي والحشيش وصيد الأسماك والطيور ، فكانت العائلة تتخصص بحرفة معينة تعتمد أساساً للعيش أضافة الى حرفة أخرى مساعدة أخرى ، فمثلاً تتخذ صناعة (البواري) - وهي الحصران التي تحاك من القصب – أساساً للعيش ويمارس رب الأسرة في أوقات متباعدة حرفة صيد الأسماك أو الطيور.
وسنتحدث في هذه الحلقة عن حرفة صناعة (البواري) التي تمتاز الجبايش يتصديرها الى كافة انحاء العراق وأحياناً الى خارجه.
تبدأ هذه الصناعة بجلب القصب من أعماق الهور حيث يكون الرجل عادة هو المسؤول عن هذه المهمة وأحياناً تكون المرأة هي المسؤولة اذا فقدت زوجها لأي سبب كالوفاة مثلاً.
ورحلة جلب القصب من الهور لها طقوس خاصة ، حيث يكون موعد الأنطلاق الى الهور فجراً (سروة) لغرض تجنب حرارة الشمس صيفاً قدر الأمكان وضمان العودة المبكرة ، فيركب الرجل المشحوف وأحيانا يسمى (بركش) حسب حجمه ، وتحرص الزوجة على اعداد (المتاع) وهو وجبة غذائية عادة ماتتكون من التمر واللبن الرائب والخبز ، ويسلك الطريق النهري المؤدي الى أعماق الهور ، وعادة يكون (الهوّار) – وهو الشخص الذي يذهب الى الهور- على دراية كاملة بالمواقع الغنية بالأنواع الجيدة من القصب في أعماق الهور، ويسير (الهوّار) الزورق باستعمال (الغرافة) في الممرات المائية العميقة ، أما في الممرات الاقل عمقاً فيستعمل (المردي) وخاصة في طريق العودة عندما يكون المشحوف محملاً بباقات القصب.
وعادة ما يكون (الهوّار) ضمن مجموعة من الناس الذاهبين الى نفس الغرض ، وحين يتم أختيار المنطقة المناسبة الغنية بالقصب الجيد وبكثافة عالية تبدأ عملية قطع القصب وتسمى (الجَرْد) باستعمال (المنجل) الذي يحرص (الهوّار) ان يكون حاداً حيث يأخذه من فترة الى أخرى الى الحداد في مركز القضاء - وهذا الحداد عادة ما يكون من الأخوة الصابئة ومتخصص بانتاج الأدوات المعدنية- لغرض شحذه ليكون حاداً.
وعملية قطع القصب أما ان تتم و(الهوّار) على ظهر زورقه أو يتركه وينزل الى الماء الذي يكون عمقه مناسبا أحيانا للخوض فيه ، ويتم جمع القصب على شكل باقات ذات احجام تختلف من هوّار الى آخر ، ثم يتم قطع النهايات العليا للقصب وبعد الانتهاء من هذه العملية يودع الهوّار ما جهز لديه من الباقات على مايشبه المصاطب القصبية القريبة من منطقة العمل تسمى (كسرات) لحين اكمال العمل نهائياً.
وعند اكمال تهيأة العدد اللازم من باقات القصب استنادا الى سعة الزورق ، يقوم الهوّار بجمعها من (الكسرات) وتحميلها في الزورق ، ويكون ترتيبها هندسيا لغرض موازنة الزورق لتلافي انقلابه وغرقه ، حيث يضع باقتين من القصب على امتداد جانبي المشحوف تسمى الأجنحة لغرض التوازن ثم توضع الباقات الاخرى بينها بصورة منتظمة.
ويتناول الهوّار طعام (المتاع) في منتصف العمل تقريباً.
واثناء العمل يطلق الهوّار العنان لمشاعره ، حيث يردد الغناء بأطوار شجية غاية في الحزن يردد صداها فضاء الهور المتسع.
وعند الانتهاء من ترتيب الباقات في المشحوف مع الاخذ بنظر الاعتبار الطاقة الاستيعابية للزورق لتفادي الانقلاب ، يقفل الهوّار راجعا الى بيته يسيّر المشحوف بـ(الغرّافة) بعد ان يدخل في المجرى الرئيسي ويكون جالساً على (الركمة) لأن حمولة القصب قد سدَّت كل جوف الزورق ، وتكون نهاية المشحوف الخلفية غاطسة في الماء اكثر من نهايته الأمامية بسبب الحمولة.
وتستغرق عملية جمع القصب من البداية الى النهاية حوالي (6-8) ساعات اعتمادا على طاقة الهوّار.
ويكون القصب المتوفر في الهور حسب الموسم ، فأما ان يكون من النوع الأخضر الطري ويسمى (عكة) أو من النوع الجاف ويسمى (يابس).
وعند وصول الهوّار الى بيته يقابل بالترحيب من قبل عائلته وخاصة الزوجة ، والتحية المعتادة هنا هي (الله يساعدك) أو (الكوة) ، وتبدأ عملية تفريغ المشحوف من باقات القصب ثم يقوم احد الأولاد أو البنات بتنظيف الزورق من مخلفات القصب والأوراق اليابسة وأحيانا تجفيف الماء ان وجد في قاعه وتسمى هذه العملية (توشيل).
وتبدأ الزوجة والأولاد والبنات بالتهيأة لصناعة البواري وتسمى العملية الأولى التقشير حيث يتم تقشير القصب من الأغلفة المحيطة به ، أما العملية الثانية فيقوم بها الرجل - بعد ان تناول الطعام وأخذ قسطاً من الراحة – وهي عملية (التفشيك) حيث يتم شق كل قصبة باستخدام آلة حادة صغيرة تسمى (المشكة) – أي آلة الشق – ثم تبدأ المرحلة الثالثة وهي عملية دق القصب باستخدام (المدقة) وهي خشبة ثقيلة مكعبة الشكل في وسطها حفرة يُحصر فيها عمود خشبي يسمى (اليدة) ، وتقوم النساء عادة بعملية (الدك) حيث ترفع (المدكة) من عمودها الى ارتفاع مناسب ويضرب بها القصب بعد ان يتم رشه بالماء ، وتستمر عملية الدق الى ان يكتسب القصب المرونة المطلوبة ويسمى بعدها (ليط) حيث يكون قابلاً للثني ، وتتم عملية الدق على أرض مستوية تسمى (المِدَك).
وبعد ان يكون (الليط) جاهزا لعملية (الصنعة) والتي يشترك فيها كل أفراد العائلة ، ويقوم الرجل أو المرأة بعمل (البدوة) وهي أولى خطوات حياكة القصب لعمل (البارية) وهي الحصير المصنوع من القصب ، وبعد اتمام (البدوة) يتعاون الجميع في حياكة وصناعة (البارية) والتي تكون مستطيلة الشكل وبأبعاد مختلفة حسب طلب التاجر الذي يتعاملون معه.
ثم تأتي عملية لف هذه (البواري) لتكون على شكل اسطوانة أو (بوري) جاهزة للتسليم للتاجر ، وعملية اللف تبدأ بعد انجاز مجموعة من البواري ، وتتم بقلب (البارية) أولاً ليكون باطنها الى الاعلى ، ثم يقوم الرجل تساعده المرأة كل من جانب بطي حافة (البارية) ثم تبدأ عملية اللف لتكون (البارية) على شكل اسطوانة ويتم ربط نهايتيها بـ(ليطة) وهي قصبة تم دقها وتحويلها لتكون جاهزة للبدء بعملية الصنع أساساً.
وعند اكتمال عملية اللف تنقل البواري ليتم عمل كدس منها قريباً من (الشِريعَة) وهي المرفأ الذي تتواجد فيه الزوارق الخاصة بالعائلة ، بانتظار قدوم التاجر ليشتري هذه البواري مقابل مبالغ تكون أساسا لمعيشة العائلة.
حيال محمد الأسدي